Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 41–50 of 123

41

۞ وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And [Noah] said, "Embark therein; in the name of Allah is its course and its anchorage. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾

المَعْنى وقالَ نُوحٌ -حِينَ أُمِرَ بِالحَمْلِ في السَفِينَةِ- لِمَن آمَنَ مَعَهُ: ﴿ارْكَبُوا فِيها﴾ فَأنَّثَ الضَمِيرَ، إذْ هي سَفِينَةٌ لِأنَّ الفُلْكَ المَذْكُورَ مُذَكَّرٌ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "عَلى اسْمِ اللهِ". وقَوْلُهُ: بِسْمِ اللهِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ارْكَبُوا كَما تَقُولُ: خَرَجَ زَيْدٌ بِثِيابِهِ وبِسِلاحِهِ، أيِ ارْكَبُوا مُتَبَرِّكِينَ بِاللهِ تَعالى، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ ظَرْفَيْنِ، أيْ وقْتَ إجْرائِها وإرْسائِها. كَما تَقُولُ العَرَبُ: "الحَمْدُ لِلَّهِ سِرارَكَ وإهْلالَكَ وخُفُوقَ النَجْمِ ومَقْدَمَ الحاجِّ"، فَهَذِهِ ظَرْفِيَّةُ زَمانٍ، والعامِلُ في هَذا الظَرْفِ ما في "بِسْمِ اللهِ" مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "بِسْمِ اللهِ" في مَوْضِعِ خَبَرٍ و"مَجْراها ومُرْساها" ابْتِداءٌ مَصْدَرانِ كَأنَّهُ قالَ: "ارْكَبُوا فِيها فَإنَّ بِبَرَكَةِ اللهِ إجْراءَها وإرْساءَها"، وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ حالٍ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "فِيها"، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "ارْكَبُوا" لِأنَّهُ لا عائِدَ في الجُمْلَةِ يَعُودُ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ الضَحّاكُ: إنَّ نُوحًا كانَ إذا أرادَ جَرْيَ السَفِينَةِ قالَ: بِسْمِ اللهِ، فَتَجْرِي وإذا أرادَ وُقُوفَها قالَ: بِسْمِ اللهِ فَتَقِفُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وابْنِ عامِرٍ: "مُجْراها ومُرْساها" بِضَمِّ المِيمَيْنِ عَلى مَعْنى: إجْرائِها وإرْسائِها، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٌ، وأبِي رَجاءٍ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وجُمْهُورِ الناسِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدٍ:

؎ وعَمَرْتُ حَرْسًا قَبَلَ مُجْرى داحِسٍ ∗∗∗ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَجُوجِ خُلُودُ

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "مَجْرِيها" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الراءِ، وكُلُّهم ضَمَّ المِيمَ مِن "مُرْساها"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "مَجْراها ومَرْساها" بِفَتْحِ المِيمَيْنِ، وذَلِكَ مِنَ الجَرْيِ والرَسْوِ، وهَذِهِ ظَرْفِيَّةُ مَكانٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عنتَرَةَ:

؎ فَصَبَرْتُ نَفْسًا عِنْدَ ذَلِكَ حُرَّةً ∗∗∗ ∗∗∗ تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبانِ تَطَلَّعُ

واخْتارَ الطَبَرِيُّ قِراءَةَ "مَجْراها ومُرْساها" بِفَتْحِ المِيمِ الأولى وضَمِّ الثانِيَةِ، ورَجَّحَها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي﴾، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ، "تَجْرِي" وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا، رَواها عنهُ أبُو وائِلٍ، ومَسْرُوقٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، والنَخْعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، والكَلْبِيُّ، والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ، وأهْلُ الشامِ: "مُجْرِيها ومُرْسِيها" وهُما -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- صِفَتانِ لِلَّهِ تَعالى عائِدَتانِ عَلى ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ: بِسْمِ اللهِ.

وَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى قَدْرِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ ورَحْمَتِهِ لَهم وسِتْرِهِ عَلَيْهِمْ وغُفْرانِهِ ذُنُوبَهم بِتَوْبَتِهِمْ وإنابَتِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّ السَماءَ أمْطَرَتْ بِأجْمَعِها حَتّى لَمْ يَكُنْ في الهَواءِ جانِبٌ لا مَطَرَ فِيهِ، وتَفَجَّرَتِ الأرْضُ كُلُّها …

42

وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍۢ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍۢ يَٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾

المَعْنى وقالَ نُوحٌ -حِينَ أُمِرَ بِالحَمْلِ في السَفِينَةِ- لِمَن آمَنَ مَعَهُ: ﴿ارْكَبُوا فِيها﴾ فَأنَّثَ الضَمِيرَ، إذْ هي سَفِينَةٌ لِأنَّ الفُلْكَ المَذْكُورَ مُذَكَّرٌ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "عَلى اسْمِ اللهِ". وقَوْلُهُ: بِسْمِ اللهِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ارْكَبُوا كَما تَقُولُ: خَرَجَ زَيْدٌ بِثِيابِهِ وبِسِلاحِهِ، أيِ ارْكَبُوا مُتَبَرِّكِينَ بِاللهِ تَعالى، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ ظَرْفَيْنِ، أيْ وقْتَ إجْرائِها وإرْسائِها. كَما تَقُولُ العَرَبُ: "الحَمْدُ لِلَّهِ سِرارَكَ وإهْلالَكَ وخُفُوقَ النَجْمِ ومَقْدَمَ الحاجِّ"، فَهَذِهِ ظَرْفِيَّةُ زَمانٍ، والعامِلُ في هَذا الظَرْفِ ما في "بِسْمِ اللهِ" مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "بِسْمِ اللهِ" في مَوْضِعِ خَبَرٍ و"مَجْراها ومُرْساها" ابْتِداءٌ مَصْدَرانِ كَأنَّهُ قالَ: "ارْكَبُوا فِيها فَإنَّ بِبَرَكَةِ اللهِ إجْراءَها وإرْساءَها"، وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ حالٍ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "فِيها"، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "ارْكَبُوا" لِأنَّهُ لا عائِدَ في الجُمْلَةِ يَعُودُ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ الضَحّاكُ: إنَّ نُوحًا كانَ إذا أرادَ جَرْيَ السَفِينَةِ قالَ: بِسْمِ اللهِ، فَتَجْرِي وإذا أرادَ وُقُوفَها قالَ: بِسْمِ اللهِ فَتَقِفُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وابْنِ عامِرٍ: "مُجْراها ومُرْساها" بِضَمِّ المِيمَيْنِ عَلى مَعْنى: إجْرائِها وإرْسائِها، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٌ، وأبِي رَجاءٍ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وجُمْهُورِ الناسِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدٍ:

؎ وعَمَرْتُ حَرْسًا قَبَلَ مُجْرى داحِسٍ ∗∗∗ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَجُوجِ خُلُودُ

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "مَجْرِيها" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الراءِ، وكُلُّهم ضَمَّ المِيمَ مِن "مُرْساها"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "مَجْراها ومَرْساها" بِفَتْحِ المِيمَيْنِ، وذَلِكَ مِنَ الجَرْيِ والرَسْوِ، وهَذِهِ ظَرْفِيَّةُ مَكانٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عنتَرَةَ:

؎ فَصَبَرْتُ نَفْسًا عِنْدَ ذَلِكَ حُرَّةً ∗∗∗ ∗∗∗ تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبانِ تَطَلَّعُ

واخْتارَ الطَبَرِيُّ قِراءَةَ "مَجْراها ومُرْساها" بِفَتْحِ المِيمِ الأولى وضَمِّ الثانِيَةِ، ورَجَّحَها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي﴾، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ، "تَجْرِي" وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا، رَواها عنهُ أبُو وائِلٍ، ومَسْرُوقٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، والنَخْعِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، والكَلْبِيُّ، والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ، وأهْلُ الشامِ: "مُجْرِيها ومُرْسِيها" وهُما -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- صِفَتانِ لِلَّهِ تَعالى عائِدَتانِ عَلى ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ: بِسْمِ اللهِ.

وَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى قَدْرِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ ورَحْمَتِهِ لَهم وسِتْرِهِ عَلَيْهِمْ وغُفْرانِهِ ذُنُوبَهم بِتَوْبَتِهِمْ وإنابَتِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّ السَماءَ أمْطَرَتْ بِأجْمَعِها حَتّى لَمْ يَكُنْ في الهَواءِ جانِبٌ لا مَطَرَ فِيهِ، وتَفَجَّرَتِ الأرْضُ كُلُّها …

43

قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍۢ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ

[But] he said, "I will take refuge on a mountain to protect me from the water." [Noah] said, "There is no protector today from the decree of Allah, except for whom He gives mercy." And the waves came between them, and he was among the drowned.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِنَ أمْرِ اللهِ إلا مِنَ رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ ﴿وَقِيلَ: يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ: بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ﴾

ظَنَّ ابْنُ نُوحٍ أنَّ ذَلِكَ المَطَرَ والماءَ عَلى العادَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا عاصِمَ﴾، قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ عَلى لَفْظَةِ فاعِلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَن رَحِمَ﴾ يُرِيدُ: إلّا اللهُ الراحِمُ، فَـ "مَن" كِنايَةٌ عَنِ اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، المَعْنى: لا عاصِمَ اليَوْمَ إلّا الَّذِي رَحِمَنا فَـ "مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إلا مَن رَحِمَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قالَ: لا عاصِمَ اليَوْمَ مَوْجُودٌ، لَكِنْ مَن رَحِمَ اللهُ مَوْجُودٌ، وحَسَّنَ هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، أنَّ نَفْيَ العاصِمِ يَقْتَضِي نَفْيَ المَعْصُومِ. فَهو حاصِلٌ بِالمَعْنى. وأمّا مِن جِهَةِ اللَفْظِ، فَـ "مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ النابِغَةِ:

؎ إلّا الأُوارِيَّ............. ∗∗∗.....................

ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ

إذْ هَذانَ أنِيسُ ذَلِكَ المَوْضِعِ القَفْرِ، والمَعْصُومُ هُنا لَيْسَ بِعاصِمٍ بِوَجْهٍ، وقِيلَ: " عاصِمٌ " مَعْناهُ: ذُو اعْتِصامٍ، فَـ " عاصِمٌ " -عَلى هَذا- في مَعْنى مَعْصُومٍ، ويَجِيءُ الِاسْتِثْناءُ مُسْتَقِيمًا، و"مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و"اليَوْمَ" ظَرْفٌ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أمْرِ اللهِ﴾، أو بِالخَيْرِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: كائِنٌ اليَوْمَ، ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ " عاصِمَ " لِأنَّهُ كانَ يَجِيءُ مُنَوَّنًا: "لا عاصِمًا اليَوْمَ"، يَرْجِعُ إلى أصْلِ النَصْبِ لِئَلّا يَرْجِعُ ثَلاثَةُ أشْياءَ واحِدًا، وإنَّما القانُونُ أنْ يَكُونَ الشَيْئانِ واحِدًا: "لا" وما عَمِلَتْ فِيهِ، ومِثالُ النَحْوِيِّينَ في هَذِهِ المَسْألَةِ: لا أمْرًا يَوْمَ الجُمْعَةِ لَكَ، فَإنْ أعْمَلْتَ في يَوْمٍ لَكَ قُلْتَ: لا أمْرَ.

و"بَيْنَهُما" يُرِيدُ:: بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ، فَكانَ الِابْنُ مِمَّنْ غَرِقَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ الآيَةُ، بِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ أبْلَغُ في التَعْظِيمِ والجَبَرُوتِ، وكَذَلِكَ بِناءُ الأفْعالِ -بَعْدَ ذَلِكَ- في سائِرِ الآيَةِ ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: هَذا كَلامُ القادِرِينَ، و"البَلْعُ" هو تَجَرُّعُ الشَيْءِ وازْدِرادُهُ، فَشَبَّهَ قَبْضَ الأرْضِ لِلْماءِ وتَسَرُّبَهُ فِيها بِذَلِكَ، وأُمِرَتْ بِالتَشْبِيهِ وأضافَ الماءَ إلَيْها إذْ هُو عَلَيْها وحاصِلٌ فِيها، و"السَماءُ" في هَذِهِ الآيَةِ، إمّا السَماءُ المُظِلَّةُ، وإمّا السُحُبُ، و"الإقْلاعُ" عَنِ الشَيْءِ تَرْكُهُ، والمَعْنى: أقْلِعِي عَنِ الإمْطارِ، وغِيضَ مَعْناهُ: نَقَصَ، وأكْثَرُ ما يَجِيءُ فِيما هو بِمَعْنى جُفُوفٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَغِيضَ الماءُ﴾، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ [الرعد: ٨]، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ ذَلِكَ في الحَيْضِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعَفُرَ:

؎ ......................... ∗∗∗ ∗∗∗ ما غِيضَ مِن بَصَرِي ومِن أجْلادِي

وَذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ الهَرَمَ إنَّما تَنَقُّصُهُ بِجُفُوفٍ وقَضافَةٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ القِصَّةِ:

بَعْثُ الماءِ وإهْلاكُ الأُمَمِ وإنْجاءُ أهْلِ السَفِينَةِ. ورُوِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ رَكِبَ في السَفِينَةِ …

44

وَقِيلَ يَٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And it was said, "O earth, swallow your water, and O sky, withhold [your rain]." And the water subsided, and the matter was accomplished, and the ship came to rest on the [mountain of] Judiyy. And it was said, "Away with the wrongdoing people."

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِنَ أمْرِ اللهِ إلا مِنَ رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ ﴿وَقِيلَ: يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ: بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ﴾

ظَنَّ ابْنُ نُوحٍ أنَّ ذَلِكَ المَطَرَ والماءَ عَلى العادَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا عاصِمَ﴾، قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ عَلى لَفْظَةِ فاعِلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا مَن رَحِمَ﴾ يُرِيدُ: إلّا اللهُ الراحِمُ، فَـ "مَن" كِنايَةٌ عَنِ اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، المَعْنى: لا عاصِمَ اليَوْمَ إلّا الَّذِي رَحِمَنا فَـ "مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إلا مَن رَحِمَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَأنَّهُ قالَ: لا عاصِمَ اليَوْمَ مَوْجُودٌ، لَكِنْ مَن رَحِمَ اللهُ مَوْجُودٌ، وحَسَّنَ هَذا مِن جِهَةِ المَعْنى، أنَّ نَفْيَ العاصِمِ يَقْتَضِي نَفْيَ المَعْصُومِ. فَهو حاصِلٌ بِالمَعْنى. وأمّا مِن جِهَةِ اللَفْظِ، فَـ "مَن" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ النابِغَةِ:

؎ إلّا الأُوارِيَّ............. ∗∗∗.....................

ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ ∗∗∗ ∗∗∗ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ

إذْ هَذانَ أنِيسُ ذَلِكَ المَوْضِعِ القَفْرِ، والمَعْصُومُ هُنا لَيْسَ بِعاصِمٍ بِوَجْهٍ، وقِيلَ: " عاصِمٌ " مَعْناهُ: ذُو اعْتِصامٍ، فَـ " عاصِمٌ " -عَلى هَذا- في مَعْنى مَعْصُومٍ، ويَجِيءُ الِاسْتِثْناءُ مُسْتَقِيمًا، و"مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و"اليَوْمَ" ظَرْفٌ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أمْرِ اللهِ﴾، أو بِالخَيْرِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: كائِنٌ اليَوْمَ، ولا يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ " عاصِمَ " لِأنَّهُ كانَ يَجِيءُ مُنَوَّنًا: "لا عاصِمًا اليَوْمَ"، يَرْجِعُ إلى أصْلِ النَصْبِ لِئَلّا يَرْجِعُ ثَلاثَةُ أشْياءَ واحِدًا، وإنَّما القانُونُ أنْ يَكُونَ الشَيْئانِ واحِدًا: "لا" وما عَمِلَتْ فِيهِ، ومِثالُ النَحْوِيِّينَ في هَذِهِ المَسْألَةِ: لا أمْرًا يَوْمَ الجُمْعَةِ لَكَ، فَإنْ أعْمَلْتَ في يَوْمٍ لَكَ قُلْتَ: لا أمْرَ.

و"بَيْنَهُما" يُرِيدُ:: بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ، فَكانَ الِابْنُ مِمَّنْ غَرِقَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ الآيَةُ، بِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ أبْلَغُ في التَعْظِيمِ والجَبَرُوتِ، وكَذَلِكَ بِناءُ الأفْعالِ -بَعْدَ ذَلِكَ- في سائِرِ الآيَةِ ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: هَذا كَلامُ القادِرِينَ، و"البَلْعُ" هو تَجَرُّعُ الشَيْءِ وازْدِرادُهُ، فَشَبَّهَ قَبْضَ الأرْضِ لِلْماءِ وتَسَرُّبَهُ فِيها بِذَلِكَ، وأُمِرَتْ بِالتَشْبِيهِ وأضافَ الماءَ إلَيْها إذْ هُو عَلَيْها وحاصِلٌ فِيها، و"السَماءُ" في هَذِهِ الآيَةِ، إمّا السَماءُ المُظِلَّةُ، وإمّا السُحُبُ، و"الإقْلاعُ" عَنِ الشَيْءِ تَرْكُهُ، والمَعْنى: أقْلِعِي عَنِ الإمْطارِ، وغِيضَ مَعْناهُ: نَقَصَ، وأكْثَرُ ما يَجِيءُ فِيما هو بِمَعْنى جُفُوفٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَغِيضَ الماءُ﴾، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ [الرعد: ٨]، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ ذَلِكَ في الحَيْضِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعَفُرَ:

؎ ......................... ∗∗∗ ∗∗∗ ما غِيضَ مِن بَصَرِي ومِن أجْلادِي

وَذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ الهَرَمَ إنَّما تَنَقُّصُهُ بِجُفُوفٍ وقَضافَةٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ القِصَّةِ:

بَعْثُ الماءِ وإهْلاكُ الأُمَمِ وإنْجاءُ أهْلِ السَفِينَةِ. ورُوِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ رَكِبَ في السَفِينَةِ …

45

وَنَادَىٰ نُوحٌۭ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَٰكِمِينَ

And Noah called to his Lord and said, "My Lord, indeed my son is of my family; and indeed, Your promise is true; and You are the most just of judges!"

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِن الجاهِلِينَ﴾

هَذِهِ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها دُونَ تَرْتِيبٍ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كانَتْ في أوَّلِ ما رَكِبَ نُوحٌ في السَفِينَةِ ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الطَبَرِيِّ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ غَرَقِ الِابْنِ، وهو مُحْتَمَلٌ، والأوَّلُ ألْيَقُ.

وهَذِهِ الآيَةُ احْتِجاجٌ مَن نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ أمَرَهُ بِحَمْلِ أهْلِهِ، وابْنُهُ مِن أهْلِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ، فَأظْهَرَ اللهُ لَهُ أنَّ المُرادَ مَن آمَنَ مِنَ الأهْلِ، ثُمَّ حَسَّنَ المُخاطَبَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾، وبِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾، فَإنَّ هَذِهِ الأقْوالَ مُعِينَةٌ في حُجَّتِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ ظَنَّ أنَّ ابْنَهُ مُؤْمِنٌ، وذَلِكَ أشَدُّ الِاحْتِمالَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا نُوحُ﴾ الآيَةَ، المَعْنى: قالَ اللهُ تَعالى: يا نُوحُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾: لَيْسَ بِوَلَدٍ لَكَ، وزَعَمَتْ أنَّهُ كانَ لِغَيَّةٍ وأنَّ امْرَأتَهُ الكافِرَةَ خانَتْهُ فِيهِ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ وعَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ: وقالَ ابْنُ أبْزى إنَّما قَضى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالوَلَدِ لِلْفِراشِ مِن أجْلِ ابْنِ نُوحٍ، وحَلَفَ الحَسَنُ أنَّهُ لَيْسَ بِابْنِهِ، وحَلَفَ عِكْرِمَةُ والضَحّاكُ أنَّهُ ابْنُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

عَوَّلَ الحَسَنُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾، وعَوَّلَ الضَحّاكُ وعِكْرِمَةُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢].

