قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًۭا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًۭا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَٰكَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍۢ
They said, "O Shu'ayb, we do not understand much of what you say, and indeed, we consider you among us as weak. And if not for your family, we would have stoned you [to death]; and you are not to us one respected."
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمِ نُوحٍ أو قَوْمِ هُودٍ أو قَوْمِ صالِحٍ وما قَوْمِ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ مَعْناهُ: لا يَكْسِبْنَكُمْ، يُقالُ: جَرَّمَهُ كَذا وكَذا وأُجَرِّمُهُ إذا أكْسَبَهُ، كَما يُقالُ: كَسَبَ وأكْسَبَ بِمَعْنى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ولَقَدْ طَعنتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَجْرِمَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "يُجْرِمَنَّكُمْ" بِضَمِّها، و "شِقاقِي" مَعْناهُ: مُشاقَتِي وعَداوَتِي، و"أنْ" مُفَعْوَلَةٌ بِـ "يَجْرِمَنَّكُمْ". وكانَتْ قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ أقْرَبَ القِصَصِ عَهْدًا بِقِصَّةِ قَوْمِ شُعَيْبٍ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وما مَنازِلُ قَوْمِ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ في المَسافَةِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا القَوْلُ ضَرْبَ المَثَلِ لَهم بِقَوْمِ لُوطٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِثْلُ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ "يُصِيبْكُمْ"، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِثْلَ" بِالنَصْبِ؛ وذَلِكَ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ "مِثْلَ" فاعِلًا، وفَتْحَةُ اللامِ فَتْحَةَ بِناءٍ لِما أُضِيفَ لِغَيْرٍ مُتَمَكِّنٍ، فَإنَّ "مِثْلَ" قَدْ يَجْرِي مَجْرى الظُرُوفِ في هَذا البابِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا مَحْضًا، وإمّا أنْ يُقَدَّرَ الفاعِلُ مَحْذُوفًا يَقْتَضِيهِ المَعْنى، ويَكُونُ "مِثْلَ" مَنصُوبًا عَلى النَعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إصابَةُ مِثْلَ.
وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ الآيَةَ. تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذا مِن تَرْتِيبِ هَذا الِاسْتِغْفارِ قَبْلَ التَوْبَةِ، و "وَدُودٌ" مَعْناهُ أنَّ أفْعالَهُ ولُطْفَهُ بِعِبادِهِ لَمّا كانَتْ في غايَةِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ كانَتْ كَفِعْلِ مَن يَتَوَدَّدُ ويَوَدُّ المَصْنُوعَ لَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ﴾ الآيَةَ. "نَفْقَهُ" مَعْناهُ: نَفْهَمُ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ قُرَيْشٍ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥]، ومَعْنى ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾: أيْ ما نَفْقَهُ صِحَّةَ قَوْلِكَ، وأمّا فِقْهُهم لَفْظَهُ ومَعْناهُ فَمُتَحَصِّلٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وشَرِيكٍ القاضِي في قَوْلِهِمْ: "ضَعِيفًا" أنَّهُ كانَ ضَرِيرَ البَصَرِ أعْمى، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأعْمى: ضَعِيفٌ، كَما يُقالُ لَهُ: ضَرِيرٌ، وقِيلَ: كانَ ناحِلَ البَدَنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ ولا تَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ بِضَعْفِ بَصَرِهِ أو بَدَنِهِ، والظاهِرُ مِن قَوْلِهِمْ: "ضَعِيفًا" أنَّهُ ضَعِيفُ الِانْتِصارِ والقُدْرَةِ، وأنَّ رَهْطَهُ الكَفَرَةَ كانُوا يُراعُونَ فِيهِ.
و الرَهْطُ: جَماعَةُ الرَجُلِ، ومِنهُ الراهِطاءُ؛ لِأنَّ اليَرْبُوعَ يَعْتَصِمُ بِهِ كَما يَفْعَلُ الرَجُلُ بِرَهْطِهِ. و "لَرَجَمْناكَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِالحِجارَةِ، وهو الظاهِرُ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: لَرَجَمْناكَ بِالسَبِّ، وبِهِ فَسَّرَ الطَبَرَيُّ، وهَذا أيْضًا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأرْجُمَنَّكَ …