Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 1–10 of 123

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ

Alif, Lam, Ra. [This is] a Book whose verses are perfected and then presented in detail from [one who is] Wise and Acquainted.

صفحة ١٤٢

[ سُورَةُ هُودٍ ]

مَكِّيَّةٌ، إلّا الآياتِ: ١٢ و١٧ و١١٤ فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها ١٢٣، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ يُونُسَ

﷽

﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾

﷽

﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الر﴾ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ. وقَوْلُهُ ﴿كِتابٌ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ صِفَةٌ لِلْكِتابِ.

قالَ الزَّجّاجُ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ﴿الر﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ خَبَرٌ؛ لِأنَّ ﴿الر﴾ لَيْسَ هو المَوْصُوفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وحْدَهُ. وهَذا الِاعْتِراضُ فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِ الشَّيْءِ مُبْتَدَأً أنْ يَكُونَ خَبَرُهُ مَحْصُورًا فِيهِ، ولا أدْرِي كَيْفَ وقَعَ لِلزَّجّاجِ هَذا السُّؤالُ، ثُمَّ إنَّ الزَّجّاجَ اخْتارَ قَوْلًا آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الر هَذا كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ، وعِنْدِي أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَقَعُ قَوْلُهُ: ﴿الر﴾ كَلامًا باطِلًا لا فائِدَةَ فِيهِ.

والثّانِي: أنَّكَ إذا قُلْتَ: هَذا كِتابٌ، فَقَوْلُهُ: ”هَذا“ يَكُونُ إشارَةً إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وذَلِكَ هو قَوْلُهُ: ﴿الر﴾ فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ ﴿الر﴾ مُخْبَرًا عَنْهُ بِأنَّهُ كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ، فَيَلْزَمُهُ عَلى هَذا القَوْلِ ما لَمْ يَرْضَ بِهِ في القَوْلِ الأوَّلِ، فَثَبَتَ أنَّ الصَّوابَ ما ذَكَرْناهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ نُظِمَتْ نَظْمًا رَصِيفًا مُحْكَمًا لا يَقَعُ فِيهِ نَقْصٌ ولا خَلَلٌ، كالبِناءِ المُحْكَمِ المُرَصَّفِ.

الثّانِي: أنَّ الإحْكامَ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الفَسادِ مِنَ الشَّيْءِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ أيْ لَمْ تُنْسَخْ بِكِتابٍ كَما نُسِخَتِ الكُتُبُ والشَّرائِعُ بِها.

واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ كُلُّ الكِتابِ مُحْكَمًا؛ لِأنَّهُ حَصَلَ فِيهِ آياتٌ مَنسُوخَةٌ، إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ الغالِبُ كَذَلِكَ صَحَّ إطْلاقُ هَذا الوَصْفِ عَلَيْهِ إجْراءً لِلْحُكْمِ الثّابِتِ في الغالِبِ مُجْرى الحُكْمِ الثّابِتِ في

صفحة ١٤٣

الكُلِّ.

الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَقْلًا بِالهَمْزَةِ مِن حَكُمَ بِضَمِّ الكافِ إذا صارَ حَكِيمًا، أيْ جُعِلَتْ حَكِيمَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يُونُسَ: ١] .

الرّابِعُ: جُعِلَتْ آياتُهُ مُحْكَمَةً في أُمُورٍ:

أحَدُها: أنَّ مَعانِيَ هَذا الكِتابِ هي التَّوْحِيدُ، والعَدْلُ، والنُّبُوَّةُ، والمَعادُ، وهَذِهِ المَعانِي لا تَقْبَلُ النَّسْخَ، فَهي في غايَةِ الإحْكامِ.

وثانِيها: أنَّ الآياتِ الوارِدَةَ فِيهِ غَيْرُ مُتَناقِضَةٍ، والتَّناقُضُ ضِدُّ الإحْكامِ، فَإذا خَلَتْ آياتُهُ عَنِ التَّناقُضِ فَقَدْ حَصَلَ الإحْكامُ.

وثالِثُها: أنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الآياتِ بَلَغَتْ في الفَصاحَةِ والجَزالَةِ إلى حَيْثُ لا تَقْبَلُ المُعارَضَةَ، وهَذا أيْضًا مُشْعِرٌ بِالقُوَّةِ والإحْكامِ.

