Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 91–100 of 123

91

قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًۭا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًۭا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَٰكَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍۢ

They said, "O Shu'ayb, we do not understand much of what you say, and indeed, we consider you among us as weak. And if not for your family, we would have stoned you [to death]; and you are not to us one respected."

﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ الفِقْهُ مَعْرِفَةُ غَرَضِ المُتَكَلِّمِ مِن كَلامِهِ، أيْ: ما نَفْهَمُ مُرادَكَ، وإنَّما قالُوهُ بَعْدَما سَمِعُوا مِنهُ دَلائِلَ الحَقِّ المُبِينِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ وأبْلَغِهِ، وضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ، وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ، فَلَمْ يَجِدُوا إلى مُحاوَرَتِهِ سَبِيلًا سِوى الصُّدُودِ عَنْ مِنهاجِ الحَقِّ والسُّلُوكِ إلى سَبِيلِ الشَّقاءِ، كَما هو دَيْدَنُ المُفْحَمِ المَحْجُوجِ، يُقابِلُ البَيِّناتِ بِالسَّبِّ والإبْراقِ والإرْعادِ، فَجَعَلُوا كَلامَهُ المُشْتَمِلَ عَلى فُنُونِ الحِكَمِ والمَواعِظِ وأنْواعِ العُلُومِ والمَعارِفِ مِن قَبِيلِ ما لا يُفْهَمُ مَعْناهُ ولا يُدْرَكُ فَحَواهُ، وأدْمَجُوا في ضِمْنِ ذَلِكَ أنَّ في تَضاعِيفِهِ ما يَسْتَوْجِبُ أقْصى ما يَكُونُ مِنَ المُؤاخَذَةِ والعِقابِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ ما فِيهِ مِنَ التَّحْذِيرِ مِن عَواقِبِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿وَإنّا لَنَراكَ فِينا﴾ فِيما بَيْنَنا ﴿ضَعِيفًا﴾ لا قُوَّةَ لَكَ، ولا قُدْرَةَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الضُّرِّ والنَّفْعِ والإيقاعِ والدَّفْعِ ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ﴾ لَوْلا مُراعاةُ جانِبِهِمْ لا لَوْلاهم يُمانِعُونَنا ويُدافِعُونَنا ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ فَإنَّ مُمانَعَةَ الرَّهْطِ - وهو اسْمٌ لِلثَّلاثَةِ إلى السَّبْعَةِ أوْ إلى العِشْرَةِ - لَهم وهم أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ مِمّا لا يَكادُ يُتَوَهَّمُ، وقَدْ أُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ مُكْرَمٍ مُحْتَرَمٍ حَتّى نَمْتَنِعَ مِن رَجْمِكَ، وإنَّما نَكُفُّ عَنْهُ لِلْمُحافَظَةِ عَلى حُرْمَةِ رَهْطِكَ الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلى دِينِنا، ولَمْ يَخْتارُوكَ عَلَيْنا، ولَمْ يَتَّبِعُوكَ دُونَنا، وإيلاءُ الضَّمِيرِ حَرْفَ النَّفْيِ - وإنْ لَمْ يَكُنِ الخَبَرُ فِعْلِيًّا - غَيْرَ خالٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى رُجُوعِ النَّفْيِ إلى الفاعِلِ دُونَ الفِعْلِ لا سِيَّما مَعَ قَرِينَةِ قَوْلِهِ: "وَلَوْلا رَهْطُكَ" كَأنَّهُ قِيلَ: وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ، بَلْ رَهْطُكَ هُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْنا، وحَيْثُ كانَ غَرَضُهم مِن عَظِيمَتِهِمْ هَذِهِ عائِدًا إلى نَفْيِ ما فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ والعِزَّةِ الرَّبّانِيَّتَيْنِ حَسْبَما يُوجِبُهُ كَوْنُهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ مُؤَيَّدًا مِن عِنْدِهِ، ويَقْتَضِيهِ قَضِيَّةُ طَلَبِ التَّوْفِيقِ مِنهُ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والإنابَةِ إلَيْهِ، وإلى إسْقاطِ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِدادِ بِهِ والِاعْتِبارِ

92

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَهْطِىٓ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ

He said, "O my people, is my family more respected for power by you than Allah? But you put Him behind your backs [in neglect]. Indeed, my Lord is encompassing of what you do.

