Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 11–20 of 123

11

إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌۭ

Except for those who are patient and do righteous deeds; those will have forgiveness and great reward.

﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى ما أصابَهم مِنَ الضَّرّاءِ سابِقًا أوْ لاحِقًا إيمانًا بِاللَّهِ واسْتِسْلامًا لِقَضائِهِ ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ شُكْرًا عَلى آلائِهِ السّالِفَةِ والآنِفَةِ، واللّامُ في الإنْسانِ إمّا لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، أوْ لِلْعَهْدِ فَمُنْقَطِعٌ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ لِذُنُوبِهِمْ وإنْ جَمَّتْ ﴿وَأجْرٌ﴾ ثَوابٌ لِأعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ ﴿كَبِيرٌ﴾ ووَجْهُ تَعَلُّقِ الآياتِ الثَّلاثِ بِما قَبْلَهُنَّ مِن حَيْثُ إنَّ إذاقَةَ النَّعْماءِ ومِساسَ الضَّرّاءِ فَصْلٌ مِن بابِ الِابْتِلاءِ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّفْصِيلِ مِنَ الإجْمالِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ والمَعْنى أنَّ كُلًّا مِن إذاقَةِ النَّعْماءِ ونَزْعِها - مَعَ كَوْنِهِ ابْتِلاءً لِلْإنْسانِ أيَشْكُرُ أمْ يَكْفُرُ - لا يَهْتَدِي إلى سُنَنِ الصَّوابِ، بَلْ يَحِيدُ في كِلْتا الحالَتَيْنِ عَنْهُ إلى مَهاوِي الضَّلالِ، فَلا يَظْهَرُ مِنهُ حُسْنُ عَمَلٍ إلّا مِنَ الصّابِرِينَ الصّالِحِينَ، أوْ مِن حَيْثُ إنَّ إنْكارَهم بِالبَعْثِ واسْتِهْزائَهم بِالعَذابِ بِسَبَبِ بَطَرِهِمْ وفَخْرِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما فَعَلُوا ما فَعَلُوا؛ لِأنَّ طَبِيعَةَ الإنْسانِ مَجْبُولَةٌ عَلى ذَلِكَ.

12

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌ

Then would you possibly leave [out] some of what is revealed to you, or is your breast constrained by it because they say, "Why has there not been sent down to him a treasure or come with him an angel?" But you are only a warner. And Allah is Disposer of all things.

﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ مِنَ البَيِّناتِ الدّالَّةِ عَلى حَقِيقَةِ نُبُوَّتِكَ المُنادِيَةِ بِكَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِمَن لَهُ أُذُنٌ واعِيَةٌ ﴿وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أيْ: عارِضٌ لَكَ ضِيقُ صَدْرٍ بِتِلاوَتِهِ عَلَيْهِمْ، وتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ في أثْناءِ الدَّعْوَةِ والمُحاجَّةِ ﴿أنْ يَقُولُوا﴾ لِأنْ يَقُولُوا تَعامِيًا عَنْ تِلْكَ البَراهِينِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْفي صِحَّتُها عَلى أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ وتَمادِيًا في العِنادِ عَلى وجْهِ الِاقْتِراحِ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ مالٌ خَطِيرٌ مَخْزُونٌ يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يُصَدِّقُهُ، قِيلَ: قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ رُؤَساءَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، اجْعَلْ لَنا جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا إنْ كُنْتَ رَسُولًا، وقالَ آخَرُونَ: ائْتِنا بِالمَلائِكَةِ يَشْهَدُوا بِنُبُوَّتِكَ، فَقالَ: "لا أقْدِرُ عَلى ذَلِكَ" فَنَزَلَتْ، كَأنَّهُ ﷺ لَمّا عايَنَ اجْتِراءَهم عَلى اقْتِراحِ مِثْلِ هَذِهِ العَظائِمِ غَيْرَ قانِعِينَ بِالبَيِّناتِ الباهِرَةِ الَّتِي كانَتْ تَضْطَرُّهم إلى القَبُولِ لَوْ كانُوا مِن أرْبابِ العُقُولِ، وشاهَدَ رُكُوبَهم مِنَ المُكابَرَةِ مَتْنَ كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ مُسارِعِينَ إلى المُقابَلَةِ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، وتَسْمِيَتِها سِحْرًا مُثِّلَ حالُهُ ﷺ بِحالِ مَن يُتَوَقَّعُ مِنهُ أنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ بِتِلاوَةِ تِلْكَ الآياتِ السّاطِعَةِ عَلَيْهِمْ، وتَبْلِيغِها إلَيْهِمْ فَحُمِلَ عَلى الحَذَرِ مِنهُ بِما في لَعَلَّ مِنَ الإشْفاقِ فَقِيلَ:

﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا الإنْذارُ بِما أُوحِيَ إلَيْكَ غَيْرَ مُبالٍ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الرَّدِّ والقَبُولِ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ يَحْفَظُ أحْوالَكَ وأحْوالَهُمْ، فَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ في جَمِيعِ أُمُورِكَ، فَإنَّهُ فاعِلٌ بِهِمْ ما يَلِيقُ بِحالِهِمْ، والِاقْتِصارُ عَلى النَّذِيرِ في أقْصى غايَةٍ مِن إصابَةِ المَحَزِّ.

13

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍۢ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَٰتٍۢ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Or do they say, "He invented it"? Say, "Then bring ten surahs like it that have been invented and call upon [for assistance] whomever you can besides Allah, if you should be truthful."

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ إضْرابٌ بِـ"أمْ" المُنْقَطِعَةِ عَنْ ذِكْرِ تَرْكِ اعْتِدادِهِمْ بِما يُوحى وتَهاوُنِهِمْ بِهِ، وعَدَمِ اقْتِناعِهِمْ بِما فِيهِ مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وعَلى حَقِّيَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ وشُرُوعٌ في ذِكْرِ ارْتِكابِهِمْ لِما هو أشَدُّ مِنهُ وأعْظَمُ، وما فِيها مِن مَعْنى الهَمْزَةِ لِلتَّوْبِيخِ والإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في "افْتَراهُ" لِلنَّبِيِّ ﷺ والبارِزُ لِما يُوحى، أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ ولَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿قُلْ﴾ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ ﴿فَأْتُوا﴾ أنْتُمْ أيْضًا ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ، وهو نَعْتٌ لِـ(سُوَرٍ) أيْ: أمْثالِهِ، وتَوْحِيدُهُ إمّا بِاعْتِبارِ مُماثَلَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنها، أوْ لِأنَّ المُطابَقَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ حَتّى يُوصَفُ المُثَنّى بِالمُفْرَدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ أوْ لِلْإماءِ إلى أنَّ وجْهَ الشَّبَهِ ومَدارَ المُماثَلَةِ في الجَمِيعِ شَيْءٌ واحِدٌ هو البَلاغَةُ المُؤَدِّيَةُ إلى مَرْتَبَةِ الإعْجازِ، فَكَأنَّ الجَمِيعَ واحِدٌ ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ(سُورٍ) أُخِّرَتْ عَنْ وصْفِها بِالمُماثَلَةِ لِما يُوحى؛ لِأنَّها الصِّفَةُ المَقْصُودَةُ بِالتَّكْلِيفِ، إذْ بِها يَظْهَرُ عَجْزُهم وقُعُودُهم عَنِ المُعارَضَةِ، وأمّا وصْفُ الِافْتِراءِ فَلا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ يَدُورُ عَلَيْهِ شَيْءٌ في مَقامِ التَّحَدِّي، وإنَّما ذُكِرَ عَلى نَهْجِ المُساهَلَةِ وإرْخاءِ العِنانِ، ولِأنَّهُ لَوْ عُكِسَ التَّرْتِيبُ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ المُرادَ هو المُماثَلَةُ في الِافْتِراءِ، والمَعْنى: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مُماثِلَةٍ لَهُ في البَلاغَةِ مُخْتَلِقاتٍ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنْ صَحَّ أنِ اخْتَلَقْتُهُ مِن عِنْدِي، فَإنَّكم أقْدَرُ عَلى ذَلِكَ مِنِّي؛ لِأنَّكم عَرَبٌ فُصَحاءُ بُلَغاءُ قَدْ مارَسْتُمْ مَبادِئَ ذَلِكَ مِنَ الخُطَبِ والأشْعارِ، وحَفِظْتُمُ الوَقائِعَ والأيّامَ، وزاوَلْتُمْ أسالِيبَ النَّظْمِ والنَّثْرِ.