ورابِعُها: أنَّ العُلُومَ الدِّينِيَّةَ إمّا نَظَرِيَّةٌ وإمّا عَمَلِيَّةٌ، أمّا النَّظَرِيَّةُ فَهي مَعْرِفَةُ الإلَهِ تَعالى، ومَعْرِفَةُ المَلائِكَةِ والكُتُبِ والرُّسُلِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهَذا الكِتابُ مُشْتَمِلٌ عَلى شَرائِفِ هَذِهِ العُلُومِ ولَطائِفِها، وأمّا العَمَلِيَّةُ فَهي إمّا أنْ تَكُونَ عِبارَةً عَنْ تَهْذِيبِ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ، وهو الفِقْهُ، أوْ عَنْ …

2

أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۚ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ

[Through a messenger, saying], "Do not worship except Allah. Indeed, I am to you from Him a warner and a bringer of good tidings,"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، والتَّقْدِيرُ: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ لِأجْلِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وأقُولُ: هَذا التَّأْوِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مَقْصُودَ مِن هَذا الكِتابِ الشَّرِيفِ إلّا هَذا الحَرْفُ الواحِدُ، فَكُلُّ مَن صَرَفَ عُمُرَهُ إلى سائِرِ المَطالِبِ، فَقَدْ خابَ وخَسِرَ.

الثّانِي: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ في تَفْصِيلِ الآياتِ مَعْنى القَوْلِ، والحَمْلُ عَلى هَذا أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أيْ لا تَعْبُدُوا؛ لِيَكُونَ الأمْرُ مَعْطُوفًا عَلى النَّهْيِ، فَإنَّ كَوْنَهُ بِمَعْنى لِئَلّا تَعْبُدُوا يَمْنَعُ عَطْفَ الأمْرِ عَلَيْهِ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ لِيَأْمُرَ النّاسَ أنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ويَقُولَ لَهم: إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّكْلِيفِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإذا قُلْنا: الِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، كانَ مَعْنى هَذا الكَلامِ النَّهْيَ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والأمْرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو الحَقُّ؛ لِأنّا بَيِّنّا أنَّ ما سِوى اللَّهِ فَهو مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، وإنَّما حَصَلَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ وإيجادِهِ، والعِبادَةُ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ الخُضُوعِ والخُشُوعِ ونِهايَةِ التَّواضُعِ والتَّذَلُّلِ، وهَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالخالِقِ المُدَبِّرِ الرَّحِيمِ المُحْسِنِ، فَثَبَتَ أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ مُنْكَرَةٌ، والإعْراضَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُنْكَرٌ.

صفحة ١٤٥

واعْلَمْ أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ مَشْرُوطَةٌ بِتَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ العِبادَةِ؛ لِأنَّ مَن لا يَعْرِفُ مَعْبُودَهُ لا يَنْتَفِعُ بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ أمْرًا بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ أوَّلًا. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِالعِبادَةِ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (مِنهُ) عائِدٌ إلى الحَكِيمِ الخَبِيرِ، والمَعْنى: إنَّنِي لَكم نَذِيرٌ وبَشِيرٌ مِن جِهَتِهِ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى المَنعِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وعَلى التَّرْغِيبِ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَذِيرٌ عَلى الأوَّلِ …

3

وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ كَبِيرٍ

And [saying], "Seek forgiveness of your Lord and repent to Him, [and] He will let you enjoy a good provision for a specified term and give every doer of favor his favor. But if you turn away, then indeed, I fear for you the punishment of a great Day.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، والتَّقْدِيرُ: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ لِأجْلِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وأقُولُ: هَذا التَّأْوِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مَقْصُودَ مِن هَذا الكِتابِ الشَّرِيفِ إلّا هَذا الحَرْفُ الواحِدُ، فَكُلُّ مَن صَرَفَ عُمُرَهُ إلى سائِرِ المَطالِبِ، فَقَدْ خابَ وخَسِرَ.

