Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 81–90 of 123

81

قَالُوا۟ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍۢ

The angels said, "O Lot, indeed we are messengers of your Lord; [therefore], they will never reach you. So set out with your family during a portion of the night and let not any among you look back - except your wife; indeed, she will be struck by that which strikes them. Indeed, their appointment is [for] the morning. Is not the morning near?"

(قالوا يا لوط إنا رسل ربك) أخبروه أولاً أنهم رسل ربه ثم بشروه بقولهم (لن يصلوا إليك) وهذه الجملة موضحة لما قبلها لأنهم إذا كانوا مرسلين من عند الله إليه لم يصل عدوه إليه بسوء ولم يقدروا عليه ثم أمروه أن يخرج عنهم فقالوا له.

(فأسر بأهلك) قرئ بالوصل وبالقطع من أسرى وسرى وهما لغتان سبعيتان فصيحتان، قال تعالى (والليل إذا يسر) وقال (سبحان الذي أسرى) وهل هما بمعنى واحد أو بينهما فرق.

خلاف مشهور فقيل هما بمعنى واحد وهو قول أبي عبيد. وقيل أن أسرى للمسير من أول الليل وسرى للمسير من آخره وهو قول الليث، وأما سار فمختص بالنهار، وليس مقلوباً من سرى والباء للتعدية أو للمصاحبة والأهل هم بنتاه فلم يخرج من القرية إلا هو وبنتاه فقط، وفي القرطبي: خرج لوط وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم.

(بقطع) أي مصاحبين بقطع (من الليل) القطع الطائفة منه، قال ابن الأعرابي: بساعة منه؛ وقال الأخفش: بجنح من الليل، وقال الضحاك: ببقية الليل وقال قتادة: بعد مضي أوله " وقيل أنه السحر الأول، وقيل بنصف منه لأنه قطعة منه مساوية لباقيه، وقيل بظلمة منه، وقيل بعد هدو من الليل، وقال ابن عباس: بجوف الليل وبسواده.

وقيل أن الباء بمعنى في؛ وقد تقدم الكلام على القطع في يونس بأشبع من هذا وقيل أن السرى لا يكون إلا في الليل فما وجه زيادة بقطع من الليل؟ قيل لو لم يقله لجاز أن يكون في أوله قبل اجتماع الظلمة وليس ذلك بمراد.

(ولا يلتفت منكم أحد) أي بقلبه إلى ما خلف أو لا ينظر إلى ما وراءه أو لا يشتغل بما خلفه من مال أو غيره، قيل وجه النهي عن الالتفات أن لا يروا عذاب قومهم وهول ما نزل بهم فيرحموهم ويرقوا لهم، أو لئلا ينقطعوا عن السير المطلوب منهم بما يقع من الالتفات فإنه لا بد للملتفت من فترة في سيره، وقع فيه ضمير منكم للأهل فهو التفات فقوله لا يلتفت من تسمية النوع.

وهذا من بديع النكات وهو عند المتأخرين من أهل البديع أن يؤتى بشيء من البديع ويذكر اسمه على سبيل التورية، وتبجحوا باختراعه وأنه قد وقع في القرآن في هذه الآية.

قال الخفاجي: ثم أني وجدت منه قوله تعالى (من وجد في رحله فهو جزاؤه) في سورة يوسف فإن (فهو جزاؤه) جزاء من الشرطية وقد ذكر أنه جزاء ومنه قوله تعالى (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) إلى قوله: (كذلك يضرب الله الأمثال) اهـ.

(إلا امرأتك) بالنصب سبعية والاستثناء من قوله فأسر بأهلك أي أسر بأهلك جميعاً إلا امرأتك فلا تسر بها لكونها كافرة، وأنكر قراءة الرفع جماعة منهم أبو عبيدة، قال النحاس: الرفع على البدل له معنى صحيح أي لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وقيل أن الرفع على البدل من أحد ويكون الالتفات بمعنى التخلف لا بمعنى النظر إلى الخلف، فكأنه قال ولا يتخلف منكم أحد إلا امرأتك فإنها تتخلف، والملجئ إلى هذا التأويل البعيد الفرار من تناقض القراءتين.

