Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Kashshaf by Al-Zamakhshari

Ayahs 81–90 of 123

81

قَالُوا۟ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍۢ

The angels said, "O Lot, indeed we are messengers of your Lord; [therefore], they will never reach you. So set out with your family during a portion of the night and let not any among you look back - except your wife; indeed, she will be struck by that which strikes them. Indeed, their appointment is [for] the morning. Is not the morning near?"

فلما رأت الملائكة ما لقى لوط من الكرب قالوا: يا لوط، إن ركنك لشديد إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا، فاستأذن جبريل عليه السلام ربه في عقوبتهم فأذن له، فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه- وله جناحان وعليه وشاح من درّ منظوم وهو براق الثنايا- فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم، كما قال الله تعالى فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فصاروا لا يعرفون الطريق، فخرجوا وهم يقولون: النجاء النجاء، فإن في بيت لوط قوماً سحرة لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ جملة موضحة للتي قبلها، لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصلوا إليه ولم يقدروا على ضرره. قرئ: فَأَسْرِ بالقطع والوصل. وإِلَّا امْرَأَتَكَ بالرفع والنصب. وروى أنه قال لهم: متى موعد هلاكهم؟ قالوا: الصبح. فقال:

أريد أسرع من ذلك. فقالوا أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ وقرئ «الصبح» بضمتين. فإن قلت:

ما وجه قراءة من قرأ إِلَّا امْرَأَتَكَ بالنصب؟ قلت: استثناها من قوله فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ والدليل عليه قراءة عبد الله: فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك. ويجوز أن ينتصب عن لا يلتفت، على أصل الاستثناء وإن كان الفصيح هو البدل، أعنى قراءة من قرأ بالرفع، فأبدلها عن أحد. وفي إخراجها مع أهله روايتان: روى أنه أخرجها معهم، وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي، فلما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت: يا قوماء، فأدركها حجر فقتلها.

وروى أنه أمر بأن يخلفها مع قومها، فإن هواها إليهم، فلم يسر بها. واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.

82

فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ

So when Our command came, We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of layered hard clay, [which were]

جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها جعل جبريل جناحه في أسفلها، ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها عليهم وأتبعوا الحجارة من فوقهم مِنْ سِجِّيلٍ قيل هي كلمة معربة من سنككل، بدليل قوله حجارة من طين. وقيل: هي من أسجله، إذا أرسله لأنها ترسل على الظالمين. ويدل عليه قوله لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً وقيل: مما كتب الله أن يعذب به من السجل، وسجل لفلان مَنْضُودٍ قوله «منضود» في الصحاح: نضد متاعه ينضده بالكسر نضداً، أى: وضع بعضه فوق بعض. (ع) نضد في السماء نضداً معدّاً للعذاب. وقيل يرسل بعضه في أثر بعض متتابعاً مُسَوَّمَةً معلمة للعذاب وعن الحسن كانت معلمة ببياض وحمرة. وقيل عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض. وقيل: مكتوب على كل واحد اسم من يرمى به وَما هِيَ من كل ظالم ببعيد. وفيه وعيد لأهل مكة. وعن رسول الله ﷺ.

أنه سأل جبريل عليه السلام؟ فقال: يعنى ظالمي أمّتك، ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة ذكره الثعلبي عن أنس بغير سند. . وقيل الضمير للقرى، أى هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في مسايرهم بِبَعِيدٍ بشيء بعيد. ويجوز أن يراد: وما هي بمكان بعيد، لأنها وإن كانت في السماء وهي مكان بعيد، إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقا بالمرمى، فكأنها بمكان قريب منه.

83

مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٍۢ

Marked from your Lord. And Allah 's punishment is not from the wrongdoers [very] far.

جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها جعل جبريل جناحه في أسفلها، ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها عليهم وأتبعوا الحجارة من فوقهم مِنْ سِجِّيلٍ قيل هي كلمة معربة من سنككل، بدليل قوله حجارة من طين. وقيل: هي من أسجله، إذا أرسله لأنها ترسل على الظالمين. ويدل عليه قوله لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً وقيل: مما كتب الله أن يعذب به من السجل، وسجل لفلان مَنْضُودٍ قوله «منضود» في الصحاح: نضد متاعه ينضده بالكسر نضداً، أى: وضع بعضه فوق بعض. (ع) نضد في السماء نضداً معدّاً للعذاب. وقيل يرسل بعضه في أثر بعض متتابعاً مُسَوَّمَةً معلمة للعذاب وعن الحسن كانت معلمة ببياض وحمرة. وقيل عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض. وقيل: مكتوب على كل واحد اسم من يرمى به وَما هِيَ من كل ظالم ببعيد. وفيه وعيد لأهل مكة. وعن رسول الله ﷺ.