﴿وادْعُوا﴾ لِلِاسْتِظْهارِ في المُعارَضَةِ ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَزْعُمُونَ أنَّها مُمِدَّةٌ لَكم في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، والكَهَنَةَ ومَدارِهَكُمُ الَّذِينَ تَلْجَئُونَ إلى آرائِهِمْ في المُلِمّاتِ لِيُسْعِدُوكم فِيها ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(ادْعُوا) أيْ: مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنِّي افْتَرَيْتُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إمْكانَ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وهو أيْضًا يَسْتَلْزِمُ قُدْرَتَكم عَلَيْهِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ.

14

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ

And if they do not respond to you - then know that the Qur'an was revealed with the knowledge of Allah and that there is no deity except Him. Then, would you [not] be Muslims?

﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أيْ: فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا ما كُلِّفُوهُ مِنَ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِجابَةِ؛ إيماءً إلى أنَّهُ ﷺ عَلى كَمالِ أمْنٍ مِن أمْرِهِ، كَأنَّ أمْرَهُ لَهم بِالإتْيانِ بِمِثْلِهِ دُعاءٌ لَهم إلى أمْرٍ يُرِيدُ وُقُوعَهُ، والضَّمِيرُ في (لَكُمْ) لِلرَّسُولِ ﷺ والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ وإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ

أوَّلَهُ: ولِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم أتْباعٌ لَهُ ﷺ في الأمْرِ بِالتَّحَدِّي، وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَطِيفٌ عَلى أنَّ حَقَّهم أنْ لا يَنْفَكُّوا عَنْهُ ﷺ ويُناصِبُوا مَعَهُ لِمُعارَضَةِ المُعارِضِينَ، كَما كانَ يَفْعَلُونَهُ في الجِهادِ، وإرْشادٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ الرُّسُوخَ في الإيمانِ والطُّمَأْنِينَةَ في الإيقانِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: "فاعْلَمُوا" أيِ: اعْلَمُوا حِينَ ظَهَرَ لَكم عَجْزُهم عَنِ المُعارَضَةِ مَعَ تَهالُكِهِمْ عَلَيْها عِلْمًا يَقِينًا مُتاخِمًا لِعَيْنِ اليَقِينِ، بِحَيْثُ لا مَجالَ مَعَهُ لِشائِبَةِ رَيْبٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَأنَّ ما عَداهُ مِن مَراتِبِ العِلْمِ لَيْسَ بِعِلْمٍ، لَكِنْ لا لِلْإشْعارِ بِانْحِطاطِ تِلْكَ المَراتِبِ، بَلْ بِارْتِفاعِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ سِرُّ إيرادِ كَلِمَةِ الشَّكِّ مَعَ القَطْعِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ، فَإنَّ تَنْزِيلَ سائِرِ المَراتِبِ مَنزِلَةَ العَدَمِ مُسْتَتْبِعٌ لِتَنْزِيلِ الجَزْمِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مَنزِلَةَ الشَّكِّ فِيهِ، أوِ اثْبُتُوا واسْتَمِرُّوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ.

﴿إنَّما أُنْزِلَ﴾ مُلْتَبِسًا ﴿بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ المَخْصُوصِ بِهِ بِحَيْثُ لا تَحُومُ حَوْلَهُ العُقُولُ والأفْهامُ، مُسْتَبِدًّا بِخَصائِصِ الإعْجازِ مِن جِهَتَيِ النَّظْمِ الرّائِقِ والإخْبارِ بِالغَيْبِ ﴿وَأنْ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: واعْلَمُوا - أيْضًا - أنْ لا شَرِيكَ لَهُ في الأُلُوهِيَّةِ وأحْكامِها، ولا يَقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُخْلِصُونَ في الإسْلامِ، أوْ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، وهَذا مِن بابِ التَّثْبِيتِ والتَّرْقِيَةِ إلى مَعارِجِ اليَقِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في الكُلِّ لِلْمُشْرِكِينَ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ داخِلًا تَحْتَ الأمْرِ بِالتَّحَدِّي، والضَّمِيرُ في "لَمْ يَسْتَجِيبُوا" لِـ"مَنِ اسْتَطَعْتُمْ" أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكم آلِهَتُكم وسائِرُ مَن إلَيْهِمْ تَجْأرُونَ في مُهِمّاتِكم ومُلِمّاتِكم إلى المُعاوَنَةِ والمُظاهَرَةِ، فاعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ قُدْرَةِ البَشَرِ، وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن خالِقِ القُوى والقَدَرِ، فَإيرادُ كَلِمَةِ الشَّكِّ حِينَئِذٍ مَعَ الجَزْمِ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مِن جِهَةِ آلِهَتِكم تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِكَمالِ سَخافَةِ العَقْلِ، وتَرْتِيبُ الأمْرِ بِالعِلْمِ عَلى مُجَرَّدِ عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالدُّعاءِ المَسْبُوقِ بِعَجْزِهِمْ واضْطِرارِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم عِنْدَ التِجائِكم إلَيْهِمْ بَعْدَما اضْطُرِرْتُمْ إلى ذَلِكَ وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِكُمُ العِلَلُ، أوْ مِن حَيْثُ إنَّ مَن يَسْتَمِدُّونَ بِهِمْ أقْوى مِنهم في اعْتِقادِهِمْ، فَإذا ظَهَرَ عَجْزُهم بِعَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ - وإنْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ عَجْزِ أنْفُسِهِمْ - يَكُونُ عَجْزُهم أظْهَرُ وأوْضَحُ، واعْلَمُوا أيْضًا أنَّ آلِهَتَكم بِمَعْزِلٍ عَنْ رُتْبَةِ الشَّرِكَةِ في الأُلُوهِيَّةِ …

