Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti

Ayahs 1–10 of 123

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ

Alif, Lam, Ra. [This is] a Book whose verses are perfected and then presented in detail from [one who is] Wise and Acquainted.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ هُودٍ

﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، واسْتِقْراءُ القُرْآنِ العَظِيمِ يُرَجِّحُ واحِدًا مِن تِلْكَ الأقْوالِ، وسَنَذْكُرُ الخِلافَ المَذْكُورَ وما يُرَجِّحُهُ القُرْآنُ مِنهُ بِالِاسْتِقْراءِ فَنَقُولُ، وبِاللَّهِ جَلَّ وعَلا نَسْتَعِينُ:

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِهِ، كَما بَيَّنّا في ”آلِ عِمْرانَ“ ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذا القَوْلُ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وعامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، والرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، واخْتارَهُ أبُو حاتِمِ بْنُ حِبّانَ.

وَقِيلَ: هي أسْماءٌ لِلسُّوَرِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِها، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، ويُرْوى ما يَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ: وعَلَيْهِ إطْباقُ الأكْثَرِ. ونُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ، ويَعْتَضِدُ هَذا القَوْلُ بِما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الجُمُعَةِ الم [السجدة: ١] السَّجْدَةِ، و هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ [الإنسان: ١]» .

وَيَدُلُّ لَهُ أيْضًا قَوْلُ قاتِلِ مُحَمَّدٍ السَّجّادِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَوْمَ الجَمَلِ، وهو شُرَيْحُ بْنُ أبِي أوْفى العَبْسِيُّ، كَما ذَكَرَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في أوَّلِ سُورَةِ المُؤْمِنِ:

؎يُذَكِّرُنِي حامِيمَ والرُّمْحُ شاجِرٌ فَهَلّا تَلا حامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ

وَحَكى ابْنُ إسْحاقَ أنَّ هَذا البَيْتَ لِلْأشْتَرِ النَّخَعِيِّ قائِلًا: إنَّهُ الَّذِي قَتَلَ مُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ المَذْكُورَ، وذَكَرَ أبُو مُخَنِّفٍ أنَّهُ لِمُدْلِجِ بْنِ كَعْبٍ السَّعْدِيِّ، ويُقالُ كَعْبُ بْنُ مُدْلِجٍ، وذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ أنَّ الأكْثَرَ عَلى أنَّ الَّذِي قَتَلَهُ عِصامُ بْنُ مُقْشَعِرٍّ، قالَ المَرْزُبانِيُّ: وهو الثَّبْتُ، وأنْشَدَ لَهُ البَيْتَ المَذْكُورَ، وقَبْلَهُ:

؎وَأشْعَثُ قَوّامٌ بِآياتِ رَبِّهِ ∗∗∗ قَلِيلُ الأذى فِيما تَرى العَيْنُ مُسْلِمِ

؎ هَتَكْتُ لَهُ بِالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِهِ ∗∗∗ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ

؎عَلى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أنْ لَيْسَ تابِعًا ∗∗∗ عَلِيًّا ومَن لا يَتْبَعُ الحَقَّ يَنْدَمِ

يُذَكِّرُنِي حامِيمَ. . . البَيْتَ. اهـ مِن ”فَتْحِ البارِي“ .

فَقَوْلُهُ: ”يُذَكِّرُنِي حامِيمَ“، بِإعْرابِ ”حامِيمَ“ إعْرابَ ما لا يَنْصَرِفُ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ.

وَقِيلَ: هي مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا: سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، والشَّعْبِيُّ، وإسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيُّ الكَبِيرُ، ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وعَنْهُ أيْضًا: أنَّها أقْسامٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِها، وهي مِن أسْمائِهِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ.