الثّانِي: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ في تَفْصِيلِ الآياتِ مَعْنى القَوْلِ، والحَمْلُ عَلى هَذا أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أيْ لا تَعْبُدُوا؛ لِيَكُونَ الأمْرُ مَعْطُوفًا عَلى النَّهْيِ، فَإنَّ كَوْنَهُ بِمَعْنى لِئَلّا تَعْبُدُوا يَمْنَعُ عَطْفَ الأمْرِ عَلَيْهِ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ لِيَأْمُرَ النّاسَ أنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ويَقُولَ لَهم: إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّكْلِيفِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإذا قُلْنا: الِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، كانَ مَعْنى هَذا الكَلامِ النَّهْيَ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والأمْرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو الحَقُّ؛ لِأنّا بَيِّنّا أنَّ ما سِوى اللَّهِ فَهو مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، وإنَّما حَصَلَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ وإيجادِهِ، والعِبادَةُ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ الخُضُوعِ والخُشُوعِ ونِهايَةِ التَّواضُعِ والتَّذَلُّلِ، وهَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالخالِقِ المُدَبِّرِ الرَّحِيمِ المُحْسِنِ، فَثَبَتَ أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ مُنْكَرَةٌ، والإعْراضَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُنْكَرٌ.

صفحة ١٤٥

واعْلَمْ أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ مَشْرُوطَةٌ بِتَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ العِبادَةِ؛ لِأنَّ مَن لا يَعْرِفُ مَعْبُودَهُ لا يَنْتَفِعُ بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ أمْرًا بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ أوَّلًا. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِالعِبادَةِ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (مِنهُ) عائِدٌ إلى الحَكِيمِ الخَبِيرِ، والمَعْنى: إنَّنِي لَكم نَذِيرٌ وبَشِيرٌ مِن جِهَتِهِ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى المَنعِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وعَلى التَّرْغِيبِ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَذِيرٌ عَلى الأوَّلِ …

4

إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

To Allah is your return, and He is over all things competent."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، والتَّقْدِيرُ: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ لِأجْلِ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وأقُولُ: هَذا التَّأْوِيلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مَقْصُودَ مِن هَذا الكِتابِ الشَّرِيفِ إلّا هَذا الحَرْفُ الواحِدُ، فَكُلُّ مَن صَرَفَ عُمُرَهُ إلى سائِرِ المَطالِبِ، فَقَدْ خابَ وخَسِرَ.

الثّانِي: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ مُفَسِّرَةً؛ لِأنَّ في تَفْصِيلِ الآياتِ مَعْنى القَوْلِ، والحَمْلُ عَلى هَذا أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا﴾ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أيْ لا تَعْبُدُوا؛ لِيَكُونَ الأمْرُ مَعْطُوفًا عَلى النَّهْيِ، فَإنَّ كَوْنَهُ بِمَعْنى لِئَلّا تَعْبُدُوا يَمْنَعُ عَطْفَ الأمْرِ عَلَيْهِ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ لِيَأْمُرَ النّاسَ أنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ويَقُولَ لَهم: إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّكْلِيفِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِأنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإذا قُلْنا: الِاسْتِثْناءُ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، كانَ مَعْنى هَذا الكَلامِ النَّهْيَ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والأمْرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو الحَقُّ؛ لِأنّا بَيِّنّا أنَّ ما سِوى اللَّهِ فَهو مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ مَرْبُوبٌ، وإنَّما حَصَلَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ وإيجادِهِ، والعِبادَةُ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ الخُضُوعِ والخُشُوعِ ونِهايَةِ التَّواضُعِ والتَّذَلُّلِ، وهَذا لا يَلِيقُ إلّا بِالخالِقِ المُدَبِّرِ الرَّحِيمِ المُحْسِنِ، فَثَبَتَ أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ مُنْكَرَةٌ، والإعْراضَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مُنْكَرٌ.

صفحة ١٤٥

واعْلَمْ أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ مَشْرُوطَةٌ بِتَحْصِيلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ العِبادَةِ؛ لِأنَّ مَن لا يَعْرِفُ مَعْبُودَهُ لا يَنْتَفِعُ بِعِبادَتِهِ، فَكانَ الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ أمْرًا بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ أوَّلًا. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِالعِبادَةِ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى تَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (مِنهُ) عائِدٌ إلى الحَكِيمِ الخَبِيرِ، والمَعْنى: إنَّنِي لَكم نَذِيرٌ وبَشِيرٌ مِن جِهَتِهِ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ مُشْتَمِلٌ عَلى المَنعِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وعَلى التَّرْغِيبِ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَذِيرٌ عَلى الأوَّلِ …

