Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 81–90 of 123

81

قَالُوا۟ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍۢ

The angels said, "O Lot, indeed we are messengers of your Lord; [therefore], they will never reach you. So set out with your family during a portion of the night and let not any among you look back - except your wife; indeed, she will be struck by that which strikes them. Indeed, their appointment is [for] the morning. Is not the morning near?"

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُبْحُ ألَيْسَ الصُبْحُ بِقَرِيبٍ﴾

الضَمِيرُ في قالُوا ضَمِيرُ المَلائِكَةِ، ويُرْوى أنَّ لُوطًا لَمّا غَلَبُوهُ وهَمُّوا بِكَسْرِ البابِ وهو يُمْسِكُهُ قالَتْ لَهُ الرُسُلُ: تَنَحَّ عَنِ البابِ، فَتَنَحّى وانْفَتَحَ البابُ فَضَرَبَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ بِجَناحِهِ فَطَمَسَ أعْيُنَهم وعَمُوا، وانْصَرَفُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَقُولُونَ: النِجاءَ النِجاءَ، فَعِنْدَ لُوطٍ قَوْمٌ سَحَرَةٌ، وتَوَعَّدُوا لُوطًا، فَفَزِعَ حِينَئِذٍ مِن وعِيدِهِمْ، فَحِينَئِذٍ قالُوا لَهُ: إنّا رُسُلُ رَبِّكَ فَأمِنَ، ذَكَرَ هَذا النَقّاشُ وفي تَفْسِيرِ غَيْرِهِ ما يَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُمْ: إنّا رُسُلُ رَبِّكَ كانَ قَبْلَ طَمْسِ العُيُونِ، ثُمَّ أمَرُوهُ بِالسُرى وأعْلَمُوهُ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِالقَوْمِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ: فَعَذِّبُوهُمُ الساعَةَ، قالُوا لَهُ: إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُبْحُ أيْ بِهَذا أمَرُ اللهُ، ثُمَّ آنَسُوهُ في قَلَقِهِ بِقَوْلِهِمْ:

ألَيْسَ الصُبْحُ بِقَرِيبٍ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ "فاسْرِ" مِن سَرى إذا سارَ في أثْناءِ اللَيْلِ، وقَرَأ الباقُونَ "فَأسْرِ" إذا سارَ في أوَّلِ اللَيْلِ و"القِطْعُ" القِطْعَةُ مِنَ اللَيْلِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ لُوطًا أسْرى بِأهْلِهِ مِن أوَّلِ اللَيْلِ حَتّى جاوَزَ البَلَدَ المُقْتَلِعَ، ووَقَعَتْ نَجاتُهُ بِسَحَرٍ فَتَجْتَمِعُ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ قَوْلِهِ: إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ وبَيْتُ النابِغَةِ جَمَعَ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ في قَوْلِهِ:

؎ أسْرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الجَوْزاءِ سارِيَةٌ ∗∗∗ تُزْجِي الشَمالُ عَلَيْهِ جامِدَ البَرَدِ

فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ سَرى وأسْرى بِمَعْنًى واحِدٍ واحْتَجُّوا بِهَذا البَيْتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأقُولُ إنَّ البَيْتَ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، وذَلِكَ أظْهَرُ عِنْدِي لِأنَّهُ قَصَدَ وصْفَ هَذِهِ الدِيمَةِ، وأنَّها ابْتَدَأتْ مِن أوَّلِ اللَيْلِ وقْتَ طُلُوعِ الجَوْزاءِ في الشِتاءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو "إلّا امْرَأتُكَ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٌ وهَذا هو الأوجَهُ إذا اسْتُثْنِيَ مِن مَنفِيٍّ، كَقَوْلِكَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، وهَذا هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المُلْتَفِتِينَ، وقَرَأ الباقُونَ "إلّا أمَرْأتَكَ" بِالنَصْبِ، ورَأتْ ذَلِكَ فِرْقَةٌ مِنَ النُحاةِ الوَجْهَ في الِاسْتِثْناءِ مِن مَنفِيٍّ، إذِ الكَلامُ المَنفِيُّ في هَذا مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ كالمُوجَبِ، فَإذْ هو مِثْلُهُ في الِاسْتِقْلالِ، فَحُكْمُهُ كَحُكْمِهِ في نَصْبِ المُسْتَثْنى وتَأوَّلَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ: "إلّا امْرَأتَكَ" بِالنَصْبِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ وقَعَ مِنَ الأهْلِ كَأنَّهُ قالَ: "فَأسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ". وعَلى هَذا التَأْوِيلِ لا يَكُونُ إلّا النَصْبُ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ: لَوْ كانَ الكَلامُ: "وَلا يَلْتَفِتْ" - بِالرَفْعِ- لَصَحَّ الرَفْعُ في قَوْلِهِ: "إلّا امَرْأتُكَ" ولَكِنَّهُ نَهْيٌ، فَإذا اسْتُثْنِيَتِ "المَرْأةُ" مِن أحَدٍ وجَبَ أنْ تَكُونَ "المَرْأةُ" أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ فَيَفْسُدُ مَعْنى الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا الِاعْتِراضُ حَسَنٌ، يُلْزِمُ الِاسْتِثْناءَ مِن "أحَدٌ" رَفَعْتَ التاءَ أو نَصَبْتَ والِانْفِصالُ عنهُ يَتَرَتَّبُ بِكَلامٍ حُكِيَ عَنِ المُبَرِّدِ، وهو أنَّ النَهْيَ إنَّما قُصِدَ بِهِ لُوطٌ وحْدَهُ، و"الِالتِفاتُ" مَنفِيٌّ عنهم …