أنه سأل جبريل عليه السلام؟ فقال: يعنى ظالمي أمّتك، ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة ذكره الثعلبي عن أنس بغير سند. . وقيل الضمير للقرى، أى هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في مسايرهم بِبَعِيدٍ بشيء بعيد. ويجوز أن يراد: وما هي بمكان بعيد، لأنها وإن كانت في السماء وهي مكان بعيد، إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقا بالمرمى، فكأنها بمكان قريب منه.

84

۞ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍۢ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ مُّحِيطٍۢ

And to Madyan [We sent] their brother Shu'ayb. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. And do not decrease from the measure and the scale. Indeed, I see you in prosperity, but indeed, I fear for you the punishment of an all-encompassing Day.

إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ يريد: بثروة واسعة تغنيكم عن التطفيف. أو أراكم بنعمة من الله حقها أن تقابل بغير ما تفعلون. أو أراكم بخير فلا تزيلوه عنكم بما أنتم عليه، كقول مؤمن آل فرعون يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا يَوْمٍ مُحِيطٍ مهلك من قوله وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ وأصله من إحاطة العدوّ. فإن قلت: وصف العذاب بالإحاطة أبلغ، أم وصف اليوم بها؟ قلت: بل وصف اليوم بها، لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث، فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه. فإن قلت: النهى عن النقصان أمر بالإيفاء قال محمود: «إن قلت النهى عن النقصان أمر بالإيفاء ... الخ» قال أحمد: ولمن قال إن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده أن يستدل بهذه الآية، فان الأمر لو كان عين النهى عن الضد، لكان وروده عقيبه تكراراً. وفي كلام الزمخشري ما يدل على أنه وهم، فاعتقد أن النهى في الآية قبل الأمر، وذلك سهو وغفلة، وكل مأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم: وأما قوله: إن الإيفاء حسن في العقول، فتفريع على قاعدة التحسين والتقبيح، وقد سبق بطلانها، وبينا أن التحسين والتقبيح موظفان من الشرع، ولا مجال العقل في حكم سمعي. فما فائدة قوله أوفوا؟ قلت: نهوا أولا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان، لأنّ في التصريح بالقبيح نعياً على المنهي وتعييراً له، ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول مصرحاً بلفظه، لزيادة ترغيب فيه وبعث عليه، وجيء به مقيداً بالقسط: أى ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية، من غير زيادة ولا نقصان، أمراً بما هو الواجب، لأن ما جاوز العدل فضل وأمر مندوب إليه. وفيه توقيف على أنّ الموفى عليه أن ينوى بالوفاء بالقسط، لأنّ الإيفاء وجه حسنه أنه قسط وعدل، فهذه ثلاث فوائد.

البخس: الهضم والنقص. ويقال للمكس: البخس. قال زهير: وَفِى كُلِّ مَا بَاعَ امْرُؤٌ بَخْسُ دِرْهَمِ [[أفى كل أسواق العراق إتاوة ... وما كل ما باع امرؤ مكس درهم

ألا تستحي منا ملوك وتتقى ... محارمنا لا تتقى الدم بالدم

لزهير. وقيل: لجابر بن حيي التغلبي، والاستفهام للتعجب أو للتوبيخ، والاتاوة كالكتابة: الرشوة والجعالة:

يقال: أتوته أأتوه أتوا وإتاوة: أعطيته الخراج، فهي في الأصل مصدر. والمكس: ما يأخذه العشار. ويروى «بخس درهم» أى نقص درهم» وكان أهل العراق يفعلون ذلك في أسواقهم مع العرب وغيرهم، فقال زهير: لا ينبغي ذلك. و «ألا» في الأصل مركبة من همزة الاستفهام التوبيخي ولا النافية، فصارت أداة تحضيض. ويقال: استحيا واستحى كما هنا، بنقل حركة الياء إلى الحاء وحذفها، أى: لتستح منا الملوك، وتتوقى عقوبة التعرض لمحارمنا وأموالنا، لئلا تتوقى القتل منا لهم بقتلنا لبعضهم، أى لئلا ترجع إلا بذلك، أو لئلا تتوقى أخذ الدم بدل الدم.

وروى «ألا يستحى منا المليك ويتقى» إلى آخره، وهو لغة في الملك، والمراد به ملك العراق.]]