15

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ

Whoever desires the life of this world and its adornments - We fully repay them for their deeds therein, and they therein will not be deprived.

﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ أيْ: ما يُزَيِّنُها ويُحَسِّنُها مِنَ الصِّحَّةِ والأمْنِ والسَّعَةِ في الرِّزْقِ وكَثْرَةِ الأوْلادِ والرِّياسَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ بِالإرادَةِ ما يَحْصُلُ عِنْدَ مُباشَرَةِ الأعْمالِ لا مُجَرَّدُ الإرادَةِ القَلْبِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ وإدْخالُ (كانَ) عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِها مِنهُمْ، بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يُرِيدُونَ الآخِرَةَ أصْلًا، ولَيْسَ المُرادُ بِأعْمالِهِمْ أعْمالَ كُلِّهِمْ فَإنَّهُ لا يَجِدُ كُلُّ مُتَمَنِّ ما يَتَمَنّاهُ، ولا كُلُّ أحَدٍ يَنالُ كُلَّ ما يَهْواهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مَنُوطٌ بِالمَشِيئَةِ الجارِيَةِ عَلى قَضِيَّةِ الحِكْمَةِ، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ، ولا كُلَّ أعْمالِهِمْ، بَلْ بَعْضَها الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الأُمُورُ المَذْكُورَةُ بِطَرِيقِ الأجْرِ والجَزاءِ مِن أعْمالِ البِرِّ، وقَدْ أُطْلِقَتْ وأُرِيدَ بِها ثَمَراتُها، فالمَعْنى: نُوصِلُ إلَيْهِمْ ثَمَراتِ أعْمالِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا كامِلَةً، وقُرِئَ (يُوَفِّ) عَلى الإسْنادِ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وتُوَفَّ بِالفَوْقانِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ أعْمالِهِمْ، وقُرِئَ (نُوفِي) بِالتَّخْفِيفِ والرَّفْعِ لِكَوْنِ الشَّرْطِ ماضِيًا كَقَوْلِهِ:

؎ وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ

﴿وَهم فِيها﴾ أيْ: في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿لا يُبْخَسُونَ﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالبَخْسِ الَّذِي هو نَقْصُ الحَقِّ - مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم شائِبَةُ حَقِّ فِيما أُوتُوهُ، كَما عُبِّرَ عَنْ إعْطائِهِ بِالتَّوْفِيَةِ الَّتِي هي إعْطاءُ الحُقُوقِ مَعَ أنَّ أعْمالَهم بِمَعْزِلٍ عَنْ كَوْنِها مُسْتَوْجَبَةً لِذَلِكَ - بِناءً لِلْأمْرِ عَلى ظاهِرِ الحالِ، ومُحافَظَةً عَلى صُوَرِ الأعْمالِ، ومُبالَغَةً في نَفْيِ النَّقْصِ، كَأنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ لِحُقُوقِهِمْ، فَلا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُقُوعِ والصُّدُورِ عَنِ الكَرِيمِ أصْلًا، والمَعْنى أنَّهم فِيها خاصَّةً لا يُنْقَصُونَ ثَمَراتِ أعْمالِهِمْ وأُجُورَها نَقْصًا كُلِّيًّا مُطَّرِدًا، ولا يُحْرَمُونَها حِرْمانًا كُلِّيًّا، وأمّا في الآخِرَةِ فَهم في الحِرْمانِ المُطْلَقِ واليَأْسِ المُحَقَّقِ، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:

16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Those are the ones for whom there is not in the Hereafter but the Fire. And lost is what they did therein, and worthless is what they used to do.