وقَرَأ الحَسَنُ ومَن تَأوَّلَ تَأْوِيلَهُ: "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ" -عَلى هَذا- المَعْنى، وهي قِراءَةُ السَبْعَةِ سِوى الكِسائِيِّ، وقِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقالَ مَن خالَفَ الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ عَمَّهُمُ الوَعْدُ لِأنَّهُ لَيْسَ عَلى دِينِكَ وإنْ كانَ ابْنَكَ بِالوَلاءِ. فَمَن قَرَأ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ: "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ" جَعْلَهُ وصَفًّا لَهُ بِالمَصْدَرِ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، فَوَصَفَهُ بِذَلِكَ كَما قالَتِ الخَنْساءُ تَصِفُ ناقَةً ذَهَبَ عنها ولَدُها:

؎ تَرْتَعُ ما غَفَلَتْ حَتّى إذا ادَّكَرَتْ ∗∗∗ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ

أيْ" ذاتُ إقْبالٍ وإدْبارٍ.

وقَرَأ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: "إنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صالِحٍ"، وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ، ورَوَتْ هَذِهِ القِراءَةَ أمُّ سَلَمَةَ وعائِشَةَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ وطَعَنَ في الحَدِيثِ بِأنَّهُ مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وعائِشَةَ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "إنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ". وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ" عَلى قِراءَةِ جُمْهُورِ السَبْعَةِ عَلى سُؤالِ نُوحٍ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ وقَدْ فَسَّرَهُ آخِرُ الآيَةِ ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أنْ تَسْألَنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ". وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى رُكُوبِ ولَدِ نُوحٍ مَعَهُمُ الَّذِي …

46

قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَٰلِحٍۢ ۖ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

He said, "O Noah, indeed he is not of your family; indeed, he is [one whose] work was other than righteous, so ask Me not for that about which you have no knowledge. Indeed, I advise you, lest you be among the ignorant."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِن الجاهِلِينَ﴾

هَذِهِ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها دُونَ تَرْتِيبٍ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كانَتْ في أوَّلِ ما رَكِبَ نُوحٌ في السَفِينَةِ ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الطَبَرِيِّ أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ غَرَقِ الِابْنِ، وهو مُحْتَمَلٌ، والأوَّلُ ألْيَقُ.

وهَذِهِ الآيَةُ احْتِجاجٌ مَن نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ أمَرَهُ بِحَمْلِ أهْلِهِ، وابْنُهُ مِن أهْلِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ، فَأظْهَرَ اللهُ لَهُ أنَّ المُرادَ مَن آمَنَ مِنَ الأهْلِ، ثُمَّ حَسَّنَ المُخاطَبَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾، وبِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾، فَإنَّ هَذِهِ الأقْوالَ مُعِينَةٌ في حُجَّتِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ ظَنَّ أنَّ ابْنَهُ مُؤْمِنٌ، وذَلِكَ أشَدُّ الِاحْتِمالَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا نُوحُ﴾ الآيَةَ، المَعْنى: قالَ اللهُ تَعالى: يا نُوحُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾: لَيْسَ بِوَلَدٍ لَكَ، وزَعَمَتْ أنَّهُ كانَ لِغَيَّةٍ وأنَّ امْرَأتَهُ الكافِرَةَ خانَتْهُ فِيهِ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ وعَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ: وقالَ ابْنُ أبْزى إنَّما قَضى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالوَلَدِ لِلْفِراشِ مِن أجْلِ ابْنِ نُوحٍ، وحَلَفَ الحَسَنُ أنَّهُ لَيْسَ بِابْنِهِ، وحَلَفَ عِكْرِمَةُ والضَحّاكُ أنَّهُ ابْنُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

عَوَّلَ الحَسَنُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾، وعَوَّلَ الضَحّاكُ وعِكْرِمَةُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢].

وقَرَأ الحَسَنُ ومَن تَأوَّلَ تَأْوِيلَهُ: "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ" -عَلى هَذا- المَعْنى، وهي قِراءَةُ السَبْعَةِ سِوى الكِسائِيِّ، وقِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقالَ مَن خالَفَ الحَسَنَ بْنَ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ عَمَّهُمُ الوَعْدُ لِأنَّهُ لَيْسَ عَلى دِينِكَ وإنْ كانَ ابْنَكَ بِالوَلاءِ. فَمَن قَرَأ مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ: "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ" جَعْلَهُ وصَفًّا لَهُ بِالمَصْدَرِ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، فَوَصَفَهُ بِذَلِكَ كَما قالَتِ الخَنْساءُ تَصِفُ ناقَةً ذَهَبَ عنها ولَدُها:

؎ تَرْتَعُ ما غَفَلَتْ حَتّى إذا ادَّكَرَتْ ∗∗∗ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ

أيْ" ذاتُ إقْبالٍ وإدْبارٍ.

وقَرَأ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: "إنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صالِحٍ"، وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ، ورَوَتْ هَذِهِ القِراءَةَ أمُّ سَلَمَةَ وعائِشَةَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ وطَعَنَ في الحَدِيثِ بِأنَّهُ مِن طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وعائِشَةَ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "إنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ". وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ" عَلى قِراءَةِ جُمْهُورِ السَبْعَةِ عَلى سُؤالِ نُوحٍ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ وقَدْ فَسَّرَهُ آخِرُ الآيَةِ ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أنْ تَسْألَنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ". وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى رُكُوبِ ولَدِ نُوحٍ مَعَهُمُ الَّذِي …

47

قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

[Noah] said, "My Lord, I seek refuge in You from asking that of which I have no knowledge. And unless You forgive me and have mercy upon me, I will be among the losers."

