Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 81–90 of 123

81

قَالُوا۟ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍۢ

The angels said, "O Lot, indeed we are messengers of your Lord; [therefore], they will never reach you. So set out with your family during a portion of the night and let not any among you look back - except your wife; indeed, she will be struck by that which strikes them. Indeed, their appointment is [for] the morning. Is not the morning near?"

﴿قالُوا﴾ أيِ: الرُّسُلُ لَمّا شاهَدُوا عَجْزَهُ عَنْ مُدافَعَةِ قَوْمِهِ ﴿يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ بِضَرَرٍ ولا مَكْرُوهٍ، فافْتَحِ البابَ، ودَعْنا وإيّاهُمْ، فَفَتَحَ البابَ، فَدَخَلُوا، فاسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَبَّهُ رَبَّ العِزَّةِ - جَلَّ جَلالُهُ - في عُقُوبَتِهِمْ، فَأذِنَ لَهُ، فَقامَ في الصُّورَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيها فَنَشَرَ جَناحَهُ ولَهُ جَناحانِ، وعَلَيْهِ وِشاحٌ مِن دُرٍّ مَنظُومٍ، وهو بَرّاقُ الثَّنايا، فَضَرَبَ بِجَناحِهِ وُجُوهَهم فَطَمَسَ أعْيُنَهم وأعْماهُمْ، كَما قالَ عَزَّ وعَلا: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ فَصارُوا لا يَعْرِفُونَ الطَّرِيقَ، فَخَرَجُوا وهم يَقُولُونَ: النِّجاءَ النِّجاءَ، فَإنَّ في بَيْتِ لُوطٍ قَوْمًا سَحَرَةً.

﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ﴾ بِالقَطْعِ مِنَ الإسْراءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ بِالوَصْلِ حَيْثُ جاءَ في القرآن مِنَ السُّرى، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالإسْراءِ عَلى الإخْبارِ بِرِسالَتِهِمُ المُؤْذِنَةِ بِوُرُودِ الأمْرِ والنَّهْيِ مِن جَنابِهِ - عَزَّ وجَلَّ - إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بِطائِفَةٍ مِنهُ ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ﴾ أيْ: لا يَتَخَلَّفْ، أوْ لا يَنْظُرْ إلى ورائِهِ ﴿أحَدٌ﴾ مِنكَ ومِن أهْلِكَ، وإنَّما نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِيَجِدُّوا في السَّيْرِ، فَإنَّ مَن يَلْتَفِتُ إلى ما وراءَهُ لا يَخْلُو عَنْ أدْنى وقْفَةٍ، أوْ لِئَلّا يَرَوْا ما يَنْزِلُ بِقَوْمِهِمْ مِنَ العَذابِ فَيَرِقُّوا لَهم ﴿إلا امْرَأتَكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَأسْرِ بِأهْلِكَ" ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: (فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إلّا امْرَأتَكَ) وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن (أحَدٌ) فالِالتِفاتُ بِمَعْنى التَّخَلُّفِ لا بِمَعْنى النَّظَرِ إلى الخَلْفِ؛ كَيْلا يَلْزَمَ التَّناقُضُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ المُتَواتِرَتَيْنِ، فَإنَّ النَّصْبَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرَ مَأْمُورٍ بِالإسْراءِ بِها، والرَّفْعَ كَوْنَهُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ، والِاعْتِذارُ بِأنَّ مُقْتَضى الرَّفْعِ إنَّما هو مُجَرَّدُ كَوْنِها مَعَهم - وذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي الأمْرَ بِالإسْراءِ بِها حَتّى يَلْزَمَ المُناقَضَةُ لِجَوازِ أنْ تَسْرِيَ هي بِنَفْسِها، كَما يُرْوى أنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا أسْرى بِأهْلِهِ تَبِعَتْهم فَلَمّا سَمِعَتْ هَدَّةَ العَذابِ التَفَتَتْ، وقالَتْ: يا قَوْماهُ، فَأدْرَكَها حَجَرٌ فَقَتَلَها، وأنَّ يَسْرِيَ بِها، عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن غَيْرِ أمْرٍ بِذَلِكَ إذْ مُوجَبُ النَّصْبِ إنَّما هو عَدَمُ الأمْرِ بِالإسْراءِ بِها لا النَّهْيُ عَنِ الإسْراءِ بِها حَتّى يَكُونَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بِالإسْراءِ بِها مُخالِفًا لِلنَّهْيِ - لا يُجْدِي نَفْعًا؛ لِأنَّ انْصِرافَ الِاسْتِثْناءِ إلى الِالتِفاتِ يَسْتَدْعِي بَقاءَ الأهْلِ عَلى العُمُومِ، فَيَكُونُ الإسْراءُ بِها مَأْمُورًا بِهِ قَطْعًا، وفي حَمْلِ الأهْلِيَّةِ في إحْدى القِراءَتَيْنِ عَلى الأهْلِيَّةِ الدِّينِيَّةِ، وفي الأُخْرى عَلى النَّسَبِيَّةِ - مَعَ أنَّ فِيهِ ما لا يَخْفي مِنَ التَّحَكُّمِ والِاعْتِسافِ - كَرٌّ عَلى ما فُرَّ مِنهُ مِنَ المُناقَضَةِ، فالأوْلى حِينَئِذٍ جَعْلُ الِاسْتِثْناءِ عَلى القِراءَتَيْنِ مِن قَوْلِهِ: "لا يَلْتَفِتْ" مِثْلَ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: "ما فَعَلُوهُ إلى قَلِيلٌ مِنهُمْ" فَإنَّ ابْنَ عامِرٍ قَرَأهُ بِالنَّصْبِ، وإنْ كانَ الأفْصَحُ الرَّفْعَ عَلى البَدَلِ، ولا بُعْدَ في كَوْنِ أكْثَرِ القُرّاءِ عَلى غَيْرِ الأفْصَحِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أمْرُها بِالِالتِفاتِ، بَلْ عَدَمُ نَهْيِها عَنْهُ …