﴿أُولَئِكَ﴾ ... إلَخْ، فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ إرادَتِهِمُ الحَياةَ الدُّنْيا، أوْ بِاعْتِبارِ تَوْفِيَتِهِمْ أُجُورَهم مِن غَيْرِ بَخْسٍ، أوْ بِاعْتِبارِهِما مَعًا وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في سُوءِ الحالِ، أيْ: أُولَئِكَ المُرِيدُونَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتَها المُوَفَّوْنَ فِيها ثَمَراتِ أعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ بَخْسٍ ﴿الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ﴾ لِأنَّ هِمَمَهم كانَتْ مَصْرُوفَةً إلى الدُّنْيا، وأعْمالَهم مَقْصُورَةً عَلى تَحْصِيلِها، وقَدِ اجْتَنَبُوا ثَمَرَتَها، ولَمْ يَكُونُوا يُرِيدُونَ بِها شَيْئًا آخَرَ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وعَذابُها المُخَلِّدُ.

﴿وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ أيْ: ظَهَرَ في الآخِرَةِ حُبُوطُ ما صَنَعُوهُ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي كانَتْ تُؤَدِّي إلى الثَّوابِ لَوْ كانَتْ مَعْمُولَةً لِلْآخِرَةِ، أوْ حَبِطَ ما صَنَعُوهُ في الدُّنْيا مِن أعْمالِ البِرِّ إذْ شَرْطُ الِاعْتِدادِ بِها الإخْلاصُ ﴿وَباطِلٌ﴾ أيْ: في نَفْسِهِ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في أثْناءِ تَحْصِيلِ المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ولِأجْلِ أنَّ الأوَّلَ مِن شَأْنِهِ اسْتِتْباعُ الثَّوابِ والأجْرِ، وأنَّ عَدَمَهُ لِعَدَمِ مُقارَنَتِهِ لِلْإيمانِ والنِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ، وأنَّ الثّانِيَ لَيْسَ لَهُ جِهَةٌ صالِحَةٌ قَطُّ - عُلِّقَ بِالأوَّلِ الحُبُوطُ المُؤْذِنُ بِسُقُوطِ أجْرِهِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُنْبِئِ عَنِ الحُدُوثِ، وبِالثّانِي البُطْلانُ المُفْصِحُ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ لا طائِلَ تَحْتَهُ أصْلًا بِالِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ وصْفًا لازِمًا لَهُ ثابِتًا فِيهِ، وفي زِيادَةِ كانَ في الثّانِي دُونَ الأوَّلِ إيماءٌ إلى أنَّ صُدُورَ أعْمالِ البِرِّ مِنهم -وَإنْ كانَ لِغَرَضٍ فاسِدٍ - لَيْسَ في الِاسْتِمْرارِ والدَّوامِ كَصُدُورِ الأعْمالِ الَّتِي هي مِن مُقَدِّماتِ مَطالِبِهِمُ الدَّنِيَّةِ، وقُرِئَ (وَبَطَلَ) عَلى الفِعْلِ، أيْ: ظَهَرَ بُطْلانُهُ حَيْثُ عُلِمَ هُناكَ أنَّ ذَلِكَ وما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ، أوِ انْقَطَعَ أثَرُهُ الدُّنْيَوِيُّ فَبَطَلَ مُطْلَقًا، وقُرِئَ (وَباطِلًا ما كانُوا يَعْمَلُونَ) عَلى أنَّ "ما" إبْهامِيَّةٌ، أوْ في مَعْنى المَصْدَرِ، كَقَوْلِهِ:

؎ ولا خارِجًا مِن في زُورُ كَلامِ

وَعَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "مَن كانَ يُرِيدُ" ... إلَخْ، اليَهُودُ والنَّصارى، إنْ أعْطَوْا سائِلًا، أوْ وصَلُوا رَحِمًا عُجِّلَ لَهم جَزاءُ ذَلِكَ بِتَوْسِعَةٍ في الرِّزْقِ وصِحَّةٍ في البَدَنِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنَ المُنافِقِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْهَمَ لَهم في الغَنائِمِ، وأنْتُ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ.