(إنه مصيبها ما أصابهم) من العذاب وهو رميهم بالحجارة، والجملة تعليل للاستثناء (إن موعدهم الصبح) هذه الجملة تعليل لما تقدم من الأمر بالإسراء والنهي عن الالتفات، والمعنى أن موعد عذابهم أي وقت هلاكهم الصبح المسفر عن تلك الليلة، روي أنه قال لهم متى موعد هلاكهم فقالوا هذه المقالة فقال أريد أسرع من ذلك فقالوا (أليس الصبح بقريب) الهمزة للإنكار التقريري على حد (ألم نشرح لك صدرك) والجملة تأكيد للتعليل ولعل جعل الصبح ميقاتاً لهلاكهم لكون النفوس فيه أسكن، والناس فيه مجتمعون لم يتفرقوا إلى أعمالهم.

82

فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ

So when Our command came, We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of layered hard clay, [which were]

(فلما جاء أمرنا) أي الوقت المضروب لوقوع العذاب فيه أو المراد بالأمر نفس العذاب والأول أولى (جعلنا عاليها) أي عالي قرى قوم لوط (سافلها) والمعنى أنه قلبها على هذه الهيئة وهي كون عاليها صار سافلها وسافلها صار عاليها وذلك لأن جبريل أدخل جناحه تحتها فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء ثم قلبها عليهم:

قال مجاهد: لما أصبحوا غدا جبريل على قريتهم وقطعها من أركانها ثم أدخل جناحه ثم حملها على خوافي جناحه بما فيها ثم صعد بها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء صياحٍ ديكهم ونباح كلابهم ثم قلبها فكان أول ما سقط منها سرادقها فلم يصب قوما ما أصابهم.

ثم إن الله طمس على أعينهم ثم قلبت قريتهم وهي خمس مدائن أكبرها سدوم وهي المؤتفكات المذكورة في سورة براءة يقال كان فيها أربعة آلاف ألف.

(وأمطرنا عليها) أي على المدن حين رفعها جبريل أو على شذاذها وعلى من كان خارجاً عنها من مسافريها أو من بعد قلبها، قيل أنه يقال أمطرنا في العذاب ومطرنا في الرحمة وقيل هما لغتان يقال مطرت السماء وأمطرت حكى ذلك الهروي.

(حجارة من سجيل) هو الطين المتحجر بطبخ أو غيره، وقيل هو الشديد الصلب من الحجارة، وقيل هو الكثير، وقيل أن السجيل لفظة غير عربية أصله سنج وجيل وهما بالفارسية حجر وطين عربتهما العرب فجعلتهما اسماً واحداً.

قال سعيد: معناه سنك كل فارسي معرب لأن العرب إذا تكلمت بشيء من الفارسي صار لغة للعرب ولا يضاف إلى الفارسي مثل قوله سندس وإستبرق، فكل هذه ألفاظ فارسية تكلمت بها العرب واستعملتها في ألفاظهم فصارت عربية.

قال قتادة وعكرمة: هو الحجر والطين، دليله قوله تعالى في موضع آخر (حجارة من طين) وقال مجاهد: أولها حجر وآخرها طين. وقال الحسن: أصل الحجارة طين فشدت، وقال الضحاك: يعني الآجر. وقيل هو من لغة العرب. وذكر الهروي إن السجيل اسم لسماء الدنيا.

قال ابن عطية: وهذا ضعيف يرده وصفه بمنضود، وقيل هو بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض، وقيل هي جبال في السماء الدنيا. وقال الزجاج: هو من التسجيل لهم أي ما كتب لهم من العذاب فهو في معنى سجين، ومنه قوله تعالى (وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم) وقيل هو من أسجلته إذا أعطيته فكأنه عذاب أعطوه والأول أولى.

(منضود) أي نضد بعضه فوق بعض، ومنه (وطلح منضود) أي متراكب والمراد وصف الحجارة بالكثرة. وقيل بعضه في إثر بعض، يقال نضدت المتاع إذا جعلت بعضه على بعض فهو منضود ونضيد أي متتابع أو مجموع معه العذاب نعت لسجيل.

83

مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٍۢ

Marked from your Lord. And Allah 's punishment is not from the wrongdoers [very] far.

مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)

(مسوَّمة) معلمة أي التي لها علامة حال من حجارة، وسوغ مجيئها من النكرة تخصيص النكرة بالوصف، والتسويم العلامة، قيل كان عليها أمثال الخواتيم. قاله الحسن والسدي، وقيل مكتوب على كل حجر اسم من رمى به، وقال الفراء: زعموا أنها كانت مخططة بحمرة وسواد في بياض فذلك تسويمها. قال ابن جريج: عليها سيماء لا تشاكل حجارة الأرض، وقال قتادة وعكرمة: عليها خطوط حمر على هيئة الجزع.