82

فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ

So when Our command came, We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of layered hard clay, [which were]

﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: وقْتُ عَذابِنا ومَوْعِدُهُ وهو الصُّبْحُ ﴿جَعَلْنا عالِيَها﴾ أيْ: عالِيَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وهي الَّتِي عُبِّرَ عَنْها بِالمُؤْتَفِكاتِ، وهي خَمْسُ مَدائِنَ فِيها أرْبَعُمِائَةِ ألْفِ ألْفٍ ﴿سافِلَها﴾ أيْ: قَلَبْناها عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ، وجُعِلَ "عالِيَها" مَفْعُولًا أوَّلَ لِلْجَعْلِ و"سافِلَها" مَفْعُولًا ثانِيًا لَهُ - وإنْ تَحَقَّقَ القَلْبُ بِالعَكْسِ أيْضًا - لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَفْظِيعِ الخَطْبِ؛ لِأنَّ جَعْلَ عالِيها الَّذِي هو مَقارُّهم ومَساكِنُهم سافِلَها أشَدُّ عَلَيْهِمْ وأشَقُّ مِن جَعْلِ سافِلِها عالِيَها، وإنْ كانَ مُسْتَلْزِمًا لَهُ.

رُوِيَ أنَّهُ جَعَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَناحَهُ في أسْفَلِها، ثُمَّ رَفَعَها إلى السَّماءِ حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وصِياحَ الدِّيَكَةِ، ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ، وإسْنادُ الجَعْلِ والإمْطارِ إلى ضَمِيرِهِ سُبْحانَهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ المُسَبِّبُ؛ لِتَفْخِيمِ الأمْرِ وتَهْوِيلِ الخَطْبِ.

﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ عَلى أهْلِ المَدائِنِ أوْ شُذّاذِهِمْ ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ (حِجارَةً مِن طِينٍ)﴾ وأصْلُهُ (سِنْكْ كُلْ) فَعُرِّبَ، وقِيلَ: هو مِن أسْجَلَهُ إذا أرْسَلَهُ، أوْ أدَرَّ عَطِيَّتَهُ، والمَعْنى مِن مِثْلِ الشَّيْءِ المُرْسَلِ، أوْ مِثْلَ العَطِيَّةِ في الإدْرارِ، أوْ مِنَ السِّجِلِّ، أيْ: مِمّا كَتَبَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُعَذِّبَهم بِهِ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِن سِجِّينٍ، أيْ: مِن جَهَنَّمَ فَأُبْدِلَتْ نُونُهُ لامًا ﴿مَنضُودٍ﴾ نُضِدَّ في السَّماءِ نَضْدًا مُعَدًّا لِلْعَذابِ، وقِيلَ: يُرْسَلُ بَعْضُهُ إثْرَ بَعْضٍ كَقِطارِ الأمْطارِ.