وَقِيلَ: هم أهْلُ الرِّياءِ، يُقالُ لِلْقُرّاءِ مِنهُمْ: أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلانٌ قارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، وهَكَذا لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْمَلُ أعْمالَ البِرِّ لا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى هَذا لا بُدَّ مِن تَقْيِيدِ قَوْلِهِ تَعالى:" لَيْسَ لَهم إلّا النّارُ " بِأنَّ لَيْسَ لَهم بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الرِّيائِيَّةِ إلّا ذَلِكَ، والَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ المُرادَ بِهِ مُطْلَقُ الكَفَرَةِ، بِحَيْثُ يَنْدَرِجُ فِيهِمُ القادِحُونَ في القرآن العَظِيمِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، فَإنَّهُ - عَزَّ وعَلا - لَمّا أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَزْدادُوا عِلْمًا ويَقِينًا بِأنَّ القرآن مُنَزَّلٌ بِعِلْمِ اللَّهِ - …

17

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌۭ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

So is one who [stands] upon a clear evidence from his Lord [like the aforementioned]? And a witness from Him follows it, and before it was the Scripture of Moses to lead and as mercy. Those [believers in the former revelations] believe in the Qur'an. But whoever disbelieves in it from the [various] factions - the Fire is his promised destination. So be not in doubt about it. Indeed, it is the truth from your Lord, but most of the people do not believe.

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: بُرْهانٍ نَيِّرٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ يَدُلُّ عَلى حَقِّيَّةٍ ما رُغِّبَ في الثَّباتِ عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ وهو القرآن، وبِاعْتِبارِهِ - أوْ بِتَأْوِيلِ البُرْهانِ - ذُكِّرَ الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ أيْ: يَتْبَعُهُ ﴿شاهِدٌ﴾ يَشْهَدُ بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو الإعْجازُ في نَظْمِهِ المُطَّرِدِ في كُلِّ مِقْدارِ سُورَةٍ مِنهُ، أوْ ما وقَعَ في بَعْضِ آياتِهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ، وكَلاهُما وصْفٌ تابِعٌ لَهُ شاهِدٌ بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، غَيْرَ أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ في الكَلامِ إشارَةٌ إلى حالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ في تَمَسُّكِهِمْ بِالقرآن عِنْدَ تَبَيُّنِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا بِعِلْمِ اللَّهِ بِشَهادَةِ الإعْجازِ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ القرآن غَيْرَ خارِجٍ عَنْهُ، أوْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِلشَّهادَةِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالشّاهِدِ المُعْجِزاتُ الظّاهِرَةُ عَلى يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّ ذَلِكَ أيْضًا مِنَ الشَّواهِدِ التّابِعَةِ لِلْقُرْآنِ الوارِدَةِ مِن جِهَتِهِ تَعالى، فالمُرادُ: بِـ"مَن" في قَوْلِهِ تَعالى: (أفَمَن) كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الحَمِيدَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: (فاعْلَمُوا) (فَهَلْ أنْتُمْ) دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: هو النَّبِيُّ ﷺ وقِيلَ: مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَيِّنَةِ دَلِيلُ العَقْلِ، وبِالشّاهِدِ القرآن، فالضَّمِيرُ في (مِنهُ) لِلَّهِ تَعالى، أوِ البَيِّنَةُ القرآن، ويَتْلُوهُ مِنَ التِّلاوَةِ، والشّاهِدُ جِبْرِيلُ، أوْ لِسانُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لَهُ أوْ مِنَ التُّلُوِّ، والشّاهِدُ مَلَكٌ يَحْفَظُ، والأوْلى هو الأوَّلُ.