(عند ربك) أي في خزائنه أو في حكمه والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم (وما هي) أي الحجارة الموصوفة، وقيل العقوبة المفهومة من السياق والأول أولى لأنه أقرب مذكور (من الظالمين) وهم قوم لوط (ببعيد) فإنهم بظلمهم حقيق بأن تمطر عليهم، وفيه وعيد لكل ظالم من الظلمة، ومنهم كفار قريش ومن عاضدهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.

وقيل الضمير للقرى، أي هي قريبة من ظالمي مكة ممن كفر بالنبي (- صلى الله عليه وسلم -) فإنها بين الشام والمدينة يمرون بها في أسفارهم وتذكير البعيد على تأويل الحجارة بالحجر أو إجراء له على موصوف مذكر أي شيء بعيد أو مكان بعيد أو لكونه مصدراً كالزفير والصهيل، والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث.

وعن مجاهد قال: يرهب بها قريشاً أن يصيبهم ما أصابهم. وعن السدي قال: من ظلمة العرب إن لم يؤمنوا فيعذبوا بها، وعن قتادة قال: من ظالمي هذه الأمة. وقد ذكر المفسرون روايات وقصصاً في كيفية هلاك قوم لوط طويلة متخالفة وليس في ذكرها فائدة ولا سيما وبين من قال بشيء من ذلك وبين هلاك قوم لوط دهر طويل لا يتيسر له في مثله إسناد صحيح. وغالب ذلك مأخوذ عن أهل الكتاب وحالهم في الرواية معروف، وقد أمرنا بأن لا نصدقهم

84

۞ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍۢ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ مُّحِيطٍۢ

And to Madyan [We sent] their brother Shu'ayb. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. And do not decrease from the measure and the scale. Indeed, I see you in prosperity, but indeed, I fear for you the punishment of an all-encompassing Day.

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84)

ولا نكذبهم فاعرف هذا فهو الوجه لحذفنا كثيراً من هذه الروايات الكائنة في قصص الأنبياء وقومهم (و) أرسلنا (إلى مدين) هو اسم ابن إبراهيم الخليل ثم صار اسماً للقبيلة من أولاده وهو المراد هنا.

وقيل هو في الأصل اسم مدينة بناها مدين المذكور والتقدير إلى أهل مدين قال المقريزي في الخطط: أن مدين أمة شعيب هم بنو مديان بن إبراهيم وأمهم قنطورا ابنة يقطان الكنعانية ولدت له ثمانية من الولد تناسلت منهم أمم، ومدين على بحر القلزم تحاذي تبوك على نحو ست مراحل، وهي أكبر من تبوك وبها البئر التي استقى منها موسى لسائمة شعيب وعمل عليها بيت.

قال الفراء: مدين اسم بلد وقطر والجمهور على أن مدين أعجمي، وقيل عربي، فإن كان عربياً فإنه يحتمل أن يكون فعيلاً من مدن بالمكان أقام به وهو بناء نادر، وقيل مهمل أو مفعلاً من دان فتصحيحه شاذ وهو ممنوع الصرف على كل حال، سواء كان اسم الأرض أو اسم القبيلة عجمياً أو عربياً اهـ. وبه قال النحاس وقد تقدم الكلام على هذا في الأعراف بأبسط مما هنا وهم قوم شعيب.

(أخاهم) في النسب لأن (شعيباً) بن ميكائيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه السلام، وقد تقدم تفسير قوله (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) في أول السورة، وهذه الجملة مستأنفة كأنه قيل ماذا قال لهم شعيب عليه السلام لما أرسله الله تعالى إليهم.

وقد كان شعيب عليه السلام يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته لقومه، وهذه عادة الأنبياء عليه السلام يبدؤون بالأهم فالأهم.

ولما كان الدعوة إلى توحيد الله وعبادته أهم الأشياء دعاهم إليه ثم نهاهم عن أن ينقصوا المكيال والميزان لأنهم كانوا مع كفرهم أهل تطفيف، وكان المعتاد منهم البخس في الكيل والوزن، وكانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد، وكذلك إذا وصل إليهم الموزون أخذوا بوزن زائد، وإذا باعوا باعوا بكيل ناقص ووزن ناقص فقال:

ْ (ولا تنقصوا المكيال والميزان) أي لا عند الأخذ ولا عند الدفع، والنقص فيهما على وجهين كما قدمنا الإشارة إليه، والمراد بالمكيال المكيل به وبالميزان الموزون به، وهذا أبلغ في الأمر بوفائهما (إني أراكم لخير) أي بثروة وسعة في الرزق تغنيكم عن البخس فلا تغيروا نعمة الله عليكم بمعصيته والإضرار بعباده، وهذه النعمة حقها أن تتفضلوا على الناس شكراً عليها لا أن تنقصوا حقوقهم، وهو في الجملة علة النهي.