5

أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Unquestionably, they the disbelievers turn away their breasts to hide themselves from Him. Unquestionably, [even] when they cover themselves in their clothing, Allah knows what they conceal and what they declare. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ يَعْنِي عَنْ عِبادَتِهِ وطاعَتِهِ ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ التَّوَلِّيَ عَنْ ذَلِكَ باطِنًا كالتَّوَلِّي عَنْهُ ظاهِرًا، فَقالَ: ﴿ألا إنَّهُمْ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ مِن قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَؤُلاءِ الكُفّارِ شَيْئَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم، يُقالُ: ثَنَيْتُ الشَّيْءَ إذا عَطَفْتَهُ وطَوَيْتَهُ، وفي الآيَةِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: رُوِيَ أنَّ طائِفَةً مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: إذا أغْلَقْنا أبْوابَنا وأرْسَلْنا سُتُورَنا، واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا وثَنَيْنا صُدُورَنا عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، فَكَيْفَ يَعْلَمُ بِنا ؟ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ كِنايَةً عَنِ النِّفاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُضْمِرُونَ خِلافَ ما يُظْهِرُونَ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ عَلى أنَّهم يَسْتَخْفُونَ مِنهُ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم.

الوَجْهُ الثّانِي: رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الكُفّارِ كانَ إذا مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ثَنى صَدْرَهُ ووَلّى ظَهْرَهُ واسْتَغْشى ثِيابَهُ، والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم يَنْصَرِفُونَ عَنْهُ لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم؛ لِئَلّا يَسْمَعُوا كَلامَ رَسُولِ اللَّهِ وما يَتْلُو مِنَ القُرْآنِ، ولِيَقُولُوا في أنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ مِنَ الطَّعْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا﴾ لِلتَّنْبِيهِ، فَنَبَّهَ أوَّلًا عَلى أنَّهم يَنْصَرِفُونَ عَنْهُ لِيَسْتَخْفُوا، ثُمَّ كَرَّرَ كَلِمَةَ ﴿ألا﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ذِكْرِ الِاسْتِخْفاءِ لِيُنَبِّهَ عَلى وقْتِ اسْتَخْفائِهِمْ، وهو حِينُ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ألا إنَّهم يَنْصَرِفُونَ عَنْهُ لِيَسْتَخْفُوا مِنَ اللَّهِ، ألا إنَّهم يَسْتَخْفُونَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ لا فائِدَةَ لَهم في اسْتِخْفائِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ .

6

۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّۭ فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ

And there is no creature on earth but that upon Allah is its provision, and He knows its place of dwelling and place of storage. All is in a clear register.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَثَبَتَ أنَّ رِزْقَ كُلِّ حَيَوانٍ إنَّما يَصِلُ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لَما حَصَلَتْ هَذِهِ المُهِمّاتُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: الدّابَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الدَّبِيبِ، وبُنِيَتْ هَذِهِ