82

فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ

So when Our command came, We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of layered hard clay, [which were]

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾

رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَ مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ واقْتَلَعَها ورَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَماءِ الدُنْيا صُراخَ الدِيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ، ثُمَّ أرْسَلَها مَعْكُوسَةً، وأتْبَعَهُمُ الحِجارَةَ مِنَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَذَهم بِخَوافِي جَناحِهِ: ويُرْوى أنَّ مَدِينَةً مِنها نُجِّيَتْ كانَتْ مُخْتَصَّةً بَلُّوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ يُقالُ لَها: زَغْرُ.

وأمْرُنا في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن أمَرَ ويَكُونُ في الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مُقْتَضى أمْرِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: عالِيَها سافِلَها لِلْمُدُنِ، وأُجْرِيَ أمْطَرْنا عَلَيْها كَذَلِكَ، والمُرادُ عَلى أهْلِها، ورُوِيَ أنَّها الحِجارَةُ اسْتَوْفَتْ مِنهم مَن كانُوا خارِجَ مُدُنِهِمْ حَتّى قَتَلَتْهم أجْمَعِينَ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مِنهم في الحَرَمِ رَجُلٌ فَبَقِيَ حَجَرُهُ مُعَلَّقًا في الهَواءِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ فَقَتَلَهُ الحَجَرُ، و"أمْطَرَ" أبَدًا إنَّما يُسْتَعْمَلُ في المَكْرُوهِ، ومَطَرَ يُسْتَعْمَلُ في المَحْبُوبِ، هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولَيْسَ كَذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا يَرُدُّ هَذا القَوْلَ لِأنَّهم إنَّما ظَنُّوهُ مُعْتادَ الرَحْمَةِ، وقَوْلُهُ: مِن سِجِّيلٍ اخْتُلِفَ فِيهِ: فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سِجِّيلٌ: اسْمُ السَماءِ الدُنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ، ويَرُدُّهُ وصْفُهُ بِـ مَنضُودٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مَن لَفْظِ السِجِلِّ، أيْ هي مِن أمْرٍ كُتِبَ عَلَيْهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا بَعِيدٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ السَجْلِ إذا أُرْسِلَ الشَيْءُ كَما يُرْسَلُ السَجْلُ وكَما تَقُولُ: قالَها مُسْجَلَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مِن سِجِّيلٍ مَعْناهُ: مِن جَهَنَّمَ لِأنَّهُ يُقالُ:

سِجِّيلٌ وسِجِّينٌ حُفِظَ فِيها بَدَلَ النُونِ لامٌ، كَما قالُوا: أُصَيْلالٌ وأُصَيْلانٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: سِجِّيلٌ مَعْناهُ:

شَدِيدٌ وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ:

؎ ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّيلا

والبَيْتُ في قَصِيدَةٍ نُونِيَّةِ: سِجِّينًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سِجِّيلٌ لَفْظَةٌ أصْلُها غَيْرُ عُرِّبَتْ أصْلُها "سَنْجٌ وجِلٌ. وقِيلَ: غَيْرُ هَذا في أصْلِ اللَفْظَةِ. ومَعْنى هَذا اللَفْظِ ماءٌ وطِينٌ. هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُدِّيِّ وغَيْرِهِمْ، وذَهَبَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ إلى أنَّ الحِجارَةَ الَّتِي رُمُوا بِها كانَتْ كالآجُرِّ المَطْبُوخِ كانَتْ مِن طِينٍ قَدْ تَحَجَّرَ- نَصَّ عَلَيْهِ الحَسَنُ-.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا قَوْلٌ يُشْبِهُ. وهو الصَوابُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُوُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى سِجِّيلٍ حَجَرٌ مَخْلُوطٌ بِطِينٍ أيْ حَجَرٌ وطِينٌ. قالالقاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ هَذا إلى الَّذِي قَبْلَهُ، لِأنَّ الآجُرَّ وما جَرى مَجْراهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيهِ حَجَرٌ وطِينٌ لِأنَّهُ قَدْ أخَذَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِحَظِّهِ. هي طِينٌ مِن حَيْثُ هو أصْلُها. وحَجَرٌ مِن حَيْثُ صُلِبَتْ.

ومَنضُودٌ …

83

مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٍۢ

Marked from your Lord. And Allah 's punishment is not from the wrongdoers [very] far.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾

رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَ مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ واقْتَلَعَها ورَفَعَها حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَماءِ الدُنْيا صُراخَ الدِيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ، ثُمَّ أرْسَلَها مَعْكُوسَةً، وأتْبَعَهُمُ الحِجارَةَ مِنَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَذَهم بِخَوافِي جَناحِهِ: ويُرْوى أنَّ مَدِينَةً مِنها نُجِّيَتْ كانَتْ مُخْتَصَّةً بَلُّوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ يُقالُ لَها: زَغْرُ.