ثم ذكر بعد هذه العلة علة أخرى فقال (وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط) فهذه العلة فيها الاذكار لهم بعذاب الآخرة كما أن العلة الأولى فيها الإذكار لهم بنعيم الدنيا، ووصف اليوم بالإحاطة والمراد العذاب لأن العذاب واقع في اليوم، فهو مجاز في الإسناد كقولهم نهاره صائم، ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم أنه لا يشذ منهم أحد عنه ولا يجدون منه ملجأً ولا مهرباً، واليوم هو يوم القيامة، وقيل هو يوم الانتقام منهم في الدنيا بالصيحة. قال ابن عباس: الخير رخص السعر والعذاب غلاء السعر.

وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)

ثم أكد النهي عن نقص الكيل والوزن بقوله:

85

وَيَٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

And O my people, give full measure and weight in justice and do not deprive the people of their due and do not commit abuse on the earth, spreading corruption.

(ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط) الإيفاء هو التمام والقسط العدل وهو عدم الزيادة والنقص، وإن كانت الزيادة على الإيفاء فضل وخير ولكنها فوق ما يفيده اسم العدل والنهي عن النقص وإن كان يستلزم الإيفاء ففي تعاضد الدلالتين مبالغة بليغة وتأكيد حسن وشدة اهتمام فلذا كرر ليقوي الزجر والمنع من ذلك الفعل، والمعنى أتموهما ولا تطففوا فيهما، وقيل القسط تقويم لسان الميزان وتعديل المكيال. ثم زاد ذلك تأكيداً ثالثاً فقال (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) قد مر تفسير هذا في الأعراف وفيه النهي عن البخس على العموم والأشياء أعم مما يكال ويوزن فيدخل البخس بتطفيف الكيل والوزن في هذا دخولاً أولياً، فظهر بهذا البيان فائدة هذا التكرير، وقيل البخس الكسر خاصة.

ثم قال (ولا تعثوا في الأرض) بتطفيف الكيل والوزن ومنع الناس حقوقهم، وقد مر أيضاً تفسيره في البقرة. والعثي في الأرض يشمل كل ما يقع فيها من الإضرار بالناس فيدخل فيه كل ما في السياق من نقص المكيال والميزان، وعثى مصدر قياسي وعثو سماعي وقيده بالحال وهو قوله (مفسدين) ليخرج ما كان صورته من العثي في الأرض، والمراد به الإصلاح كما وقع من الخضر في السفينة.

86

بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ

What remains [lawful] from Allah is best for you, if you would be believers. But I am not a guardian over you."

(بقية الله) أي ما يبقيه لكم من الحلال بعد إيفاء الحقوق بالقسط (خير لكم) أي أكثر خيراً وبركة مما تبقونه لأنفسكم من التطفيف والبخس والفساد في الأرض، ذكر معناه ابن جرير وغيره من المفسرين، وقال مجاهد: بقية الله طاعته.

وقال الربيع: وصيته، وقال الفراء: مراقبته، وقال قتادة: حظكم من ربكم. وقال ابن عباس: رزق الله، وقيل ثوابه في الآخرة.

وبقيت ترسم التاء المجرورة؛ وإذا وقف عليه اضطراراً يصح الوقف بالمجرورة والمربوطة، وليس في القرآن غيرها.

وإنما قيد ذلك بقوله (إن كنتم مؤمنين) لأن ذلك إنما ينتفع به المؤمن لا الكافر، والمراد بالمؤمنين هنا المصدقون لشعيب عليه السلام، وفي البيضاوي: بشرط أن تؤمنوا فإن خيريتها باستتباع الثواب مع النجاة وذلك مشروط بالإيمان (وما أنا عليكم بحفيظ) أحفظكم من الوقوع في المعاصي من التطفيف والبخس وغيرهما وأحفظ عليكم أعمالكم وأحاسبكم بها وأجازيكم عليها، وإنما أنا ناصح مبلغ، وقد أعذرت حين أنذرت؛ أو لست بحافظ عليكم نعم الله لو لم تتركوا سوء صنيعكم.

87

قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ

They said, "O Shu'ayb, does your prayer command you that we should leave what our fathers worship or not do with our wealth what we please? Indeed, you are the forbearing, the discerning!"

(قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك) مستأنفة كأنه قيل فماذا قالوا لشعيب عليه السلام والاستفهام للإنكار عليه والاستهزاء به لأن الصلاة عندهم ليست من الخير الذي يقال لفاعله عند إرادة تليين قلبه وتذليل صعوبته كما يقال لمن كان كثير الصدقة إذا فعل مما لا يناسب الصواب أصدقتك أمرتك بهذا، وقيل المراد بالصلاة هنا القراءة قاله الأعمش، وقيل المراد بها الدين، وقيل المراد بها اتباعه، ومنه المصلي الذي يتلو السابق، قال الأحنف: أن شعيباً كان أكثر الأنبياء صلاة فلذلك قالوا هذه المقالة وإنما ذكر الصلاة لأنها من أعظم شعائر الدين.

(أن نترك ما يعبد آباؤنا) أي عبادة الأوثان وفيه أن الترك فعلهم لا فعل شعيب وهو المأمور والإنسان يؤمر بفعل نفسه فالمضاف محذوف وهو التكليف وهذا فعله أي هل هي تأمرك بتكليفك إيانا ترك عبادة الأصنام، وهذا منهم جواب لشعيب عن أمره لهم بعبادة الله وحده.

وقولهم (أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) جواب له عن أمرهم بإيفاء الكيل والوزن ونهيهم عن نقصهما وعن بخس الناس، وعن العثي في الأرض معطوف على ما يعبد، فالترك مسلط عليه، وأو بمعنى الواو، والمعنى هل تأمرك بتكليفك لنا ترك إن نفعل في أموالنا ما نشاء من الأخذ والإعطاء والزيادة والنقص، وهذا لف ونشر مرتب.

وقرئ بالتاء في الفعلين عطفاً على مفعول تأمرك أي أصلاتك تأمرك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء، وقرئ نفعل بالنون وما تشاء بالفوقية أي نفعل فيها ما تشاء أنت وندع ما نشاء نحن وما يجري به التراضي بيننا.

وعن ابن زيد في الآية قال: نهاهم عن قطع هذه الدنانير والدراهم فقالوا إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء إن شئنا قطعناها وإن شئنا أحرقناها وإن شئنا طرحناها، وعن محمد بن كعب وزيد بن أسلم وابن المسيب نحوه.

ثم وصفوه بوصفين عظيمين فقالوا (إنك لأنت الحليم الرشيد) عند نفسك وفي اعتقادك ومعناه أن هذا الذي نهيتنا عنه وأمرتنا به يخالف ما نعتقده في نفسك من الحلم والرشد، وقيل أنهم قالوا ذلك لا على طريق الاستهزاء بل هو عندهم كذلك، وأنكروا عليه الأمر والنهي منه لهم بما يخالف الحلم والرشد في اعتقادهم والمعنى إنك فينا حليم رشيد فلا يحمد بك شق عصا قومك ومخالفتهم في دينهم.

وقال ابن عباس: يقولون إنك لست بحليم ولا رشيد أي أرادوا السفيه الغاوي لأن العرب قد تصف الشيء بضده فيقولون للديغ سليم وللفلاة المهلكة مفازة؛ وقيل هو على حقيقته وإنما قالوا ذلك على سبيل السخرية قال قتادة: استهزاء به.

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89)

88

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...? And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allah. Upon him I have relied, and to Him I return.

(قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي) مستأنفة كالجمل التي قبلها، والمعنى أخبروني إن كنت على بيان وحجة واضحة وبصيرة وهداية من عند ربي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه (ورزقني منه) أي من فضله وخزائن ملكه ومن عنده وبإعانته بلا كد مني ولا تعب في تحصيله (رزقاً حسناً) أي كثيراً واسعاً حلالاً طيباً وقد كان عليه السلام كثير المال والنعمة، وقيل أراد بالرزق النبوة وقيل الحكمة وقيل العلم وقيل التوفيق وقيل المعرفة وقيل الهداية.

وجواب الشرط محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره أأترك أمركم ونهيكم أو تقولون في شأني ما تقولون مما تريدون به السخرية والاستهزاء أو هل يسعني مع هذه النعمة أن أخون في وحيه، وهذا الجواب شديد المطابقة بقولهم إنك لأنت الحليم الرشيد أي كيف يليق بالحليم الرشيد أن يخالف أمر ربه وله عليه نعم كثيرة (وما أريد) بنهي لكم عن التطفيف والبخس (أن أخالفكم إلى ما أنهاكم) نهيتكم (عنه) فأفعله دونكم يقال خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه وخالفته عن كذا في عكس ذلك، قال الزجاج: معناه لست أنهاكم عن شيء وأدخل فيه إنما أختار لكم ما أختار لنفسي، قال ابن الأنباري: بين أن الذي يدعوهم إليه من اتباع طاعة الله وترك البخس والتطفيف هو ما يرتضيه لنفسه ولا ينطوي إلا عليه، فكان هذا محض النصح لهم، وقال قتادة: لم أكن لأنهاكم عن أمر وأرتكبه.

(إن أريد) أى ما أريد بالأمر والنهي (إلا الإصلاح) لكم ودفع الفساد عن دينكم ومعاملاتكم (ما استطعت) ما بلغت إليه استطاعتي وتمكنت منه طاقتي (وما توفيقي إلا بالله) أى ما صرت موفقاً هادياً نبياً مرشداً إلا بتأييد الله سبحانه وإقداري عليه ومنحي إياه (عليه توكلت) في جميع أموري التي منها أمركم ونهيكم (وإليه أنيب) أي إليه أرجع في كل ما نابني من الأمور وأفوض جميع أموري إلى ما يختاره لي من قضائه وقدره وقيل معناه إليه أرجع في الآخرة وقيل أن الإنابة الدعاء ومعناه وله أدعو.

وعن علي قال: قلت يا رسول الله أوصني قال: قل الله ربي ثم استقم قلت ربي الله وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، قال؛ ليهنك العلم يا أبا الحسن لقد شربت العلم شرباً ونهلته نهلاً، أخرجه أبو نعيم في الحلية وفي إسناده محمد بن يوسف الكديمي.

89

وَيَٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَٰلِحٍۢ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍۢ مِّنكُم بِبَعِيدٍۢ

And O my people, let not [your] dissension from me cause you to be struck by that similar to what struck the people of Noah or the people of Hud or the people of Salih. And the people of Lot are not from you far away.

(ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي) قال الزجاج: معناه لا يكسبنكم والشقاق العداوة، وقال قتادة: لا يحملنكم فراقي، وعن السدي: لا يحملنكم عداوتي، وعن مجاهد نحوه (أن يصيبكم) مفعول ثان ليجرمنكم أي أن لا يكسبنكم معاداتكم لي أن لا يصيبكم (مثل ما أصاب قوم نوح) من الغرق (أو قوم هود) من الريح (أو قوم صالح) من الحجارة وغيرها.

(وما قوم لوط منكم ببعيد) يحتمل أن يريد ليس مكانهم ببعيد من مكانكم أو ليس زمانهم ببعيد من زمانكم أو ليسوا منكم ببعيد في السبب الموجب لعقوبتهم وهو مطلق الكفر وأفرد لفظ بعيد لمثل ما سبق، وقيل بشيء بعيد كذا قدره الزمخشري وتبعه الشيخ، وقال الزمخشري يجوز أن يستوي في بعيد وقريب وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي كالصهيل والنهيق ونحوهما، وقال قتادة: إنما كانوا حديثي عهد قريب بهلاكهم بعد نوح وثمود.

وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91)

ثم بعد ترهيبهم بالعذاب أمرهم بالاستغفار والتوبة فقال

90

وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌۭ وَدُودٌۭ

And ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. Indeed, my Lord is Merciful and Affectionate."

(واستغفروا ربكم) من عبادة الأوثان (ثم توبوا إليه) من البخس والنقصان في المكيال والميزان وقد تقدم تفسير الاستغفار مع ترتيب التوبة عليه في أول السورة (إن ربي رحيم) بالمؤمنين (ودود) للتائبين، وتقدم تفسير الرحيم والمراد هنا أنه عظيم الرحمة، والودود المحب صيغة مبالغة من ود الشيء يود وداً ووداد أو ودادة أي أحبه وآثره.

قال في الصحاح: وددت الرجل أوده وداً إذا أحببته والود المحبة والمشهور وددت بكسر العين وسمع بفتحها والودود بمعنى فاعل أى يود عباده ويرحمهم، وقيل بمعنى مفعول بمعنى أن عباده يحبونه ويوادون أولياءه فهم بمنزلة المواد مجازاً، والأول أولى، والمعنى هنا أنه يفعل بعباده فعل من هو بليغ المودة بمن يوده من اللطف به وسوق الخير إليه ودفع الشر عنه وفي هذا تعليل لما قبله من الأمر بالاستغفار والتوبة.

وجملة

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.