Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 11–20 of 123

11

إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌۭ

Except for those who are patient and do righteous deeds; those will have forgiveness and great reward.

(إلا الذين صبروا) فإن عادتهم الصبر عند نزول المحن، والشكر عند حصول المنن، قال الأخفش: هو استثناء منقطع، يعني ولكن الذين صبروا فإنهم ليسوا كذلك، وقيل متصل إذ المراد بالإنسان الجنس لا واحد بعينه قاله الفراء (وعملوا الصالحات) في حالة النعمة والنقمة.

(أولئك) إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بالصبر وعمل الصالحات (لهم مغفرة) لذنوبهم وإن جمت (وأجر) يؤجرون به على أعمالهم الحسنة (كبير) متناه في الكبر، وهو الجنة، ووصف الأجر به لما احتوى عليه من النعيم السرمدي ودفع التكاليف والأمن من عذاب الله والنظر إلى وجهه الكريم، واختياره على العظيم لعله لرعاية الفواصل.

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)

ثم سلى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم فقال

12

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌ

Then would you possibly leave [out] some of what is revealed to you, or is your breast constrained by it because they say, "Why has there not been sent down to him a treasure or come with him an angel?" But you are only a warner. And Allah is Disposer of all things.

(فلعلك) لعظم ما تراه منهم من الكفر والتكذيب واقتراح الآيات التي يقترحونها عليك على حسب هواهم وتعنتهم (تارك بعض ما يوحى إليك) مما أنزله الله عليك وأمرك بتبليغه مما يشق عليهم سماعه أو يستشقون العمل به كسب آلهتم، وأمرهم بالإيمان بالله وحده. وقيل هذا الكلام خارج مخرج الاستفهام أي هل أنت تارك، وقيل هو في معنى النفي مع الاستبعاد أي لا يكون منك ذلك بل تبلغهم جميع ما أنزل الله عليك أحبوا ذلك أم كرهوا، شاءوا أم أبوا.

(وضائق به صدرك) الضمير راجع إلى " ما " أو إلى بعض وعبر بضائق دون ضيق لأن اسم الفاعل فيه معنى الحدوث والعروض والصفة المشبهة فيها معنى اللزوم (أن يقولوا) أي كراهة أو مخافة، أو لأجل أن أو بأن لا. وقال أبو البقاء: لأن يقولوا (لولا) أي هلا (أنزل عليه كنز) أي مال مكنوز مخزون ينتفع به ويستغني به (أو جاء معه ملك) يصدقه ويبين لنا صحة رسالته.

ثم بيَّن سبحانه أن حاله صلى الله عليه وسلم مقصور على النذارة فقال (إنما أنت نذير) أي ليس عليك إلا الإنذار بما أوحى إليك، وليس عليك حصول مطلوبهم وإيجاد مقترحاتهم (والله على كل شيء وكيل) يحفظ ما يقولون وهو فاعل بهم ما يجب أن يفعل.

13

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍۢ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَٰتٍۢ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Or do they say, "He invented it"? Say, "Then bring ten surahs like it that have been invented and call upon [for assistance] whomever you can besides Allah, if you should be truthful."

(أم يقولون افتراه) أم هي المنقطعة بمعنى بل والهمزة، أضرب عما تقدم من تهاونهم بالوحي وعدم قنوعهم بما جاء به من المعجزات الظاهرة، وشرع في ذكر ارتكابهم لما هو أشد من ذلك وهو افتراؤهم عليه بأنه افتراء، والاستفهام للتقريع والتوبيخ والضمير المستتر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والبارز لما يوحى.

ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بما يقطعهم ويبيَّن كذبهم ويظهر به عجزهم فقال (قل فأتوا بعشر سور مثله) أي مماثلة له في البلاغة وحسن النظم، وجزالة اللفظ، وفخامة المعنى، ووصف السور بما يوصف به المفرد فقال مثله ولم يقل أمثاله لأن المراد مماثله كل واحدة من السور أو لقصد الإيماء إلى أن وجه الشبه ومداره المماثلة في شيء واحد وهو البلاغة البالغة إلى حد الإعجاز.

وهذا إنما هو على القول بأن المطابقة في الجمع والتثنية والإفراد شرط، وقيل لفظة مثل وإن كانت بلفظ الإفراد فإنها يوصف بها المثنى والمجموع والمؤنث كقوله تعالى (أنؤمن لبشرين مثلنا) وتجوز المطابقة قال تعالى (وحور عين كأمثال اللؤلؤ) وقال تعالى: (ثم لا يكونوا أمثالكم) والهاء في مثله تعود لما يوحى.

