Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 81–90 of 123

81

قَالُوا۟ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍۢ

The angels said, "O Lot, indeed we are messengers of your Lord; [therefore], they will never reach you. So set out with your family during a portion of the night and let not any among you look back - except your wife; indeed, she will be struck by that which strikes them. Indeed, their appointment is [for] the morning. Is not the morning near?"

صفحة ١٣١

﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فاسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾

هَذا كَلامُ المَلائِكَةِ لِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كاشَفُوهُ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ مُرْسَلُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وإذْ قَدْ كانُوا في صُورَةِ البَشَرِ وكانُوا حاضِرِي المُجادَلَةِ حَكى كَلامَهم بِمِثْلِ ما تُحْكى بِهِ المُحاوَراتُ فَجاءَ قَوْلُهم بِدُونِ حَرْفِ العَطْفِ عَلى نَحْوِ ما حُكِيَ قَوْلُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْلُ قَوْمِهِ. وهَذا الكَلامُ الَّذِي كَلَّمُوا بِهِ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْيٌ أوْحاهُ اللَّهُ إلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، فَإنَّهُ لَمّا بَلَغَ بِلُوطٍ تَوَقُّعُ أذى ضَيْفِهِ مَبْلَغَ الجَزَعِ ونَفادَ الحِيلَةِ جاءَهُ نَصْرُ اللَّهِ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ - تَعالى - مَعَ رُسُلِهِ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا﴾ [يوسف: ١١٠] ٣ .

وابْتَدَأ المَلائِكَةُ خِطابَهم لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالتَّعْرِيفِ بِأنْفُسِهِمْ لِتَعْجِيلِ الطُّمَأْنِينَةِ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ عَلِمَ أنَّهم ما نَزَلُوا إلّا لِإظْهارِ الحَقِّ. قالَ تَعالى: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] . ثُمَّ ألْحَقُوا هَذا التَّعْرِيفَ بِالبِشارَةِ بِقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ . وجِيءَ بِحَرْفِ تَأْكِيدِ النَّفْيِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم خاطَبُوهُ بِما يُزِيلُ الشَّكَّ مِن نَفْسِهِ. وقَدْ صَرَفَ اللَّهُ الكُفّارَ عَنْ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَجَعُوا مِن حَيْثُ أتَوْا، ولَوْ أزالَ عَنِ المَلائِكَةِ التَّشَكُّلَ بِالأجْسادِ البَشَرِيَّةِ فَأخْفاهم عَنْ عُيُونِ الكُفّارِ لَحَسِبُوا أنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخْفاهم فَكانُوا يُؤْذُونَ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ولِذَلِكَ قالَ لَهُ المَلائِكَةُ ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ ولَمْ يَقُولُوا لَنْ يَنالُوا؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ فَإنَّهم لَمّا أعْلَمُوا لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهم مَلائِكَةٌ ما كانَ يَشُكُّ في أنَّ الكُفّارَ لا يَنالُونَهم، ولَكِنَّهُ يَخْشى سَوْرَتَهم أنْ يَتَّهِمُوهُ بِأنَّهُ أخْفاهم.

ووَقَعَ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ أعْمى أبْصارَ المُراوِدِينَ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ

صفحة ١٣٢

ضَيْفِهِ حَتّى قالُوا: إنَّ ضَيْفَ لُوطٍ سَحَرَةٌ فانْصَرَفُوا. وذَلِكَ ظاهِرُ قَوْلِهِ - تَعالى - في سُورَةِ القَمَرِ ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧] .

وجُمْلَةُ ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِإجْمالِ جُمْلَةِ ﴿إنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ فَلَمْ تُعْطَفْ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ عَطْفِ البَيانِ.

وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِالسُّرى عَلى جُمْلَةِ ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ لِما في حَرْفِ لَنْ مِن ضَمانِ سَلامَتِهِ في المُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ، فَلَمّا رَأى ابْتِداءَ سَلامَتِهِ مِنهم بِانْصِرافِهِمْ حَسُنَ أنْ يُبَيِّنَ لَهُ وجْهَ سَلامَتِهِ في المُسْتَقْبَلِ مِنهم بِاسْتِئْصالِهِمْ وبِنَجاتِهِ، فَذَلِكَ مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ.

و(أسْرِ) أمْرٌ بِالسُّرى - بِضَمِّ السِّينِ - والقَصْرِ. وهو اسْمُ مَصْدَرٍ لِلسَّيْرِ في اللَّيْلِ إلى الصَّباحِ. وفِعْلُهُ: سَرى يُقالُ بِدُونِ هَمْزَةٍ في أوَّلِهِ ويُقالُ: أسْرى بِالهَمْزَةِ.

قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو جَعْفَرٍ - بِهَمْزَةِ وصْلٍ - عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِن سَرى. وقَرَأهُ …

82

فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ

So when Our command came, We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of layered hard clay, [which were]

﴿فَلَمّا جا أمْرُنا جَعَلْنا عالِيها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةٍ عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾

تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ فَلَمّا جاءَ أمْرُنا

وقَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ تَعَودُ الضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ المَجْرُورَةُ بِالإضافَةِ وبِحَرْفِ (عَلى) عَلى القَرْيَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ السِّياقِ.

والمَعْنى أنَّ القَرْيَةَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمِ انْقِلابَ خَسْفٍ حَتّى صارَ عالِيَ البُيُوتِ سافِلًا. أيْ وسافِلُها عالِيًا، وذَلِكَ مِنَ انْقِلابِ الأرْضِ بِهِمْ.

وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ جَعْلِ العالِي سافِلًا لِأنَّهُ أدْخَلُ في الإهانَةِ.