وروى: مكس درهم، وكانوا يأخذون من كل شيء يباع شيئاً، كما تفعل السماسرة. أو كانوا يمكسون الناس. أو كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء، فنهوا عن ذلك. والعثى في الأرض نحو السرقة والغارة وقطع السبيل. ويجوز أن يجعل التطفيف والبخس عثيا منهم في الأرض بَقِيَّتُ اللَّهِ ما يبقى لكم من الحلال قال محمود: «بقية الله ما يبقى لكم من الحلال ... الخ» قال أحمد: المنقول عن المعتزلة أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، لا نهيا ولا أمرا، وقد جوز بعضهم خطابهم بالنهى. وهذه الآية تدل على أنهم مخاطبون في حال الكفر بشرط الايمان، وقد قررها الزمخشري على ذلك. بعد التنزه عما هو حرام عليكم خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بشرط أن تؤمنوا، وإنما خوطبوا بترك التطفيف والبخس والفساد في الأرض وهم كفرة بشرط الإيمان. فإن قلت: بقية الله خير …

85

وَيَٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

And O my people, give full measure and weight in justice and do not deprive the people of their due and do not commit abuse on the earth, spreading corruption.

إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ يريد: بثروة واسعة تغنيكم عن التطفيف. أو أراكم بنعمة من الله حقها أن تقابل بغير ما تفعلون. أو أراكم بخير فلا تزيلوه عنكم بما أنتم عليه، كقول مؤمن آل فرعون يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا يَوْمٍ مُحِيطٍ مهلك من قوله وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ وأصله من إحاطة العدوّ. فإن قلت: وصف العذاب بالإحاطة أبلغ، أم وصف اليوم بها؟ قلت: بل وصف اليوم بها، لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث، فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه. فإن قلت: النهى عن النقصان أمر بالإيفاء قال محمود: «إن قلت النهى عن النقصان أمر بالإيفاء ... الخ» قال أحمد: ولمن قال إن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده أن يستدل بهذه الآية، فان الأمر لو كان عين النهى عن الضد، لكان وروده عقيبه تكراراً. وفي كلام الزمخشري ما يدل على أنه وهم، فاعتقد أن النهى في الآية قبل الأمر، وذلك سهو وغفلة، وكل مأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم: وأما قوله: إن الإيفاء حسن في العقول، فتفريع على قاعدة التحسين والتقبيح، وقد سبق بطلانها، وبينا أن التحسين والتقبيح موظفان من الشرع، ولا مجال العقل في حكم سمعي. فما فائدة قوله أوفوا؟ قلت: نهوا أولا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان، لأنّ في التصريح بالقبيح نعياً على المنهي وتعييراً له، ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول مصرحاً بلفظه، لزيادة ترغيب فيه وبعث عليه، وجيء به مقيداً بالقسط: أى ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية، من غير زيادة ولا نقصان، أمراً بما هو الواجب، لأن ما جاوز العدل فضل وأمر مندوب إليه. وفيه توقيف على أنّ الموفى عليه أن ينوى بالوفاء بالقسط، لأنّ الإيفاء وجه حسنه أنه قسط وعدل، فهذه ثلاث فوائد.

البخس: الهضم والنقص. ويقال للمكس: البخس. قال زهير: وَفِى كُلِّ مَا بَاعَ امْرُؤٌ بَخْسُ دِرْهَمِ [[أفى كل أسواق العراق إتاوة ... وما كل ما باع امرؤ مكس درهم

ألا تستحي منا ملوك وتتقى ... محارمنا لا تتقى الدم بالدم

لزهير. وقيل: لجابر بن حيي التغلبي، والاستفهام للتعجب أو للتوبيخ، والاتاوة كالكتابة: الرشوة والجعالة:

يقال: أتوته أأتوه أتوا وإتاوة: أعطيته الخراج، فهي في الأصل مصدر. والمكس: ما يأخذه العشار. ويروى «بخس درهم» أى نقص درهم» وكان أهل العراق يفعلون ذلك في أسواقهم مع العرب وغيرهم، فقال زهير: لا ينبغي ذلك. و «ألا» في الأصل مركبة من همزة الاستفهام التوبيخي ولا النافية، فصارت أداة تحضيض. ويقال: استحيا واستحى كما هنا، بنقل حركة الياء إلى الحاء وحذفها، أى: لتستح منا الملوك، وتتوقى عقوبة التعرض لمحارمنا وأموالنا، لئلا تتوقى القتل منا لهم بقتلنا لبعضهم، أى لئلا ترجع إلا بذلك، أو لئلا تتوقى أخذ الدم بدل الدم.