وأمْرُنا في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِن أمَرَ ويَكُونُ في الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مُقْتَضى أمْرِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: عالِيَها سافِلَها لِلْمُدُنِ، وأُجْرِيَ أمْطَرْنا عَلَيْها كَذَلِكَ، والمُرادُ عَلى أهْلِها، ورُوِيَ أنَّها الحِجارَةُ اسْتَوْفَتْ مِنهم مَن كانُوا خارِجَ مُدُنِهِمْ حَتّى قَتَلَتْهم أجْمَعِينَ. ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مِنهم في الحَرَمِ رَجُلٌ فَبَقِيَ حَجَرُهُ مُعَلَّقًا في الهَواءِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ فَقَتَلَهُ الحَجَرُ، و"أمْطَرَ" أبَدًا إنَّما يُسْتَعْمَلُ في المَكْرُوهِ، ومَطَرَ يُسْتَعْمَلُ في المَحْبُوبِ، هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولَيْسَ كَذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا يَرُدُّ هَذا القَوْلَ لِأنَّهم إنَّما ظَنُّوهُ مُعْتادَ الرَحْمَةِ، وقَوْلُهُ: مِن سِجِّيلٍ اخْتُلِفَ فِيهِ: فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سِجِّيلٌ: اسْمُ السَماءِ الدُنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ، ويَرُدُّهُ وصْفُهُ بِـ مَنضُودٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مَن لَفْظِ السِجِلِّ، أيْ هي مِن أمْرٍ كُتِبَ عَلَيْهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا بَعِيدٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ السَجْلِ إذا أُرْسِلَ الشَيْءُ كَما يُرْسَلُ السَجْلُ وكَما تَقُولُ: قالَها مُسْجَلَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مِن سِجِّيلٍ مَعْناهُ: مِن جَهَنَّمَ لِأنَّهُ يُقالُ:

سِجِّيلٌ وسِجِّينٌ حُفِظَ فِيها بَدَلَ النُونِ لامٌ، كَما قالُوا: أُصَيْلالٌ وأُصَيْلانٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: سِجِّيلٌ مَعْناهُ:

شَدِيدٌ وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ:

؎ ضَرْبًا تَواصى بِهِ الأبْطالُ سِجِّيلا

والبَيْتُ في قَصِيدَةٍ نُونِيَّةِ: سِجِّينًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سِجِّيلٌ لَفْظَةٌ أصْلُها غَيْرُ عُرِّبَتْ أصْلُها "سَنْجٌ وجِلٌ. وقِيلَ: غَيْرُ هَذا في أصْلِ اللَفْظَةِ. ومَعْنى هَذا اللَفْظِ ماءٌ وطِينٌ. هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ والسُدِّيِّ وغَيْرِهِمْ، وذَهَبَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ إلى أنَّ الحِجارَةَ الَّتِي رُمُوا بِها كانَتْ كالآجُرِّ المَطْبُوخِ كانَتْ مِن طِينٍ قَدْ تَحَجَّرَ- نَصَّ عَلَيْهِ الحَسَنُ-.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا قَوْلٌ يُشْبِهُ. وهو الصَوابُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُوُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى سِجِّيلٍ حَجَرٌ مَخْلُوطٌ بِطِينٍ أيْ حَجَرٌ وطِينٌ. قالالقاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ هَذا إلى الَّذِي قَبْلَهُ، لِأنَّ الآجُرَّ وما جَرى مَجْراهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيهِ حَجَرٌ وطِينٌ لِأنَّهُ قَدْ أخَذَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِحَظِّهِ. هي طِينٌ مِن حَيْثُ هو أصْلُها. وحَجَرٌ مِن حَيْثُ صُلِبَتْ.

ومَنضُودٌ …

84

۞ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ۚ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍۢ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ مُّحِيطٍۢ

And to Madyan [We sent] their brother Shu'ayb. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. And do not decrease from the measure and the scale. Indeed, I see you in prosperity, but indeed, I fear for you the punishment of an all-encompassing Day.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ أوفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا الناسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾

التَقْدِيرُ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلَنا أخاهم شُعَيْبًا، واخْتُلِفَ في لَفْظَةِ مَدْيَنَ فَقِيلَ: هي بُقْعَةٌ، فالتَقْدِيرُ عَلى هَذا: وإلى أهْلِ مَدِينَ- كَما قالَ: وسْئَلِ القَرْيَةَ - وقِيلَ: كانَ هَذا القُطْرُ في ناحِيَةِ الشامِ، وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمُ رَجُلٍ كانَتِ القَبِيلَةُ مِن ولَدِهِ فَسُمِّيَتْ بِاسْمِهِ، ومَدْيَنُ لا يَنْصَرِفُ في الوَجْهَيْنِ، حَكى النَقّاشُ أنَّ مَدْيَنَ هو ولَدُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ لِصُلْبِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا بَعِيدٌ وقَدْ قِيلَ: إنَّ شُعَيْبًا عَرَبِيٌّ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ هَذا ولَيْسَ لِلْعَرَبِ اتِّصالٌ بِإبْراهِيمَ إلّا مِن جِهَةِ إسْماعِيلَ فَقَطْ، ودُعاءُ "شُعَيْبَ" إلى "عِبادَةِ اللهِ" يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوثانَ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن قَوْلِهِمْ فِيما بَعْدُ، وكُفْرُهم هو الَّذِي اسْتَوْجَبُوا بِهِ العَذابَ لا مَعاصِيهِمْ، فَإنَّ اللهَ لَمْ يُعَذِّبْ قَطُّ أُمَّةً إلّا بِالكُفْرِ، فَإنِ انْضافَتْ إلى ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ كانَتْ تابِعَةً، وأعْنِي بِالعَذابِ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ العامِّ، وكانَتْ مَعْصِيَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الشَنِيعَةِ أنَّهم كانُوا تَواطَأُوا أنْ يَأْخُذُوا مِمَّنْ يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِهِمْ وافِيًا ويُعْطُوا ناقِصًا في وزْنِهِمْ وكَيْلِهِمْ، فَنَهاهم شُعَيْبٌ بِوَحْيِ اللهِ تَعالى عن ذَلِكَ، ويَظْهَرُ مِن كِتابِ الزَجّاجِ أنَّهم كانُوا تَراضَوْا بَيْنَهم بِأنْ يَبْخَسَ بَعْضُهم بَعْضًا.

وقَوْلُهُ: بِخَيْرٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: في رُخْصٍ مِنَ الأسْعارِ، و"عَذابُ اليَوْمِ المُحِيطِ" هو حُلُولُ الغَلاءِ المُهْلِكِ. ويَنْظُرُ هَذا التَأْوِيلُ إلى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «ما نَقَصَ قَوْمٌ المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا ارْتَفَعَ عنهُمُ الرِزْقُ» وقِيلَ: لَهم قَوْلُهُ: بِخَيْرٍ عامٌّ في جَمِيعِ نِعَمِ اللهِ تَعالى، و"عَذابُ اليَوْمِ" هو الهَلاكُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ في آخِرٍ، وجَمِيعُ ما قِيلَ: في لَفْظِ "خَيْرٍ" مُنْحَصِرٌ فِيما قُلْناهُ.

ووَصْفُ "اليَوْمِ" بِـ "الإحاطَةِ" وهي مِن صِفَةِ العَذابِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ إذْ كانَ العَذابُ في اليَوْمِ: وقَدْ يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ "اليَوْمُ" بِـ "الإحاطَةِ" عَلى تَقْدِيرٍ: مُحِيطٍ شَرُّهُ. ونَحْوُ هَذا.

وكَرَّرَ عَلَيْهِمُ الوَصِيَّةَ في "الكَيْلِ والوَزْنِ" تَأْكِيدًا وبَيانًا وعِظَةً لِأنَّ "وَلا تَنْقُصُوا" هو "أوفُوا" بِعَيْنِهِ.

لَكِنَّهُما مَنحَيانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّهُ سَمِعَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ يَعِظُ الناسَ في الكَيْلِ والوَزْنِ فَقالَ: اعْتَبَرُوا في أنَّ الإنْسانَ إذا رَفَعَ يَدَهُ بِالمِيزانِ فامْتَدَّتْ أصابِعُهُ الثَلاثُ والتَقى الإبْهامُ والسَبّابَةُ عَلى ناصِيَةِ المِيزانِ جاءَ مِن شَكْلِ أصابِعِهِ صُورَةُ المَكْتُوبَةِ فَكَأنَّ المِيزانَ يَقُولُ: اللهُ اللهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا وعْظٌ مَلِيحٌ مُذَكِّرٌ. والقِسْطُ العَدْلُ ونَحْوُهُ، و"البَخْسُ" النُقْصانُ، وتَعْثَوْا مَعْناهُ: تَسْعَوْنَ في فَسادٍ، وكَرَّرَ …

85

وَيَٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

And O my people, give full measure and weight in justice and do not deprive the people of their due and do not commit abuse on the earth, spreading corruption.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ أوفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا الناسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾

التَقْدِيرُ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلَنا أخاهم شُعَيْبًا، واخْتُلِفَ في لَفْظَةِ مَدْيَنَ فَقِيلَ: هي بُقْعَةٌ، فالتَقْدِيرُ عَلى هَذا: وإلى أهْلِ مَدِينَ- كَما قالَ: وسْئَلِ القَرْيَةَ - وقِيلَ: كانَ هَذا القُطْرُ في ناحِيَةِ الشامِ، وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمُ رَجُلٍ كانَتِ القَبِيلَةُ مِن ولَدِهِ فَسُمِّيَتْ بِاسْمِهِ، ومَدْيَنُ لا يَنْصَرِفُ في الوَجْهَيْنِ، حَكى النَقّاشُ أنَّ مَدْيَنَ هو ولَدُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ لِصُلْبِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا بَعِيدٌ وقَدْ قِيلَ: إنَّ شُعَيْبًا عَرَبِيٌّ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ هَذا ولَيْسَ لِلْعَرَبِ اتِّصالٌ بِإبْراهِيمَ إلّا مِن جِهَةِ إسْماعِيلَ فَقَطْ، ودُعاءُ "شُعَيْبَ" إلى "عِبادَةِ اللهِ" يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوثانَ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن قَوْلِهِمْ فِيما بَعْدُ، وكُفْرُهم هو الَّذِي اسْتَوْجَبُوا بِهِ العَذابَ لا مَعاصِيهِمْ، فَإنَّ اللهَ لَمْ يُعَذِّبْ قَطُّ أُمَّةً إلّا بِالكُفْرِ، فَإنِ انْضافَتْ إلى ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ كانَتْ تابِعَةً، وأعْنِي بِالعَذابِ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ العامِّ، وكانَتْ مَعْصِيَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الشَنِيعَةِ أنَّهم كانُوا تَواطَأُوا أنْ يَأْخُذُوا مِمَّنْ يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِهِمْ وافِيًا ويُعْطُوا ناقِصًا في وزْنِهِمْ وكَيْلِهِمْ، فَنَهاهم شُعَيْبٌ بِوَحْيِ اللهِ تَعالى عن ذَلِكَ، ويَظْهَرُ مِن كِتابِ الزَجّاجِ أنَّهم كانُوا تَراضَوْا بَيْنَهم بِأنْ يَبْخَسَ بَعْضُهم بَعْضًا.

وقَوْلُهُ: بِخَيْرٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: في رُخْصٍ مِنَ الأسْعارِ، و"عَذابُ اليَوْمِ المُحِيطِ" هو حُلُولُ الغَلاءِ المُهْلِكِ. ويَنْظُرُ هَذا التَأْوِيلُ إلى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «ما نَقَصَ قَوْمٌ المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا ارْتَفَعَ عنهُمُ الرِزْقُ» وقِيلَ: لَهم قَوْلُهُ: بِخَيْرٍ عامٌّ في جَمِيعِ نِعَمِ اللهِ تَعالى، و"عَذابُ اليَوْمِ" هو الهَلاكُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ في آخِرٍ، وجَمِيعُ ما قِيلَ: في لَفْظِ "خَيْرٍ" مُنْحَصِرٌ فِيما قُلْناهُ.

ووَصْفُ "اليَوْمِ" بِـ "الإحاطَةِ" وهي مِن صِفَةِ العَذابِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ إذْ كانَ العَذابُ في اليَوْمِ: وقَدْ يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ "اليَوْمُ" بِـ "الإحاطَةِ" عَلى تَقْدِيرٍ: مُحِيطٍ شَرُّهُ. ونَحْوُ هَذا.

وكَرَّرَ عَلَيْهِمُ الوَصِيَّةَ في "الكَيْلِ والوَزْنِ" تَأْكِيدًا وبَيانًا وعِظَةً لِأنَّ "وَلا تَنْقُصُوا" هو "أوفُوا" بِعَيْنِهِ.

لَكِنَّهُما مَنحَيانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّهُ سَمِعَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ يَعِظُ الناسَ في الكَيْلِ والوَزْنِ فَقالَ: اعْتَبَرُوا في أنَّ الإنْسانَ إذا رَفَعَ يَدَهُ بِالمِيزانِ فامْتَدَّتْ أصابِعُهُ الثَلاثُ والتَقى الإبْهامُ والسَبّابَةُ عَلى ناصِيَةِ المِيزانِ جاءَ مِن شَكْلِ أصابِعِهِ صُورَةُ المَكْتُوبَةِ فَكَأنَّ المِيزانَ يَقُولُ: اللهُ اللهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا وعْظٌ مَلِيحٌ مُذَكِّرٌ. والقِسْطُ العَدْلُ ونَحْوُهُ، و"البَخْسُ" النُقْصانُ، وتَعْثَوْا مَعْناهُ: تَسْعَوْنَ في فَسادٍ، وكَرَّرَ …

86

بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ

What remains [lawful] from Allah is best for you, if you would be believers. But I am not a guardian over you."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ أوفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا الناسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾

التَقْدِيرُ: وإلى مَدْيَنَ أرْسَلَنا أخاهم شُعَيْبًا، واخْتُلِفَ في لَفْظَةِ مَدْيَنَ فَقِيلَ: هي بُقْعَةٌ، فالتَقْدِيرُ عَلى هَذا: وإلى أهْلِ مَدِينَ- كَما قالَ: وسْئَلِ القَرْيَةَ - وقِيلَ: كانَ هَذا القُطْرُ في ناحِيَةِ الشامِ، وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمُ رَجُلٍ كانَتِ القَبِيلَةُ مِن ولَدِهِ فَسُمِّيَتْ بِاسْمِهِ، ومَدْيَنُ لا يَنْصَرِفُ في الوَجْهَيْنِ، حَكى النَقّاشُ أنَّ مَدْيَنَ هو ولَدُ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ لِصُلْبِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا بَعِيدٌ وقَدْ قِيلَ: إنَّ شُعَيْبًا عَرَبِيٌّ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ هَذا ولَيْسَ لِلْعَرَبِ اتِّصالٌ بِإبْراهِيمَ إلّا مِن جِهَةِ إسْماعِيلَ فَقَطْ، ودُعاءُ "شُعَيْبَ" إلى "عِبادَةِ اللهِ" يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوثانَ، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن قَوْلِهِمْ فِيما بَعْدُ، وكُفْرُهم هو الَّذِي اسْتَوْجَبُوا بِهِ العَذابَ لا مَعاصِيهِمْ، فَإنَّ اللهَ لَمْ يُعَذِّبْ قَطُّ أُمَّةً إلّا بِالكُفْرِ، فَإنِ انْضافَتْ إلى ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ كانَتْ تابِعَةً، وأعْنِي بِالعَذابِ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ العامِّ، وكانَتْ مَعْصِيَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الشَنِيعَةِ أنَّهم كانُوا تَواطَأُوا أنْ يَأْخُذُوا مِمَّنْ يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِهِمْ وافِيًا ويُعْطُوا ناقِصًا في وزْنِهِمْ وكَيْلِهِمْ، فَنَهاهم شُعَيْبٌ بِوَحْيِ اللهِ تَعالى عن ذَلِكَ، ويَظْهَرُ مِن كِتابِ الزَجّاجِ أنَّهم كانُوا تَراضَوْا بَيْنَهم بِأنْ يَبْخَسَ بَعْضُهم بَعْضًا.

وقَوْلُهُ: بِخَيْرٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: في رُخْصٍ مِنَ الأسْعارِ، و"عَذابُ اليَوْمِ المُحِيطِ" هو حُلُولُ الغَلاءِ المُهْلِكِ. ويَنْظُرُ هَذا التَأْوِيلُ إلى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «ما نَقَصَ قَوْمٌ المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا ارْتَفَعَ عنهُمُ الرِزْقُ» وقِيلَ: لَهم قَوْلُهُ: بِخَيْرٍ عامٌّ في جَمِيعِ نِعَمِ اللهِ تَعالى، و"عَذابُ اليَوْمِ" هو الهَلاكُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ في آخِرٍ، وجَمِيعُ ما قِيلَ: في لَفْظِ "خَيْرٍ" مُنْحَصِرٌ فِيما قُلْناهُ.

ووَصْفُ "اليَوْمِ" بِـ "الإحاطَةِ" وهي مِن صِفَةِ العَذابِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ إذْ كانَ العَذابُ في اليَوْمِ: وقَدْ يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ "اليَوْمُ" بِـ "الإحاطَةِ" عَلى تَقْدِيرٍ: مُحِيطٍ شَرُّهُ. ونَحْوُ هَذا.

وكَرَّرَ عَلَيْهِمُ الوَصِيَّةَ في "الكَيْلِ والوَزْنِ" تَأْكِيدًا وبَيانًا وعِظَةً لِأنَّ "وَلا تَنْقُصُوا" هو "أوفُوا" بِعَيْنِهِ.

لَكِنَّهُما مَنحَيانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، أنَّهُ سَمِعَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ يَعِظُ الناسَ في الكَيْلِ والوَزْنِ فَقالَ: اعْتَبَرُوا في أنَّ الإنْسانَ إذا رَفَعَ يَدَهُ بِالمِيزانِ فامْتَدَّتْ أصابِعُهُ الثَلاثُ والتَقى الإبْهامُ والسَبّابَةُ عَلى ناصِيَةِ المِيزانِ جاءَ مِن شَكْلِ أصابِعِهِ صُورَةُ المَكْتُوبَةِ فَكَأنَّ المِيزانَ يَقُولُ: اللهُ اللهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا وعْظٌ مَلِيحٌ مُذَكِّرٌ. والقِسْطُ العَدْلُ ونَحْوُهُ، و"البَخْسُ" النُقْصانُ، وتَعْثَوْا مَعْناهُ: تَسْعَوْنَ في فَسادٍ، وكَرَّرَ …

87

قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُا۟ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ

They said, "O Shu'ayb, does your prayer command you that we should leave what our fathers worship or not do with our wealth what we please? Indeed, you are the forbearing, the discerning!"

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أو أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عنهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾

قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أصَلَواتُكَ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "أصَلاتُكَ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ قَرَأ في التَوْبَةِ: إنَّ صَلاتَكَ، وفي (المُؤْمِنُونَ): "عَلى صَلاتِهِمْ"، كُلُّ ذَلِكَ بِالإفْرادِ. واخْتُلَفَ في مَعْنى الصَلاةِ هُنا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا الصَلَواتِ المَعْرُوفَةَ، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ صَلاةً، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبِيًّا إلّا فَرْضَ عَلَيْهِ الصَلاةَ والزَكاةَ. وقِيلَ: أرادُوا: قِراءَتُكَ، وقِيلَ: أرادُوا: أمَساجِدُكَ؟ وقِيلَ: أرادُوا: أدَعَواتُكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأقْرَبُ هَذِهِ الأقْوالِ الأوَّلُ والرابِعُ.