﴿قالَ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ في جَوابِهِمْ: ﴿يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ فَإنَّ الِاسْتِهانَةَ بِمَن لا يَتَعَزَّزُ إلّا بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - اسْتِهانَةٌ بِجَنابِهِ العَزِيزِ، وإنَّما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أعَزِّيَّةَ رَهْطِهِ مِنهُ تَعالى - مَعَ أنَّ ما أثْبَتُوهُ إنَّما هو مُطْلَقُ عِزَّةِ رَهْطِهِ لا أعَزِّيَّتُهم مِنهُ، عَزَّ وجَلَّ، مَعَ الِاشْتِراكِ في أصْلِ العِزَّةِ - لِتَثْنِيَةِ التَّقْرِيعِ، وتَكْرِيرِ التَّوْبِيخِ، حَيْثُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا تَرْجِيحَ جَنَبَةِ الرَّهْطِ عَلى جَنَبَةِ اللَّهِ تَعالى، وثانِيًا بِنَفْيِ العِزَّةِ بِالمَرَّةِ، والمَعْنى: أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ، فَإنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، والحالُ إنَّكم لَمْ تَجْعَلُوا لَهُ تَعالى حَظًّا مِنَ العِزَّةِ أصْلًا.

﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ بِسَبَبِ عَدَمِ اعْتِدادِكم بِمَن لا يَرِدُ ولا يَصْدُرُ إلّا بِأمْرِهِ ﴿وَراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ أيْ: شَيْئًا مَنبُوذًا وراءَ الظَّهْرِ مَنسِيًّا لا يُبالى بِهِ، مَنسُوبٌ إلى الظَّهْرِ والكَسْرِ لِتَغْيِيرِ النَّسَبِ كالأمْسِيِّ في النِّسْبَةِ إلى الأمْسِ ﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عَدَمُ مُراعاتِكم لِجانِبِهِ ﴿مُحِيطٌ﴾ لا يَخْفي عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ، وإنْ جَعَلْتُمُوهُ مَنسِيًّا فَيُجازِيكم عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإنْكارُ لِلرَّدِّ والتَّكْذِيبِ، فَإنَّهم لَمّا ادَّعَوْا أنَّهم لا يَكُفُّونَ عَنْ رَجْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ، بَلْ لِمُراعاةِ جانِبِ رَهْطِهِ، رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّكم ما قَدَرْتُمُ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ العَزِيزِ، ولَمْ تُراعُوا جَنابَهُ القَوِيَّ، فَكَيْفَ تُراعُونَ جانِبَ رَهْطِي الأذِلَّةِ؟!

93

وَيَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَٰمِلٌۭ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَٰذِبٌۭ ۖ وَٱرْتَقِبُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌۭ

And O my people, work according to your position; indeed, I am working. You are going to know to whom will come a punishment that will disgrace him and who is a liar. So watch; indeed, I am with you a watcher, [awaiting the outcome]."

﴿وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا﴾ لَمّا رَأى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إصْرارَهم عَلى الكُفْرِ، وأنَّهم لا يَرْعَوُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى العَظِيمَةِ الَّتِي هي الِاسْتِهانَةُ بِهِ والعَزِيمَةُ عَلى رَجْمِهِ لَوْلا حُرْمَةُ رَهْطِهِ، قالَ لَهم - عَلى طَرِيقَةِ التَّهْدِيدِ – اعْمَلُوا ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: عَلى غايَةِ تَمَكُّنِكم واسْتِطاعَتِكُمْ، يُقالُ: مَكُنَ مَكانَةً إذا تَمَكَّنَ أبْلَغَ التَّمَكُّنِ، وإنَّما قالَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَدًّا لِما ادَّعَوْا أنَّهم أقْوِياءُ قادِرُونَ عَلى رَجْمِهِ، وأنَّهُ ضَعِيفٌ فِيما بَيْنَهم لا عِزَّةَ لَهُ، أوْ عَلى ناحِيَتِكم وجِهَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمُ عَلَيْها مِن قَوْلِهِمْ: مَكانٌ ومَكانَةٌ كَمَقامٍ ومَقامَةٍ، والمَعْنى: اثْبُتُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمُشاقَّةِ لِي، وسائِرِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ، وابْذُلُوا جُهْدَكم في مُضارَّتِي وإيقاعِ ما في نِيَّتِكم وإخْراجِ ما في أُمْنِيَتِكم مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ عَلى مَكانَتِي حَسْبَما يُؤَيِّدُنِي اللَّهُ ويُوَفِّقُنِي بِأنْواعِ التَّأْيِيدِ والتَّوْفِيقِ ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ لَمّا هَدَّدَهم - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿ (اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ)﴾ كانَ مَظِنَّةَ أنْ يَسْألَ مِنهم سائِلٌ فَيَقُولَ: فَماذا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ وُصِفَ العَذابُ بِالإخْزاءِ تَعْرِيضًا بِما أوْعَدُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِ مِنَ الرَّجْمِ، فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ عَذابًا فِيهِ خِزْيٌ ظاهِرٌ حَيْثُ لا يَكُونُ إلّا بِجِنايَةٍ عَظِيمَةٍ تُوجِبُهُ ﴿وَمَن هو كاذِبٌ﴾ عَطْفٌ عَلى (مَن يَأْتِيهِ) لا عَلى أنَّهُ قَسِيمُهُ، بَلْ حَيْثُ أوْعَدُوهُ بِالرَّجْمِ وكَذَّبُوهُ قِيلَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنِ المُعَذَّبُ ومَنِ الكاذِبُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمْ في ادِّعائِهِمُ القُوَّةَ والقُدْرَةَ عَلى رَجْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي نِسْبَتِهِ إلى الضَّعْفِ والهَوانِ، وفي ادِّعائِهِمُ الإبْقاءَ عَلَيْهِ لِرِعايَةِ جانِبِ الرَّهْطِ، والِاخْتِلافُ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ بِالفِعْلِيَّةِ والِاسْمِيَّةِ؛ لِأنَّ كَذِبَ الكاذِبِ لَيْسَ بِمُرْتَقَبٍ كَإتْيانِ العَذابِ، بَلْ إنَّما المُرْتَقَبُ ظُهُورُ الكَذِبِ السّابِقِ المُسْتَمِرِّ، و"مَن" إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ لِلْعِلْمِ عَنِ العَمَلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّنا يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وأيُّنا كاذِبٌ، وإمّا مَوْصُولَةٌ، أيْ: سَوْفَ تَعْرِفُونَ الَّذِي يَأْتِيهِ عَذابٌ والَّذِي هو كاذِبٌ ﴿وارْتَقِبُوا﴾ وانْتَظِرُوا مَآلَ ما أقُولُ ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ مُنْتَظِرٌ، فَعِيلٌ بِمَعْنى الرّاقِبِ كالصَّرِيمِ، أوِ المُراقِبِ كالعَشِيرِ، أوِ المُرْتَقَبِ كالرَّفِيعِ، وفي زِيادَةِ ﴿ (مَعَكُمْ)﴾ إظْهارٌ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِكَمالِ الوُثُوقِ بِأمْرِهِ.

94

وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَٰرِهِمْ جَٰثِمِينَ

And when Our command came, We saved Shu'ayb and those who believed with him, by mercy from Us. And the shriek seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: عَذابُنا، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أوْ وقْتُهُ؛ فَإنَّ الِارْتِقابَ مُؤْذِنٌ بِذَلِكَ ﴿نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ وهي الإيمانُ الَّذِي وفَّقْناهم لَهُ، أوْ بِمَرْحَمَةٍ كائِنَةٍ مِنّا لَهُمْ، وإنَّما ذُكِرَ بِالواوِ - كَما في قِصَّةِ عادٍ - لِما أنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ فِيها ذِكْرُ وعْدٍ يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ المُقْتَضِي لِدُخُولِ الفاءِ في مَعْلُولِهِ كَما في قِصَّتَيْ صالِحٍ ولُوطٍ، فَإنَّهُ قَدْ سَبَقَ هُنالِكَ سابِقَةُ الوَعْدِ بِقَوْلِهِ: "ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ" وقَوْلِهِ: "إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ" .

﴿وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عُدِلَ إلَيْهِ عَنِ الضَّمِيرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، وإشْعارًا بِأنَّ ما أخَذَهم إنَّما أخَذُهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ الَّذِي فُصِّلَ فِيما سَبَقَ فُنُونُهُ ﴿الصَّيْحَةُ﴾ قِيلَ: صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهَلَكُوا، وفي سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وفي سُورَةِ العَنْكَبُوتِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ: الزَّلْزَلَةُ، ولَعَلَّها مِن رَوادِفِ الصَّيْحَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِتَمَوُّجِ الهَواءِ المُفْضِي إلَيْها كَما مَرَّ فِيما قَبْلُ.

﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ مَيِّتِينَ لازِمِينَ لِأماكِنِهِمْ لا بَراحَ لَهم مِنها.

وَلَمّا لَمْ يُجْعَلْ مُتَعَلَّقُ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ﴾ ... إلَخْ، نَفْسَ مَجِيءِ العَذابِ، بَلْ مَن يَجِيئُهُ ذَلِكَ جُعِلَ مَجِيئُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا مُسَلَّمَ الوُقُوعِ، غَنِيًّا عَنِ الإخْبارِ بِهِ، حَيْثُ جُعِلَ شَرْطًا، وجُعِلَ تَنْجِيَةُ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإهْلاكُ الكَفَرَةِ جَوابًا لَهُ ومَقْصُودَ الإفادَةِ، وإنَّما قُدِّمَ تَنْجِيَتُهُ؛ اهْتِمامًا بِشَأْنِها وإيذانًا بِسَبْقِ الرَّحْمَةِ الَّتِي هي مُقْتَضى الربوبية عَلى الغَضَبِ الَّذِي يَظْهَرُ أثَرُهُ بِمُوجِبِ جَرائِرِهِمْ وجَرائِمِهِمْ.

95

كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ

As if they had never prospered therein. Then, away with Madyan as Thamud was taken away.

﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ أيْ: لَمْ يُقِيمُوا ﴿فِيها﴾ مُتَصَرِّفِينَ في أطْرافِها مُتَقَلِّبِينَ في أكْنافِها ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ العُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ؛ لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى طُغْيانِهِمُ الَّذِي أدّاهم إلى هَذِهِ المَرْتَبَةِ، ولِيَكُونَ أنْسَبَ بِمَن شُبِّهَ هَلاكُهم بِهَلاكِهِمْ أعْنِي ثَمُودَ، وإنَّما شُبِّهَ هَلاكُهم بِهَلاكِهِمْ؛ لِأنَّهُما أُهْلِكَتا بِنَوْعٍ مِنَ العَذابِ وهو الصَّيْحَةُ، غَيْرَ أنَّ هَؤُلاءِ صِيحَ بِهِمْ مِن فَوْقِهِمْ وأُولَئِكَ مِن تَحْتِهِمْ، وقُرِئَ (بَعُدَتْ) بِالضَّمِّ عَلى الأصْلِ، فَإنَّ الكَسْرَ تَغْيِيرٌ لِتَخْصِيصِ مَعْنى البُعْدِ بِما يَكُونُ سَبَبَ الهَلاكِ والبُعْدِ، مَصْدَرٌ لَهُما، والبُعْدُ مَصْدَرٌ لِلْمَكْسُورِ.

96

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلْطَٰنٍۢ مُّبِينٍ

And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority

" ولِقَدٍّ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا "وَهِيَ الآياتُ التِّسْعُ المُفَصَّلاتُ، الَّتِي هي العَصا واليَدُ البَيْضاءُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، ونَقْصُ الثَّمَراتِ، والأنْفُسِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُما آيَةً واحِدَةً، وعَدَّ مِنها إظْلالَ الجَبَلِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لِقَبُولِ أحْكامِ التَّوْراةِ حِينَ أباهُ بَنُو إسْرائِيلَ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِ ( ﴿أرْسَلْنا﴾ ) أوْ نَعْتًا لِمَصْدَرِهِ المُؤَكَّدِ، أيْ: أرْسَلْناهُ حالَ كَوْنِهِ مُلْتَبِسًا بِآياتِنا، أوْ أرْسَلْناهُ إرْسالًا مُلْتَبِسًا بِها.

﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ هو المُعْجِزاتُ الباهِرَةُ مِنها، أوْ هو العَصا، والإفْرادُ بِالذِّكْرِ لِإظْهارِ شَرَفِها لِكَوْنِها أبْهَرَها، أوِ المُرادُ بِالآياتِ ما عَداها، أوْ هُما عِبارَتانِ عَنْ شَيْءٍ واحِدٍ، أيْ: أرْسَلْناهُ بِالجامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ آياتِنا وبَيْنَ كَوْنِهِ سُلْطانًا لَهُ عَلى نُبُوَّتِهِ واضِحًا في نَفْسِهِ، أوْ مُوَضِّحًا إيّاها، مِن أبانَ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، أوْ هو الغَلَبَةُ والِاسْتِيلاءُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما بَيَّنَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في تَضاعِيفِ دَعْوَتِهِ حِينَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ:" مَن رَبِّكُما " فَما بالُ القُرُونِ الأُولى ) مِنَ الحَقائِقِ الرّائِقَةِ والدَّقائِقِ اللّائِقَةِ، وجَعْلُهُ عِبارَةً عَنِ التَّوْراةِ أوْ إدْراجُها في جُمْلَةِ الآياتِ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:

97

إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍۢ

To Pharaoh and his establishment, but they followed the command of Pharaoh, and the command of Pharaoh was not [at all] discerning.

﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فَإنَّ نُزُولَها إنَّما كانَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ قاطِبَةً؛ لِيَعْمَلَ بِها بَنُو إسْرائِيلَ فِيما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، وأمّا فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ فَإنَّما كانُوا مَأْمُورِينَ بِعِبادَةِ رَبِّ العالَمِينَ عَزَّ سُلْطانُهُ، وتَرْكِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ الَّتِي كانَ يَدَّعِيها الطّاغِيَةُ، ويَقْبَلُها مِنهُ فِئَتُهُ الباغِيَةُ، وبِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ والقَسْرِ، وتَخْصِيصُ مَلَئِهِ بِالذِّكْرِ - مَعَ عُمُومِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ كافَّةً - لِأصالَتِهِمْ في الرَّأْيِ، وتَدْبِيرِ الأُمُورِ، واتِّباعِ غَيْرِهِمْ لَهم في الوُرُودِ والصُّدُورِ.

وَإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِكَفْرِ فِرْعَوْنَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وانْهِماكُهُ فِيما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ والإضْلالِ - بَلِ اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ شَأْنِ مَلَئِهِ فَقِيلَ: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: أمْرَهُ بِالكُفْرِ بِما جاءَ بِهِ مُوسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنَ الحَقِّ المُبِينِ - لِلْإيذانِ بِوُضُوحِ حالِهِ، فَكَأنَّ كُفْرَهُ وأمْرَ مَلَئِهِ بِذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ الوُجُودِ، غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى الذِّكْرِ صَرِيحًا، وإنَّما المُحْتاجُ إلى ذَلِكَ شَأْنُ مَلَئِهِ المُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ هادٍ إلى الحَقِّ وداعٍ إلى الضَّلالِ، فَنَعى عَلَيْهِمْ سُوءَ اخْتِيارِهِمْ.

وَإيرادُ الفاءِ في اتِّباعِهِمُ المُتَرَتِّبِ عَلى أمْرِ فِرْعَوْنَ المَبْنِيِّ عَلى كُفْرِهِ المَسْبُوقِ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ لِلْإشْعارِ بِمُفاجَأتِهِمْ في الِاتِّباعِ، ومُسارَعَةِ فِرْعَوْنَ إلى الكُفْرِ، وأمْرِهِمْ بِهِ، فَكَأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمْ يَتَراخَ عَنِ الإرْسالِ والتَّبْلِيغِ، بَلْ وقَعَ جَمِيعُ ذَلِكَ في وقْتٍ واحِدٍ، فَوَقَعَ إثْرَ ذَلِكَ اتِّباعُهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِأمْرِ فِرْعَوْنَ شَأْنُهُ المَشْهُورُ، وطَرِيقَتُهُ الزّائِغَةُ، فَيَكُونُ مَعْنى: "فاتَّبَعُوا" فاسْتَمَرُّوا عَلى الِاتِّباعِ، والفاءُ مِثْلُ ما في قَوْلِكَ: (وَعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ وصِحْتُ بِهِ فَلَمْ يَنْزَجِرْ) فَإنَّ الإتْيانَ بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ - وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ - لَكِنَّهُ بِحَسَبِ العُنْوانِ فِعْلٌ جَدِيدٌ، وصُنْعٌ حادِثٌ، فَتَأمَّلْ.

وَتَرْكُ الإضْمارِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الرُّجُوعِ إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أوَّلِ الأمْرِ، ولِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِ المُتَّبِعِينَ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ عَلَمٌ في الفَسادِ والإفْسادِ والضَّلالِ والإضْلالِ، فاتِّباعُهُ لِفَرْطِ الجَهالَةِ وعَدَمِ الِاسْتِبْصارِ، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ الرُّشْدُ ضِدُّ الغَيِّ، وقَدْ يُرادُ بِهِ مَحْمُودِيَّةُ العاقِبَةِ، فَهو عَلى الأوَّلِ - بِمَعْنى المُرْشِدِ أوْ ذِي الرُّشْدِ - حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ، وعَلى الثّانِي مَجازٌ، والإسْنادُ حَقِيقِيٌّ.