وروى «ألا يستحى منا المليك ويتقى» إلى آخره، وهو لغة في الملك، والمراد به ملك العراق.]]

وروى: مكس درهم، وكانوا يأخذون من كل شيء يباع شيئاً، كما تفعل السماسرة. أو كانوا يمكسون الناس. أو كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء، فنهوا عن ذلك. والعثى في الأرض نحو السرقة والغارة وقطع السبيل. ويجوز أن يجعل التطفيف والبخس عثيا منهم في الأرض بَقِيَّتُ اللَّهِ ما يبقى لكم من الحلال قال محمود: «بقية الله ما يبقى لكم من الحلال ... الخ» قال أحمد: المنقول عن المعتزلة أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، لا نهيا ولا أمرا، وقد جوز بعضهم خطابهم بالنهى. وهذه الآية تدل على أنهم مخاطبون في حال الكفر بشرط الايمان، وقد قررها الزمخشري على ذلك. بعد التنزه عما هو حرام عليكم خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بشرط أن تؤمنوا، وإنما خوطبوا بترك التطفيف والبخس والفساد في الأرض وهم كفرة بشرط الإيمان. فإن قلت: بقية الله خير …

86

بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ

What remains [lawful] from Allah is best for you, if you would be believers. But I am not a guardian over you."

إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ يريد: بثروة واسعة تغنيكم عن التطفيف. أو أراكم بنعمة من الله حقها أن تقابل بغير ما تفعلون. أو أراكم بخير فلا تزيلوه عنكم بما أنتم عليه، كقول مؤمن آل فرعون يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا يَوْمٍ مُحِيطٍ مهلك من قوله وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ وأصله من إحاطة العدوّ. فإن قلت: وصف العذاب بالإحاطة أبلغ، أم وصف اليوم بها؟ قلت: بل وصف اليوم بها، لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث، فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه. فإن قلت: النهى عن النقصان أمر بالإيفاء قال محمود: «إن قلت النهى عن النقصان أمر بالإيفاء ... الخ» قال أحمد: ولمن قال إن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده أن يستدل بهذه الآية، فان الأمر لو كان عين النهى عن الضد، لكان وروده عقيبه تكراراً. وفي كلام الزمخشري ما يدل على أنه وهم، فاعتقد أن النهى في الآية قبل الأمر، وذلك سهو وغفلة، وكل مأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم: وأما قوله: إن الإيفاء حسن في العقول، فتفريع على قاعدة التحسين والتقبيح، وقد سبق بطلانها، وبينا أن التحسين والتقبيح موظفان من الشرع، ولا مجال العقل في حكم سمعي. فما فائدة قوله أوفوا؟ قلت: نهوا أولا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان، لأنّ في التصريح بالقبيح نعياً على المنهي وتعييراً له، ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول مصرحاً بلفظه، لزيادة ترغيب فيه وبعث عليه، وجيء به مقيداً بالقسط: أى ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية، من غير زيادة ولا نقصان، أمراً بما هو الواجب، لأن ما جاوز العدل فضل وأمر مندوب إليه. وفيه توقيف على أنّ الموفى عليه أن ينوى بالوفاء بالقسط، لأنّ الإيفاء وجه حسنه أنه قسط وعدل، فهذه ثلاث فوائد.

البخس: الهضم والنقص. ويقال للمكس: البخس. قال زهير: وَفِى كُلِّ مَا بَاعَ امْرُؤٌ بَخْسُ دِرْهَمِ [[أفى كل أسواق العراق إتاوة ... وما كل ما باع امرؤ مكس درهم

ألا تستحي منا ملوك وتتقى ... محارمنا لا تتقى الدم بالدم

لزهير. وقيل: لجابر بن حيي التغلبي، والاستفهام للتعجب أو للتوبيخ، والاتاوة كالكتابة: الرشوة والجعالة:

يقال: أتوته أأتوه أتوا وإتاوة: أعطيته الخراج، فهي في الأصل مصدر. والمكس: ما يأخذه العشار. ويروى «بخس درهم» أى نقص درهم» وكان أهل العراق يفعلون ذلك في أسواقهم مع العرب وغيرهم، فقال زهير: لا ينبغي ذلك. و «ألا» في الأصل مركبة من همزة الاستفهام التوبيخي ولا النافية، فصارت أداة تحضيض. ويقال: استحيا واستحى كما هنا، بنقل حركة الياء إلى الحاء وحذفها، أى: لتستح منا الملوك، وتتوقى عقوبة التعرض لمحارمنا وأموالنا، لئلا تتوقى القتل منا لهم بقتلنا لبعضهم، أى لئلا ترجع إلا بذلك، أو لئلا تتوقى أخذ الدم بدل الدم.

وروى «ألا يستحى منا المليك ويتقى» إلى آخره، وهو لغة في الملك، والمراد به ملك العراق.]]

وروى: مكس درهم، وكانوا يأخذون من كل شيء يباع شيئاً، كما تفعل السماسرة. أو كانوا يمكسون الناس. أو كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء، فنهوا عن ذلك. والعثى في الأرض نحو السرقة والغارة وقطع السبيل. ويجوز أن يجعل التطفيف والبخس عثيا منهم في الأرض بَقِيَّتُ اللَّهِ ما يبقى لكم من الحلال قال محمود: «بقية الله ما يبقى لكم من الحلال ... الخ» قال أحمد: المنقول عن المعتزلة أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، لا نهيا ولا أمرا، وقد جوز بعضهم خطابهم بالنهى. وهذه الآية تدل على أنهم مخاطبون في حال الكفر بشرط الايمان، وقد قررها الزمخشري على ذلك. بعد التنزه عما هو حرام عليكم خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بشرط أن تؤمنوا، وإنما خوطبوا بترك التطفيف والبخس والفساد في الأرض وهم كفرة بشرط الإيمان. فإن قلت: بقية الله خير …

87

قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ

They said, "O Shu'ayb, does your prayer command you that we should leave what our fathers worship or not do with our wealth what we please? Indeed, you are the forbearing, the discerning!"

كان شعيب عليه السلام كثير الصلوات، وكان قومه إذا رأوه يصلى تغامزوا وتضاحكوا، فقصدوا بقولهم أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ السخرية والهزء- والصلاة وإن جاز أن تكون آمرة على طريق المجاز، كما كانت ناهية في قوله إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وأن يقال:

إنّ الصلاة تأمر بالجميل والمعروف، كما يقال: تدعو إليه وتبعث عليه- إلا أنهم ساقوا الكلام مساق الطنز قوله «مساق الطنز» في الصحاح: الطنز السخرية. وطنز يطنز فهو طناز، وأظنه مولداً أو معربا اه. (ع) وجعلوا الصلاة آمرة على سبيل التهكم بصلاته، وأرادوا أنّ هذا الذي تأمر به من ترك عبادة الأوثان باطل لا وجه لصحته، وأنّ مثله لا يدعوك إليه داعى عقل، ولا يأمرك به آمر فطنة، فلم يبق إلا أن يأمرك به آمر هذيان ووسوسة شيطان، وهو صلواتك التي تداوم عليها في ليلك ونهارك، وعندهم أنها من باب الجنون ومما يتولع به المجانين والموسوسون من بعض الأقوال والأفعال. ومعنى تأمرك أَنْ نَتْرُكَ تأمرك بتكليف أن نترك قال محمود: «معناه تأمرك بتكليف أن نترك ما يعبد آباؤنا إلى قوله بتاء الخطاب فيهما» قال أحمد: فعلى هذه القراءة يكون أَنْ نَفْعَلَ معطوفا على أن نترك، وعلى المشهور: لا يجوز ذلك والله أعلم لاستحالة المعنى، فيتعين العطف فيها على ما يَعْبُدُ كأنهم قالوا: أصلواتك تأمرك أن نترك عبادة آبائنا أو معبود آبائنا، على أنها مصدرية أو موصولة، ثم قالوا: أو أن نفعل، أى أو أن نترك فعلنا في أموالنا ما نشاء، هذه لطيفة فتنبه لها، ولا حاجة إلى إضمار الزمخشري لمضاف تقديره: تأمرك بتكليف أن نترك، واحتجاجه لذلك بأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره إذاً والمسألة فرع من فروع خلق الأفعال، ومع ذلك كله فتقدير المضاف في الآية متوجه ليس بناء على القراءة المذكورة، ولكن لأن عرف التخاطب في مثله يقتضى ذلك، والله أعلم. ما يَعْبُدُ آباؤُنا لحذف المضاف الذي هو التكليف، لأنّ الإنسان لا يؤمر بفعل غيره. وقرئ أَصَلاتُكَ بالتوحيد. وقرأ ابن أبى عبلة: أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء، بتاء الخطاب فيهما، وهو ما كان يأمرهم به من ترك التطفيف والبخس، والاقتناع بالحلال القليل من الحرام الكثير.

وقيل: كان ينهاهم عن حذف الدراهم قوله «عن حذف الدراهم» الذي في الصحاح: حذفت من شعري ومن ذنب الدابة، أى: أخذت اه (ع) والدنانير وتقطيمها، وأرادوا بقولهم إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ نسبته إلى غاية السفه والغىّ، فعكسوا ليتهكموا به، كما يتهكم بالشحيح الذي لا يبضّ حجره قوله «لا يبض حجره» في الصحاح: بض الماء بضيضاً: سال قليلا قليلا. وفي المثل: ما يبض حجره، أى ما تندى صفاته. (ع) فيقال له: لو أبصرك حاتم لسجد لك. وقيل: معناه إنك للمتواصف بالحلم والرشد في قومك، يعنون أنّ ما تأمر به لا يطابق حالك وما شهرت به.

88

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...? And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allah. Upon him I have relied, and to Him I return.

وَرَزَقَنِي مِنْهُ أى من لدنه رِزْقاً حَسَناً وهو ما رزقه من النبوّة والحكمة. وقيل رِزْقاً حَسَناً حلالا طيباً من غير بخس ولا تطفيف. فإن قلت: أين جواب أَرَأَيْتُمْ وما له لم يثبت كما أثبت في قصة نوح ولوط؟ قلت: جوابه محذوف، وإنما لم يثبت لأنّ إثباته في القصتين دلّ على مكانه، ومعنى الكلام ينادى عليه. والمعنى: أخبرونى إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربى وكنت نبياً على الحقيقة، أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي؟ والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟ يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده. ويلقاك الرجل صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه؟

فيقول: خالفني إلى الماء، يريد أنه قد ذهب إليه وارداً وأنا ذاهب عنه صادراً. ومنه قوله تعالى وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ يعنى أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها، لأستبد بها دونكم إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتى ونصيحتي وأمرى بالمعروف ونهي عن المنكر مَا اسْتَطَعْتُ ظرف، أى: مدّة استطاعتي قال محمود: «ما استطعت ظرف أى مدة استطاعتي للإصلاح وما دمت متمكناً منه، ويجوز أن يكون على حذف مضاف تقديره إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت، أو يكون مفعولا للمصدر كقوله: «ضعيف النكاية أعداءه» قال أحمد: والظاهر أنه ظرف. كهو في قوله فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وأما جعله مفعولا للمصدر وقد عرف بالألف واللام فبعيد، لأن إعمال المصدر المعرف في المفعول الصريح ليس بذاك. قالوا: ولم يوجد في القرآن عاملا في مفعول صريح ولا في غيره إلا في قوله لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ فأعمله في الجار والعدول عن إقفاء الاعراب إلى وجوعه وهي ممكنة عنيدة متعين خصوصا في أفصح الكلام. والله أعلم، للإصلاح، وما دمت متمكنا منه لا آلو فيه جهداً. أو بدل من الإصلاح، أى: المقدار الذي استطعته منه.

ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف على قولك: إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت.

أو مفعول له كقوله:

ضَعِيفُ النِّكايِة أَعْدَاءَهُ [[ضعيف النكاية أعداءه ... يخال الفرار يراخى الأجل

نكأ القرح نكأ بالهمز: جرحه بعد اند ماله، ونكى العدو نكاية: قتله وجرحه. وأعداءه: مفعول النكاية. وعمل المصدر المقرون بأل كما هنا نادر. يخال: أى يظن الهرب من العدو بطيل الأجل من جبنه.]]

أى ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ وما كوني موفقاً لإصابة الحق فيما آتى وأذر، ووقوعه موافقاً لرضا الله إلا بمعونته وتأييده. والمعنى: أنه استوفق ربه في إمضاء الأمر على سننه، وطلب منه التأييد والإظهار على عدوّه، وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم فيه.

89

وَيَٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَٰلِحٍۢ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍۢ مِّنكُم بِبَعِيدٍۢ

And O my people, let not [your] dissension from me cause you to be struck by that similar to what struck the people of Noah or the people of Hud or the people of Salih. And the people of Lot are not from you far away.

«جرم» مثل كسب في تعديه إلى مفعول واحد، وإلى مفعولين تقول: جرم ذنباً وكسبه، وجرمته ذنباً وكسبته إياه، قال:

جَرِمَتْ فَزَارَةُ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا [[ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا

لزيادة بن أسماء. ويقال: جرم ذنبا إذا اكتسبه. وجرم النخل: قطعه. وجرمته كذا: إذا أكسبته إياه او حملنه عليه. يقول: طعنت ذلك الرجل الفزاري طعنة قتلته. «جرمت فزارة» أى حق لها بعدها الغضب، أو اكتسبت فزارة بعدها الغضب فقط، واشتهر الرفع عنهم، لكن قال الجوهري «فزارة» مفعول أول، أى: أحقتهم الغضب، أو أكسبتهم إياه، أو حملتهم على أن يغضبوا بعدها، فهو على إسقاط الخافض.]]

ومنه قوله تعالى لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ أى لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب.

وقرأ ابن كثير بضم الياء، من أجرمته ذنباً، إذا جعلته جار ما له، أى كاسباً، وهو منقول من جرم المتعدي إلى مفعول واحد، كما نقل: أكسبه المال، من كسب المال. وكما لا فرق بين كسبته مالا وأكسبته إياه، فكذلك لا فرق بين جرمته ذنباً وأجرمته إياه. والقراءتان مستويتان في المعنى لا تفاوت بينهما، إلا أن المشهورة أفصح لفظاً، كما إن كسبته مالا أفصح من أكسبته.

والمراد بالفصاحة: أنه على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدور، وهم له أكثر استعمالا. وقرأ أبو حيوة، ورويت عن نافع: مِثْلُ ما أَصابَ، بالفتح لإضافته إلى غير متمكن، كقوله:

لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ [[ثم ارعويت وقد طال الوقوف بنا ... فيها فصرت إلى وجناء شملال

تعطيك مشيا وإرقالا ودأدأة ... إذا تسربلت الآكام بالآل

لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ... حمامة فوق غصن ذات أو قال

لأبى قيس بن رقاعة يصف ناقته. وقوله «فيها» أى في دار المحبوبة. وللوجناء: الشديدة الصلبة. والشملال:

الخفيفة السريعة. والإرقال والدأدأة: نوعان من السير، وقد شبه استتار الآكام وهي الجبال الصغيرة بالآل، وهو السراب الذي يرى في الهاجرة أبيض يشبه الماء في جريانه على وجه الأرض، بالتسربل وهو لبس السرابيل: أى الثياب على طريق التصريحية، ثم وصفها بحدة الفؤاد وهو محمود عندهم، أو بحنينها إلى وطنها، وعطفها لما سمعت صوت الحمامة. والشرب- بالكسر: - النصيب من الماء. وبالضم المصدر. والأوقال: جمع وقل كجبل وهي الحجارة، أو البقايا التي بقيت في جذع الشجرة بعد تقليم بعض أغصانها، بارزة يمكن الارتقاء عليها. يقول: لم يمنع نصيبها من الماء عنها، أو لم يمنعها من شربها الماء. ففيه قلب على الثاني وغير فاعل لأنه تضرع إليه العامل» وبنى على الفتح لاضافته إلى مبنى، واستعار النطق لتغريد الحمامة على سبيل التصريحية، وكأنها كانت داخل الغصون فسمعت الناقة صوتها ولم ترها ففزعت. أو كانت على غصن من الشجرة فكان تغريدها مطربا لذيذا، فحنت الناقة إلى وطنها. وذات أو قال: وصف لغصن، لأنه جمع غصن كما قيل في فلك، المفرد والجمع باعتبار التغير التقديري.

ويجوز أن يقرأ باضافة غصن إلى ذات، والمعنى: غصن أرض أو شجرة ذات أو قال، لكن الأول أحسن في الوزن.

وقد روى: في غصون ذات أو قال، أى: ذات قطع بارزة بعد التعليم، فتكون مشوهة المنظر توجب النفرة والوحشة، أو صاحبه أحجار، فتكون أنضر حيث ترى مخضرة وسط أرض قفرة، أو لتكون في غير محلها فتوجب حنين الناقة إلى محلها أو فزعها لغرابة ذلك. وقيل: إنه جمع «وقل» بالسكون، وهو شجر المقل. وقيل: يجوز أنه من وقل كوعد إذا صعد، أى ذات ارتفاعات.]]

وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ يعنى أنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدكم، فهم أقرب الهالكين منكم. أولا يبعدون منكم في الكفر والمساوى وما يستحق به الهلاك. فان قلت:

ما لبعيد لم يرد على ما يقتضيه قوم من حمله على لفظه أو معناه [[قوله «على ما يقتضيه قوم من عمله» وذلك بأن بعامل معاملة المؤنث، نحو كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ أو …

90

وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌۭ وَدُودٌۭ

And ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. Indeed, my Lord is Merciful and Affectionate."

