Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 11–20 of 123

11

إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌۭ

Except for those who are patient and do righteous deeds; those will have forgiveness and great reward.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَيِّئاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾

"أذَقْنا" هاهُنا مُسْتَعارَةٌ، لِأنَّ "الرَحْمَةَ" هاهُنا تَعُمُّ جَمِيعَ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِن مَطْعُومٍ ومَلْبُوسٍ وجاهٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. و"الإنْسانُ" هاهُنا اسْمُ الجِنْسِ، والمَعْنى: إنَّ هَذا الخَلْقَ في سَجِيَّةِ الناسِ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُمُ الَّذِينَ رَدَّتْهُمُ الشَرائِعُ والإيمانُ إلى الصَبْرِ والعَمَلِ الصالِحِ. و"لَيَؤُوسٌ" و"كَفُورٌ" بِناءانِ لِلْمُبالِغَةِ، و"كَفُورٌ" هاهُنا مِن كُفْرِ النِعْمَةِ، والمَعْنى: إنَّهُ يَيْأسُ ويَتَحَرَّجُ ويَتَسَخَّطُ، ولَوْ نَظَرَ إلى نِعْمَةِ اللهِ الباقِيَةِ عَلَيْهِ في عَقْلِهِ وحَواسِّهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَمْ يَكْفُرْها، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، فَإنِ اتَّفَقَ هَذا أنْ يَكُونَ في كافِرٍ أيْضًا بِالشَرْعِ صَحَّ ذَلِكَ ولَكِنْ لَيْسَ مِن لَفْظِ الآيَةِ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ: "الإنْسانُ" إنَّما يُرادُ بِهِ الكافِرُ، وحَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ لَفْظَةُ "كَفُورٍ"، وهَذا عِنْدِي مَرْدُودٌ، لِأنَّ صِفَةَ الكُفْرِ لا تُطْلَقُ عَلى جَمِيعِ الناسِ كَما تَقْتَضِي لَفْظَةُ الإنْسانِ.

والنَعْماءُ: تَشْمَلُ الصِحَّةَ والمالَ ونَحْوَ ذَلِكَ والضَرّاءُ مِنَ الضُرِّ، وهو أيْضًا شامِلٌ. وقَدْ يَكْثُرُ اسْتِعْمالُ الضَرّاءِ فِيما يَخُصُّ البَدَنَ. ولَفْظُ ﴿ذَهَبَ السَيِّئاتُ عَنِّي﴾ تَقْتَضِي بَطَرًا وجَهْلًا أنَّ ذَلِكَ بِإنْعامٍ مِنَ اللهِ تَعالى، واعْتِقادَ أنَّ ذَلِكَ بِاتِّفاقٍ أو بِعَقْدٍ مِنَ الِاعْتِقاداتِ الفاسِدَةِ، وإلّا فَلَوْ قالَها مَن يَعْتَقِدُ أنَّ ذَهابَها بِإنْعامٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ. و"السَيِّئاتُ" هاهُنا: كُلُّ ما يَسُوءُ في الدُنْيا.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَفَرِحٌ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَفَرُحٌ" بِضَمِّها، وهَذا الفَرَحُ مُطْلَقٌ، ولِذَلِكَ ذُمَّ، إذِ الفَرَحُ انْهِمالُ النَفْسِ، ولا يَأْتِي الفَرَحُ في القُرْآنِ مَمْدُوحًا إلّا إذا قُيِّدَ بِأنَّهُ في خَيْرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ الآيَةُ، هَذا الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ عَلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ "الإنْسانَ" عامٌّ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، ومَن قالَ "إنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالكافِرِ" قالَ هاهُنا: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، وأمّا مِن جِهَةِ اللَفْظِ فَجَيِّدٌ، وكَذَلِكَ قالَهُ مِنَ النُحاةِ قَوْمٌ، واسْتَثْنى اللهُ مِنَ الماشِينَ عَلى سَجِيَّةِ الإنْسانِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَمَلَتْهُمُ الأدْيانُ عَلى الصَبْرِ عَلى المَكارِهِ ومُثابَرَةِ عِبادَةِ اللهِ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ في سَجِيَّةِ البَشَرِ، وإنَّما حَمَلَ عَلى ذَلِكَ حُبُّ اللهِ وخَوْفُ الدارِ الآخِرَةِ والصَبْرُ والعَمَلُ الصالِحُ لا يَنْفَعُ إلّا مَعَ هِدايَةٍ وإيمانٍ، ثُمَّ وعَدَ تَبارَكَ وتَعالى أهْلَ هَذِهِ الصِفَةِ -تَحْرِيضًا عَلَيْها وحَضًّا- بِالمَغْفِرَةِ لِلذُّنُوبِ والتَفَضُّلِ بِالأجْرِ والنَعِيمِ.

12

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌ

Then would you possibly leave [out] some of what is revealed to you, or is your breast constrained by it because they say, "Why has there not been sent down to him a treasure or come with him an angel?" But you are only a warner. And Allah is Disposer of all things.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أو جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مَنِ دُونِ اللهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا: يا مُحَمَّدُ لَوْ تَرَكْتَ سَبَّ آلِهَتِنا وتَسْفِيهَ آبائِنا لَجالَسْناكَ واتَّبَعْناكَ. وقالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أو بَدِّلْهُ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ. فَخاطَبَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى هَذِهِ الصُورَةِ مِنَ المُخاطَبَةِ، ووَقَّفَهُ بِها تَوْقِيفًا رادًّا عَلى أقْوالِهِمْ ومُبْطِلًا لَها، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ ﷺ هَمَّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَزُجِرَ عنهُ، فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَطُّ تَرْكَ شَيْءٍ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، ولا ضاقَ صَدْرُهُ، وإنَّما كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الإيمانِ.