والسِّجِّيلُ: فُسِّرَ بِوادٍ نارٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ: سِجِّيلٌ بِاللّامِ، وسَجِّينٌ بِالنُّونِ. ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، وهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ بِحِجارَةٍ كَأنَّها مِن سِجِّيلِ جَهَنَّمَ، كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

وجِلْدُها مِن أطُومِ البَيْتِ

وقَدْ جاءَ في التَّوْراةِ: أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ كِبْرِيتًا ونارًا مِنَ السَّماءِ. ولَعَلَّ الخَسْفَ فَجَّرَ مِنَ الأرْضِ بَراكِينَ قَذَفَتْ عَلَيْهِمْ حِجارَةَ مَعادِنٍ مُحْرِقَةٍ كالكِبْرِيتِ، أوْ لَعَلَّ بُرْكانًا كانَ قَرِيبًا مِن مُدُنِهِمُ انْفَجَرَ بِاضْطِراباتٍ أرْضِيَّةٍ ثُمَّ زالَ مِن ذَلِكَ

صفحة ١٣٥

المَكانِ بِحَوادِثَ تَعاقَبَتْ في القُرُونِ، أوْ طَمى عَلَيْهِ البَحْرُ وبَقِيَ أثَرُ البَحْرِ عَلَيْها حَتّى الآنَ، وهو المُسَمّى بُحَيْرَةَ لُوطٍ أوِ البَحْرَ المَيِّتَ.

وقِيلَ: سِجِّيلٌ مُعَرَّبُ (سَنْكَ جِيلَ) عَنِ الفارِسِيَّةِ أيْ حَجَرٌ مَخْلُوطٌ بِطِينٍ.

والمَنضُودُ: المَوْضُوعُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. والمَعْنى هُنا أنَّها مُتَتابِعَةٌ مُتَتالِيَةٌ في النُّزُولِ لَيْسَ بَيْنَها فَتْرَةٌ. والمُرادُ وصْفُ الحِجارَةِ بِذَلِكَ إلّا أنَّ الحِجارَةَ لَمّا جُعِلَتْ مِن سِجِّيلٍ أُجْرِيَ الوَصْفُ عَلى سِجِّيلٍ وهو يُفْضِي إلى وصْفِ الحِجارَةِ لِأنَّها مِنهُ.

والمُسَوَّمَةُ: الَّتِي لَها سِيما، وهي العَلامَةُ. والعَلاماتُ تُوضَعُ لِأغْراضٍ، مِنها عَدَمُ الِاشْتِباهِ، ومِنها سُهُولَةُ الإحْضارِ، وهو هُنا مُكَنّى بِهِ عَنِ المُعَدَّةِ المُهَيَّئَةِ لِأنَّ الإعْدادَ مِن لَوازِمَ التَّوْسِيمِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: عِنْدَ رَبِّكَ لِأنَّ تَسْوِيمَها عِنْدَ اللَّهِ هو تَقْدِيرُهُ إيّاها لَهم.

وضَمِيرُ (وما هي) يَصْلُحُ لِأنْ يَعُودَ إلى ما عادَتْ إلَيْهِ الضَّمائِرُ المَجْرُورَةُ قَبْلَهُ وهي المَدِينَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى وما تِلْكَ القَرْيَةُ بِبَعِيدٍ عَنِ المُشْرِكِينَ، أيِ العَرَبِ، فَمَن شاءَ فَلْيَذْهَبْ إلَيْها فَيَنْظُرُ مَصِيرَها، فالمُرادُ البُعْدُ المَكانِيُّ. ويَصْلُحُ لِأنْ يَعُودَ إلى الحِجارَةِ، أيْ وما تِلْكَ الحِجارَةُ بِبَعِيدٍ، أيْ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يَرْمِيَ المُشْرِكِينَ بِمِثْلِها. والبُعْدُ بِمَعْنى تَعَذُّرِ الحُصُولِ ونَفْيِهِ بِإمْكانِ حُصُولِهِ. وهَذا مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنَيَيْنِ وهو بَعِيدٌ.

وجُرِّدَ (بَعِيدٍ) عَنْ تاءِ التَّأْنِيثِ مَعَ كَوْنِهِ خَبَرًا عَنِ الحِجارَةِ وهي مُؤَنَّثٌ لَفْظًا، ومَعَ كَوْنِ (بَعِيدٍ) هُنا بِمَعْنى فاعِلٍ لا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فالشَّأْنُ أنْ يُطابِقَ مَوْصُوفَهُ في تَأْنِيثِهِ، ولَكِنَّ العَرَبَ قَدْ يُجْرُونَ فَعِيلًا الَّذِي بِمَعْنى فاعِلٍ مَجْرى الَّذِي بِمَعْنى مَفْعُولٍ إذا جَرى عَلى مُؤَنَّثٍ غَيْرِ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ زِيادَةً في التَّخْفِيفِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى - في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ …

83

مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٍۢ

Marked from your Lord. And Allah 's punishment is not from the wrongdoers [very] far.

﴿فَلَمّا جا أمْرُنا جَعَلْنا عالِيها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةٍ عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾

تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ فَلَمّا جاءَ أمْرُنا

وقَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ تَعَودُ الضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ المَجْرُورَةُ بِالإضافَةِ وبِحَرْفِ (عَلى) عَلى القَرْيَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ السِّياقِ.

والمَعْنى أنَّ القَرْيَةَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمِ انْقِلابَ خَسْفٍ حَتّى صارَ عالِيَ البُيُوتِ سافِلًا. أيْ وسافِلُها عالِيًا، وذَلِكَ مِنَ انْقِلابِ الأرْضِ بِهِمْ.

وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ جَعْلِ العالِي سافِلًا لِأنَّهُ أدْخَلُ في الإهانَةِ.

والسِّجِّيلُ: فُسِّرَ بِوادٍ نارٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ: سِجِّيلٌ بِاللّامِ، وسَجِّينٌ بِالنُّونِ. ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، وهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ بِحِجارَةٍ كَأنَّها مِن سِجِّيلِ جَهَنَّمَ، كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

وجِلْدُها مِن أطُومِ البَيْتِ

وقَدْ جاءَ في التَّوْراةِ: أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ كِبْرِيتًا ونارًا مِنَ السَّماءِ. ولَعَلَّ الخَسْفَ فَجَّرَ مِنَ الأرْضِ بَراكِينَ قَذَفَتْ عَلَيْهِمْ حِجارَةَ مَعادِنٍ مُحْرِقَةٍ كالكِبْرِيتِ، أوْ لَعَلَّ بُرْكانًا كانَ قَرِيبًا مِن مُدُنِهِمُ انْفَجَرَ بِاضْطِراباتٍ أرْضِيَّةٍ ثُمَّ زالَ مِن ذَلِكَ

صفحة ١٣٥

المَكانِ بِحَوادِثَ تَعاقَبَتْ في القُرُونِ، أوْ طَمى عَلَيْهِ البَحْرُ وبَقِيَ أثَرُ البَحْرِ عَلَيْها حَتّى الآنَ، وهو المُسَمّى بُحَيْرَةَ لُوطٍ أوِ البَحْرَ المَيِّتَ.