83

مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٍۢ

Marked from your Lord. And Allah 's punishment is not from the wrongdoers [very] far.

﴿مُسَوَّمَةً﴾ مُعَلَّمَةً لِلْعَذابِ، وقِيلَ: مُعَلَّمَةً بِبَياضٍ وحُمْرَةٍ، أوْ بِسِيما تَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ حِجارَةِ الأرْضِ، أوْ بِاسْمِ مَن تُرْمى بِهِ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في خَزائِنِهِ الَّتِي لا يَتَصَرَّفُ فِيها غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَما هِيَ﴾ أيِ: الحِجارَةُ المَوْصُوفَةُ ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مِن كُلِّ ظالِمٍ ﴿بِبَعِيدٍ﴾ فَإنَّهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ مُسْتَحِقُّونَ لَها ومُلابَسُونَ بِها، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِأهْلِ الظُّلْمِ كافَّةً.

«وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ سَألَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: "يَعْنِي ظالِمِي أُمَّتِكَ، ما مِن ظالِمٍ مِنهم إلّا وهو بِعُرْضِ حَجَرٍ يَسْقُطُ عَلَيْهِ مِن ساعَةٍ إلى ساعَةٍ"» وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرى، أيْ: هي قَرِيبَةٌ مِن ظالِمِي مَكَّةَ، يَمُرُّونَ بِها في مَسايِرِهِمْ وأسْفارِهِمْ إلى الشّامِ، وتَذْكِيرُ البَعِيدِ عَلى تَأْوِيلِ الحِجارَةِ بِالحَجَرِ، أوْ إجْرائِهِ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ، أيْ: بِشَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ بِمَكانٍ بَعِيدٍ، فَإنَّها - وإنْ كانَتْ في السَّماءِ وهي في غايَةِ البُعْدِ مِنَ الأرْضِ - إلّا أنَّها حِينَ هَوَتْ مِنها فَهي أسْرَعُ شَيْءٍ لُحُوقًا بِهِمْ، فَكَأنَّها بِمَكانٍ قَرِيبٍ مِنهُمْ، أوْ لِأنَّهُ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ كالزَّفِيرِ والصَّهِيلِ، والمَصادِرُ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.

84

۞ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍۢ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ مُّحِيطٍۢ

And to Madyan [We sent] their brother Shu'ayb. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. And do not decrease from the measure and the scale. Indeed, I see you in prosperity, but indeed, I fear for you the punishment of an all-encompassing Day.

﴿وَإلى مَدْيَنَ﴾ أيْ: أوْلادِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ جُعِلَ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ بِالغَلَبَةِ، أوْ أهْلِ مَدْيَنَ، وهو بَلَدٌ بَناهُ مَدْيَنُ فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ ﴿أخاهُمْ﴾ أيْ: نَسِيبَهم ﴿شُعَيْبًا﴾ وهو ابْنُ مَيْكِيلَ بْنِ يَشْجُرَ بْنِ مَدْيَنَ، وكانَ يُقالُ لَهُ خَطِيبُ الأنْبِياءِ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ قَوْمَهُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾، أيْ: وأرْسَلْنا إلى مَدَيْنَ أخاهم شُعَيْبًا.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ عَنْ صَدْرِ الكَلامِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: قالَ كَما قالَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحِّدُوهُ ولا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ تَحْقِيقٌ لِلتَّوْحِيدِ، وتَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِهِ وبَعْدَما أمَرَهم بِما هو مَلاكُ أمْرِ الدِّينِ، وأوَّلُ ما يَجِبُ عَلى المُكَلَّفِينَ نَهاهم عَنْ تَرْتِيبِ مَبادِئِ ما اعْتادُوهُ مِنَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ عادَةً مُسْتَمِرَّةً، فَقالَ: ﴿وَلا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ كَيْ تَتَوَسَّلُوا بِذَلِكَ إلى بَخْسِ حُقُوقِ النّاسِ ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِثَرْوَةٍ وسَعَةٍ تُغْنِيكم عَنْ ذَلِكَ، أوْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَقُّها أنْ تُقابَلَ بِغَيْرِ ما تَأْتُونَهُ مِنَ المُسامَحَةِ والتَّفَضُّلِ عَلى النّاسِ شُكْرًا عَلَيْها، أوْ أراكم بِخَيْرٍ فَلا تُزِيلُوهُ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ، وهو عَلى كُلِّ حالٍ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ عُقِّبَتْ بِعِلَّةٍ أُخْرى، أعْنِي قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ لا يَشِذُّ مِنهُ شاذٌّ مِنكُمْ، وقِيلَ: عَذابَ يَوْمٍ مُهْلِكٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، والمُرادُ عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِالإحاطَةِ، وهي حالُ العَذابِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ اليَوْمَ زَمانٌ يَشْتَمِلُ عَلى ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ، فَإذا أحاطَ بِعَذابِهِ فَقَدِ اجْتَمَعَ لِلْمُعَذَّبِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنهُ، كَما إذا أحاطَ بِنَعِيمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ والنَّهْيِ جَمِيعًا.