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿قِيلَ: يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ فِيها إنابَةُ نُوحٍ وتَسْلِيمُهُ لِأمْرِ اللهِ تَعالى واسْتِغْفارُهُ، بِالسُؤالِ الَّذِي وقَعَ النَهْيُ عَلَيْهِ والِاسْتِعاذَةُ والِاسْتِغْفارُ مِنهُ هو سُؤالُ العَزْمِ الَّذِي مَعَهُ مُحاجَّةً وطِلْبَةً مُلِحَّةً فِيما قَدْ حُجِبَ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ وأمّا السُؤالُ في الأُمُورِ عَلى جِهَةِ التَعَلُّمِ والِاسْتِرْشادِ فَغَيْرُ داخِلٍ في هَذا.

وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] يَعُمُّ النَحْوَيْنِ مِنَ السُؤالِ، فَلِذَلِكَ نَبَّهْتُ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ، و"الخاسِرُونَ" هُمُ المَغْبُونُونَ حُظُوظَهم مِنَ الخَيْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ كانَ هَذا عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَفِينَةِ مَعَ أصْحابِهِ لِلِانْتِشارِ في الأرْضِ، و"السَلامُ" هُنا السَلامَةُ والأمْنُ ونَحْوُهُ، و"البَرَكاتُ" الخَيْرُ والنُمُوُّ في كُلِّ الجِهاتِ، وهَذِهِ العِدَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ أيْ: مِن ذُرِّيَّةِ مَن مَعَكَ ومِن نَسْلِهِمْ، فَـ"مِن" -عَلى هَذا- هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: مِن هَؤُلاءِ تَكُونُ هَذِهِ الأُمَمُ، و"مَن" مَوْصُولَةٌ، وصِلَتُها "مَعَكَ" وما يَتَقَدَّرُ مَعَها نَحْوُ قَوْلِكَ: مِمَّنِ اسْتَقَرَّ مَعَكَ ونَحْوُهُ ثُمَّ قَطَعَ قَوْلُهُ: "وَأُمَمٌ" عَلى وجْهِ الِابْتِداءِ إذْ كانَ أمْرُهم مَقْطُوعًا مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الكُفّارُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ الآيَةُ إشارَةٌ إلى القِصَّةِ، أيْ: هَذِهِ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي تَقادَمَ عَهْدُها ولَمْ يَبْقَ عِلْمُها إلّا عِنْدَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولَمْ يَكُنْ عِلْمُها أو عِلْمُ أشْباهِها عِنْدَكَ ولا عِنْدَ قَوْمِكَ، ونَحْنُ نُوحِيها إلَيْكَ لِتَكُونَ لَكَ هِدايَةً وأُسْوَةً فِيما لَقِيَهُ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ، وتَكُونَ لِقَوْمِكَ مِثالًا وتَحْذِيرًا، لِئَلّا يُصِيبَهم إذا كَذَّبُوكَ مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ وغَيْرَهم مِنَ الأُمُورِ المُعَذِّبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وعَلى هَذا المَعْنى ظَهَرَتْ فَصاحَةُ قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أيْ: فاجْتَهِدْ في التَبْلِيغِ وجِدَّ في الرِسالَةِ واصْبِرْ عَلى الشَدائِدِ واعْلَمْ أنَّ العاقِبَةَ لَكَ كَما كانَتْ لِنُوحٍ في هَذِهِ القِصَّةِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ".

48

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَٰمٍۢ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌۭ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

It was said, "O Noah, disembark in security from Us and blessings upon you and upon nations [descending] from those with you. But other nations [of them] We will grant enjoyment; then there will touch them from Us a painful punishment."

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿قِيلَ: يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ فِيها إنابَةُ نُوحٍ وتَسْلِيمُهُ لِأمْرِ اللهِ تَعالى واسْتِغْفارُهُ، بِالسُؤالِ الَّذِي وقَعَ النَهْيُ عَلَيْهِ والِاسْتِعاذَةُ والِاسْتِغْفارُ مِنهُ هو سُؤالُ العَزْمِ الَّذِي مَعَهُ مُحاجَّةً وطِلْبَةً مُلِحَّةً فِيما قَدْ حُجِبَ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ وأمّا السُؤالُ في الأُمُورِ عَلى جِهَةِ التَعَلُّمِ والِاسْتِرْشادِ فَغَيْرُ داخِلٍ في هَذا.

وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] يَعُمُّ النَحْوَيْنِ مِنَ السُؤالِ، فَلِذَلِكَ نَبَّهْتُ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ، و"الخاسِرُونَ" هُمُ المَغْبُونُونَ حُظُوظَهم مِنَ الخَيْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ كانَ هَذا عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَفِينَةِ مَعَ أصْحابِهِ لِلِانْتِشارِ في الأرْضِ، و"السَلامُ" هُنا السَلامَةُ والأمْنُ ونَحْوُهُ، و"البَرَكاتُ" الخَيْرُ والنُمُوُّ في كُلِّ الجِهاتِ، وهَذِهِ العِدَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ أيْ: مِن ذُرِّيَّةِ مَن مَعَكَ ومِن نَسْلِهِمْ، فَـ"مِن" -عَلى هَذا- هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: مِن هَؤُلاءِ تَكُونُ هَذِهِ الأُمَمُ، و"مَن" مَوْصُولَةٌ، وصِلَتُها "مَعَكَ" وما يَتَقَدَّرُ مَعَها نَحْوُ قَوْلِكَ: مِمَّنِ اسْتَقَرَّ مَعَكَ ونَحْوُهُ ثُمَّ قَطَعَ قَوْلُهُ: "وَأُمَمٌ" عَلى وجْهِ الِابْتِداءِ إذْ كانَ أمْرُهم مَقْطُوعًا مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الكُفّارُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ الآيَةُ إشارَةٌ إلى القِصَّةِ، أيْ: هَذِهِ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي تَقادَمَ عَهْدُها ولَمْ يَبْقَ عِلْمُها إلّا عِنْدَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولَمْ يَكُنْ عِلْمُها أو عِلْمُ أشْباهِها عِنْدَكَ ولا عِنْدَ قَوْمِكَ، ونَحْنُ نُوحِيها إلَيْكَ لِتَكُونَ لَكَ هِدايَةً وأُسْوَةً فِيما لَقِيَهُ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ، وتَكُونَ لِقَوْمِكَ مِثالًا وتَحْذِيرًا، لِئَلّا يُصِيبَهم إذا كَذَّبُوكَ مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ وغَيْرَهم مِنَ الأُمُورِ المُعَذِّبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وعَلى هَذا المَعْنى ظَهَرَتْ فَصاحَةُ قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أيْ: فاجْتَهِدْ في التَبْلِيغِ وجِدَّ في الرِسالَةِ واصْبِرْ عَلى الشَدائِدِ واعْلَمْ أنَّ العاقِبَةَ لَكَ كَما كانَتْ لِنُوحٍ في هَذِهِ القِصَّةِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ".

49

تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muhammad]. You knew it not, neither you nor your people, before this. So be patient; indeed, the [best] outcome is for the righteous.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿قِيلَ: يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ فِيها إنابَةُ نُوحٍ وتَسْلِيمُهُ لِأمْرِ اللهِ تَعالى واسْتِغْفارُهُ، بِالسُؤالِ الَّذِي وقَعَ النَهْيُ عَلَيْهِ والِاسْتِعاذَةُ والِاسْتِغْفارُ مِنهُ هو سُؤالُ العَزْمِ الَّذِي مَعَهُ مُحاجَّةً وطِلْبَةً مُلِحَّةً فِيما قَدْ حُجِبَ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ وأمّا السُؤالُ في الأُمُورِ عَلى جِهَةِ التَعَلُّمِ والِاسْتِرْشادِ فَغَيْرُ داخِلٍ في هَذا.

وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦] يَعُمُّ النَحْوَيْنِ مِنَ السُؤالِ، فَلِذَلِكَ نَبَّهْتُ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ، و"الخاسِرُونَ" هُمُ المَغْبُونُونَ حُظُوظَهم مِنَ الخَيْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ كانَ هَذا عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَفِينَةِ مَعَ أصْحابِهِ لِلِانْتِشارِ في الأرْضِ، و"السَلامُ" هُنا السَلامَةُ والأمْنُ ونَحْوُهُ، و"البَرَكاتُ" الخَيْرُ والنُمُوُّ في كُلِّ الجِهاتِ، وهَذِهِ العِدَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ أيْ: مِن ذُرِّيَّةِ مَن مَعَكَ ومِن نَسْلِهِمْ، فَـ"مِن" -عَلى هَذا- هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: مِن هَؤُلاءِ تَكُونُ هَذِهِ الأُمَمُ، و"مَن" مَوْصُولَةٌ، وصِلَتُها "مَعَكَ" وما يَتَقَدَّرُ مَعَها نَحْوُ قَوْلِكَ: مِمَّنِ اسْتَقَرَّ مَعَكَ ونَحْوُهُ ثُمَّ قَطَعَ قَوْلُهُ: "وَأُمَمٌ" عَلى وجْهِ الِابْتِداءِ إذْ كانَ أمْرُهم مَقْطُوعًا مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الكُفّارُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ الآيَةُ إشارَةٌ إلى القِصَّةِ، أيْ: هَذِهِ مِنَ الغُيُوبِ الَّتِي تَقادَمَ عَهْدُها ولَمْ يَبْقَ عِلْمُها إلّا عِنْدَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولَمْ يَكُنْ عِلْمُها أو عِلْمُ أشْباهِها عِنْدَكَ ولا عِنْدَ قَوْمِكَ، ونَحْنُ نُوحِيها إلَيْكَ لِتَكُونَ لَكَ هِدايَةً وأُسْوَةً فِيما لَقِيَهُ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ، وتَكُونَ لِقَوْمِكَ مِثالًا وتَحْذِيرًا، لِئَلّا يُصِيبَهم إذا كَذَّبُوكَ مِثْلُ ما أصابَ هَؤُلاءِ وغَيْرَهم مِنَ الأُمُورِ المُعَذِّبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وعَلى هَذا المَعْنى ظَهَرَتْ فَصاحَةُ قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أيْ: فاجْتَهِدْ في التَبْلِيغِ وجِدَّ في الرِسالَةِ واصْبِرْ عَلى الشَدائِدِ واعْلَمْ أنَّ العاقِبَةَ لَكَ كَما كانَتْ لِنُوحٍ في هَذِهِ القِصَّةِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ".