ثم وصف السور بصفة أخرى فقال (مفتريات) جمع مفتراة كمصطفيات في مصطفاة فانقلبت الألف ياء كالتثنية، قاله السمين أي مختلفات حيث قالوا له افتريت هذا القرآن من عند نفسك وليس من عند الله، فتحداهم وأرخى لهم العنان وفاوضهم على مثل دعواهم وقال مفتريات في مقابلة قولهم افتراه.

ولما تحداهم بهذا الكلام أمره بأن يقول لهم (وادعوا) للاستظهار على المعارضة بالعشر السور (من استطعتم) دعاءه وقدرتم على الاستعانة به من هذا النوع الإنساني و (من دون الله) أي ممن تعبدونه وتجعلونه شريكاً لله سبحانه أي ادعوا من استطعتم متجاوزين الله سبحانه (إن كنتم صادقين) فيما تزعمون من افترائي له.

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15)

14

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ

And if they do not respond to you - then know that the Qur'an was revealed with the knowledge of Allah and that there is no deity except Him. Then, would you [not] be Muslims?

(فإلَّم) تكتب بغير نون كما في خط المصحف وهذا في خصوص هذا الموضع (يستجيبوا لكم) أي فإن لم يفعلوا ما طلبته منهم وتحديتهم به من الإتيان بعشر سور مثله، ولا استجابوا إلى المعارضة المطلوبة منهم، ويكون الضمير في لكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أو للنبي (- صلى الله عليه وسلم -) وحده وجمع تعظيماً وتفخيماً.

(فاعلموا) أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أو للرسول وحده على التأويل الذي سلف قريباً ومعنى أمرهم بالعلم أمرهم بالثبات عليه لأنهم عالمون بذلك من قبل عجز الكفار عن الإتيان بعشر سور مثله أو المراد بالأمر بالعلم الأمر بالازدياد منه إلى حد لا يشوبه شك، ولا تخالطه شبهة، وهو علم اليقين، والأول أولى.

(إنما أنزل) متلبساً (بعلم الله) المختص به الذي لا تطلع على كنهه العقول ولا تستوضح معناه الأفهام لما اشتمل عليه من الإعجاز الخارج عن طوق البشر، وليس مفترى على الله، وإنما أداة حصر ويجوز في ما أن تكون موصولة اسمية أو حرفية تقديره فاعلموا أن تنزيله أو أن الذي أنزله متلبس بعلم الله (وأن لا إله إلا هو) أي واعلموا أن الله هو المتفرد بالألوهية لا شريك له ولا يقدر غيره على ما يقدر عليه، ثم ختم الآية بقوله (فهل أنتم مسلمون) أي ثابتون على الإسلام راسخون فيه مخلصون له إذا تحقق عندكم إعجازه.

عن مجاهد قال: الخطاب لأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أي هل أنتم مزدادون من الطاعات لأنه قد حصل لكم بعجز الكفار عن الإتيان بمثل عشر سور من هذا الكتاب طمأنينة فوق ما كنتم وبصيرة زائدة وإن كنتم مسلمين من قبل هذا فإن الثبوت عليه وزيادة البصيرة فيه والطمأنينة به مطلوب منكم.

وقيل المعنى فإن لم يستجب لكم من دعوتموهم للمعاضدة والمناصرة على الإتيان بعشر سور من سائر الكفار ومن تعبدونهم وتزعمون أنهم يضرون وينفعون فاعلموا أن هذا القرآن الذي أنزله الله على هذا الرسول خارج عن قدرة غيره سبحانه وتعالى لما اشتمل عليه من الإعجاز الذي يتقاصر دونه قوة المخلوقين وأنه أنزل الله الذي لا تحيط به العقول ولا تبلغه الأفهام.

واعلموا أنه المتفرد بالألوهية لا شريك له فهل أنتم بعد هذا مسلمون أي داخلون في الإسلام متبعون لأحكامه مقتدون بشرائعه بعد قيام الحجة القاطعة.

وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام الموجب وزوال العذر، وهذا الوجه أقوى من الوجه الأول من جهة، وأضعف منه من جهة.