وقِيلَ: سِجِّيلٌ مُعَرَّبُ (سَنْكَ جِيلَ) عَنِ الفارِسِيَّةِ أيْ حَجَرٌ مَخْلُوطٌ بِطِينٍ.

والمَنضُودُ: المَوْضُوعُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. والمَعْنى هُنا أنَّها مُتَتابِعَةٌ مُتَتالِيَةٌ في النُّزُولِ لَيْسَ بَيْنَها فَتْرَةٌ. والمُرادُ وصْفُ الحِجارَةِ بِذَلِكَ إلّا أنَّ الحِجارَةَ لَمّا جُعِلَتْ مِن سِجِّيلٍ أُجْرِيَ الوَصْفُ عَلى سِجِّيلٍ وهو يُفْضِي إلى وصْفِ الحِجارَةِ لِأنَّها مِنهُ.

والمُسَوَّمَةُ: الَّتِي لَها سِيما، وهي العَلامَةُ. والعَلاماتُ تُوضَعُ لِأغْراضٍ، مِنها عَدَمُ الِاشْتِباهِ، ومِنها سُهُولَةُ الإحْضارِ، وهو هُنا مُكَنّى بِهِ عَنِ المُعَدَّةِ المُهَيَّئَةِ لِأنَّ الإعْدادَ مِن لَوازِمَ التَّوْسِيمِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: عِنْدَ رَبِّكَ لِأنَّ تَسْوِيمَها عِنْدَ اللَّهِ هو تَقْدِيرُهُ إيّاها لَهم.

وضَمِيرُ (وما هي) يَصْلُحُ لِأنْ يَعُودَ إلى ما عادَتْ إلَيْهِ الضَّمائِرُ المَجْرُورَةُ قَبْلَهُ وهي المَدِينَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى وما تِلْكَ القَرْيَةُ بِبَعِيدٍ عَنِ المُشْرِكِينَ، أيِ العَرَبِ، فَمَن شاءَ فَلْيَذْهَبْ إلَيْها فَيَنْظُرُ مَصِيرَها، فالمُرادُ البُعْدُ المَكانِيُّ. ويَصْلُحُ لِأنْ يَعُودَ إلى الحِجارَةِ، أيْ وما تِلْكَ الحِجارَةُ بِبَعِيدٍ، أيْ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يَرْمِيَ المُشْرِكِينَ بِمِثْلِها. والبُعْدُ بِمَعْنى تَعَذُّرِ الحُصُولِ ونَفْيِهِ بِإمْكانِ حُصُولِهِ. وهَذا مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنَيَيْنِ وهو بَعِيدٌ.

وجُرِّدَ (بَعِيدٍ) عَنْ تاءِ التَّأْنِيثِ مَعَ كَوْنِهِ خَبَرًا عَنِ الحِجارَةِ وهي مُؤَنَّثٌ لَفْظًا، ومَعَ كَوْنِ (بَعِيدٍ) هُنا بِمَعْنى فاعِلٍ لا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فالشَّأْنُ أنْ يُطابِقَ مَوْصُوفَهُ في تَأْنِيثِهِ، ولَكِنَّ العَرَبَ قَدْ يُجْرُونَ فَعِيلًا الَّذِي بِمَعْنى فاعِلٍ مَجْرى الَّذِي بِمَعْنى مَفْعُولٍ إذا جَرى عَلى مُؤَنَّثٍ غَيْرِ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ زِيادَةً في التَّخْفِيفِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى - في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ …

84

۞ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍۢ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ مُّحِيطٍۢ

And to Madyan [We sent] their brother Shu'ayb. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. And do not decrease from the measure and the scale. Indeed, I see you in prosperity, but indeed, I fear for you the punishment of an all-encompassing Day.

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّيَ أراكم بِخَيْرٍ وإنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾

قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ إلى قَوْلِهِ: مِن إلَهٍ غَيْرُهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [هود: ٦١] إلَخْ.

أمَرَهم بِثَلاثَةِ أُمُورٍ:

أحَدُها: إصْلاحُ الِاعْتِقادِ، وهو مِن إصْلاحِ العُقُولِ والفِكْرِ.

وثالِثُها: صَلاحُ الأعْمالِ والتَّصَرُّفاتِ في العالَمِ بِأنْ لا يُفْسِدُوا في الأرْضِ.

ووَسَّطَ بَيْنَهُما الثّانِي: وهو شَيْءٌ مِن صَلاحِ العَمَلِ خُصَّ بِالنَّهْيِ لِأنَّ إقْدامَهم عَلَيْهِ كانَ فاشِيًا فِيهِمْ حَتّى نَسُوا ما فِيهِ مِن قُبْحٍ وفَسادٍ وهَذا هو الكَفُّ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ.

فابْتَدَأ بِالأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ لِأنَّهُ أصْلُ الصَّلاحِ ثُمَّ أعْقَبَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ مَظْلَمَةٍ كانَتْ مُتَفَشِّيَةً فِيهِمْ وهي خِيانَةُ المِكْيالِ والمِيزانِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ

صفحة ١٣٧

الأعْرافِ. وهي مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّها تَجْمَعُ خَصْلَتَيِ السَّرِقَةِ والغَدْرِ؛ لِأنَّ المُكْتالَ مُسْتَرْسِلٌ مُسْتَسْلِمٌ. ونَهاهم عَنِ الإفْسادِ في الأرْضِ وعَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ فَعَزَّزَهُ بِالأمْرِ بِضِدِّهِ وهو إيفاؤُهُما.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ. والمَقْصُودُ مِن ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ أنَّكم بِخَيْرٍ. وإنَّما ذَكَرَ رُؤْيَتَهُ ذَلِكَ لِأنَّها في مَعْنى الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَحَقٌّ عَلَيْهِمْ شُكْرُها. والباءُ في بِخَيْرٍ لِلْمُلابَسَةِ.