وَ "لَعَلَّكَ" هاهُنا بِمَعْنى التَوْقِيفِ والتَقْرِيرِ، و﴿ما يُوحى إلَيْكَ﴾ هو القُرْآنُ والشَرِيعَةُ والدُعاءُ إلى اللهِ تَعالى، كانَ في ذَلِكَ سَبُّ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهُ آبائِهِمْ أو غَيْرُهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَبِيُّ ﷺ قَدْ عَظُمَ عَلَيْهِ ما يَلْقى مِنَ الشِدَّةِ فَمالَ إلى أنْ يَكُونَ مِنَ اللهِ تَعالى إذْنٌ في مُساهَلَةِ الكُفّارِ بَعْضَ المُساهَلَةِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ الِاعْتِقاداتِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ ﷺ كَما جاءَتْ آياتُ المُوادَعَةِ. وعَبَّرَ بِـ "ضائِقٌ" دُونَ "ضَيِّقٍ" لِلْمُناسَبَةِ في اللَفْظِ مَعَ "تارِكٌ"، وإنْ كانَ "ضَيِّقٌ" أكْثَرَ اسْتِعْمالًا لِأنَّهُ وصْفٌ لازِمٌ، و"ضائِقٌ" وصْفٌ عارِضٌ، فَهو الَّذِي يَصْلُحُ هُنا، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى "البَعْضِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "ما". و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: "كَراهَةَ أنْ"، والكَنْزُ هاهُنا: المالُ، وهَذا طَلَبُهم آيَةً تَضْطَرُّ إلى الإيمانِ، واللهُ تَبارَكَ وتَعالى لَمْ يَبْعَثِ الأنْبِياءَ بِآياتِ اضْطِرارٍ، وإنَّما بَعَثَهم بِآياتِ النَظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ولَمْ يَجْعَلْ آيَةَ الِاضْطِرارِ إلّا لِلْأُمَمِ الَّتِي قَدَّرَ تَعْذِيبَها بِكُفْرِها بَعْدَ آيَةِ الِاضْطِرارِ، كالناقَةِ لِثَمُودَ.

ثُمَّ آنَسَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾، أيْ: هَذا القَدْرُ هو الَّذِي فُوِّضَ إلَيْكَ، واللهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ هو الوَكِيلُ المُمْضِي لِإيمانِ مَن شاءَ وكُفْرِ مَن شاءَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ "أمْ" الَّتِي هي عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِمَعْنى "بَلْ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ"، كَأنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ واسْتَفْهَمَ في الثانِي عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ، كَقَوْلِهِمْ: "إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ؟"، والِافْتِراءُ أخَصُّ مِنَ الكَذِبِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيما بَهَتَ بِهِ المَرْءُ وكابَرَ وجاءَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ مُنْكَرٍ، ووَقَعَ التَحَدِّي في هَذِهِ الآيَةِ بِعَشْرٍ لِأنَّهُ قَيَّدَها بِالِافْتِراءِ، فَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ في القَدْرِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ غايَةَ القِيامِ، إذْ قَدْ عَجَّزَهم في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ دُونَ تَقْيِيدٍ، فَهَذِهِ مُماثَلَةٌ تامَّةٌ في غُيُوبِ القُرْآنِ ومَعانِيهِ ونَظْمِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وعَجَزُوا في هَذِهِ الآيَةِ بَلْ قِيلَ لَهُمْ: عارِضُوا القَدْرَ مِنهُ بِعَشْرٍ أمْثالِهِ في التَقْدِيرِ والغَرُضُ واحِدٌ، واجْعَلُوهُ مُفْتَرًى لا يَبْقى لَكم إلّا نَظْمُهُ، فَهَذِهِ غايَةُ التَوْسِعَةِ، ولَيْسَ المَعْنى: …

13

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍۢ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَٰتٍۢ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Or do they say, "He invented it"? Say, "Then bring ten surahs like it that have been invented and call upon [for assistance] whomever you can besides Allah, if you should be truthful."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أو جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مَنِ دُونِ اللهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا: يا مُحَمَّدُ لَوْ تَرَكْتَ سَبَّ آلِهَتِنا وتَسْفِيهَ آبائِنا لَجالَسْناكَ واتَّبَعْناكَ. وقالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أو بَدِّلْهُ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ. فَخاطَبَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَلى هَذِهِ الصُورَةِ مِنَ المُخاطَبَةِ، ووَقَّفَهُ بِها تَوْقِيفًا رادًّا عَلى أقْوالِهِمْ ومُبْطِلًا لَها، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ ﷺ هَمَّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَزُجِرَ عنهُ، فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَطُّ تَرْكَ شَيْءٍ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، ولا ضاقَ صَدْرُهُ، وإنَّما كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الإيمانِ.