فأما جهة قوته فلاتّساق الضمائر وتناسبها وعدم احتياج بعضها إلى تأويل، وأما ضعفه في ترتيب الأمر بالعلم على عدم الاستجابة ممن دعوهم واستعانوا بهم من الخفاء واحتياجه إلى تكلف، وهو أن يقال إن عدم استجابة من دعوهم واستعانوا بهم من الكفار والآلهة مع حرصهم، على نصرهم ومعاضدتهم ومبالغتهم في عدم إيمانهم واستمرارهم على الكفر، يفيد حصول العلم لهؤلاء الكفار بأن هذا القرآن من عند الله وأن الله سبحانه هو الإله وحده لا شريك له وذلك يوجب دخولهم في الإسلام.

واعلم أنه قد اختلف التحدث للكفار بمعارضة القرآن فتارة وقع بمجموع القرآن كقوله: (لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله) وبعشر سور كما في هذه الآية وذلك لأن العشرة أول عقد من العقود، وبسورة منه كما تقدم في البقرة ويونس، وذلك لأن السورة أقل طائفة منه.

ثم إن الله سبحانه توعد من كان مقصور الهمة على الدنيا لا يطلب غيرها ولا يريد سواها فقال:

15

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ

Whoever desires the life of this world and its adornments - We fully repay them for their deeds therein, and they therein will not be deprived.

(من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها) واختلف أهل التفسير في هذه الآية فقال الضحاك: نزلت في الكفار وأهل الشرك واختاره النحاس بدليل الآية التي بعدها (أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار) وقال أنس: نزلت في اليهود والنصارى، وعن الحسن مثله، وقيل نزلت في المنافقين، وقيل الآية واردة في الناس على العموم كافرهم ومسلمهم والحمل على العموم أولى.

والمعنى أن من كان يريد بعمله حظ الدنيا يكافأ بذلك وليس المراد مجرد الإرادة والمراد بزينتها ما يزينها ويحسنها من الصحة والأمن والسعة في الرزق وارتفاع الحظ ونفاذ القول وكثرة الأولاد والرياسة ونحو ذلك، وإدخال كان في الآية يفيد أنهم مستمرون على إرادة الدنيا بأعمالهم لا يكادون يريدون الآخرة ولهذا قيل أنهم مع إعطائهم حظوظ الدنيا يعذبون في الآخرة لأنهم جردوا قصدهم إلى الدنيا ولم يعملوا للآخرة.

وظاهر قوله: (نوف إليهم أعمالهم فيها) أن من أراد بعمله الدنيا حصل له الجزاء الدنيوي لا محالة، ولكن الواقع في الخارج يخالف ذلك فليس كل متمن ينال من الدنيا أمنيته وإن عمل لها وأرادها فلا بدّ من تقييد ذلك بمشيئة الله سبحانه، عن ابن عباس قال: يعني من عمل صالحاً التماس الدنيا صوماً أو صلاة أو تهجداً بالليل لا يعمله إلا لذلك.

قال القرطبي: ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة وكذلك الآية التي في الشورى (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها) (ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها) كذلك (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها) وقيدتها وفسرتها التي في سبحان (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد).

(وهم فيها لا يبخسون) أي وهؤلاء المريدون بأعمالهم الدنيا هم في الدنيا لا ينقصون من جزائهم فيها بحسب أعمالهم لها وذلك في الغالب، وليس بمطرد بل إن قضت به مشيئته سبحانه ورجحته حكمته البالغة.

وقال القاضي: معنى الآية من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات والطيبات والمنافع، فخص الجزاء بمثل ما ذكره وهو حاصل لكل عامل للدنيا ولو كان قليلاً يسيراً. أهـ.

وإنما عبر عن عدم نقص أعمالهم بنفي البخس الذي هو نقص الحق مع أنه ليس لهم شائبة حق فيما أوتوه كما عبر عن إعطائه بالتوفية التي هي إعطاء الحقوق مع أن أعمالهم بمعزل عن كونها مستوجبة لذلك، بناء للأمر على ظاهر الحال ومحافظة على صور الأعمال ومبالغة في نفي النقص، كأن ذلك نقص لحقوقهم فلا يدخل تحت الوقوع والصدور عن الكريم أصلاً.

16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Those are the ones for whom there is not in the Hereafter but the Fire. And lost is what they did therein, and worthless is what they used to do.

أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)

(أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار) الإشارة إلى المريدين المذكورين ولا بدّ من تقييد هذا بأنهم لم يريدوا الآخرة بشيء من الأعمال المعتد بها الموجبة للجزاء الحسن في الدار الآخرة أو تكون الآية خاصة بالكفار كما تقدم.