والخَيْرُ: حُسْنُ الحالَةِ. ويُطْلَقُ عَلى المالِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] . والأوْلى حَمْلُهُ عَلَيْهِ هُنا لِيَكُونَ أدْخَلَ في تَعْلِيلِ النَّهْيِ، أيْ إنَّكم في غِنًى عَنْ هَذا التَّطْفِيفِ بِما أُوتِيتُمْ مِنَ النِّعْمَةِ والثَّرْوَةِ. وهَذا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي قُبْحَ ما يَرْتَكِبُونَهُ مِنَ التَّطْفِيفِ في نَظَرِ أهْلِ المُرُوءَةِ ويَقْطَعُ مِنهُمُ العُذْرَ في ارْتِكابِهِ. وهَذا حَثٌّ عَلى وسِيلَةِ بَقاءِ النِّعْمَةِ.

ثُمَّ ارْتَقى في تَعْلِيلِ النَّهْيِ بِأنَّهُ يَخافُ عَلَيْهِمْ عَذابًا يَحِلُّ بِهِمْ إمّا يَوْمَ القِيامَةِ وإمّا في الدُّنْيا. ولِصُلُوحِيَّتِهِ لِلْأمْرَيْنِ أجْمَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ . وهَذا تَحْذِيرٌ مِن عَواقِبِ كُفْرانِ النِّعْمَةِ وعِصْيانِ واهِبِها.

و(مُحِيطٌ) وصْفٌ لِيَوْمٍ عَلى وجْهِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ مُحِيطٌ عَذابُهُ، والقَرِينَةُ هي إضافَةُ العَذابِ إلَيْهِ.

وإعادَةُ النِّداءِ في جُمْلَةِ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ﴾ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِالجُمْلَةِ والتَّنْبِيهِ لِمَضْمُونِها، وهو الأمْرُ بِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ. وهَذا الأمْرُ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ نَقْصِهِما. والشَّيْءُ يُؤَكَّدُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] . لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ في الإيفاءِ بِطَلَبِ حُصُولِهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ.

والباءُ في قَوْلِهِ: بِالقِسْطِ لِلْمُلابَسَةِ. وهو مُتَعَلِّقٌ بِأوْفُوا فَيُفِيدُ أنَّ الإيفاءَ

صفحة ١٣٨

يُلابِسُهُ القِسْطُ، أيِ العَدْلُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِهِ؛ لِأنَّ العَدْلَ …

85

وَيَٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

And O my people, give full measure and weight in justice and do not deprive the people of their due and do not commit abuse on the earth, spreading corruption.

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّيَ أراكم بِخَيْرٍ وإنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾

قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ إلى قَوْلِهِ: مِن إلَهٍ غَيْرُهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [هود: ٦١] إلَخْ.

أمَرَهم بِثَلاثَةِ أُمُورٍ:

أحَدُها: إصْلاحُ الِاعْتِقادِ، وهو مِن إصْلاحِ العُقُولِ والفِكْرِ.

وثالِثُها: صَلاحُ الأعْمالِ والتَّصَرُّفاتِ في العالَمِ بِأنْ لا يُفْسِدُوا في الأرْضِ.

ووَسَّطَ بَيْنَهُما الثّانِي: وهو شَيْءٌ مِن صَلاحِ العَمَلِ خُصَّ بِالنَّهْيِ لِأنَّ إقْدامَهم عَلَيْهِ كانَ فاشِيًا فِيهِمْ حَتّى نَسُوا ما فِيهِ مِن قُبْحٍ وفَسادٍ وهَذا هو الكَفُّ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ.

فابْتَدَأ بِالأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ لِأنَّهُ أصْلُ الصَّلاحِ ثُمَّ أعْقَبَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ مَظْلَمَةٍ كانَتْ مُتَفَشِّيَةً فِيهِمْ وهي خِيانَةُ المِكْيالِ والمِيزانِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ

صفحة ١٣٧

الأعْرافِ. وهي مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّها تَجْمَعُ خَصْلَتَيِ السَّرِقَةِ والغَدْرِ؛ لِأنَّ المُكْتالَ مُسْتَرْسِلٌ مُسْتَسْلِمٌ. ونَهاهم عَنِ الإفْسادِ في الأرْضِ وعَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ فَعَزَّزَهُ بِالأمْرِ بِضِدِّهِ وهو إيفاؤُهُما.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ. والمَقْصُودُ مِن ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ أنَّكم بِخَيْرٍ. وإنَّما ذَكَرَ رُؤْيَتَهُ ذَلِكَ لِأنَّها في مَعْنى الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَحَقٌّ عَلَيْهِمْ شُكْرُها. والباءُ في بِخَيْرٍ لِلْمُلابَسَةِ.

والخَيْرُ: حُسْنُ الحالَةِ. ويُطْلَقُ عَلى المالِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] . والأوْلى حَمْلُهُ عَلَيْهِ هُنا لِيَكُونَ أدْخَلَ في تَعْلِيلِ النَّهْيِ، أيْ إنَّكم في غِنًى عَنْ هَذا التَّطْفِيفِ بِما أُوتِيتُمْ مِنَ النِّعْمَةِ والثَّرْوَةِ. وهَذا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي قُبْحَ ما يَرْتَكِبُونَهُ مِنَ التَّطْفِيفِ في نَظَرِ أهْلِ المُرُوءَةِ ويَقْطَعُ مِنهُمُ العُذْرَ في ارْتِكابِهِ. وهَذا حَثٌّ عَلى وسِيلَةِ بَقاءِ النِّعْمَةِ.

