قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًۭا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًۭا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَٰكَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍۢ
They said, "O Shu'ayb, we do not understand much of what you say, and indeed, we consider you among us as weak. And if not for your family, we would have stoned you [to death]; and you are not to us one respected."
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾
الفِقْهُ: الفَهْمُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ومُرادُهم مِن هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَصْدَ المُباهَتَةِ كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] وقَوْلِهِ عَنِ اليَهُودِ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما نَتَعَقَّلُهُ لِأنَّهُ عِنْدَهم كالمُحالِ لِمُخالَفَتِهِ ما يَأْلَفُونَ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْ غَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥]، ولَيْسَ المُرادُ عَدَمَ فَهْمِ كَلامِهِ؛ لِأنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مِقْوالًا فَصِيحًا، ووَصَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّهُ خَطِيبُ الأنْبِياءِ.
فالمَعْنى: أنَّكَ تَقُولُ ما لا نُصَدِّقُ بِهِ. وهَذا مُقَدِّمَةٌ لِإدانَتِهِ واسْتِحْقاقِهِ الذَّمَّ والعِقابَ عِنْدَهم في قَوْلِهِمْ ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾، ولِذَلِكَ عَطَفُوا عَلَيْهِ ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ أيْ وإنَّكَ فِينا لَضَعِيفٌ، أيْ غَيْرُ ذِي قُوَّةٍ ولا مَنَعَةٍ. فالمُرادُ الضَّعْفُ عَنِ المُدافَعَةِ إذا رامُوا أذاهُ وذَلِكَ مِمّا يُرى لِأنَّهُ تُرى دَلائِلُهُ وسِماتُهُ.
وذِكْرُ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ هُنا لِلتَّحْقِيقِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] بِحَيْثُ نَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ مَن
صفحة ١٤٩
يَظُنُّونَ أنَّهم لا يَرَوْنَ ذَلِكَ بِأبْصارِهِمْ فَصَرَّحُوا بِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ. وأكَّدُوهُ بِإنَّ ولامِ الِابْتِداءِ مُبالَغَةً في تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَن يَجْهَلُ أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فِيهِ، أوْ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ. وفي هَذا التَّنْزِيلِ تَعْرِيضٌ بِغَباوَتِهِ كَما في قَوْلِ حَجَلَ بْنِ نَضْلَةَ:
إنْ بَنِي عَمِّكَ فِيهِمْ رِماحٌ
ومِن فَسادِ التَّفاسِيرِ تَفْسِيرُ الضَّعِيفِ بِفاقِدِ البَصَرِ وأنَّهُ لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ فَرَكَّبُوا مِنهُ أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ أعْمى، وتَطَرَّقُوا مِن ذَلِكَ إلى فَرْضِ مَسْألَةِ جَوازِ العَمى عَلى الأنْبِياءِ، وهو بِناءٌ عَلى أوْهامٍ. ولَمْ يُعْرَفْ مِنَ الأثَرِ ولا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ ما فِيهِ أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ أعْمى.
وعَطَفُوا عَلى هَذا قَوْلَهم ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ وهو المَقْصُودُ مِمّا مُهِّدَ إلَيْهِ مِنَ المُقَدِّماتِ، أيْ لا يَصُدُّنا عَنْ رَجْمِكَ شَيْءٌ إلّا مَكانُ رَهْطِكَ فِينا؛ لِأنَّكَ أوْجَبْتَ رَجْمَكَ بِطَعْنِكَ في دِينِنا.
والرَّهْطُ إذا أُضِيفَ إلى رَجُلٍ أُرِيدَ بِهِ القَرابَةُ الأدْنَوْنَ لِأنَّهم لا يَكُونُونَ كَثِيرًا، فَأطْلَقُوا عَلَيْهِمْ لَفْظَ الرَّهْطِ الَّذِي أصْلُهُ الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، ولَمْ يَقُولُوا قَوْمَكَ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ قَدْ نَبَذُوهُ. وكانَ رَهْطُ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن خاصَّةٍ أهْلِ دِينِ قَوْمِهِ فَلِذَلِكَ وقَّرُوهم بِكَفِّ الأذى عَنْ قَرِيبِهِمْ لِأنَّهم يَكْرَهُونَ ما يُؤْذِيهِ لِقَرابَتِهِ. ولَوْلا ذَلِكَ لَما نَصَرَهُ رَهْطُهُ لِأنَّهم لا يَنْصُرُونَ مَن سَخِطَهُ أهْلُ دِينِهِمْ. عَلى أنَّ قَرابَتَهُ ما هم إلّا …