صفحة ١٤٩

اللَّفْظَةُ عَلى هاءِ التَّأْنِيثِ، وأُطْلِقَ عَلى كُلِّ حَيَوانٍ ذِي رُوحٍ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، إلّا أنَّهُ بِحَسَبِ عُرْفِ العَرَبِ اخْتُصَّ بِالفَرَسِ، والمُرادُ بِهَذا اللَّفْظِ في هَذِهِ الآيَةِ المَوْضُوعُ الأصْلِيُّ اللُّغَوِيُّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الحَيَواناتِ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُفَسِّرِينَ، ولا شَكَّ أنَّ أقْسامَ الحَيَواناتِ وأنْواعَها كَثِيرَةٌ، وهي الأجْناسُ الَّتِي تَكُونُ في البَرِّ والبَحْرِ والجِبالِ، واللَّهُ يُحْصِيها دُونَ غَيْرِهِ، وهو تَعالى عالِمٌ بِكَيْفِيَّةِ طَبائِعِها وأعْضائِها وأحْوالِها وأغْذِيَتِها وسُمُومِها ومَساكِنِها، وما يُوافِقُها وما يُخالِفُها، فالإلَهُ المُدَبِّرُ لِأطْباقِ السَّماواتِ والأرَضِينَ، وطَبائِعِ الحَيَوانِ والنَّباتِ، كَيْفَ لا يَكُونُ عالِمًا بِأحْوالِها ؟ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ إلَيْهِ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِأحْوالِ أهْلِهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ عَلى صَخْرَةٍ فانْشَقَّتْ وخَرَجَتْ صَخْرَةٌ ثانِيَةٌ، ثُمَّ ضَرَبَ بِعَصاهُ عَلَيْها فانْشَقَّتْ وخَرَجَتْ صَخْرَةٌ ثالِثَةٌ، ثُمَّ ضَرَبَها بِعَصاهُ فانْشَقَّتْ فَخَرَجَتْ مِنها دُودَةٌ كالذَّرَّةِ وفي فَمِها شَيْءٌ يَجْرِي مَجْرى الغِذاءِ لَها، ورُفِعَ الحِجابُ عَنْ سَمْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَسَمِعَ الدُّودَةَ تَقُولُ: سُبْحانَ مَن يَرانِي، ويَسْمَعُ كَلامِي، ويَعْرِفُ مَكانِي، ويَذْكُرُنِي ولا يَنْسانِي.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَعَلَّقَ بَعْضُهم بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى بَعْضُ الأشْياءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ: إنَّ كَلِمَةَ ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إيصالَ الرِّزْقِ إلى الدّابَّةِ واجِبٌ عَلى اللَّهِ.

وجَوابُهُ: أنَّهُ واجِبٌ بِحَسَبِ الوَعْدِ والفَضْلِ والإحْسانِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَعَلَّقَ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ حَرامًا، قالُوا: لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ إيصالَ الرِّزْقِ إلى كُلِّ حَيَوانٍ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِحَسَبِ الوَعْدِ وبِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ، واللَّهُ تَعالى لا يُحِلُّ بِالواجِبِ، ثُمَّ قَدْ نَرى إنْسانًا لا يَأْكُلُ مِنَ الحَلالِ طُولَ عُمُرِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الحَرامُ رِزْقًا لَكانَ اللَّهُ تَعالى ما أوْصَلَ رِزْقَهُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ تَعالى قَدْ أخَلَّ بِالواجِبِ، وذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ الحَرامَ قَدْ يَكُونُ رِزْقًا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها﴾ فالمُسْتَقَرُّ هو مَكانُهُ مِنَ الأرْضِ، والمُسْتَوْدَعُ حَيْثُ كانَ مُودَعًا قَبْلَ الِاسْتِقْرارِ في صُلْبٍ أوْ رَحِمٍ أوْ بَيْضَةٍ، وقالَ الفَرّاءُ: مُسْتَقَرُّها: حَيْثُ تَأْوِي إلَيْهِ لَيْلًا أوْ نَهارًا، ومُسْتَوْدَعُها: مَوْضِعُها الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ، وقَدْ مَضى اسْتِقْصاءُ تَفْسِيرِ المُسْتَقَرِّ والمُسْتَوْدَعِ …

7

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And it is He who created the heavens and the earth in six days - and His Throne had been upon water - that He might test you as to which of you is best in deed. But if you say, "Indeed, you are resurrected after death," those who disbelieve will surely say, "This is not but obvious magic."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ بِالدَّلِيلِ المُتَقَدِّمِ كَوْنَهُ عالِمًا بِالمَعْلُوماتِ، أثْبَتَ بِهَذا الدَّلِيلِ كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المَقْدُوراتِ، وفي الحَقِيقَةِ فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ يَدُلُّ عَلى كَمالِ عِلْمِ اللَّهِ وعَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ.