وَ "لَعَلَّكَ" هاهُنا بِمَعْنى التَوْقِيفِ والتَقْرِيرِ، و﴿ما يُوحى إلَيْكَ﴾ هو القُرْآنُ والشَرِيعَةُ والدُعاءُ إلى اللهِ تَعالى، كانَ في ذَلِكَ سَبُّ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهُ آبائِهِمْ أو غَيْرُهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَبِيُّ ﷺ قَدْ عَظُمَ عَلَيْهِ ما يَلْقى مِنَ الشِدَّةِ فَمالَ إلى أنْ يَكُونَ مِنَ اللهِ تَعالى إذْنٌ في مُساهَلَةِ الكُفّارِ بَعْضَ المُساهَلَةِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ الِاعْتِقاداتِ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ ﷺ كَما جاءَتْ آياتُ المُوادَعَةِ. وعَبَّرَ بِـ "ضائِقٌ" دُونَ "ضَيِّقٍ" لِلْمُناسَبَةِ في اللَفْظِ مَعَ "تارِكٌ"، وإنْ كانَ "ضَيِّقٌ" أكْثَرَ اسْتِعْمالًا لِأنَّهُ وصْفٌ لازِمٌ، و"ضائِقٌ" وصْفٌ عارِضٌ، فَهو الَّذِي يَصْلُحُ هُنا، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى "البَعْضِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "ما". و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: "كَراهَةَ أنْ"، والكَنْزُ هاهُنا: المالُ، وهَذا طَلَبُهم آيَةً تَضْطَرُّ إلى الإيمانِ، واللهُ تَبارَكَ وتَعالى لَمْ يَبْعَثِ الأنْبِياءَ بِآياتِ اضْطِرارٍ، وإنَّما بَعَثَهم بِآياتِ النَظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ولَمْ يَجْعَلْ آيَةَ الِاضْطِرارِ إلّا لِلْأُمَمِ الَّتِي قَدَّرَ تَعْذِيبَها بِكُفْرِها بَعْدَ آيَةِ الِاضْطِرارِ، كالناقَةِ لِثَمُودَ.

ثُمَّ آنَسَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾، أيْ: هَذا القَدْرُ هو الَّذِي فُوِّضَ إلَيْكَ، واللهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ هو الوَكِيلُ المُمْضِي لِإيمانِ مَن شاءَ وكُفْرِ مَن شاءَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ "أمْ" الَّتِي هي عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِمَعْنى "بَلْ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ"، كَأنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ واسْتَفْهَمَ في الثانِي عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ، كَقَوْلِهِمْ: "إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ؟"، والِافْتِراءُ أخَصُّ مِنَ الكَذِبِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيما بَهَتَ بِهِ المَرْءُ وكابَرَ وجاءَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ مُنْكَرٍ، ووَقَعَ التَحَدِّي في هَذِهِ الآيَةِ بِعَشْرٍ لِأنَّهُ قَيَّدَها بِالِافْتِراءِ، فَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ في القَدْرِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ غايَةَ القِيامِ، إذْ قَدْ عَجَّزَهم في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ دُونَ تَقْيِيدٍ، فَهَذِهِ مُماثَلَةٌ تامَّةٌ في غُيُوبِ القُرْآنِ ومَعانِيهِ ونَظْمِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وعَجَزُوا في هَذِهِ الآيَةِ بَلْ قِيلَ لَهُمْ: عارِضُوا القَدْرَ مِنهُ بِعَشْرٍ أمْثالِهِ في التَقْدِيرِ والغَرُضُ واحِدٌ، واجْعَلُوهُ مُفْتَرًى لا يَبْقى لَكم إلّا نَظْمُهُ، فَهَذِهِ غايَةُ التَوْسِعَةِ، ولَيْسَ المَعْنى: …

14

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ

And if they do not respond to you - then know that the Qur'an was revealed with the knowledge of Allah and that there is no deity except Him. Then, would you [not] be Muslims?

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وأنْ لا إلَهَ إلا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

لِهَذِهِ الآيَةِ تَأْوِيلانِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ مِنَ النَبِيِّ ﷺ لِلْكُفّارِ، أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ مَن تَدْعُونَهُ إلى شَيْءٍ مِنَ المُعارَضَةِ ولا قَدَرَ جَمِيعُكم عَلَيْها فَأذْعِنُوا حِينَئِذٍ واعْلَمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، ويَأْتِي قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مُتَمَكِّنًا.

والثانِي: أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبِ الكُفّارُ إلى ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ المُعارَضَةِ فاعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ. وهَذا عَلى مَعْنى: دُومُوا عَلى عِلْمِكُمْ، لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ. قالَ مُجاهِدٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ هو لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِعِلْمِ اللهِ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: بِإذْنِهِ وعَلى عِلْمٍ مِنهُ. والثانِي: أنَّهُ أُنْزِلَ بِما عَلِمَهُ اللهُ تَعالى مِنَ الغُيُوبِ، فَكَأنَّهُ أرادَ: "المَعْلُوماتُ لَهُ"، وقَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ تَقْرِيرٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ: ظاهِرُها العُمُومُ ومَعْناها الخُصُوصُ في الكَفَرَةِ. هَذا قَوْلُ قَتادَةَ والضَحّاكِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي في الكَفَرَةِ وفي أهْلِ الرِياءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإلى هَذا ذَهَبَ مُعاوِيَةُ حِينَ حَدَّثَهُ سَيّافُهُ شُفَيُّ بْنُ ماتِعٍ الأصْبَحِيُّ عن أبِي هُرَيْرَةَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الرَجُلِ المُتَصَدِّقِ، والمُجاهِدِ المَقْتُولِ، والقائِمِ بِالقُرْآنِ لَيْلَهُ ونَهارَهُ -وَكُلُّ ذَلِكَ رِياءً- أنَّهم أوَّلُ مَن تُسَعَّرُ بِهِ النارُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلَمّا حَدَّثَهُ شُفَيٌّ بِهَذا الحَدِيثِ بَكى مُعاوِيَةُ وقالَ: صَدَقَ اللهُ ورَسُولَهُ، وتَلا: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا وزِينَتَها﴾... الآيَةُ، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

فَأمّا مَن ذَهَبَ إلى أنَّها في الكَفَرَةِ فَمَعْنى قَوْلِهِ: "يُرِيدُ": يَقْصِدُ ويَعْتَمِدُ، أيْ: هي وجْهُهُ ومَقْصِدُهُ لا مَقْصِدَ لَهُ غَيْرُها. فالمَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ الدُنْيا فَقَطْ إذْ لا يَعْتَقِدُ الآخِرَةَ فَإنَّ اللهَ يُجازِيهِ عَلى حُسْنِ أعْمالِهِ -فِي الدُنْيا- بِالنِعَمِ والحَواسِّ وغَيْرِ ذَلِكَ: فَمِنهم مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ، ومِنهم مُوَسَّعٌ لَهُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يَحْصُلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِالنارِ، ولا تَكُونُ لَهم حالٌ سِواها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فاسْتَقامَ هَذا المَعْنى عَلى لَفْظِ الآيَةِ. وهو عِنْدِي أرْجَحُ التَأْوِيلاتِ بِحَسَبِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الكُفّارِ المُناقِضِينَ في القُرْآنِ، فَإنَّما قُصِدَ بِهَذِهِ الآيَةِ أُولَئِكَ.

وأمّا مَن ذَهَبَ إلى أنَّها في العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَمَعْنى "يُرِيدُ" عِنْدَهُ: يُحِبُّ ويُؤْثِرُ ويُفَضِّلُ ويَقْصِدُ، وإنْ كانَ لَهُ مَقْصِدٌ آخَرُ بِإيمانِهِ، فَإنَّ اللهَ يُجازِيهِ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ الحِسانِ -الَّتِي لَمْ يَعْمَلْها لِلَّهِ- بِالنِعَمِ في الدُنْيا، ثُمَّ يَأْتِي قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ بِمَعْنى: لَيْسَ يَجِبُ لَهم أو يَحِقُّ لَهم إلّا النارُ، وجائِزٌ أنْ يَتَغَمَّدَهُمُ اللهُ …

15

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ

Whoever desires the life of this world and its adornments - We fully repay them for their deeds therein, and they therein will not be deprived.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وأنْ لا إلَهَ إلا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

لِهَذِهِ الآيَةِ تَأْوِيلانِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ مِنَ النَبِيِّ ﷺ لِلْكُفّارِ، أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ مَن تَدْعُونَهُ إلى شَيْءٍ مِنَ المُعارَضَةِ ولا قَدَرَ جَمِيعُكم عَلَيْها فَأذْعِنُوا حِينَئِذٍ واعْلَمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، ويَأْتِي قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مُتَمَكِّنًا.

والثانِي: أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبِ الكُفّارُ إلى ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ المُعارَضَةِ فاعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ. وهَذا عَلى مَعْنى: دُومُوا عَلى عِلْمِكُمْ، لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ. قالَ مُجاهِدٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ هو لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِعِلْمِ اللهِ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: بِإذْنِهِ وعَلى عِلْمٍ مِنهُ. والثانِي: أنَّهُ أُنْزِلَ بِما عَلِمَهُ اللهُ تَعالى مِنَ الغُيُوبِ، فَكَأنَّهُ أرادَ: "المَعْلُوماتُ لَهُ"، وقَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ تَقْرِيرٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ: ظاهِرُها العُمُومُ ومَعْناها الخُصُوصُ في الكَفَرَةِ. هَذا قَوْلُ قَتادَةَ والضَحّاكِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي في الكَفَرَةِ وفي أهْلِ الرِياءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإلى هَذا ذَهَبَ مُعاوِيَةُ حِينَ حَدَّثَهُ سَيّافُهُ شُفَيُّ بْنُ ماتِعٍ الأصْبَحِيُّ عن أبِي هُرَيْرَةَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الرَجُلِ المُتَصَدِّقِ، والمُجاهِدِ المَقْتُولِ، والقائِمِ بِالقُرْآنِ لَيْلَهُ ونَهارَهُ -وَكُلُّ ذَلِكَ رِياءً- أنَّهم أوَّلُ مَن تُسَعَّرُ بِهِ النارُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلَمّا حَدَّثَهُ شُفَيٌّ بِهَذا الحَدِيثِ بَكى مُعاوِيَةُ وقالَ: صَدَقَ اللهُ ورَسُولَهُ، وتَلا: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا وزِينَتَها﴾... الآيَةُ، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

فَأمّا مَن ذَهَبَ إلى أنَّها في الكَفَرَةِ فَمَعْنى قَوْلِهِ: "يُرِيدُ": يَقْصِدُ ويَعْتَمِدُ، أيْ: هي وجْهُهُ ومَقْصِدُهُ لا مَقْصِدَ لَهُ غَيْرُها. فالمَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ الدُنْيا فَقَطْ إذْ لا يَعْتَقِدُ الآخِرَةَ فَإنَّ اللهَ يُجازِيهِ عَلى حُسْنِ أعْمالِهِ -فِي الدُنْيا- بِالنِعَمِ والحَواسِّ وغَيْرِ ذَلِكَ: فَمِنهم مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ، ومِنهم مُوَسَّعٌ لَهُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يَحْصُلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِالنارِ، ولا تَكُونُ لَهم حالٌ سِواها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فاسْتَقامَ هَذا المَعْنى عَلى لَفْظِ الآيَةِ. وهو عِنْدِي أرْجَحُ التَأْوِيلاتِ بِحَسَبِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الكُفّارِ المُناقِضِينَ في القُرْآنِ، فَإنَّما قُصِدَ بِهَذِهِ الآيَةِ أُولَئِكَ.