وجَعَلُوا "الأمْرَ" مَن فَعَلَ الصَلَواتِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن حَصَلَ في رُتْبَةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ فَفي الأكْثَرِ تَدْعُوهُ رُتَبُهُ إلى التَزَيُّدِ مِن ذَلِكَ النَوْعِ، فَمَعْنى هَذا: ألَمّا كُنْتَ مُصَلِّيًا تَجاوَزْتَ إلى ذَمِّ شَرْعِنا وحالِنا؟ فَكَأنَّ حالَهُ مِنَ الصَلاةِ جَسَّرَتْهُ عَلى ذَلِكَ، فَقِيلَ: أمَرَتْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الصَلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].

وقَوْلُهُمْ: ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ نَصٌّ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَفْعَلُ" و "نَشاءُ" بِنُونِ الجَماعَةِ فِيهِما، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ: "تَفْعَلُ" و "تَشاءُ" بِتاءِ المُخاطَبَةِ فِيهِما، ورُوِيَتْ عن أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نَفْعَلُ" بِالنُونِ. "ما تَشاءُ" بِالتاءِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَأمّا مَن قَرَأ بِالنُونِ فِيهِما فـَ "أنْ" الثانِيَةُ عَطْفٌ عَلى "ما" لا عَلى "أنْ" الأُولى؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ؟ وهَذا قَلْبُ ما قَصَدُوهُ، وأمّا مَن قَرَأ بِالتاءِ فِيهِما فَيَصِحُّ عَطْفُ "أنْ" الثانِيَةُ عَلى "أنْ" الأُولى، قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: ويَصِحُّ عَطْفُها عَلى "ما" ويَتِمُّ المَعْنى في الوَجْهَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَجِيءُ "نَتْرُكَ" في الأوَّلِ بِمَعْنى: نَرْفُضُ، وفي الثانِي بِمَعْنى: نُقَرِّرُ، فَيَتَعَذَّرُ عِنْدِي هَذا الوَجْهُ لِما ذَكَرْتُهُ مِن تَنَوُّعِ التَرْكِ عَلى الحُكْمِ اللَفْظِيِّ، أو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ؛ ألا تَرى أنَّ التَرْكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالنُونِ في الفِعْلَيْنِ إنَّما هو بِمَعْنى الرَفْضِ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ، وأمّا مَن قَرَأ بِالنُونِ في "نَفْعَلُ" والتاءِ في "تَشاءُ" فَـ "أنْ" مَعْطُوفَةٌ عَلى الأُولى، ولا يَجُوزُ أنْ تَنْعَطِفَ عَلى "ما" لِأنَّ المَعْنى أيْضًا يَنْقَلِبُ فَتُدَبِّرُهُ.

وظاهِرُ فِعْلِهِمْ هَذا الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ هو بَخْسُ الكَيْلِ والوَزْنِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ورُوِيَ أنَّ الإشارَةَ هي إلى قَرْضِهِمُ الدِينارَ والدِرْهَمَ وإجْراءَ ذَلِكَ مَعَ الصَحِيحِ عَلى جِهَةِ التَدْلِيسِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وغَيْرُهُ. ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: قَطَعُ الدَنانِيرِ والدَراهِمِ مِنَ الفَسادِ في …

88

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًۭا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...? And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allah. Upon him I have relied, and to Him I return.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أو أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَشِيدُ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عنهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾

قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أصَلَواتُكَ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "أصَلاتُكَ" بِالإفْرادِ، وكَذَلِكَ قَرَأ في التَوْبَةِ: إنَّ صَلاتَكَ، وفي (المُؤْمِنُونَ): "عَلى صَلاتِهِمْ"، كُلُّ ذَلِكَ بِالإفْرادِ. واخْتُلَفَ في مَعْنى الصَلاةِ هُنا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا الصَلَواتِ المَعْرُوفَةَ، ورُوِيَ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ كانَ أكْثَرَ الأنْبِياءِ صَلاةً، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبِيًّا إلّا فَرْضَ عَلَيْهِ الصَلاةَ والزَكاةَ. وقِيلَ: أرادُوا: قِراءَتُكَ، وقِيلَ: أرادُوا: أمَساجِدُكَ؟ وقِيلَ: أرادُوا: أدَعَواتُكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأقْرَبُ هَذِهِ الأقْوالِ الأوَّلُ والرابِعُ.

وجَعَلُوا "الأمْرَ" مَن فَعَلَ الصَلَواتِ عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَن حَصَلَ في رُتْبَةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ فَفي الأكْثَرِ تَدْعُوهُ رُتَبُهُ إلى التَزَيُّدِ مِن ذَلِكَ النَوْعِ، فَمَعْنى هَذا: ألَمّا كُنْتَ مُصَلِّيًا تَجاوَزْتَ إلى ذَمِّ شَرْعِنا وحالِنا؟ فَكَأنَّ حالَهُ مِنَ الصَلاةِ جَسَّرَتْهُ عَلى ذَلِكَ، فَقِيلَ: أمَرَتْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الصَلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].