وَقِيلَ: هي حُرُوفٌ، كُلُّ واحِدٍ مِنها مِنِ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ جَلَّ وعَلا. فالألِفُ مِن ”الم“ مَثَلًا: مِفْتاحُ اسْمِ اللَّهِ، واللّامُ مِفْتاحُ اسْمِهِ لَطِيفٍ، والمِيمُ: مِفْتاحُ اسْمِهِ مَجِيدٍ، وهَكَذا. ويُرْوى هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي العالِيَةِ، واسْتُدِلَّ لِهَذا …

2

أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۚ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ

[Through a messenger, saying], "Do not worship except Allah. Indeed, I am to you from Him a warner and a bringer of good tidings,"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾، هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى أنَّ الحِكْمَةَ العُظْمى الَّتِي أُنْزِلَ القُرْآنُ مِن أجْلِها: هي أنْ يُعْبَدَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا وحْدَهُ، ولا يُشْرَكَ بِهِ في عِبادَتِهِ شَيْءٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وعَلا: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ الآيَةَ [هود: ١، ٢] صَرِيحٌ في أنَّ آياتِ هَذا الكِتابِ فُصِّلَتْ مِن عِنْدِ الحَكِيمِ الخَبِيرِ لِأجْلِ أنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وحْدَهُ، سَواءٌ قُلْنا إنَّ ”أنْ“ هي المُفَسِّرَةُ، أوْ أنَّ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ مِنها ومِن صِلَتِها مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ لِأنَّ ضابِطَ ”أنْ“ المُفَسِّرَةَ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَها مُتَضَمِّنًا مَعْنى القَوْلِ، ولا يَكُونُ فِيهِ حُرُوفُ القَوْلِ.

وَوَجْهُهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]، فِيهِ مَعْنى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِذَلِكَ الإحْكامِ والتَّفْصِيلِ دُونَ حُرُوفِ القَوْلِ، فَيَكُونُ تَفْسِيرُ ذَلِكَ هو: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ .

وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ مِن ”أنْ“ وصِلَتِها مَفْعُولٌ لَهُ، فالأمْرُ واضِحٌ، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ حاصِل تَفْصِيلِ القُرْآنِ هو أنْ يُعْبَدَ اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ ولا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ، ونَظِيرُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨]، ومَعْلُومٌ أنَّ لَفْظَةَ ”إنَّما“ مِن صِيَغِ الحَصْرِ، فَكَأنَّ جَمِيعَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ مُنْحَصِرٌ في مَعْنى ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ وقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ أنَّ حَصْرَ الوَحْيِ في آيَةِ الأنْبِياءِ هَذِهِ في تَوْحِيدِ العِبادَةِ حَصْرٌ لَهُ في أصْلِهِ الأعْظَمِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ جَمِيعُ الفُرُوعِ؛ لِأنَّ شَرائِعَ الأنْبِياءِ كُلِّهِمْ داخِلَةٌ في ضِمْنِ مَعْنى ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ لِأنَّ مَعْناها خَلْعُ جَمِيعِ المَعْبُوداتِ غَيْرِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا في جَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ، وإفْرادِهِ جَلَّ وعَلا وحْدَهُ بِجَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ جَمِيعُ الأوامِرِ والنَّواهِي القَوْلِيَّةِ، والفِعْلِيَّةِ، والِاعْتِقادِيَّةِ.

والآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ، وإنْزالَ الكُتُبِ لِأجْلِ أنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وحْدَهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقَدْ أشَرْنا إلى هَذا البَحْثِ في ”سُورَةِ الفاتِحَةِ“ وسَنَسْتَقْصِي الكَلامَ عَلَيْهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في ”سُورَةِ النّاسِ“ لِتَكُونَ خاتِمَةَ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ حُسْنى.

3

وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ كَبِيرٍ

And [saying], "Seek forgiveness of your Lord and repent to Him, [and] He will let you enjoy a good provision for a specified term and give every doer of favor his favor. But if you turn away, then indeed, I fear for you the punishment of a great Day.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ والتَّوْبَةَ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الذُّنُوبِ سَبَبٌ لِأنْ يُمَتِّعَ اللَّهُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى؛ لِأنَّهُ رَتَّبَ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ تَرْتِيبَ الجَزاءِ عَلى شَرْطِهِ.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالمَتاعِ الحَسَنِ: سَعَةُ الرِّزْقِ، ورَغَدُ العَيْشِ، والعافِيَةُ في الدُّنْيا، وأنَّ المُرادَ بِالأجَلِ المُسَمّى: المَوْتُ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ نَبِيِّهِ هُودٍ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]، وقَوْلُهُ تَعالى عَنْ ”نُوحٍ“: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٩٦]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

4

إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

To Allah is your return, and He is over all things competent."

Explained together with ayah 3

5

أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Unquestionably, they the disbelievers turn away their breasts to hide themselves from Him. Unquestionably, [even] when they cover themselves in their clothing, Allah knows what they conceal and what they declare. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .

يُبَيِّنُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وأنَّ السِّرَّ كالعَلانِيَةِ عِنْدَهُ، فَهو عالِمٌ بِما تَنْطَوِي عَلَيْهِ الضَّمائِرُ وما يُعْلَنُ وما يُسَرُّ، والآياتُ المُبَيِّنَةُ لِهَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]،

• وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾

• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ الآيَةَ [يونس: ٦١]،

ولا تَقْلِبُ ورَقَةً مِنَ المُصْحَفِ الكَرِيمِ إلّا وجَدْتَ فِيها آيَةً بِهَذا المَعْنى.

تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى ما أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ واعِظًا أكْبَرَ، ولا زاجِرًا أعْظَمَ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ وأمْثالُها في القُرْآنِ، مِن أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ ما يَعْمَلُهُ خَلْقُهُ، رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ، لَيْسَ بِغائِبٍ عَمّا يَفْعَلُونَ، وضَرَبَ العُلَماءُ لِهَذا الواعِظِ الأكْبَرِ، والزّاجِرِ الأعْظَمِ مَثَلًا لِيَصِيرَ بِهِ كالمَحْسُوسِ، فَقالُوا: لَوْ فَرَضْنا أنَّ مَلِكًا قَتّالًا لِلرِّجالِ، سَفّاكًا لِلدِّماءِ، شَدِيدَ البَطْشِ والنَّكالِ عَلى مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَتَهُ ظُلْمًا، وسَيّافُهُ قائِمٌ عَلى رَأْسِهِ، والنَّطْعُ مَبْسُوطٌ لِلْقَتْلِ، والسَّيْفُ يَقْطُرُ دَمًا، وحَوْلَ هَذا المَلِكِ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ جَوارِيهِ وأزْواجُهُ وبَناتُهُ، فَهَلْ تَرى أنَّ أحَدًا مِنَ الحاضِرِينَ يَهِمُّ بِرِيبَةٍ أوْ بِحَرامٍ يَنالُهُ مِن بَناتِ ذَلِكَ المَلِكِ وأزْواجِهِ، وهو يَنْظُرُ إلَيْهِ عالِمٌ بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ ؟ ! لا، وكَلّا ! بَلْ جَمِيعُ الحاضِرِينَ يَكُونُونَ خائِفِينَ، وجِلَةً قُلُوبُهم، خاشِعَةً عُيُونُهم، ساكِنَةً جَوارِحُهم خَوْفًا مِن بَطْشِ ذَلِكَ المَلِكِ.

وَلا شَكَّ ”وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى“ أنَّ رَبَّ السَّمَواتِ والأرْضِ جَلَّ وعَلا أشَدُّ عِلْمًا، وأعْظَمُ مُراقَبَةً، وأشَدُّ بَطْشًا، وأعْظَمُ نَكالًا وعُقُوبَةً مِن ذَلِكَ المَلِكِ، وحِماهُ في أرْضِهِ مَحارِمُهُ، فَإذا لاحَظَ الإنْسانُ الضَّعِيفُ أنَّ رَبَّهُ جَلَّ وعَلا لَيْسَ بِغائِبٍ عَنْهُ، وأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ ما يَقُولُ وما يَفْعَلُ وما يَنْوِي لانَ قَلْبُهُ، وخَشِيَ اللَّهَ تَعالى، وأحْسَنَ عَمَلَهُ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا.