ثُمَّ ارْتَقى في تَعْلِيلِ النَّهْيِ بِأنَّهُ يَخافُ عَلَيْهِمْ عَذابًا يَحِلُّ بِهِمْ إمّا يَوْمَ القِيامَةِ وإمّا في الدُّنْيا. ولِصُلُوحِيَّتِهِ لِلْأمْرَيْنِ أجْمَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ . وهَذا تَحْذِيرٌ مِن عَواقِبِ كُفْرانِ النِّعْمَةِ وعِصْيانِ واهِبِها.

و(مُحِيطٌ) وصْفٌ لِيَوْمٍ عَلى وجْهِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ مُحِيطٌ عَذابُهُ، والقَرِينَةُ هي إضافَةُ العَذابِ إلَيْهِ.

وإعادَةُ النِّداءِ في جُمْلَةِ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ﴾ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِالجُمْلَةِ والتَّنْبِيهِ لِمَضْمُونِها، وهو الأمْرُ بِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ. وهَذا الأمْرُ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ نَقْصِهِما. والشَّيْءُ يُؤَكَّدُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] . لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ في الإيفاءِ بِطَلَبِ حُصُولِهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ.

والباءُ في قَوْلِهِ: بِالقِسْطِ لِلْمُلابَسَةِ. وهو مُتَعَلِّقٌ بِأوْفُوا فَيُفِيدُ أنَّ الإيفاءَ

صفحة ١٣٨

يُلابِسُهُ القِسْطُ، أيِ العَدْلُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِهِ؛ لِأنَّ العَدْلَ …

86

بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ

What remains [lawful] from Allah is best for you, if you would be believers. But I am not a guardian over you."

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّيَ أراكم بِخَيْرٍ وإنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾

قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ إلى قَوْلِهِ: مِن إلَهٍ غَيْرُهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [هود: ٦١] إلَخْ.

أمَرَهم بِثَلاثَةِ أُمُورٍ:

أحَدُها: إصْلاحُ الِاعْتِقادِ، وهو مِن إصْلاحِ العُقُولِ والفِكْرِ.

وثالِثُها: صَلاحُ الأعْمالِ والتَّصَرُّفاتِ في العالَمِ بِأنْ لا يُفْسِدُوا في الأرْضِ.

ووَسَّطَ بَيْنَهُما الثّانِي: وهو شَيْءٌ مِن صَلاحِ العَمَلِ خُصَّ بِالنَّهْيِ لِأنَّ إقْدامَهم عَلَيْهِ كانَ فاشِيًا فِيهِمْ حَتّى نَسُوا ما فِيهِ مِن قُبْحٍ وفَسادٍ وهَذا هو الكَفُّ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ.

فابْتَدَأ بِالأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ لِأنَّهُ أصْلُ الصَّلاحِ ثُمَّ أعْقَبَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ مَظْلَمَةٍ كانَتْ مُتَفَشِّيَةً فِيهِمْ وهي خِيانَةُ المِكْيالِ والمِيزانِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ

صفحة ١٣٧

الأعْرافِ. وهي مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّها تَجْمَعُ خَصْلَتَيِ السَّرِقَةِ والغَدْرِ؛ لِأنَّ المُكْتالَ مُسْتَرْسِلٌ مُسْتَسْلِمٌ. ونَهاهم عَنِ الإفْسادِ في الأرْضِ وعَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ فَعَزَّزَهُ بِالأمْرِ بِضِدِّهِ وهو إيفاؤُهُما.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ. والمَقْصُودُ مِن ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ أنَّكم بِخَيْرٍ. وإنَّما ذَكَرَ رُؤْيَتَهُ ذَلِكَ لِأنَّها في مَعْنى الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَحَقٌّ عَلَيْهِمْ شُكْرُها. والباءُ في بِخَيْرٍ لِلْمُلابَسَةِ.

والخَيْرُ: حُسْنُ الحالَةِ. ويُطْلَقُ عَلى المالِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] . والأوْلى حَمْلُهُ عَلَيْهِ هُنا لِيَكُونَ أدْخَلَ في تَعْلِيلِ النَّهْيِ، أيْ إنَّكم في غِنًى عَنْ هَذا التَّطْفِيفِ بِما أُوتِيتُمْ مِنَ النِّعْمَةِ والثَّرْوَةِ. وهَذا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي قُبْحَ ما يَرْتَكِبُونَهُ مِنَ التَّطْفِيفِ في نَظَرِ أهْلِ المُرُوءَةِ ويَقْطَعُ مِنهُمُ العُذْرَ في ارْتِكابِهِ. وهَذا حَثٌّ عَلى وسِيلَةِ بَقاءِ النِّعْمَةِ.

ثُمَّ ارْتَقى في تَعْلِيلِ النَّهْيِ بِأنَّهُ يَخافُ عَلَيْهِمْ عَذابًا يَحِلُّ بِهِمْ إمّا يَوْمَ القِيامَةِ وإمّا في الدُّنْيا. ولِصُلُوحِيَّتِهِ لِلْأمْرَيْنِ أجْمَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ . وهَذا تَحْذِيرٌ مِن عَواقِبِ كُفْرانِ النِّعْمَةِ وعِصْيانِ واهِبِها.

و(مُحِيطٌ) وصْفٌ لِيَوْمٍ عَلى وجْهِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ مُحِيطٌ عَذابُهُ، والقَرِينَةُ هي إضافَةُ العَذابِ إلَيْهِ.

وإعادَةُ النِّداءِ في جُمْلَةِ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ﴾ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِالجُمْلَةِ والتَّنْبِيهِ لِمَضْمُونِها، وهو الأمْرُ بِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ. وهَذا الأمْرُ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ نَقْصِهِما. والشَّيْءُ يُؤَكَّدُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] . لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ في الإيفاءِ بِطَلَبِ حُصُولِهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ.

والباءُ في قَوْلِهِ: بِالقِسْطِ لِلْمُلابَسَةِ. وهو مُتَعَلِّقٌ بِأوْفُوا فَيُفِيدُ أنَّ الإيفاءَ

صفحة ١٣٨

يُلابِسُهُ القِسْطُ، أيِ العَدْلُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِهِ؛ لِأنَّ العَدْلَ …

87

قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ

They said, "O Shu'ayb, does your prayer command you that we should leave what our fathers worship or not do with our wealth what we please? Indeed, you are the forbearing, the discerning!"

﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾

كانَتِ الصَّلاةُ مِن عِمادِ الأدْيانِ كُلِّها. وكانَ المُكَذِّبُونَ المُلْحِدُونَ قَدْ تَمالَئُوا في كُلِّ أُمَّةٍ عَلى إنْكارِها والِاسْتِهْزاءِ بِفاعِلِها ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣]، فَلَمّا كانَتِ الصَّلاةُ أخَصَّ أعْمالِهِ المُخالِفَةِ لِمُعْتادِهِمْ جَعَلُوها المُشِيرَةَ عَلَيْهِ بِما بَلَّغَهُ إلَيْهِمْ مِن أُمُورٍ مُخالِفَةٍ لِمُعْتادِهِمْ - بِناءً عَلى التَّناسُبِ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبِّبِ في مُخالَفَةِ المُعْتادِ - قَصْدًا لِلتَّهَكُّمِ بِهِ والسُّخْرِيَةِ عَلَيْهِ تَكْذِيبًا لَهُ فِيما جاءَهم بِهِ، فَإسْنادُ الأمْرِ إلى الصَّلَواتِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ إذْ قَدْ عَلِمَ كُلُّ العُقَلاءِ أنَّ الأفْعالَ لا تَأْمُرُ. والمَعْنى أنَّ صَلاتَهُ تَأْمُرُهُ بِأنَّهم يَتْرُكُونَ، أيْ تَأْمُرُهُ بِأنْ يَحْمِلَهم عَلى تَرْكِ ما يَعْبُدُ آباؤُهم. إذْ مَعْنى كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِعَمَلِ غَيْرِهِ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالسَّعْيِ في ذَلِكَ بِأنْ يَأْمُرَهم بِأشْياءَ.

صفحة ١٤٢

و(ما) في قَوْلِهِ: ما يَعْبُدُ آباؤُنا مَوْصُولَةٌ صادِقَةٌ عَلى المَعْبُوداتِ. ومَعْنى تَرَكِها تَرْكُ عِبادَتِها كَما يُؤْذِنُ بِهِ فِعْلُ يَعْبُدُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ: أنْ نَتْرُكَ مِثْلَ عِبادَةِ آبائِنا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (أصَلَواتُكَ) بِصِيغَةِ جَمْعِ صَلاةٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ (أصَلاتُكَ) بِصِيغَةِ المُفْرَدِ.

و(أوْ) مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ لِتَقْسِيمِ ما يَأْمُرُهم بِهِ لِأنَّ مِنهم مَن لا يَتَّجِرُ فَلا يُطَفِّفُ في الكَيْلِ والمِيزانِ فَهو قِسْمٌ آخَرُ مُتَمَيِّزٌ عَنْ بَقِيَّةِ الأُمَّةِ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَرْكِ التَّطْفِيفِ. فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ نَفْعَلَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما يَعْبُدُ آباؤُنا، أيْ أنْ نَتْرُكَ فِعْلَ ما نَشاءُ في أمْوالِنا فَنَكُونَ طَوْعَ أمْرِكَ نَفْعَلُ ما تَأْمُرُنا بِفِعْلِهِ ونَتْرُكُ ما تَأْمُرُنا بِتَرْكِهِ.

وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لا داعِيَ إلى جَعْلِ (أوْ) بِمَعْنى واوِ الجَمْعِ، كَما دَرَجَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِثْلَ البَيْضاوِيُّ والكَواشِيُّ وجَعَلُوهُ عَطْفًا عَلى (نَتْرُكُ) فَتَوَجَّسُوا عَدَمَ اسْتِقامَةِ المَعْنى كَما قالَ الطَّبَرِيُّ. وتَأوَّلَهُ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما عَنْ أهْلِ البَصْرَةِ والآخَرُ عَنْ أهْلِ الكُوفَةِ، أحَدُهُما مَبْنِيٌّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ والآخَرُ عَلى تَأْوِيلِ فِعْلِ (تَأْمُرُكَ) وكِلاهُما تَكَلُّفٌ. وأمّا الأكْثَرُ فَصارُوا إلى صَرْفِ (أوْ) عَنْ مُتَعارَفِ مَعْناها وقَدْ كانُوا في سَعَةٍ عَنْ ذَلِكَ. وسَكَتَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِثْلُ صاحِبِ الكَشّافِ. وأوْمَأ البَغَوِيُّ والنَّسَفِيُّ إلى ما صَرَّحْنا بِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ اسْتِئْنافُ تَهَكُّمٍ آخَرَ. وقَدْ جاءَتِ الجُمْلَةُ مُؤَكَّدَةٌ بِحَرْفِ إنَّ ولامِ القَسَمِ وبِصِيغَةِ القَصْرِ في جُمْلَةِ ﴿لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ فاشْتَمَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ مُؤَكِّداتٍ.

والحَلِيمُ، زِيادَةٌ في التَّهَكُّمِ: ذُو الحِلْمِ أيِ العَقْلِ، والرَّشِيدُ: الحَسَنُ التَّدْبِيرِ في المالِ.

88

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...? And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allah. Upon him I have relied, and to Him I return.

صفحة ١٤٣

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِيَ إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾

تَقَدَّمَ نَظِيرُ الآيَةِ في قِصَّةِ نُوحٍ وقِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ.

والمُرادُ بِالرِّزْقِ الحَسَنِ هُنا مِثْلُ المُرادِ مِنَ الرَّحْمَةِ في كَلامِ نُوحٍ وكَلامِ صالِحٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وهو نِعْمَةُ النُّبُوَّةِ، وإنَّما عَبَّرَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنِ النُّبُوَّةِ بِالرِّزْقِ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ [هود: ٨٧] لِأنَّ الأمْوالَ أرْزاقٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ، أوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ . والتَّقْدِيرُ: ماذا يَسَعُكم في تَكْذِيبِي، أوْ ماذا يُنْجِيكم مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِي، وهو تَحْذِيرٌ لَهم عَلى فَرْضِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ صادِقًا، أيْ فالحَزْمُ أنْ تَأْخُذُوا بِهَذا الِاحْتِمالِ، أوْ فالحَزْمُ أنْ تَنْظُرُوا في كُنْهِ ما نَهَيْتُكم عَنْهُ لِتَعْلَمُوا أنَّهُ لِصَلاحِكم.