85

وَيَٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

And O my people, give full measure and weight in justice and do not deprive the people of their due and do not commit abuse on the earth, spreading corruption.

﴿وَيا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، فَإنَّ الزِّيادَةَ في الكَيْلِ والوَزْنِ - وإنْ كانَ تَفَضُّلًا مَندُوبًا إلَيْهِ - لَكِنَّها في الآلَةِ مَحْظُورَةٌ كالنَّقْصِ، فَلَعَلَّ الزّائِدَ لِلِاسْتِعْمالِ عِنْدَ الِاكْتِيالِ والنّاقِصَ لِلِاسْتِعْمالِ وقْتَ الكَيْلِ، وإنَّما أُمِرَ بِتَسْوِيَتِهِما وتَعْدِيلِهِما صَرِيحًا بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ نَقْصِهِما مُبالَغَةً في الحَمْلِ عَلى الإيفاءِ والمَنعِ مِنَ البَخْسِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَكْفِيهِمْ مُجَرَّدُ الكَفِّ عَنِ النَّقْصِ والبَخْسِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إصْلاحُ ما أفْسَدُوهُ، وجَعَلُوهُ مِعْيارًا لِظُلْمِهِمْ وقانُونًا لِعُدْوانِهِمْ.

﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ﴾ بِسَبَبِ نَقْصِهِما وعَدَمِ اعْتِدالِهِما ﴿أشْياءَهُمْ﴾ الَّتِي يَشْتَرُونَها بِهِما، وقَدْ صُرِّحَ بِالنَّهْيِ عَنِ البَخْسِ بَعْدَما عُلِمَ ذَلِكَ في ضِمْنِ النَّهْيِ عَنْ نَقْصِ المِعْيارِ والأمْرِ بِإيفائِهِ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ، وتَرْغِيبًا في إيفاءِ الحُقُوقِ بَعْدَ التَّرْهِيبِ والزَّجْرِ عَنْ نَقْصِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأمْرِ بِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ الأمْرَ بِإيفاءِ المَكِيلاتِ والمَزُوناتِ، ويَكُونَ النَّهْيُ عَنِ البَخْسِ عامًّا لِلنَّقْصِ في المِقْدارِ وغَيْرِهِ تَعْمِيمًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فَإنَّ العَثْيَ يَعُمُّ نَقْصَ الحُقُوقِ وغَيْرَهُ مِن أنْواعِ الفَسادِ، وقِيلَ: البَخْسُ المَكْسُ كَأخْذِ العُشُورِ في المُعامَلاتِ، قالَ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمى:

؎ أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ

والعَثْيُ في الأرْضِ السَّرِقَةُ وقَطْعُ الطَّرِيقِ والغارَةُ، وفائِدَةُ الحالِ إخْراجُ ما يُقْصَدُ بِهِ الإصْلاحُ، كَما فَعَلَهُ الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن خَرْقِ السَّفِينَةِ وقَتْلِ الغُلامِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ أمْرَ آخِرَتِكم ومَصالِحَ دِينِكم.

86

بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ

What remains [lawful] from Allah is best for you, if you would be believers. But I am not a guardian over you."

﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾ أيْ: ما أبْقاهُ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ التَّنَزُّهِ عَنْ تَعاطِي المُحْرِماتِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِمّا تَجْمَعُونَ بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ، فَإنَّ ذَلِكَ هَباءً مَنثُورًا، بَلْ شَرٌّ مَحْضٌ وإنْ زَعَمْتُمْ أنَّ فِيهِ خَيْرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى:﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِشَرْطِ أنْ تُؤْمِنُوا، فَإنَّ خَيْرِيَّتَها بِاسْتِتْباعِ الثَّوابِ مَعَ النَّجاةِ، وذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ لا مَحالَةَ، أوْ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ لِي في مَقالَتِي لَكُمْ، وقِيلَ: البَقِيَّةُ الطّاعاتُ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقُرِئَ (تَقِيَّةُ اللَّهِ) بِالفَوْقانِيَّةِ وهي تَقْواهُ عَنِ المَعاصِي ﴿وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ أحْفَظُكم مِنَ القَبائِحِ، أوْ أحْفَظُ عَلَيْكم أعْمالَكم فَأُجازِيَكُمْ، وإنَّما أنا ناصِحٌ مُبَلِّغٌ، وقَدْ أعْذَرْتُ إذْ أنْذَرْتُ ولَمْ آلُ في ذَلِكَ جُهْدًا، أوْ ما أنا بِحافِظٍ ومُسْتَبْقٍ عَلَيْكم نِعَمَ اللَّهِ تَعالى إنْ لَمْ تَتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن سُوءِ الصَّنِيعِ.

87

قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ

They said, "O Shu'ayb, does your prayer command you that we should leave what our fathers worship or not do with our wealth what we please? Indeed, you are the forbearing, the discerning!"

﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ مِنَ الأوْثانِ، أجابُوا بِذَلِكَ أمْرَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ المُتَضَمِّنَ لِنَهْيِهِمْ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، ولَقَدْ بالَغُوا في ذَلِكَ وبَلَغُوا أقْصى مَراتِبَ الخَلاعَةِ والمُجُونِ والضَّلالِ، حَيْثُ لَمْ يَكْتَفُوا بِإنْكارِ الوَحْيِ الآمِرِ بِذَلِكَ حَتّى ادَّعَوْا أنْ لا أمْرَ بِهِ مِنَ العَقْلِ واللُّبِّ أصْلًا، وأنَّهُ مِن أحْكامِ الوَسْوَسَةِ والجُنُونِ، وعَلى ذَلِكَ بَنَوُا اسْتِفْهامَهُمْ، وقالُوا بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ: أصَلاتُكَ - الَّتِي هي مِن نَتائِجِ الوَسْوَسَةِ وأفاعِيلِ المَجانِينِ - تَأْمُرُكَ بِأنْ نَتْرُكَ عِبادَةَ الأوْثانِ الَّتِي تَوارَثْناها أبًا عَنْ جَدٍّ، وإنَّما جَعَلُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَأْمُورًا - مَعَ أنَّ الصّادِرَ عَنْهُ إنَّما هو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِعِ - لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَأْمُرُهم بِذَلِكَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، بَلْ مِن جِهَةِ الوَحْيِ، وأنَّهُ كانَ يُعْلِمُهم بِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، وتَخْصِيصُهم بِإسْنادِ الأمْرِ إلى الصَّلاةِ مِن بَيْنِ سائِرِ أحْكامِ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ ﷺ كانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ، وكانُوا إذا رَأوْهُ يُصَلِّي يَتَغامَزُونَ ويَتَضاحَكُونَ، فَكانَتْ هي مِن بَيْنِ سائِرِ شَعائِرِ الدِّينِ ضِحْكَةً لَهُمْ، وقُرِئَ (أصَلَواتُكَ).

﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ جَوابٌ عَنْ أمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإيفاءِ الحُقُوقِ ونَهْيِهِ عَنِ البَخْسِ والنَّقْصِ، مَعْطُوفٌ عَلى ما، أيْ: أوْ أنْ نُتْرَكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ مِنَ الأخْذِ والإعْطاءِ والزِّيادَةِ والنَّقْصِ، وقُرِئَ بِالتّاءِ في الفِعْلَيْنِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ (تَأْمُرُكَ) أيْ: أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ تَفْعَلَ أنْتَ في أمْوالِنا ما تَشاءُ، وتَجْوِيزُ العَطْفِ عَلى ما قِيلَ يَسْتَدْعِي أنْ يُرادَ بِالتَّرْكِ مَعْنَيانِ مُتَخالِفانِ، والمُرادُ بِفِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إيجابُ الإيفاءِ والعَدْلِ في مُعامَلاتِهِمْ لا نَفْسُ الإيفاءُ، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن أفْعالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ مِن أفْعالِهِمْ.

وَإنَّما لَمْ نَقُلْ عَطْفًا عَلى (أنْ نَتْرُكَ) لِأنَّ التَّرْكَ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ عَلى الحَقِيقَةِ، بَلِ المَأْمُورُ بِهِ تَكْلِيفُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم وأمْرُهُ بِذَلِكَ، والمَعْنى أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ تُكَلِّفَنا أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، وحَمْلُهُ عَلى مَعْنى: أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ بِما لَيْسَ في وُسْعِكَ وعُهْدَتِكَ مِن أفاعِيلِ غَيْرِكَ - لِيَكُونَ ذَلِكَ تَعْرِيضًا مِنهم بِرَكاكَةِ رَأْيِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتِهْزاءً بِهِ مِن تِلْكَ الجِهَةِ - يَأْباهُ دُخُولُ الهَمْزَةِ عَلى الصَّلاةِ دُونَ الأمْرِ، ويَسْتَدْعِي أنْ يَصْدُرَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في أثْناءِ الدَّعْوَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أوْ يُوهِمُهُ، وأنّى ذَلِكَ فَتَأمَّلْ.

وَقُرِئَ بِالنُّونِ في الأوَّلِ والتّاءِ في الثّانِي عَطْفًا عَلى (أنْ نَتْرُكَ) أيْ: أوْ أنْ نَفْعَلَ نَحْنُ في أمْوالِنا عِنْدَ المُعامَلَةِ ما تَشاءُ أنْتَ مِنَ التَّسْوِيَةِ والإيفاءِ ﴿إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ وصَفُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالوَصْفَيْنِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، وإنَّما أرادُوا بِذَلِكَ وصْفَهُ بِضِدَّيْهِما، كَقَوْلِ الخَزَنَةِ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِما سَبَقَ مِنِ اسْتِبْعادِ ما ذَكَرُوهُ عَلى …

88

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...? And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allah. Upon him I have relied, and to Him I return.