صفحة ١٥٠

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ قَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ يُونُسَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ. بَقِيَ هَهُنا أنْ نَذْكُرَ ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ قالَ كَعْبٌ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى ياقُوتَةً خَضْراءَ، ثُمَّ نَظَرَ إلَيْها بِالهَيْبَةِ فَصارَتْ ماءً يَرْتَعِدُ، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الماءَ عَلى مَتْنِها، ثُمَّ وضَعَ العَرْشَ عَلى الماءِ، قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ كَقَوْلِهِمْ: السَّماءُ عَلى الأرْضِ. ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ كَوْنِ أحَدِهِما مُلْتَصِقًا بِالآخَرِ، وكَيْفَ كانَتِ الواقِعَةُ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَرْشَ والماءَ كانا قَبْلَ السَّماواتِ والأرْضِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُودِ المَلائِكَةِ قَبْلَ خَلْقِهِما؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ ذَلِكَ ولا أحَدَ يَنْتَفِعُ بِالعَرْشِ والماءِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَهُما فَإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ خَلَقَهُما لِمَنفَعَةٍ أوْ لا لِمَنفَعَةٍ. والثّانِي عَبَثٌ، فَبَقِيَ الأوَّلُ، وهو أنَّهُ خَلَقَهُما لِمَنفَعَةٍ، وتِلْكَ المَنفَعَةُ إمّا أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى اللَّهِ، وهو مُحالٌ؛ لِكَوْنِهِ مُتَعالِيًا عَنِ النَّفْعِ والضَّرَرِ، أوْ إلى الغَيْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الغَيْرُ حَيًّا؛ لِأنَّ غَيْرَ الحَيِّ لا يَنْتَفِعُ. وكُلُّ مَن قالَ بِذَلِكَ قالَ: ذَلِكَ الحَيُّ كانَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، وأمّا أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ فَقالَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ أيْ: بِناؤُهُ السَّماواتِ كانَ عَلى الماءِ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ ذَلِكَ في سُورَةِ يُونُسَ، وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى إذا بَنى السَّماواتِ عَلى الماءِ كانَتْ أبْدَعَ وأعْجَبَ؛ فَإنَّ البِناءَ الضَّعِيفَ إذا لَمْ يُؤَسَّسْ عَلى أرْضٍ صُلْبَةٍ لَمْ يَثْبُتْ، فَكَيْفَ بِهَذا الأمْرِ العَظِيمِ إذا بُسِطَ عَلى الماءِ ؟ وهَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ أنَّ عَرْشَهُ كانَ عَلى الماءِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ؟

والجَوابُ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ العَرْشَ مَعَ كَوْنِهِ أعْظَمَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ كانَ عَلى الماءِ، فَلَوْلا أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إمْساكِ الثَّقِيلِ بِغَيْرِ عَمَدٍ لَما صَحَّ ذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أمْسَكَ الماءَ لا عَلى قَرارٍ وإلّا لَزِمَ أنْ يَكُونَ أقْسامُ العالَمِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ.

والثّالِثُ: أنَّ العَرْشَ الَّذِي هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ قَدْ أمْسَكَهُ اللَّهُ تَعالى فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ مِن غَيْرِ دِعامَةٍ تَحْتَهُ ولا عَلاقَةٍ فَوْقَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى ما ذَكَرْنا.

السُّؤالُ الثّانِي: هَلْ يَصِحُّ ما يُرْوى أنَّهُ «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْنَ كانَ رَبُّنا قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ؟ فَقالَ: كانَ في عَماءٍ …

8

وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍۢ مَّعْدُودَةٍۢ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And if We hold back from them the punishment for a limited time, they will surely say, "What detains it?" Unquestionably, on the Day it comes to them, it will not be averted from them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم يُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ ﷺ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، فَحَكى عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعًا آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ، وهو أنَّهُ مَتى تَأخَّرَ عَنْهُمُ العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِهِ أخَذُوا في الِاسْتِهْزاءِ ويَقُولُونَ: ما السَّبَبُ الَّذِي حَبَسَهُ عَنّا ؟

فَأجابَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ إذا جاءَ الوَقْتُ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لِنُزُولِ ذَلِكَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ لَمْ يَنْصَرِفْ ذَلِكَ العَذابُ عَنْهم، وأحاطَ بِهِمْ ذَلِكَ العَذابُ.

بَقِيَ هَهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: المُرادُ مِن هَذا العَذابِ هو عَذابُ الدُّنْيا أوْ عَذابُ الآخِرَةِ ؟

الجَوابُ: لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: مَعْنى حُكْمِ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا مِنهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وأخَّرَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلَمّا أخَّرَ اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ قالُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ: ما الَّذِي حَبَسَهُ عَنّا ؟

والثّانِي: أنَّ المُرادَ الأمْرُ بِالجِهادِ وما نَزَلَ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وعَلى هَذا الوَجْهِ تَأوَّلُوا

صفحة ١٥٢

قَوْلَهُ: ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ نَزَلَ بِهِمْ هَذا العَذابُ يَوْمَ بَدْرٍ.

السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ .

الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في الأُمَّةِ هُمُ النّاسُ والفِرْقَةُ، فَإذا قُلْتَ: جاءَنِي أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ، فالمُرادُ طائِفَةٌ مُجْتَمِعَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القَصَصِ: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يُوسُفَ: ٤٥] أيْ بَعْدَ انْقِضاءِ أُمَّةٍ وفَنائِها، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أيْ: إلى حِينِ تَنْقَضِي أُمَّةٌ مِنَ النّاسِ انْقَرَضَتْ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ بِالقَوْلِ، لَقالُوا: ماذا يَحْبِسُهُ عَنّا وقَدِ انْقَرَضَ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ كانُوا مُتَوَعَّدِينَ بِهَذا الوَعِيدِ ؟ وتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ ما يَحْصُلُ فِيهِ كَقَوْلِكَ: كُنْتُ عِنْدَ فُلانٍ صَلاةَ العَصْرِ، أيْ في ذَلِكَ الحِينِ.

الثّانِي: أنَّ اشْتِقاقَ الأُمَّةِ مِنَ الأمِّ، وهو القَصْدُ، كَأنَّهُ يَعْنِي الوَقْتَ المَقْصُودَ بِإيقاعِ هَذا المَوْعُودِ فِيهِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ﴿وحاقَ﴾ عَلى لَفْظِ الماضِي مَعَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ ؟

والجَوابُ: قَدْ مَرَّ في هَذا الكِتابِ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن هَذا الجِنْسِ، والضّابِطُ فِيها أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ أحْوالِ القِيامَةِ بِلَفْظِ الماضِي مُبالَغَةً في التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ.

9

وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ ثُمَّ نَزَعْنَٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌۭ كَفُورٌۭ

And if We give man a taste of mercy from Us and then We withdraw it from him, indeed, he is despairing and ungrateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ عَذابَ أُولَئِكَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَحِيقَ بِهِمْ، ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ، وعَلى كَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ لِذَلِكَ العَذابِ، فَقالَ: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ ”الإنْسانِ“ في هَذِهِ الآيَةِ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ مُطْلَقُ الإنْسانِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ داخِلٌ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ.

الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُوافِقَةٌ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العَصْرِ: ١- ٣] ومُوافِقَةٌ أيْضًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المَعارِجِ: ١٩ -٢١] .

الثّالِثُ: أنَّ مِزاجَ الإنْسانِ مَجْبُولٌ عَلى الضَّعْفِ والعَجْزِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يا ابْنَ آدَمَ، إذا نَزَلَتْ بِكَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ فَأنْتَ كَفُورٌ، فَإذا نُزِعَتْ مِنكَ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ.

صفحة ١٥٣

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الكافِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في المُفْرَدِ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ أنْ يُحْمَلَ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ لَوْلا المانِعُ، وهَهُنا لا مانِعَ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ. والمَعْهُودُ السّابِقُ هو الكافِرُ المَذْكُورُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ.

الثّانِي: أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ لِلْإنْسانِ في هَذِهِ الآيَةِ لا تَلِيقُ إلّا بِالكافِرِ؛ لِأنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ يَئُوسًا، وذَلِكَ مِن صِفاتِ الكافِرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٧] ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ كَفُورًا، وهو تَصْرِيحٌ بِالكُفْرِ. ووَصَفَهُ أيْضًا بِأنَّهُ عِنْدَ وِجْدانِ الرّاحَةِ يَقُولُ: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي، وذَلِكَ جَراءَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ فَرِحًا، واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ فَخُورًا، وذَلِكَ لَيْسَ مِن صِفاتِ أهْلِ الدِّينِ. ثُمَّ قالَ النّاظِرُونَ لِهَذا القَوْلِ: وجَبَ أنْ يُحْمَلَ الِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ حَتّى لا تَلْزَمْنا هَذِهِ المَحْذُوراتُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظُ الإذاقَةِ والذَّوْقِ يُفِيدُ أقَلَّ ما يُوجَدُ بِهِ الطَّعْمُ، فَكانَ المُرادُ أنَّ الإنْسانَ بِوِجْدانِ أقَلِّ القَلِيلِ مِنَ الخَيْراتِ العاجِلَةِ يَقَعُ في التَّمَرُّدِ والطُّغْيانِ، وبِإدْراكِ أقَلِّ القَلِيلِ مِنَ المِحْنَةِ والبَلِيَّةِ يَقَعُ في اليَأْسِ والقُنُوطِ والكُفْرانِ، فالدُّنْيا في نَفْسِها قَلِيلَةٌ، والحاصِلُ مِنها لِلْإنْسانِ الواحِدِ قَلِيلٌ، والإذاقَةُ مِن ذَلِكَ المِقْدارِ خَيْرٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ إنَّهُ في …

10

وَلَئِنْ أَذَقْنَٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌۭ فَخُورٌ

But if We give him a taste of favor after hardship has touched him, he will surely say, "Bad times have left me." Indeed, he is exultant and boastful -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ عَذابَ أُولَئِكَ الكُفّارِ وإنْ تَأخَّرَ إلّا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَحِيقَ بِهِمْ، ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى كُفْرِهِمْ، وعَلى كَوْنِهِمْ مُسْتَحِقِّينَ لِذَلِكَ العَذابِ، فَقالَ: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظُ ”الإنْسانِ“ في هَذِهِ الآيَةِ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ مُطْلَقُ الإنْسانِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى اسْتَثْنى مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ مِنَ الكَلامِ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ، فَثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ داخِلٌ فِيهِ المُؤْمِنُ والكافِرُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى ما قُلْناهُ.

الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُوافِقَةٌ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العَصْرِ: ١- ٣] ومُوافِقَةٌ أيْضًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المَعارِجِ: ١٩ -٢١] .

الثّالِثُ: أنَّ مِزاجَ الإنْسانِ مَجْبُولٌ عَلى الضَّعْفِ والعَجْزِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يا ابْنَ آدَمَ، إذا نَزَلَتْ بِكَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ فَأنْتَ كَفُورٌ، فَإذا نُزِعَتْ مِنكَ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ.

صفحة ١٥٣

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الكافِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ في المُفْرَدِ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ أنْ يُحْمَلَ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ لَوْلا المانِعُ، وهَهُنا لا مانِعَ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ. والمَعْهُودُ السّابِقُ هو الكافِرُ المَذْكُورُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ.

الثّانِي: أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ لِلْإنْسانِ في هَذِهِ الآيَةِ لا تَلِيقُ إلّا بِالكافِرِ؛ لِأنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ يَئُوسًا، وذَلِكَ مِن صِفاتِ الكافِرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٧] ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ كَفُورًا، وهو تَصْرِيحٌ بِالكُفْرِ. ووَصَفَهُ أيْضًا بِأنَّهُ عِنْدَ وِجْدانِ الرّاحَةِ يَقُولُ: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي، وذَلِكَ جَراءَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ فَرِحًا، واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ، ووَصَفَهُ أيْضًا بِكَوْنِهِ فَخُورًا، وذَلِكَ لَيْسَ مِن صِفاتِ أهْلِ الدِّينِ. ثُمَّ قالَ النّاظِرُونَ لِهَذا القَوْلِ: وجَبَ أنْ يُحْمَلَ الِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ حَتّى لا تَلْزَمْنا هَذِهِ المَحْذُوراتُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظُ الإذاقَةِ والذَّوْقِ يُفِيدُ أقَلَّ ما يُوجَدُ بِهِ الطَّعْمُ، فَكانَ المُرادُ أنَّ الإنْسانَ بِوِجْدانِ أقَلِّ القَلِيلِ مِنَ الخَيْراتِ العاجِلَةِ يَقَعُ في التَّمَرُّدِ والطُّغْيانِ، وبِإدْراكِ أقَلِّ القَلِيلِ مِنَ المِحْنَةِ والبَلِيَّةِ يَقَعُ في اليَأْسِ والقُنُوطِ والكُفْرانِ، فالدُّنْيا في نَفْسِها قَلِيلَةٌ، والحاصِلُ مِنها لِلْإنْسانِ الواحِدِ قَلِيلٌ، والإذاقَةُ مِن ذَلِكَ المِقْدارِ خَيْرٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ إنَّهُ في …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.