ومَعْنى ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ عِنْدَ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ مِنَ التّابِعِينَ مِن بَعْدِهِمْ: ما أُرِيدُ مِمّا نَهَيْتُكم عَنْهُ أنْ أمْنَعَكم أفْعالًا وأنا أفْعَلُها، أيْ لَمْ أكُنْ لِأنْهاكم عَنْ شَيْءٍ وأنا أفْعَلُهُ. وبَيَّنَ في الكَشّافِ إفادَةَ التَّرْكِيبِ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ ”يُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ. . . ويَلْقاكَ الرَّجُلُ صادِرًا عَنِ الماءِ فَتَسْألُهُ عَنْ صاحِبِهِ فَيَقُولُ: خالَفَنِي إلى الماءِ، يُرِيدُ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ وارِدًا وأنا ذاهِبٌ عَنْهُ صادِرًا“ اهـ.

وبَيانُهُ أنَّ المُخالَفَةَ تَدُلُّ عَلى الِاتِّصافِ بِضِدِّ حالِهِ، فَإذا ذُكِرَتْ في غَرَضٍ دَلَّتْ عَلى الِاتِّصافِ بِضِدِّهِ، ثُمَّ يُبَيِّنُ وجْهَ المُخالَفَةِ بِذِكْرِ اسْمِ الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَ

صفحة ١٤٤

بِهِ الخِلافُ مَدْخُولًا لِحَرْفِ (إلى) الدّالِ عَلى الِانْتِهاءِ إلى شَيْءٍ كَما في قَوْلِهِمْ خالَفَنِي إلى الماءِ لِتَضْمِينِ (أُخالِفَكم) مَعْنى السَّعْيِ إلى شَيْءٍ. ويَتَعَلَّقُ ﴿إلى ما أنْهاكُمْ﴾ بِفِعْلِ (أُخالِفَكم)، ويَكُونُ ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ مَفْعُولَ (أُرِيدُ) .

فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ أيْ أنْ أفْعَلَ خِلافَ الأفْعالِ الَّتِي نَهَيْتُكم عَنْها بِأنْ أصْرِفَكم عَنْها وأنا أصِيرُ إلَيْها. والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ أمْرًا يَعُمُّ الأُمَّةَ وإيّاهُ وذَلِكَ شَأْنُ الشَّرائِعِ، كَما قالَ عُلَماؤُنا: إنَّ خِطابَ الأُمَّةِ يَشْمَلُ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى تَخْصِيصِهِ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَفي هَذا إظْهارُ أنَّ ما نَهاهم عَنْهُ يَنْهى أيْضًا نَفْسَهُ عَنْهُ. وفي هَذا تَنْبِيهٌ لَهم عَلى ما في النَّهْيِ مِنَ المَصْلَحَةِ، وعَلى أنَّ شَأْنَهُ لَيْسَ شَأْنَ الجَبابِرَةِ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ أعْمالٍ وهم يَأْتُونَها؛ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُنْبِئُ بِعَدَمِ النُّصْحِ فِيما يَأْمُرُونَ ويَنْهَوْنَ، إذْ لَوْ كانُوا يُرِيدُونَ النُّصْحَ والخَيْرَ في ذَلِكَ لاخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ وإلى هَذا المَعْنى يَرْمِي التَّوْبِيخُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] أيْ وأنْتُمْ تَتْلُونَ …

89

وَيَٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَٰلِحٍۢ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍۢ مِّنكُم بِبَعِيدٍۢ

And O my people, let not [your] dissension from me cause you to be struck by that similar to what struck the people of Noah or the people of Hud or the people of Salih. And the people of Lot are not from you far away.

﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِيَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾

تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى النُّكْتَةِ في إعادَةِ النِّداءِ في الكَلامِ الواحِدِ لِمُخاطَبٍ مُتَّحِدٍ قَرِيبًا.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢] في أوَّلِ العُقُودِ، أيْ لا يَكْسِبَنَّكم.

والشِّقاقُ: مَصْدَرٌ شاقَّهُ إذا عاداهُ. وقَدْ مَضَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] في أوَّلِ الأنْفالِ.

والمَعْنى: لا تَجُرُّ إلَيْكم عَداوَتُكم إيّايَ إصابَتَكم بِمِثْلِ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ إلى آخِرِهِ، فالكَلامُ في ظاهِرِهِ أنَّهُ يَنْهى الشِّقاقَ أنْ يُجَرَّ إلَيْهِمْ ذَلِكَ. والمَقْصُودُ

صفحة ١٤٧

نَهْيُهم عَنْ أنْ يَجْعَلُوا الشِّقاقَ سَبَبًا لِلْإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ في دَعْوَتِهِ، فَيُوقِعُوا أنْفُسَهم في أنْ يُصِيبَهم عَذابٌ مِثْلَ ما أصابَ الأُمَمَ قَبْلَهم فَيَحْسَبُوا أنَّهم يَمْكُرُونَ بِهِ بِإعْراضِهِمْ وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ.

ولَقَدْ كانَ فَضْحُ سُوءِ نَواياهُمُ الدّاعِيَةِ لَهم إلى الإعْراضِ عَنْ دَعْوَتِهِ عَقِبَ إظْهارِ حُسْنِ نِيَّتِهِ مِمّا دَعاهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] مُصادِفًا مَحَزَّ جَوْدَةِ الخَطابَةِ إذْ رَماهم بِأنَّهم يَعْمَلُونَ بِضِدِّ ما يُعامِلُهم بِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في قَوْلِهِ: أنْ يُصِيبَكُمُ والواوُ رابِطَةُ الجُمْلَةِ. ولِمَعْنى الحالِ هُنا مَزِيدُ مُناسَبَةٍ لِمَضْمُونِ جُمْلَتِها إذِ اعْتُبِرَ قُرْبُ زَمانِهِمْ بِالمُخاطِبِينَ كَأنَّهُ حالَةٌ مِن أحْوالِ المُخاطَبِينَ.