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: حُجَّةٍ واضِحَةٍ وبُرْهانٍ نَيِّرٍ، عُبِّرَ بِها عَمّا آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ رَدًّا عَلى مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ في جَعْلِهِمْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ غَيْرَ مُسْتَنِدٍ إلى سَنَدٍ ﴿مِن رَبِّي﴾ ومالِكِ أُمُورِي، وإيرادُ حَرْفِ الشَّرْطِ مَعَ جَزْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِكَوْنِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ البَيِّناتِ والحُجَجِ لِاعْتِبارِ حالِ المُخاطَبِينَ، ومَراعاةِ حُسْنِ المُحاوَرَةِ مَعَهُمْ، كَما ذَكَرْناهُ في نَظائِرِهِ ﴿وَرَزَقَنِي مِنهُ﴾ أيْ: مِن لَدُنْهُ ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ هو النُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ أيْضًا، عُبِّرَ عَنْهُما بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما مَعَ كَوْنِهِما بَيِّنَةً رِزْقٌ حَسَنٌ، كَيْفَ لا وذَلِكَ مَناطُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ لَهُ ولِأُمَّتِهِ؟! وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَحْوى الكَلامِ، أيْ: أتَقُولُونَ في شَأْنِي ما تَقُولُونَ، والمَعْنى إنَّكم نَظَمْتُمُونِي في سِلْكِ السُّفَهاءِ والغُواةِ، وعَدَدْتُمْ ما صَدَرَ عَنِّي مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي مِن قَبِيلِ ما لا يَصِحُّ أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ عاقِلٌ، وجَعَلْتُمُوهُ مِن أحْكامِ الوَسْوَسَةِ والجُنُونِ، واسْتَهْزَأْتُمْ بِي وبِأفْعالِي حَتّى قُلْتُمْ: إنَّ ما أمَرْتُكم بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ والِاجْتِنابِ عَنِ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ لَيْسَ مِمّا يَأْمُرُ بِهِ آمِرُ العَقْلِ، ويَقْضِي بِهِ قاضِي الفِطْنَةِ، وإنَّما يَأْمُرُ بِهِ صَلاتُكَ الَّتِي هي مِن أحْكامِ الوَسْوَسَةِ والجُنُونِ، فَأخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ مِن جِهَةِ رَبِّي ومالِكِ أُمُورِي ثابِتًا عَلى النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ لِلْكَمالِ ولا مَطْمَحٌ لِطامِحٍ، ورَزَقَنِي بِذَلِكَ رِزْقًا حَسَنًا، أتَقُولُونَ في شَأْنِي وشَأْنِ أفْعالِي ما تَقُولُونَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ ولا شَرَّ وراءَهُ؟ هَذا هو الجَوابُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ السِّباقُ والسِّياقُ ويُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَحْذُوفَ: أيَصِحُّ لِي أنْ لا آمُرَكم بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والكَفِّ عَنِ المَعاصِي، أوْ هَلْ يَسَعُ لِي - مَعَ هَذا الإنْعامِ الجامِعِ لِلسَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ والجُسْمانِيَّةِ - أنْ أخُونَ في وحْيِهِ وأُخالِفَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ فَبِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، وإنَّما يُناسِبُ تَقْدِيرُهُ إنْ حُمِلَ كَلامُهم عَلى الحَقِيقَةِ، وأُرِيدَ بِالصَّلاةِ الدِّينُ عَلى مَعْنى: أدِينُكَ يَأْمُرُكَ أنْ تُكَلِّفَنا بِتَرْكِ عِبادَةِ آلِهَتِنا القَدِيمَةِ، وتَرْكِ التَّصَرُّفِ المُطْلَقِ في أمْوالِنا، وتُخالِفَنا في ذَلِكَ وتَشُقَّ عَصانا، وهَذا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ عَنْكَ، فَإنَّكَ أنْتَ المَشْهُورُ بِالحِلْمِ الفاضِلِ والرُّشْدِ الكامِلِ فِيما بَيْنَنا، كَما كانَ قَوْلُ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿ (قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا)﴾ مَسْرُودًا عَلى ذَلِكَ النَّمَطِ، فَأُجِيبُوا بِما أُجِيبُوا بِهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ المُرادُ بِالرِّزْقِ الحَسَنِ الحَلالَ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ تَعالى، والمَعْنى حِينَئِذٍ: أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ورَزَقَنِي مالًا حَلالًا - أسْتَغْنِي بِهِ عَنِ العالَمِينَ - أيَصِحُّ أنْ أُخالِفَ أمْرَهُ وأُوافِقَكم فِيما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ؟!

﴿وَما أُرِيدُ﴾ بِنَهْيِي إيّاكم عَمّا أنْهاكم عَنْهُ مِنَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ ﴿أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ أيْ: أقْصِدَهُ بَعْدَما ولَّيْتُمْ عَنْهُ وأسْتَبِدَّ بِهِ دُونَكُمْ، يُقالُ: خالَفْتُ زَيْدًا إلى كَذا إذا قَصَدْتَهُ وهو …

89

وَيَٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَٰلِحٍۢ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍۢ مِّنكُم بِبَعِيدٍۢ

And O my people, let not [your] dissension from me cause you to be struck by that similar to what struck the people of Noah or the people of Hud or the people of Salih. And the people of Lot are not from you far away.

﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أيْ لا يَكْسِبَنَّكم مِن جَرَمْتُهُ ذَنْبًا، مِثْلُ كَسَبْتُهُ مالًا ﴿شِقاقِي﴾ مُعاداتِي، وأصْلُهُما أنَّ أحَدَ المُتَعادِيَيْنِ يَكُونُ في عُدْوَةٍ وشِقٍّ والآخَرُ في آخَرَ ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(يَجَرِمَنَّكُمْ) أيْ: لا يَكْسِبَنَّكم مُعاداتُكم لِي أنْ يُصِيبَكم ﴿مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ مِنَ الغَرَقِ ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ مِنَ الرِّيحِ ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ مِنَ الصَّيْحَةِ والرَّجْفَةِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ الياءِ مِن أجْرَمْتُهُ ذَنْبًا إذا جَعَلْتَهُ جارِمًا لَهُ، أيْ: كاسِبًا، وهو مَنقُولٌ مِن جَرَمَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَما نُقِلَ أكْسِبُهُ المالَ مِن كَسَبَ المالَ، فَكَما لا فَرْقَ بَيْنَ كَسَّبْتُهُ مالًا وأكْسَبْتُهُ إيّاهُ لا فَرْقَ بَيْنَ جَرَّمْتُهُ ذَنْبًا وأجْرَمْتُهُ إيّاهُ في المَعْنى، إلّا أنَّ الأوَّلَ أصَحُّ وأدْوَرُ عَلى ألْسِنَةِ الفُصَحاءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: (مِثْلَ ما أصابَ) بِالفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ كَقَوْلِهِ:

؎ لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ حَمامَةٌ في غُصُونِ ذاتٍ أوْ قالَ

وَهَذا، وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَهْيًا لِلشِّقاقِ عَنْ كَسْبِ إصابَةِ العَذابِ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لِلْكَفَرَةِ عَنْ مُشاقَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ألْطَفِ أُسْلُوبٍ وأبْدَعِهِ، كَما مَرَّ في سُورَةِ المائِدَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ ... الآيَةَ.

﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ زَمانًا أوْ مَكانًا، فَإنْ لَمْ تَعْتَبِرُوا بِمَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ المَعْدُودَةِ فاعْتَبِرُوا بِهِمْ، فَكَأنَّهُ إنَّما غَيَّرَ أُسْلُوبَ التَّحْذِيرِ بِهِمْ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِما أصابَهُمْ، بَلِ اكْتَفي بِذِكْرِ قُرْبِهِمْ؛ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ لِشُهْرَةِ كَوْنِهِ مَنظُومًا في سِمْطِ ما ذُكِرَ مِن دَواهِي الأُمَمِ المَرْقُومَةِ، أوْ لَيْسُوا بِبَعِيدٍ مِنكم في الكُفْرِ والمَعاصِي، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهُمْ، وإفْرادُ البَعِيدِ مَعَ تَذْكِيرِهِ؛ لِأنَّ المُرادَ: (وَما إهْلاكُهُمْ) عَلى نِيَّةِ المُضافِ، أوْ وما هم بِشَيْءٍ بَعِيدٍ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إفادَةُ عَدَمِ بُعْدِهِمْ عَلى الإطْلاقِ، لا مِن حَيْثُ خُصُوصِيَّةُ كَوْنِهِمْ قَوْمًا، أوْ ما هم في زَمانٍ بَعِيدٍ أوْ مَكانٍ بَعِيدٍ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ عَلى زِنَةِ المَصادِرِ كالنَّهِيقِ والشَّهِيقِ.

وَلَمّا أنْذَرَهم - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِسُوءِ عاقِبَةِ صَنِيعِهِمْ عَقَّبَهُ؛ طَمَعًا في ارْعِوائِهِمْ، عَمّا كانُوا فِيهِ يَعْمَهُونَ مِن طُغْيانِهِمْ بِالحَمْلِ عَلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ فَقالَ:

90

وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌۭ وَدُودٌۭ

And ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. Indeed, my Lord is Merciful and Affectionate."

﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُ مِثْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ عَظِيمُ الرَّحْمَةِ لِلتّائِبِينَ ﴿وَدُودٌ﴾ مُبالِغٌ في فِعْلِ ما يَفْعَلُ البَلِيغُ المَوَدَّةِ بِمَن يَوَدُّهُ مِنَ اللُّطْفِ والإحْسانِ، وهَذا تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ وحَثٌّ عَلَيْهِما.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.