«جرم» مثل كسب في تعديه إلى مفعول واحد، وإلى مفعولين تقول: جرم ذنباً وكسبه، وجرمته ذنباً وكسبته إياه، قال:

جَرِمَتْ فَزَارَةُ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا [[ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا

لزيادة بن أسماء. ويقال: جرم ذنبا إذا اكتسبه. وجرم النخل: قطعه. وجرمته كذا: إذا أكسبته إياه او حملنه عليه. يقول: طعنت ذلك الرجل الفزاري طعنة قتلته. «جرمت فزارة» أى حق لها بعدها الغضب، أو اكتسبت فزارة بعدها الغضب فقط، واشتهر الرفع عنهم، لكن قال الجوهري «فزارة» مفعول أول، أى: أحقتهم الغضب، أو أكسبتهم إياه، أو حملتهم على أن يغضبوا بعدها، فهو على إسقاط الخافض.]]

ومنه قوله تعالى لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ أى لا يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب.

وقرأ ابن كثير بضم الياء، من أجرمته ذنباً، إذا جعلته جار ما له، أى كاسباً، وهو منقول من جرم المتعدي إلى مفعول واحد، كما نقل: أكسبه المال، من كسب المال. وكما لا فرق بين كسبته مالا وأكسبته إياه، فكذلك لا فرق بين جرمته ذنباً وأجرمته إياه. والقراءتان مستويتان في المعنى لا تفاوت بينهما، إلا أن المشهورة أفصح لفظاً، كما إن كسبته مالا أفصح من أكسبته.

والمراد بالفصاحة: أنه على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدور، وهم له أكثر استعمالا. وقرأ أبو حيوة، ورويت عن نافع: مِثْلُ ما أَصابَ، بالفتح لإضافته إلى غير متمكن، كقوله:

لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ [[ثم ارعويت وقد طال الوقوف بنا ... فيها فصرت إلى وجناء شملال

تعطيك مشيا وإرقالا ودأدأة ... إذا تسربلت الآكام بالآل

لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ... حمامة فوق غصن ذات أو قال

لأبى قيس بن رقاعة يصف ناقته. وقوله «فيها» أى في دار المحبوبة. وللوجناء: الشديدة الصلبة. والشملال:

الخفيفة السريعة. والإرقال والدأدأة: نوعان من السير، وقد شبه استتار الآكام وهي الجبال الصغيرة بالآل، وهو السراب الذي يرى في الهاجرة أبيض يشبه الماء في جريانه على وجه الأرض، بالتسربل وهو لبس السرابيل: أى الثياب على طريق التصريحية، ثم وصفها بحدة الفؤاد وهو محمود عندهم، أو بحنينها إلى وطنها، وعطفها لما سمعت صوت الحمامة. والشرب- بالكسر: - النصيب من الماء. وبالضم المصدر. والأوقال: جمع وقل كجبل وهي الحجارة، أو البقايا التي بقيت في جذع الشجرة بعد تقليم بعض أغصانها، بارزة يمكن الارتقاء عليها. يقول: لم يمنع نصيبها من الماء عنها، أو لم يمنعها من شربها الماء. ففيه قلب على الثاني وغير فاعل لأنه تضرع إليه العامل» وبنى على الفتح لاضافته إلى مبنى، واستعار النطق لتغريد الحمامة على سبيل التصريحية، وكأنها كانت داخل الغصون فسمعت الناقة صوتها ولم ترها ففزعت. أو كانت على غصن من الشجرة فكان تغريدها مطربا لذيذا، فحنت الناقة إلى وطنها. وذات أو قال: وصف لغصن، لأنه جمع غصن كما قيل في فلك، المفرد والجمع باعتبار التغير التقديري.

ويجوز أن يقرأ باضافة غصن إلى ذات، والمعنى: غصن أرض أو شجرة ذات أو قال، لكن الأول أحسن في الوزن.

وقد روى: في غصون ذات أو قال، أى: ذات قطع بارزة بعد التعليم، فتكون مشوهة المنظر توجب النفرة والوحشة، أو صاحبه أحجار، فتكون أنضر حيث ترى مخضرة وسط أرض قفرة، أو لتكون في غير محلها فتوجب حنين الناقة إلى محلها أو فزعها لغرابة ذلك. وقيل: إنه جمع «وقل» بالسكون، وهو شجر المقل. وقيل: يجوز أنه من وقل كوعد إذا صعد، أى ذات ارتفاعات.]]

وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ يعنى أنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدكم، فهم أقرب الهالكين منكم. أولا يبعدون منكم في الكفر والمساوى وما يستحق به الهلاك. فان قلت:

ما لبعيد لم يرد على ما يقتضيه قوم من حمله على لفظه أو معناه [[قوله «على ما يقتضيه قوم من عمله» وذلك بأن بعامل معاملة المؤنث، نحو كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ أو …

Commentary: Al-Kashshaf by Al-Zamakhshari. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.