وأمّا مَن ذَهَبَ إلى أنَّها في العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَمَعْنى "يُرِيدُ" عِنْدَهُ: يُحِبُّ ويُؤْثِرُ ويُفَضِّلُ ويَقْصِدُ، وإنْ كانَ لَهُ مَقْصِدٌ آخَرُ بِإيمانِهِ، فَإنَّ اللهَ يُجازِيهِ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ الحِسانِ -الَّتِي لَمْ يَعْمَلْها لِلَّهِ- بِالنِعَمِ في الدُنْيا، ثُمَّ يَأْتِي قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ بِمَعْنى: لَيْسَ يَجِبُ لَهم أو يَحِقُّ لَهم إلّا النارُ، وجائِزٌ أنْ يَتَغَمَّدَهُمُ اللهُ …

16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Those are the ones for whom there is not in the Hereafter but the Fire. And lost is what they did therein, and worthless is what they used to do.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وأنْ لا إلَهَ إلا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

لِهَذِهِ الآيَةِ تَأْوِيلانِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ مِنَ النَبِيِّ ﷺ لِلْكُفّارِ، أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ مَن تَدْعُونَهُ إلى شَيْءٍ مِنَ المُعارَضَةِ ولا قَدَرَ جَمِيعُكم عَلَيْها فَأذْعِنُوا حِينَئِذٍ واعْلَمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، ويَأْتِي قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مُتَمَكِّنًا.

والثانِي: أنْ تَكُونَ مُخاطَبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبِ الكُفّارُ إلى ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ المُعارَضَةِ فاعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ. وهَذا عَلى مَعْنى: دُومُوا عَلى عِلْمِكُمْ، لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ. قالَ مُجاهِدٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ هو لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِعِلْمِ اللهِ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: بِإذْنِهِ وعَلى عِلْمٍ مِنهُ. والثانِي: أنَّهُ أُنْزِلَ بِما عَلِمَهُ اللهُ تَعالى مِنَ الغُيُوبِ، فَكَأنَّهُ أرادَ: "المَعْلُوماتُ لَهُ"، وقَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ تَقْرِيرٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ: ظاهِرُها العُمُومُ ومَعْناها الخُصُوصُ في الكَفَرَةِ. هَذا قَوْلُ قَتادَةَ والضَحّاكِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي في الكَفَرَةِ وفي أهْلِ الرِياءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وإلى هَذا ذَهَبَ مُعاوِيَةُ حِينَ حَدَّثَهُ سَيّافُهُ شُفَيُّ بْنُ ماتِعٍ الأصْبَحِيُّ عن أبِي هُرَيْرَةَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الرَجُلِ المُتَصَدِّقِ، والمُجاهِدِ المَقْتُولِ، والقائِمِ بِالقُرْآنِ لَيْلَهُ ونَهارَهُ -وَكُلُّ ذَلِكَ رِياءً- أنَّهم أوَّلُ مَن تُسَعَّرُ بِهِ النارُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلَمّا حَدَّثَهُ شُفَيٌّ بِهَذا الحَدِيثِ بَكى مُعاوِيَةُ وقالَ: صَدَقَ اللهُ ورَسُولَهُ، وتَلا: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُنْيا وزِينَتَها﴾... الآيَةُ، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

فَأمّا مَن ذَهَبَ إلى أنَّها في الكَفَرَةِ فَمَعْنى قَوْلِهِ: "يُرِيدُ": يَقْصِدُ ويَعْتَمِدُ، أيْ: هي وجْهُهُ ومَقْصِدُهُ لا مَقْصِدَ لَهُ غَيْرُها. فالمَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ الدُنْيا فَقَطْ إذْ لا يَعْتَقِدُ الآخِرَةَ فَإنَّ اللهَ يُجازِيهِ عَلى حُسْنِ أعْمالِهِ -فِي الدُنْيا- بِالنِعَمِ والحَواسِّ وغَيْرِ ذَلِكَ: فَمِنهم مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ، ومِنهم مُوَسَّعٌ لَهُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يَحْصُلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ إلّا بِالنارِ، ولا تَكُونُ لَهم حالٌ سِواها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فاسْتَقامَ هَذا المَعْنى عَلى لَفْظِ الآيَةِ. وهو عِنْدِي أرْجَحُ التَأْوِيلاتِ بِحَسَبِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ الكُفّارِ المُناقِضِينَ في القُرْآنِ، فَإنَّما قُصِدَ بِهَذِهِ الآيَةِ أُولَئِكَ.

وأمّا مَن ذَهَبَ إلى أنَّها في العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَمَعْنى "يُرِيدُ" عِنْدَهُ: يُحِبُّ ويُؤْثِرُ ويُفَضِّلُ ويَقْصِدُ، وإنْ كانَ لَهُ مَقْصِدٌ آخَرُ بِإيمانِهِ، فَإنَّ اللهَ يُجازِيهِ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ الحِسانِ -الَّتِي لَمْ يَعْمَلْها لِلَّهِ- بِالنِعَمِ في الدُنْيا، ثُمَّ يَأْتِي قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ بِمَعْنى: لَيْسَ يَجِبُ لَهم أو يَحِقُّ لَهم إلّا النارُ، وجائِزٌ أنْ يَتَغَمَّدَهُمُ اللهُ …

17

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌۭ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

So is one who [stands] upon a clear evidence from his Lord [like the aforementioned]? And a witness from Him follows it, and before it was the Scripture of Moses to lead and as mercy. Those [believers in the former revelations] believe in the Qur'an. But whoever disbelieves in it from the [various] factions - the Fire is his promised destination. So be not in doubt about it. Indeed, it is the truth from your Lord, but most of the people do not believe.

قوله عزّ وجلّ:

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن يَكْفُرْ بِهِ مِن الأحْزابِ فالنارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾

اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: أفَمَن فَقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَحّاكُ وابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِذَلِكَ مُحَمَّدٌ ﷺ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا.

وكَذَلِكَ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِـ "البَيِّنَةِ" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِذَلِكَ القُرْآنُ، أيْ عَلى جَلِيَّةٍ بِسَبَبِ القُرْآنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ مُحَمَّدٌ ﷺ والهاءُ في "البَيِّنَةِ" لِلْمُبالَغَةِ كَهاءِ عَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ.