وَمِن أسْرارِ هَذِهِ المَوْعِظَةِ الكُبْرى أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى صَرَّحَ بِأنَّ الحِكْمَةَ الَّتِي خَلَقَ الخَلْقَ مِن أجْلِها هي أنْ يَبْتَلِيَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا، ولَمْ يَقُلْ: أيُّهم أكْثَرُ عَمَلًا، فالِابْتِلاءُ في إحْسانِ العَمَلِ، كَما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ الآيَةَ [هود: ٧] .

وَقالَ في المُلْكِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا وهو العَزِيزُ الغَفُورُ﴾ [الملك: ٢] .

وَلا شَكَّ أنَّ العاقِلَ إذا عَلِمَ …

6

۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّۭ فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ

And there is no creature on earth but that upon Allah is its provision, and He knows its place of dwelling and place of storage. All is in a clear register.

Explained together with ayah 5

7

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And it is He who created the heavens and the earth in six days - and His Throne had been upon water - that He might test you as to which of you is best in deed. But if you say, "Indeed, you are resurrected after death," those who disbelieve will surely say, "This is not but obvious magic."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾، صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِحِكْمَةِ ابْتِلاءِ الخَلْقِ، ولَمْ يَخْلُقْهُما عَبَثًا ولا باطِلًا، ونَزَّهَ نَفْسَهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، وصَرَّحَ بِأنَّ مَن ظَنَّ ذَلِكَ فَهو مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهَدَّدَهم بِالنّارِ، قالَ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]، وقالَ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦]، وقالَ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

8

وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍۢ مَّعْدُودَةٍۢ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And if We hold back from them the punishment for a limited time, they will surely say, "What detains it?" Unquestionably, on the Day it comes to them, it will not be averted from them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ الآيَةَ، المُرادُ بِالأُمَّةِ هُنا: المُدَّةُ مِنَ الزَّمَنِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، أيْ: تَذَكَّرَ بَعْدَ مُدَّةٍ.

تَنْبِيهٌ

اسْتُعْمِلَ لَفْظُ ”الأُمَّةِ“ في القُرْآنِ أرْبَعَةَ اسْتِعْمالاتٍ:

الأوَّلُ: هو ما ذَكَرْنا هُنا مِنَ اسْتِعْمالِ الأُمَّةِ في البُرْهَةِ مِنَ الزَّمَنِ.

الثّانِي: اسْتِعْمالُها في الجَماعَةِ مِنَ النّاسِ، وهو الِاسْتِعْمالُ الغالِبُ،

• كَقَوْلِهِ ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٢٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ الآيَةَ [يونس: ٤٧]،

• وقَوْلِهِ ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٣]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

الثّالِثُ: اسْتِعْمالُ ”الأُمَّةِ“ في الرَّجُلِ المُقْتَدى بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٠] .

الرّابِعُ: اسْتِعْمالُ ”الأُمَّةِ“ في الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ الآيَةَ [الزخرف: ٢٢]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٥٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

9

وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ ثُمَّ نَزَعْنَٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌۭ كَفُورٌۭ

And if We give man a taste of mercy from Us and then We withdraw it from him, indeed, he is despairing and ungrateful.

Explained together with ayah 8

10

وَلَئِنْ أَذَقْنَٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌۭ فَخُورٌ

But if We give him a taste of favor after hardship has touched him, he will surely say, "Bad times have left me." Indeed, he is exultant and boastful -

Explained together with ayah 8

Commentary: Adwa' al-Bayan by Muhammad al-Amin al-Shinqiti. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.