وَلَمّا كانَ المُرادُ بِتُلُوِّ الشّاهِدِ لِلْبُرْهانِ إقامَةَ الشَّهادَةِ بِصِحَّتِهِ، وكَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تابِعًا لَهُ بِحَيْثُ لا يُفارِقُهُ في مَشْهَدٍ مِنَ المَشاهِدِ - فَإنَّ القرآن بَيِّنَةٌ باقِيَةٌ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ مَعَ شاهِدِها الَّذِي يَشْهَدُ بِأمْرِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ عِنْدَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وجاحِدٍ - عُطِفَ كِتابُ مُوسى في قَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾ عَلى فاعِلِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ في النُّزُولِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَشْهَدُ بِهِ شاهِدٌ مِنهُ وشاهِدٌ آخَرُ مِن قَبْلِهِ هو كِتابُ مُوسى، وإنَّما قُدِّمَ في الذِّكْرِ المُؤَخَّرُ في النُّزُولِ لِكَوْنِهِ وصْفًا لازِمًا لَهُ غَيْرَ مُفارِقٍ عَنْهُ، ولِعَراقَتِهِ في وصْفِ التُّلُوِّ، والتَّنْكِيرُ في (بَيِّنَةٍ) و(شاهِدٌ) لِلتَّفْخِيمِ.

﴿إمامًا﴾ أيْ: مُؤْتَمًّا بِهِ في الدِّينِ ومُقْتَدًى، وفي التَّعَرُّضِ لِهَذا الوَصْفِ بِصَدَدِ بَيانِ تُلُوِّ الكِتابِ ما لا يَخْفي مِن تَفْخِيمِ شَأْنِ المَتْلُوِّ ﴿وَرَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً عَظِيمَةً عَلى مَن أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ومَن بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِاعْتِبارِ أحْكامِهِ الباقِيَةِ المُؤَيَّدَةِ بِالقرآن العَظِيمِ، وهُما حالانِ مِنَ الكِتابِ.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ الحَمِيدَةِ، وهو الكَوْنُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنَ اللَّهِ، ولِما أنَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ التَّمَسُّكِ بِها - وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّقْلِيدِ لِمَن سَلَفَ مِن عُظَماءِ الدِّينِ مِن غَيْرِ عُثُورٍ عَلى دَقائِقِ الحَقائِقِ - وصَفَهم بِأنَّهم …

18

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ

And who is more unjust than he who invents a lie about Allah? Those will be presented before their Lord, and the witnesses will say, "These are the ones who lied against their Lord." Unquestionably, the curse of Allah is upon the wrongdoers.

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِأنْ نَسَبَ إلَيْهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ، كَقَوْلِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ بَناتُ اللَّهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وقَوْلِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، يَعْنِي أنَّهم مَعَ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ تَعالى مُفْتَرُونَ عَلَيْهِ كَذِبًا، وهَذا التَّرْكِيبُ وإنْ كانَ سَبْكُهُ عَلى إنْكارِ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهم مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإنْكارِ المُساواةِ ونَفْيِها - ولَكِنَّ المَقْصُودَ بِهِ قَصْدًا مُطَّرِدًا إنْكارُ المُساواةِ ونَفْيُها، وإفادَةُ أنَّهم أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما سَيُتْلى مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ فَإذا قِيلَ: مَن أكْرَمُ مِن فُلانٍ أوْ لا أفْضَلَ مِنهُ، فالمُرادُ مِنهُ حَتْمًا أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِالظُّلْمِ البالِغِ الَّذِي هو الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وبِهَذِهِ الإشارَةِ حَصَلَتِ الغُنْيَةُ عَنْ إسْنادِ العَرْضِ إلى أعْمالِهِمْ، واكْتُفِيَ بِإسْنادِهِ إلَيْهِمْ حَيْثُ قِيلَ: ﴿يُعْرَضُونَ﴾ لِأنَّ عَرْضَهم مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، وبِذَلِكَ العُنْوانِ عَرْضٌ لِأعْمالِهِمْ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ، فَإنَّ عَرْضَ العامِلِ بِعَمَلِهِ أفْظَعُ مِن عَرْضِ عَمَلِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾ الحَقِّ، وفِيهِ إيماءٌ إلى بُطْلانِ رَأْيِهِمْ في اتِّخاذِهِمْ أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَيَقُولُ الأشْهادُ﴾ عِنْدَ العَرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ، أوْ مِن جَوارِحِهِمْ، وهو جَمْعُ شاهِدٍ أوْ شَهِيدٍ، كَأصْحابٍ وأشْرافٍ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ بِالِافْتِراءِ عَلَيْهِ، كَأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ واضِحٌ غَنِيٌّ عَنِ الشَّهادَةِ بِوُقُوعِهِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى الشَّهادَةِ تَعْيِينُ مَن صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ لا يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأشْهادِ الحُضّارَ، وهم جَمِيعُ أهْلِ المَوْقِفِ عَلى ما قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُمْ: ﴿ (هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ)﴾ ذَمًّا لَهم بِذَلِكَ لِإشْهادِهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: (وَيَقُولُ) دُونَ و(يَشْهَدُ) ... إلَخْ، وتَوْطِئَةً لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ بِالِافْتِراءِ المَذْكُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ تَهْوِيلٌ عَظِيمٌ لِما يَحِيقُ بِهِمْ مِن عاقِبَةِ ظُلْمِهِمُ، اللَّهُمَّ إنّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الخِزْيِ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ.