98

يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ

He will precede his people on the Day of Resurrection and lead them into the Fire; and wretched is the place to which they are led.

﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ جَمِيعًا مِنَ الأشْرافِ وغَيْرِهِمْ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: يَتَقَدَّمُهم مِن قَدِمَهُ بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ، وهو اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِ في الآخِرَةِ، أيْ: كَما كانَ قُدْوَةً لَهم في الضَّلالِ كَذَلِكَ يَتَقَدَّمُهم إلى النّارِ، وهم يَتْبَعُونَهُ، أوْ لِتَوْضِيحِ عَدَمِ صَلاحِ مَآلِ أمْرِهِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ أيْ: يُورِدُهُمْ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ، شُبِّهَ فِرْعَوْنُ بِالفارِطِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ إلى الماءِ، وأتْباعُهُ بِالوارِدَةِ، والنّارُ بِالماءِ الَّذِي يَرِدُونَهُ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿وَبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ أيْ: بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يَرِدُونَهُ النّارُ؛ لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُرادُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ، والنّارُ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ.

99

وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَٰذِهِۦ لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ

And they were followed in this [world] with a curse and on the Day of Resurrection. And wretched is the gift which is given.

﴿وَأُتْبِعُوا﴾ أيِ: المَلَأُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ ﴿فِي هَذِهِ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿لَعْنَةً﴾ عَظِيمَةً، حَيْثُ يَلْعَنُهم مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْضًا، حَيْثُ يَلْعَنُهم أهْلُ المَوْقِفِ قاطِبَةً، فَهي تابِعَةٌ لَهم حَيْثُما سارُوا، دائِرَةٌ مَعَهم أيْنَما دارُوا في المَوْقِفِ، فَكَما اتَّبَعُوا فِرْعَوْنَ اتَّبَعَتْهُمُ اللَّعْنَةُ في الدّارَيْنِ جَزاءً وِفاقًا، واكْتُفِيَ بِبَيانِ حالِهِمُ الفَظِيعِ وشَأْنِهِمُ الشَّنِيعِ عَنْ بَيانِ حالِ فِرْعَوْنَ؛ إذْ حِينَ كانَ حالُهم هَكَذا فَما ظَنُّكَ بِحالِ مَن أغْواهم وألْقاهم في هَذا الضَّلالِ البَعِيدِ، وحَيْثُ كانَ شَأْنُ الأتْباعِ أنْ يَكُونُوا أعْوانًا لِلْمَتْبُوعِ جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ رِفْدًا لَهم عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، فَقِيلَ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ أيْ: بِئْسَ العَوْنُ المُعانُ، وقَدْ فُسِّرَ الرِّفْدُ بِالعَطاءِ، ولا يُلائِمُهُ المَقامُ، وأصْلُهُ ما يُضافُ إلى غَيْرِهِ لِيُعَمِّدَهُ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: رِفْدُهُمْ، وهي اللَّعْنَةُ في الدّارَيْنِ، وكَوْنُهُ مَرْفُودًا مِن حَيْثُ أنَّ كُلَّ لَعْنَةٍ مِنها مُعِينَةٌ ومُمِدَّةٌ لِصاحِبَتِها، ومُؤَيِّدَةٌ لَها.

100

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَآئِمٌۭ وَحَصِيدٌۭ

That is from the news of the cities, which We relate to you; of them, some are [still] standing and some are [as] a harvest [mowed down].

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما قُصَّ مِن أنْباءِ الأُمَمِ، وبُعْدُهُ بِاعْتِبارِ تَقَضِّيهِ في الذِّكْرِ والخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ القُرى﴾ المُهْلَكَةِ بِما جَنَتْهُ أيْدِي أهْلِها ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ: ذَلِكَ النَّبَأُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى مَقْصُوصٌ عَلَيْكَ ﴿مِنها﴾ أيْ: مِن تِلْكَ القُرى ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ أيْ: ومِنها حَصِيدٌ، حُذِفَ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، شُبِّهَ ما بَقِيَ مِنها بِالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ وما عَفا وبَطَلَ بِالحَصِيدِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.