50

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ

And to 'Aad [We sent] their brother Hud. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. You are not but inventors [of falsehood].

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾

"وَإلى عادٍ" عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "إلى قَوْمِهِ" في قِصَّةِ نُوحٍ، و"عادٌ" قَبِيلَةٌ وكانَتْ عَرَبًا- فِيما ذُكِرَ- و"هُودٌ" عَلَيْهِ السَلامُ مِنهُمْ، وجَعَلَهُ "أخاهُمْ" بِحَسَبِ النَسَبِ والقَرابَةِ فَإنْ فَرَضْناهُ لَيْسَ مِنهم فالأُخُوَّةُ بِحَسَبِ المَنشَإ واللِسانِ والجِيرَةِ. وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: "هِيَ أُخُوَّةٌ بِحَسَبِ النَسَبِ الآدَمِيِّ" فَضَعِيفٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يا قَوْمِ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يا قَوْمُ" بِرَفْعِ المِيمِ، وهي لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "غَيْرُهُ" بِالرَفْعِ عَلى النَعْتِ أوِ البَدَلِ مِن مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ". وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ بِكَسْرِ الراءِ، حَمْلًا عَلى لَفْظِ: "إلَهٍ" وذَلِكَ أيْضًا عَلى النَعْتِ أوِ البَدَلِ، ويَجُوزُ "غَيْرَهُ" نَصْبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ.

و"مُفْتَرُونَ" مَعْناهُ: كاذِبُونَ أفْحَشَ كَذِبٍ في جَعْلِكُمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللهِ تَعالى، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى الدُعاءِ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، والمَعْنى: ما أجْرِي وجَزائِي إلّا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، ثُمَّ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، فَجَعَلَها صِفَةً رادَّةً عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، فَجُعِلَ الوَصْفُ بِذَلِكَ في دَرْجِ كَلامِهِ، مُنَبِّهًا عَلى أفْعالِ اللهِ تَعالى، وأنَّهُ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، و"فَطَرَ" مَعْناهُ: اخْتَرَعَ وأنْشَأ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى مَجالِ القَوْلِ بِأنَّ غَيْرَ الفاطِرِ إلاهٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: أفَلا تَعْقِلُونَ إذْ لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِن أعْراضِ الدُنْيا إنِّي إنَّما أُرِيدُ النَفْعَ لَكم والدارَ الآخِرَةَ والأوَّلُ أظْهَرُ، و"الِاسْتِغْفارُ" طَلَبُ المَغْفِرَةِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِاللِسانِ، وقَدْ يَكُونُ بِإنابَةِ القَلْبِ وطَلَبِ الِاسْتِرْشادِ والحِرْصِ عَلى وُجُودِ المَحَجَّةِ الواضِحَةِ، وهَذِهِ أحْوالٌ يُمْكِنُ أنْ تَقَعَ مِنَ الكُفّارِ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُمُ:اطْلُبُوا غُفْرانَ اللهِ بِالإنابَةِ، وطَلَبَ الدَلِيلِ في نُبُوَّتِي، ثُمَّ تُوبُوا بِالإيمانِ مِن كُفْرِكُمْ، فَيَجِيءُ التَرْتِيبُ -عَلى هَذا- مُسْتَقِيمًا وإلّا احْتِيجَ في تَرْتِيبِ التَوْبَةِ بَعْدَ الِاسْتِغْفارِ إلى تَحَيُّلٍ كَثِيرٍ فَإمّا أنْ يَكُونَ: ( تُوبُوا ) أمْرًا بِالدَوامِ، و"الِاسْتِغْفارُ" طَلَبُ المَغْفِرَةِ بِالإيمانِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَبَرِيُّ، وقالَ أبُو المَعالِي في الإرْشادِ: "التَوْبَةُ" في اصْطِلاحِ المُتَكَلِّمِينَ هي النَدَمُ، بَعْدَ أنْ قالَ: إنَّها في اللُغَةِ الرُجُوعُ، ثُمَّ رَكَّبَ -عَلى هَذا- أنْ قالَ إنَّ الكافِرَ إذا آمَنَ لَيْسَ إيمانُهُ تَوْبَةً وإنَّما تَوْبَتُهُ نَدَمُهُ بَعْدُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والَّذِي أقُولُ: "إنَّ التَوْبَةَ عَقْدٌ في تَرْكِ مَتُوبٍ مِنهُ يَتَقَدَّمُها عِلْمٌ بِفَسادٍ المَتُوبِ مِنهُ وصَلاحِ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ، ويَقْتَرِنُ بِها نَدَمٌ عَلى فارِطِ المَتُوبِ مِنهُ لا يَنْفَكُّ مِنهُ وهو مِن شُرُوطِها" فَأقُولُ: إنَّ إيمانَ الكافِرِ هو تَوْبَتُهُ مِن كُفْرِهِ، لِأنَّهُ …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.