(وحبط ما صنعوا فيها) أي ظهر في الدار الآخرة حبوط ما صنعوه من الأعمال التي كانت صورتها صورة الطاعات الموجبة للجزاء الأخروي لولا أنهم أفسدوها بفساد مقاصدهم وعدم الخلوص وإرادة ما عند الله في دار الجزاء، بل قصروا ذلك على الدنيا وزينتها.

ثم حكم سبحانه ببطلان عملهم فقال: (وباطل ما كانوا يعملون) أي إنه كان عملهم في نفسه باطلاً غير معتد به، لأنه لم يعمل لوجه صحيح يوجب الجزاء ويترتب عليه ما يترتب على العمل الصحيح.

عن مجاهد قال: هم أهل الرياء، وهذا مشكل لأن قوله أولئك الذين، الآية لا يليق بحال المؤمن إلا إذا قلنا إن تلك الأعمال الفاسدة والأفعال الباطلة لما كانت لغير الله استحق فاعلها الوعيد الشديد وهو عذاب النار.

ويدل له ما روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من تعلم علماً لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار الترمذي، كتاب العلم باب 6. أخرجه الترمذي.

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه مسلم 2985. أخرجه مسلم. وفي الباب أحاديث بمعناه والرياء هو الشرك الأصغر كما ورد في الحديث، وهذا هو أحد الأقوال.

والذي تقتضيه جزالة النظم الكريم أن المراد به مطلق الكفرة بحيث يندرج فيهم القادحون في القرآن العظيم اندراجاً أولياً، فإنه عز وعلا لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن يزدادوا علماً ويقيناً بأن القرآن مُنزل بعلم الله وبأن لا قدرة لغيره على شيء أصلاً، وهيجهم على الثبات على الإسلام والرسوخ فيه عند ظهور عجز الكفرة وما يدعون من دون الله عن المعارضة، وتبين أنهم ليسوا على شيء أصلاً، اقتضى الحال أن يتعرض لبعض شئونهم الموهمة لكونهم على شيء في الجملة ممن نيلهم الحظوظ العاجلة واستيلائهم على المطالب الدنيوية، وبيان أن ذلك بمعزل عن الدلالة عليه، ولقد بينَّ ذلك أي بيان.

17

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌۭ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

So is one who [stands] upon a clear evidence from his Lord [like the aforementioned]? And a witness from Him follows it, and before it was the Scripture of Moses to lead and as mercy. Those [believers in the former revelations] believe in the Qur'an. But whoever disbelieves in it from the [various] factions - the Fire is his promised destination. So be not in doubt about it. Indeed, it is the truth from your Lord, but most of the people do not believe.

أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17)

ثم بيَّن سبحانه أن بين من كان طالباً للدنيا فقط ومن كان طالباً للآخرة تفاوتاً وتبايناً بعيداً فقال: (أفمن كان على بيّنة) برهان يدل على الحق (من ربه) في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان بالله كغيره، ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها، وقيل المراد به النبي صلى الله عليه وسلم، أي أفمن كان معه بيان من الله ومعجزة كالقرآن ومعه شاهد كجبريل، وقد بشرت به الكتب السابقة كمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها.

والضمير في (ويتلوه شاهد) راجع إلى البيّنة باعتبار تأويلها بالبرهان أي يؤيده ويشدّده ويقويه، والضمير في (منه) راجع إلى القرآن لأنه تقدم ذكره في قوله أم يقولون افتراه أو راجع إلى الله تعالى. والمعنى ويتلو البرهان الذي هو البيّنة شاهد يشهد بصحته من القرآن أو من الله سبحانه، والشاهد هو الإعجاز الكائن في القرآن أو المعجزات التي ظهرت لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فإن ذلك من الشواهد التابعة للقرآن.

وقال الفراء: قال بعضهم: ويتلوه شاهد منه الإنجيل وإن كان قبله فهو يتلو القرآن في التصديق، والهاء في منه لله عز وجل. وقيل المراد بمن كان على بيّنة من ربه هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وإضرابه.

وعن علي بن أبي طالب قال: ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة من القرآن، فقال له رجل: ما نزل فيك؟ قال: أما تقرأ سورة هود (أفمن كان على بيّنة من ربه ويتلوه شاهد منه) فرسول الله صلى الله عليه وسلم بيّنة من ربه وأنا شاهد منه، أخرجه أبو نعيم وابن أبي حاتم.

وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويتلوه شاهد منه، علي فيه رائحة التشيع. أخرجه ابن عساكر. وعنه وددت أني أنا هو ولكنه لسان محمد. وعن ابن عباس أن الشاهد جبريل، ووافقه سعيد بن جبير وعلقمة وإبراهيم ومجاهد والضحاك وأكثر المفسرين. وقال الحسن وقتادة: هو لسان النبي صلى الله عليه وسلم.

ووجه ذلك أن اللسان لما كان يعرب عما في الجنان، ويظهره جعل كالشاهد له لأنه آية الفصل والبيان وبه يتلى القرآن. وقال مجاهد: الشاهد هو ملك يحفظ النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ويسدده والأول أولى.

(ومن قبله) أي القرآن (كتاب موسى) عطف على شاهد والتقدير ويتلوه الشاهد وشاهد آخر وهو كتاب موسى، فهو إن كان متقدماً في النزول فهو يتلو الشاهد في الشهادة، وإنما قدم الشاهد على كتاب موسى مع كونه متأخراً في الوجود لكونه وصفاً لازماً غير مفارق فكان أعرق في الوصفية من كتاب موسى.

ومعنى شهادة كتاب موسى وهو التوراة أنه بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم وأخبر بأنه رسول من الله.

قال الزجاج: والمعنى ويتلوه من قبله كتاب موسى لأن النبي صلى الله عليه وسلم موصوف في كتاب موسى يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، وقرئ كتاب موسى بالنصب أي يتلو كتاب موسى جبريل.

(إماماً ورحمة) الإمام هو الذي يؤتم به في أمور الدين ويقتدى به في الأحكام والشرائع، والرحمة النعمة العظيمة التي أنعم الله بها على من أنزله عليهم وعلى من بعدهم إلى يوم القيامة باعتبار ما اشتمل عليه من الأحكام الشرعية الموافقة لحكم القرآن.

(أولئك) أي المتصفون بتلك الصفة الفاضلة وهو الكون على البينة من الله (يؤمنون به) أي يصدقون بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بالقرآن (ومن يكفر به) أي بالنبي أو بالقرآن (من الأحزاب) وهم المتحزبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة وغيرهم أو المتحزبون من أهل الأديان كلها قال قتادة: الكفار أحزاب كلهم على الكفر.

(فالنار موعده) أي هو من أهل النار …

18

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ

And who is more unjust than he who invents a lie about Allah? Those will be presented before their Lord, and the witnesses will say, "These are the ones who lied against their Lord." Unquestionably, the curse of Allah is upon the wrongdoers.

(ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً) أي لا أحد أظلم منهم لأنفسهم لأنهم افتروا عليه سبحانه كذباً بقولهم لأصنامهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وقولهم الملائكة بنات الله، وأضافوا كلامه سبحانه إلى غيره، واللفظ وإن كان لا يقتضي إلا نفي وجود من هو أظلم منهم كما يفيده الاستفهام الإنكاري فالمقام يفيد نفي المساوي لهم في الظلم، فالمعنى على هذا لا أحد مثلهم في الظلم فضلاً عن أن يوجد من هو أظلم منهم، وذكر لهم هنا من أوصافهم أربعة عشر وصفاً، أولها افتراء الكذب وآخرها كونهم في الآخرة أخسر من غيرهم

(أولئك) أي الموصوفون بالظلم المتبالغ (يعرضون على ربهم) يوم القيامة فيحاسبهم على أعمالهم أو المراد بعرضهم عرض أعمالهم عرضاً تظهر به فضيحتهم (ويقول الأشهاد) جمع شهيد، ورجحه أبو علي بكثرة ورود شهيد في القرآن كقوله (ويكون الرسول عليكم شهيداً، فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً).

وقيل هو جمع شاهد كأصحاب وصاحب. قال مجاهد: هم الملائكة الحفظة وقيل المرسلون. قاله ابن عباس، وقيل الملائكة والمرسلون والعلماء الذين بلغوا ما أمرهم الله بإبلاغه، وقيل جميع الخلائق، قاله قتادة. والمعنى أنه يقول هؤلاء الأشهاد عند العرض

(هؤلاء) المعرضون أو المعروضة أعمالهم (الذين كذبوا على ربهم) في الدنيا بما نسبوه إليه ولم يصرحوا بما كذبوا به، كأنه كان أمراً معلوماً عند أهل ذلك الموقف (ألا لعنة الله على الظالمين) الذين ظلموا أنفسهم بالافتراء، هذا من تمام كلام الأشهاد، أي يقولون ألا لعنة الله الخ، ويجوز أن يكون من كلام الله سبحانه. قاله بعدما قال الأشهاد.

وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يدني المؤمن حتى يضع كنفه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول رب أعرف، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال فإني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد إلى قوله الظالمين البخاري كتاب التوحيد باب 36 بلفظ: " يدنو أحدكم من ربه حتى ... "..

والفائدة في قول الأشهاد بهذه المقالة المبالغة في فضيحة الكفار والتقريع لهم على رؤوس الأشهاد.

ثم وصف هؤلاء الظالمين الذين لعنوا بأنهم

19

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ

Who averted [people] from the way of Allah and sought to make it [seem] deviant while they, concerning the Hereafter, were disbelievers.

(الذين يصدون عن سبيل الله) أي يمنعون من قدروا على منعه عن دين الله والدخول فيه، وقال السدي عن محمد صدت قريش عنه الناس.

(ويبغونها عوجاً) أي يصفونها بالاعوجاج تنفيراً للناس عنها أو يبغون أهلها أن يكونوا معوجين بالخروج عنها إلى الكفر، يقال بغيتك شراً أي طلبته لك. وقال أبو مالك: يعني يرجون بمكة غير الإسلام ديناً.

(وهم) أي والحال أنهم هم بالآخرة (كافرون) أي غير مصدقين فكيف يصدون الناس عن طريق الحق وهم على الباطل البحت، وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به، حتى كأن كفر غيرهم غير معتد به بالنسبة إلى عظيم كفرهم.

أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21)

20

أُو۟لَٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ

Those were not causing failure [to Allah] on earth, nor did they have besides Allah any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.

(أولئك) الموصوفون بتلك الصفات (لم يكونوا معجزين في الأرض) أي ما كانوا يعجزون الله في الدنيا إن أراد عقوبتهم، وقيل معناه سابقين، وقيل فائتين، وقيل مفلتين أنفسهم من أخذه لو أرادوا ذلك في الأرض مع سعتها وإن هربوا فيها كل مهرب

(وما كان لهم من دون الله من أولياء) يدفعون عنهم ما يريده الله سبحانه من عقوبتهم وإنزال بأسه بهم؛ ومن زائدة

(يضاعف) وقرئ يضعَّف بالتشديد (لهم العذاب) في الآخرة مستأنفة لبيان أن تأخير العذاب والتراخي عن تعجيله لهم ليكون عذاباً مضاعفاً بسبب صدهم عن سبيل الله وإنكارهم البعث، بعد الموت

وقال السيوطي: بإضلالهم غيرهم قال الصاوي: حاصله قوله حاصله أي حاصل قول السيوطي إهـ منه. إن المضاعفة مخصوصة بالحسنات، وأما السيئات فلا تضاعف قال تعالى (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) فمعنى المضاعفة الشدة لأنهم يعذبون عذابين عذاباً على ضلالهم في أنفسهم وعذاباً على إضلالهم غيرهم.

(ما كانوا يستطيعون السمع) أي أفرطوا في إعراضهم عن الحق وبغضهم له حتى كأنهم لا يقدرون على السمع للحق وهذا تعليل لمضاعفة العذاب (وما كانوا يبصرون) أي ولا يقدرون على الإبصار لفرط تعاميهم عن الصواب.

ويجوز أن يراد بقوله (وما كان لهم من دون الله من أولياء) أنهم جعلوا آلهتهم أولياء من دون الله ولا ينفعهم ذلك، فما كان هؤلاء الأولياء يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون فكيف ينفعونهم فيجلبون لهم نفعاً ويدفعون عنهم ضراً.

وقوله: (يضاعف لهم العذاب) اعتراض وسط بينهما نعياً عليهم من أول الأمر سوء العاقبة ويجوز أن يكون ما هي المدة، والمعنى أنه يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع والبصر، وقال الفراء: لا يستطيعون السمع لأن الله أضلهم في اللوح المحفوظ.

وقال الزجاج: لبغضهم النبي صلى الله عليه وسلم وعداوتهم له لا يستطيعون أن يسمعوا منه ولا يفهموا عنه.

قال النحاس: هذا معروف في كلام العرب يقال فلان لا يستطيع أن ينظر إلى فلان، إذا كان ثقيلاً عليه.

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.