19

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ

Who averted [people] from the way of Allah and sought to make it [seem] deviant while they, concerning the Hereafter, were disbelievers.

﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ أيْ: كُلُّ مَن يَقْدِرُونَ عَلى صَدِّهِ، أوْ يَفْعَلُونَ الصَّدَّ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَنْ دِينِهِ القَوِيمِ ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾ انْحِرافًا، أيْ: يَصِفُونَها بِذَلِكَ، وهي أبْعَدُ شَيْءٍ مِنهُ، أوْ يَبْغُونَ أهْلَها أنْ يَنْحَرِفُوا عَنْها، يُقالُ: بَغَيْتُكَ خَيْرًا أوْ شَرًّا، أيْ: طَلَبْتُ لَكَ، وهَذا شامِلٌ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالقرآن، وقَوْلِهِمْ: إنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿وَهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ أيْ: يَصِفُونَها بِالعِوَجِ، والحالُ أنَّهم كافِرُونَ بِها، لا أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِها ويَزْعُمُونَ أنَّ لَها سَبِيلًا سَوِيًّا يَهْدُونَ النّاسَ إلَيْهِ، وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِتَأْكِيدِ كُفْرِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِهِ، كَأنَّ كُفْرَ غَيْرِهِمْ لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَ كُفْرِهِمْ.

20

أُو۟لَٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ

Those were not causing failure [to Allah] on earth, nor did they have besides Allah any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.

﴿أُولَئِكَ﴾ مَعَ وصْفٍ مِن أحْوالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلتَّدْمِيرِ ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ اللَّهَ تَعالى، مُفْلِتِينَ بِأنْفُسِهِمْ مِن أخْذِهِ لَوْ أرادَ ذَلِكَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ مَعَ سَعَتِها وإنْ هَرَبُوا مِنها كُلَّ مَهْرَبٍ ﴿وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ يَنْصُرُونَهم مِن بَأْسِهِ، ولَكِنْ أُخِّرَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ، والجَمْعُ إمّا بِاعْتِبارِ أفْرادِ الكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ لِأحَدٍ مِنهم مِن ولِيٍّ، أوْ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ ما كانُوا يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيانًا لِحالِ آلِهَتِهِمْ مِن سُقُوطِها عَنْ رُتْبَةِ الوِلايَةِ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اسْتِئْنافٌ يَتَضَمَّنُ حِكْمَةَ تَأْخِيرِ المُؤاخَذَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِالتَّشْدِيدِ.

﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ لِفَرْطِ تَصامِّهِمْ عَنِ الحَقِّ وبُغْضِهِمْ لَهُ، كَأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى السَّمْعِ، ولَمّا كانَ قُبْحُ حالِهِمْ في عَدَمِ إذْعانِهِمْ لِلْقُرْآنِ - الَّذِي طَرِيقُ تَلَقِّيهِ السَّمْعُ - أشَدَّ مِنهُ في عَدَمِ قَبُولِهِمْ لِسائِرِ الآياتِ المَنُوطَةِ بِالإبْصارِ - بالَغَ في نَفْيِ الأوَّلِ عَنْهم حَيْثُ نَفي عَنْهُمُ الِاسْتِطاعَةَ، واكْتَفي في الثّانِي بِنَفْيِ الإبْصارِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ لِتَعامِيهِمْ عَنْ آياتِ اللَّهِ المَبْسُوطَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ، وهو اسْتِئْنافٌ وقَعَ تَعْلِيلًا لِمُضاعَفَةِ العَذابِ، وقِيلَ: هو بَيانٌ لِما نُفِيَ مِن وِلايَةِ الآلِهَةِ، فَإنَّ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الوِلايَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ" اعْتِراضٌ وسِّطَ بَيْنَهُما نَعْيًا عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ سُوءَ العاقِبَةِ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.