والمُرادُ بِالبُعْدِ بُعْدُ الزَّمَنِ والمَكانِ والنَّسَبِ، فَزَمَنُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرُ بَعِيدٍ في زَمَنِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والدِّيارُ قَرِيبَةٌ مِن دِيارِهِمْ، إذْ مَنازِلُ مَدْيَنَ عِنْدَ عَقَبَةِ أيْلَةَ مُجاوِرَةٌ مَعانٍ مِمّا يَلِي الحِجازَ، ودِيارُ قَوْمِ لُوطٍ بِناحِيَةٍ الأُرْدُنِّ إلى البَحْرِ المَيِّتِ وكانَ مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ وهو جَدُّ القَبِيلَةِ المُسَمّاةِ بِاسْمِهِ، مُتَزَوِّجًا بِابْنَةِ لُوطٍ.

وجُمْلَةُ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِاسْتِغْفارِهِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما يَقْتَضِيهِ الأمْرُ مِن رَجاءِ العَفْوِ عَنْهم إذا اسْتَغْفَرُوا وتابُوا.

وتَفَنَّنَ في إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ مَرَّةً وإلى ضَمِيرِ قَوْمِهِ أُخْرى لِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهُ رَبُّهم كَيْلا يَسْتَمِرُّوا عَلى الإعْراضِ ولِلتَّشَرُّفِ بِانْتِسابِهِ إلى مَخْلُوقِيَّتِهِ.

والرَّحِيمُ تَقَدَّمَ.

صفحة ١٤٨

والوَدُودُ: مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ الوُدِّ وهو المَحَبَّةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٩] في سُورَةِ النِّساءِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ المَحَبَّةِ لِمَن يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ.

90

وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌۭ وَدُودٌۭ

And ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. Indeed, my Lord is Merciful and Affectionate."

﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِيَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾

تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى النُّكْتَةِ في إعادَةِ النِّداءِ في الكَلامِ الواحِدِ لِمُخاطَبٍ مُتَّحِدٍ قَرِيبًا.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢] في أوَّلِ العُقُودِ، أيْ لا يَكْسِبَنَّكم.

والشِّقاقُ: مَصْدَرٌ شاقَّهُ إذا عاداهُ. وقَدْ مَضَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] في أوَّلِ الأنْفالِ.

والمَعْنى: لا تَجُرُّ إلَيْكم عَداوَتُكم إيّايَ إصابَتَكم بِمِثْلِ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ إلى آخِرِهِ، فالكَلامُ في ظاهِرِهِ أنَّهُ يَنْهى الشِّقاقَ أنْ يُجَرَّ إلَيْهِمْ ذَلِكَ. والمَقْصُودُ

صفحة ١٤٧

نَهْيُهم عَنْ أنْ يَجْعَلُوا الشِّقاقَ سَبَبًا لِلْإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ في دَعْوَتِهِ، فَيُوقِعُوا أنْفُسَهم في أنْ يُصِيبَهم عَذابٌ مِثْلَ ما أصابَ الأُمَمَ قَبْلَهم فَيَحْسَبُوا أنَّهم يَمْكُرُونَ بِهِ بِإعْراضِهِمْ وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ.

ولَقَدْ كانَ فَضْحُ سُوءِ نَواياهُمُ الدّاعِيَةِ لَهم إلى الإعْراضِ عَنْ دَعْوَتِهِ عَقِبَ إظْهارِ حُسْنِ نِيَّتِهِ مِمّا دَعاهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] مُصادِفًا مَحَزَّ جَوْدَةِ الخَطابَةِ إذْ رَماهم بِأنَّهم يَعْمَلُونَ بِضِدِّ ما يُعامِلُهم بِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في قَوْلِهِ: أنْ يُصِيبَكُمُ والواوُ رابِطَةُ الجُمْلَةِ. ولِمَعْنى الحالِ هُنا مَزِيدُ مُناسَبَةٍ لِمَضْمُونِ جُمْلَتِها إذِ اعْتُبِرَ قُرْبُ زَمانِهِمْ بِالمُخاطِبِينَ كَأنَّهُ حالَةٌ مِن أحْوالِ المُخاطَبِينَ.

والمُرادُ بِالبُعْدِ بُعْدُ الزَّمَنِ والمَكانِ والنَّسَبِ، فَزَمَنُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرُ بَعِيدٍ في زَمَنِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والدِّيارُ قَرِيبَةٌ مِن دِيارِهِمْ، إذْ مَنازِلُ مَدْيَنَ عِنْدَ عَقَبَةِ أيْلَةَ مُجاوِرَةٌ مَعانٍ مِمّا يَلِي الحِجازَ، ودِيارُ قَوْمِ لُوطٍ بِناحِيَةٍ الأُرْدُنِّ إلى البَحْرِ المَيِّتِ وكانَ مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ وهو جَدُّ القَبِيلَةِ المُسَمّاةِ بِاسْمِهِ، مُتَزَوِّجًا بِابْنَةِ لُوطٍ.

وجُمْلَةُ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِاسْتِغْفارِهِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما يَقْتَضِيهِ الأمْرُ مِن رَجاءِ العَفْوِ عَنْهم إذا اسْتَغْفَرُوا وتابُوا.

وتَفَنَّنَ في إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ مَرَّةً وإلى ضَمِيرِ قَوْمِهِ أُخْرى لِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهُ رَبُّهم كَيْلا يَسْتَمِرُّوا عَلى الإعْراضِ ولِلتَّشَرُّفِ بِانْتِسابِهِ إلى مَخْلُوقِيَّتِهِ.

والرَّحِيمُ تَقَدَّمَ.

صفحة ١٤٨

والوَدُودُ: مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ الوُدِّ وهو المَحَبَّةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٩] في سُورَةِ النِّساءِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ المَحَبَّةِ لِمَن يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.