وكَذَلِكَ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِـ "الشاهِدِ" فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَضِيَ اللهُ عنهُما وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَحّاكُ وأبُو صالِحٌ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ.

وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو مُحَمَّدٌ ﷺ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ جِبْرِيلَ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ: هو لِسانُ النَبِيِّ ﷺ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عنهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو الإنْجِيلُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو القُرْآنُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو إعْجازُ القُرْآنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَتَصَرَّفُ قَوْلُهُ: يَتْلُوهُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: بِمَعْنى يَقْرَأُ، وبِمَعْنى يَتْبَعُهُ، وتَصَرُّفُهُ بِسَبَبِ الخِلافِ المَذْكُورِ في "الشاهِدِ" ولِنُرَتِّبَ الآنَ اطِّرادَ كُلِّ قَوْلٍ وما يَحْتَمِلُ.

فَإذا قُلْنا إنَّ قَوْلَهُ: "أفَمَن" يُرادُ بِهِ المُؤْمِنُونَ، فَإنْ جُعِلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ "البَيِّنَةُ" مُحَمَّدًا ﷺ صَحَّ أنْ يَتَرَتَّبَ "الشاهِدُ" الإنْجِيلُ ويَكُونُ يَتْلُوهُ بِمَعْنى يَقْرَأُهُ، لِأنَّ الإنْجِيلَ يَقْرَأُ شَأْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأنْ يَتَرَتَّبَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ ويَكُونُ يَتْلُوهُ بِمَعْنى يَتْبَعُهُ أيْ في تَبْلِيغِ الشَرْعِ والمَعُونَةِ فِيهِ، وأنْ يَتَرَتَّبَ المَلَكُ ويَكُونُ الضَمِيرُ في مِنهُ عائِدًا عَلى البَيِّنَةِ الَّتِي قَدَّرْناها مُحَمَّدًا ﷺ وأنْ يَتَرَتَّبَ القُرْآنُ ويَكُونُ يَتْلُوهُ بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، ويَعُودُ الضَمِيرُ في مِنهُ عَلى الرَبِّ.

وإنْ جَعْلَنا "البَيِّنَةَ" القُرْآنَ عَلى أنَّ أفَمَن هُمُ المُؤْمِنُونَ- صَحَّ أنْ يَتَرَتَّبَ "الشاهِدُ" مُحَمَّدٌ ﷺ، وصَحَّ أنْ يَتَرَتَّبَ الإنْجِيلُ وصَحَّ أنْ يَتَرَتَّبَ جِبْرِيلُ والمَلَكُ. ويَكُونُ يَتْلُوهُ بِمَعْنى يَقْرَأُهُ: وصَحَّ أنْ يَتَرَتَّبَ "الشاهِدُ" الإعْجازُ، ويَكُونُ يَتْلُوهُ بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، ويَعُودُ الضَمِيرُ فى مِنهُ عَلى القُرْآنِ.

وإذا جَعَلْنا أفَمَن لِلنَّبِيِّ ﷺ، كانَتْ "البَيِّنَةُ" القُرْآنَ، وتَرَتَّبَ "الشاهِدُ" لِسانُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وتَرَتَّبَ الإنْجِيلُ، وتَرَتَّبَ جِبْرِيلُ والمَلَكُ، وتَرَتَّبَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وتَرَتَّبَ الإعْجازُ. ويُتَأوَّلُ يَتْلُوهُ بِحَسَبِ "الشاهِدُ" كَما قُلْنا ولَكِنَّ هَذا القَوْلَ يُضْعِفُهُ قَوْلُهُ: أُولَئِكَ فَإنّا إذا جَعَلْنا قَوْلَهُ: أفَمَن لِلنَّبِيِّ ﷺ وحْدَهُ لَمْ نَجِدْ في الآيَةِ …

18

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ

And who is more unjust than he who invents a lie about Allah? Those will be presented before their Lord, and the witnesses will say, "These are the ones who lied against their Lord." Unquestionably, the curse of Allah is upon the wrongdoers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللهِ مِن أولِياءَ يُضاعَفُ لَهم العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾

قَوْلُهُ: "وَمَن " اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، وكَأنَّهُ قالَ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى كَذِبًا، والمُرادُ بِـ "مَن" الكَفَرَةُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ويَفْتَرُونَ في غَيْرِ ما شَيْءٍ، وقَوْلُهُ: أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ عِبارَةٌ عَنِ الإشادَةِ بِهِمْ والتَشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ وإلّا فَكَلُّ بَشَرٍ مَعْرُوضٌ عَلى اللهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُ الأشْهادُ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ الشُهَداءَ مِنَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ إخْبارًا عنهم وشَهادَةً عَلَيْهِمْ وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأشْهادُ بِمَعْنى الشاهِدِينَ، ويُرِيدُ جَمِيعَ الخَلائِقِ، وفي ذَلِكَ إشادَةٌ بِهِمْ، ورُوِيَ في نَحْوِ هَذا حَدِيثٌ: « "إنَّهُ لا يَخْزى أحَدٌ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا وَيَعْلَمُ ذَلِكَ جَمِيعُ مَن شَهِدَ المَحْشَرَ"،» فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: "هَؤُلاءِ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- اسْتِفْهامًا عنهم وتَثْبُتًا فِيهِمْ كَما تَقُولُ إذا رَأيْتَ مُجْرِمًا قَدْ عُوقِبَ: هَذا هو الَّذِي فَعَلَ كَذا وإنْ كُنْتَ قَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ الإخْبارُ عنهم. وقَوْلُهُ: ألا اسْتِفْتاحُ كَلامٍ، و"اللَعْنَةُ" الإبْعادُ، والَّذِينَ نَعْتُ لِـ الظالِمِينَ ويَحْتَمِلُ الرَفْعَ عَلى تَقْدِيرِ هُمُ الَّذِينَ، ويَصُدُّونَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَدِّيًا عَلى مَعْنى: يَصُدُّونَ الناسَ ويَمْنَعُونَهم مِن سَبِيلِ اللهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ عَلى مَعْنى يَصُدُّونَ هُمْ، أيْ: يُعْرِضُونَ. وسَبِيلُ اللهِ شَرِيعَتُهُ، ويَبْغُونَها مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ لَها كَما تَقُولُ بَغَيْتُكَ خَيْرًا أو شَرًّا أيْ طَلَبْتُ لَكَ، وعِوَجًا -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ويَبْغُونَ السَبِيلَ عَلى عِوَجٍ، أيْ فَهم لا يَهْتَدُونَ أبَدًا فَـ عِوَجًا -عَلى هَذا- مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والعِوَجُ الِانْحِرافُ والمَيْلُ المُؤَدِّي إلى الفَسادِ، وكَرَّرَ قَوْلَهُ:

هم عَلى جِهَةِ التَأْكِيدِ، وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ الأوَّلِ: ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الفَصْلِ لِأنَّ الفَصْلَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ، أو مَعْرِفَةٍ ونَكِرَةٍ تُقارِبُ المَعْرِفَةَ، لِأنَّها تَفْصِلُ ما بَيْنَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها صِفَةً أو خَبَرًا وتُخَلِّصُهُ لِلْخَبَرِ. و"مُعْجِزِينَ" مَعْناهُ: مُفْلَتِينَ لا يُقْدَرُ عَلَيْهِمْ. وخُصَّ ذِكْرُ الأرْضِ لِأنَّ تَصَرُّفَ ابْنِ آدَمَ وتَمَتُّعَهُ إنَّما هو فِيها وهي قُصاراهُ لا يَسْتَطِيعُ النُفُوذَ مِنها. وقَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللهِ مِن أولِياءَ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ نَفى أنْ يَكُونَ لَهم ولِيٌّ أو ناصِرٌ كائِنًا مَن كانَ.

والثانِي: أنْ يَقْصِدَ وصْفَ الأصْنامِ والآلِهَةِ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا أولِياءَ حَقِيقَةً، وإنْ كانُوا هم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أولِياءُ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ يُشَدَّدُ حَتّى يَكُونَ ضِعْفَيْ ما كانَ. ويُضاعَفُ فِعْلٌ …

19

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ

Who averted [people] from the way of Allah and sought to make it [seem] deviant while they, concerning the Hereafter, were disbelievers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللهِ مِن أولِياءَ يُضاعَفُ لَهم العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾

قَوْلُهُ: "وَمَن " اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، وكَأنَّهُ قالَ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى كَذِبًا، والمُرادُ بِـ "مَن" الكَفَرَةُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ويَفْتَرُونَ في غَيْرِ ما شَيْءٍ، وقَوْلُهُ: أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ عِبارَةٌ عَنِ الإشادَةِ بِهِمْ والتَشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ وإلّا فَكَلُّ بَشَرٍ مَعْرُوضٌ عَلى اللهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُ الأشْهادُ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ الشُهَداءَ مِنَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ إخْبارًا عنهم وشَهادَةً عَلَيْهِمْ وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأشْهادُ بِمَعْنى الشاهِدِينَ، ويُرِيدُ جَمِيعَ الخَلائِقِ، وفي ذَلِكَ إشادَةٌ بِهِمْ، ورُوِيَ في نَحْوِ هَذا حَدِيثٌ: « "إنَّهُ لا يَخْزى أحَدٌ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا وَيَعْلَمُ ذَلِكَ جَمِيعُ مَن شَهِدَ المَحْشَرَ"،» فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: "هَؤُلاءِ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- اسْتِفْهامًا عنهم وتَثْبُتًا فِيهِمْ كَما تَقُولُ إذا رَأيْتَ مُجْرِمًا قَدْ عُوقِبَ: هَذا هو الَّذِي فَعَلَ كَذا وإنْ كُنْتَ قَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ الإخْبارُ عنهم. وقَوْلُهُ: ألا اسْتِفْتاحُ كَلامٍ، و"اللَعْنَةُ" الإبْعادُ، والَّذِينَ نَعْتُ لِـ الظالِمِينَ ويَحْتَمِلُ الرَفْعَ عَلى تَقْدِيرِ هُمُ الَّذِينَ، ويَصُدُّونَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَدِّيًا عَلى مَعْنى: يَصُدُّونَ الناسَ ويَمْنَعُونَهم مِن سَبِيلِ اللهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ عَلى مَعْنى يَصُدُّونَ هُمْ، أيْ: يُعْرِضُونَ. وسَبِيلُ اللهِ شَرِيعَتُهُ، ويَبْغُونَها مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ لَها كَما تَقُولُ بَغَيْتُكَ خَيْرًا أو شَرًّا أيْ طَلَبْتُ لَكَ، وعِوَجًا -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ويَبْغُونَ السَبِيلَ عَلى عِوَجٍ، أيْ فَهم لا يَهْتَدُونَ أبَدًا فَـ عِوَجًا -عَلى هَذا- مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والعِوَجُ الِانْحِرافُ والمَيْلُ المُؤَدِّي إلى الفَسادِ، وكَرَّرَ قَوْلَهُ:

هم عَلى جِهَةِ التَأْكِيدِ، وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ الأوَّلِ: ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الفَصْلِ لِأنَّ الفَصْلَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ، أو مَعْرِفَةٍ ونَكِرَةٍ تُقارِبُ المَعْرِفَةَ، لِأنَّها تَفْصِلُ ما بَيْنَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها صِفَةً أو خَبَرًا وتُخَلِّصُهُ لِلْخَبَرِ. و"مُعْجِزِينَ" مَعْناهُ: مُفْلَتِينَ لا يُقْدَرُ عَلَيْهِمْ. وخُصَّ ذِكْرُ الأرْضِ لِأنَّ تَصَرُّفَ ابْنِ آدَمَ وتَمَتُّعَهُ إنَّما هو فِيها وهي قُصاراهُ لا يَسْتَطِيعُ النُفُوذَ مِنها. وقَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللهِ مِن أولِياءَ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ نَفى أنْ يَكُونَ لَهم ولِيٌّ أو ناصِرٌ كائِنًا مَن كانَ.

والثانِي: أنْ يَقْصِدَ وصْفَ الأصْنامِ والآلِهَةِ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا أولِياءَ حَقِيقَةً، وإنْ كانُوا هم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أولِياءُ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ يُشَدَّدُ حَتّى يَكُونَ ضِعْفَيْ ما كانَ. ويُضاعَفُ فِعْلٌ …

20

أُو۟لَٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ

Those were not causing failure [to Allah] on earth, nor did they have besides Allah any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللهِ عَلى الظالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللهِ مِن أولِياءَ يُضاعَفُ لَهم العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾

قَوْلُهُ: "وَمَن " اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، وكَأنَّهُ قالَ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى كَذِبًا، والمُرادُ بِـ "مَن" الكَفَرَةُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ويَفْتَرُونَ في غَيْرِ ما شَيْءٍ، وقَوْلُهُ: أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ عِبارَةٌ عَنِ الإشادَةِ بِهِمْ والتَشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ وإلّا فَكَلُّ بَشَرٍ مَعْرُوضٌ عَلى اللهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُ الأشْهادُ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ الشُهَداءَ مِنَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ، فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ إخْبارًا عنهم وشَهادَةً عَلَيْهِمْ وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأشْهادُ بِمَعْنى الشاهِدِينَ، ويُرِيدُ جَمِيعَ الخَلائِقِ، وفي ذَلِكَ إشادَةٌ بِهِمْ، ورُوِيَ في نَحْوِ هَذا حَدِيثٌ: « "إنَّهُ لا يَخْزى أحَدٌ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا وَيَعْلَمُ ذَلِكَ جَمِيعُ مَن شَهِدَ المَحْشَرَ"،» فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: "هَؤُلاءِ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- اسْتِفْهامًا عنهم وتَثْبُتًا فِيهِمْ كَما تَقُولُ إذا رَأيْتَ مُجْرِمًا قَدْ عُوقِبَ: هَذا هو الَّذِي فَعَلَ كَذا وإنْ كُنْتَ قَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ الإخْبارُ عنهم. وقَوْلُهُ: ألا اسْتِفْتاحُ كَلامٍ، و"اللَعْنَةُ" الإبْعادُ، والَّذِينَ نَعْتُ لِـ الظالِمِينَ ويَحْتَمِلُ الرَفْعَ عَلى تَقْدِيرِ هُمُ الَّذِينَ، ويَصُدُّونَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ مُتَعَدِّيًا عَلى مَعْنى: يَصُدُّونَ الناسَ ويَمْنَعُونَهم مِن سَبِيلِ اللهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ عَلى مَعْنى يَصُدُّونَ هُمْ، أيْ: يُعْرِضُونَ. وسَبِيلُ اللهِ شَرِيعَتُهُ، ويَبْغُونَها مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ لَها كَما تَقُولُ بَغَيْتُكَ خَيْرًا أو شَرًّا أيْ طَلَبْتُ لَكَ، وعِوَجًا -عَلى هَذا- مَفْعُولٌ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ويَبْغُونَ السَبِيلَ عَلى عِوَجٍ، أيْ فَهم لا يَهْتَدُونَ أبَدًا فَـ عِوَجًا -عَلى هَذا- مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والعِوَجُ الِانْحِرافُ والمَيْلُ المُؤَدِّي إلى الفَسادِ، وكَرَّرَ قَوْلَهُ:

هم عَلى جِهَةِ التَأْكِيدِ، وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ الأوَّلِ: ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ الفَصْلِ لِأنَّ الفَصْلَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ مَعْرِفَتَيْنِ، أو مَعْرِفَةٍ ونَكِرَةٍ تُقارِبُ المَعْرِفَةَ، لِأنَّها تَفْصِلُ ما بَيْنَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها صِفَةً أو خَبَرًا وتُخَلِّصُهُ لِلْخَبَرِ. و"مُعْجِزِينَ" مَعْناهُ: مُفْلَتِينَ لا يُقْدَرُ عَلَيْهِمْ. وخُصَّ ذِكْرُ الأرْضِ لِأنَّ تَصَرُّفَ ابْنِ آدَمَ وتَمَتُّعَهُ إنَّما هو فِيها وهي قُصاراهُ لا يَسْتَطِيعُ النُفُوذَ مِنها. وقَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ لَهم مِن دُونِ اللهِ مِن أولِياءَ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ نَفى أنْ يَكُونَ لَهم ولِيٌّ أو ناصِرٌ كائِنًا مَن كانَ.

والثانِي: أنْ يَقْصِدَ وصْفَ الأصْنامِ والآلِهَةِ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا أولِياءَ حَقِيقَةً، وإنْ كانُوا هم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أولِياءُ.

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ يُشَدَّدُ حَتّى يَكُونَ ضِعْفَيْ ما كانَ. ويُضاعَفُ فِعْلٌ …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.