وقَوْلُهُمْ: ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ نَصٌّ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَفْعَلُ" و "نَشاءُ" بِنُونِ الجَماعَةِ فِيهِما، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ قَيْسٍ: "تَفْعَلُ" و "تَشاءُ" بِتاءِ المُخاطَبَةِ فِيهِما، ورُوِيَتْ عن أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ: "نَفْعَلُ" بِالنُونِ. "ما تَشاءُ" بِالتاءِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَأمّا مَن قَرَأ بِالنُونِ فِيهِما فـَ "أنْ" الثانِيَةُ عَطْفٌ عَلى "ما" لا عَلى "أنْ" الأُولى؛ لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ؟ وهَذا قَلْبُ ما قَصَدُوهُ، وأمّا مَن قَرَأ بِالتاءِ فِيهِما فَيَصِحُّ عَطْفُ "أنْ" الثانِيَةُ عَلى "أنْ" الأُولى، قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: ويَصِحُّ عَطْفُها عَلى "ما" ويَتِمُّ المَعْنى في الوَجْهَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَجِيءُ "نَتْرُكَ" في الأوَّلِ بِمَعْنى: نَرْفُضُ، وفي الثانِي بِمَعْنى: نُقَرِّرُ، فَيَتَعَذَّرُ عِنْدِي هَذا الوَجْهُ لِما ذَكَرْتُهُ مِن تَنَوُّعِ التَرْكِ عَلى الحُكْمِ اللَفْظِيِّ، أو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ؛ ألا تَرى أنَّ التَرْكَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالنُونِ في الفِعْلَيْنِ إنَّما هو بِمَعْنى الرَفْضِ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ، وأمّا مَن قَرَأ بِالنُونِ في "نَفْعَلُ" والتاءِ في "تَشاءُ" فَـ "أنْ" مَعْطُوفَةٌ عَلى الأُولى، ولا يَجُوزُ أنْ تَنْعَطِفَ عَلى "ما" لِأنَّ المَعْنى أيْضًا يَنْقَلِبُ فَتُدَبِّرُهُ.

وظاهِرُ فِعْلِهِمْ هَذا الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ هو بَخْسُ الكَيْلِ والوَزْنِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ورُوِيَ أنَّ الإشارَةَ هي إلى قَرْضِهِمُ الدِينارَ والدِرْهَمَ وإجْراءَ ذَلِكَ مَعَ الصَحِيحِ عَلى جِهَةِ التَدْلِيسِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وغَيْرُهُ. ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ قالَ: قَطَعُ الدَنانِيرِ والدَراهِمِ مِنَ الفَسادِ في …

89

وَيَٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَٰلِحٍۢ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍۢ مِّنكُم بِبَعِيدٍۢ

And O my people, let not [your] dissension from me cause you to be struck by that similar to what struck the people of Noah or the people of Hud or the people of Salih. And the people of Lot are not from you far away.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمِ نُوحٍ أو قَوْمِ هُودٍ أو قَوْمِ صالِحٍ وما قَوْمِ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾

﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ مَعْناهُ: لا يَكْسِبْنَكُمْ، يُقالُ: جَرَّمَهُ كَذا وكَذا وأُجَرِّمُهُ إذا أكْسَبَهُ، كَما يُقالُ: كَسَبَ وأكْسَبَ بِمَعْنى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ولَقَدْ طَعنتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَجْرِمَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "يُجْرِمَنَّكُمْ" بِضَمِّها، و "شِقاقِي" مَعْناهُ: مُشاقَتِي وعَداوَتِي، و"أنْ" مُفَعْوَلَةٌ بِـ "يَجْرِمَنَّكُمْ". وكانَتْ قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ أقْرَبَ القِصَصِ عَهْدًا بِقِصَّةِ قَوْمِ شُعَيْبٍ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وما مَنازِلُ قَوْمِ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ في المَسافَةِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا القَوْلُ ضَرْبَ المَثَلِ لَهم بِقَوْمِ لُوطٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِثْلُ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ "يُصِيبْكُمْ"، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِثْلَ" بِالنَصْبِ؛ وذَلِكَ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ "مِثْلَ" فاعِلًا، وفَتْحَةُ اللامِ فَتْحَةَ بِناءٍ لِما أُضِيفَ لِغَيْرٍ مُتَمَكِّنٍ، فَإنَّ "مِثْلَ" قَدْ يَجْرِي مَجْرى الظُرُوفِ في هَذا البابِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا مَحْضًا، وإمّا أنْ يُقَدَّرَ الفاعِلُ مَحْذُوفًا يَقْتَضِيهِ المَعْنى، ويَكُونُ "مِثْلَ" مَنصُوبًا عَلى النَعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إصابَةُ مِثْلَ.

وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ الآيَةَ. تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذا مِن تَرْتِيبِ هَذا الِاسْتِغْفارِ قَبْلَ التَوْبَةِ، و "وَدُودٌ" مَعْناهُ أنَّ أفْعالَهُ ولُطْفَهُ بِعِبادِهِ لَمّا كانَتْ في غايَةِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ كانَتْ كَفِعْلِ مَن يَتَوَدَّدُ ويَوَدُّ المَصْنُوعَ لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ﴾ الآيَةَ. "نَفْقَهُ" مَعْناهُ: نَفْهَمُ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ قُرَيْشٍ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥]، ومَعْنى ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾: أيْ ما نَفْقَهُ صِحَّةَ قَوْلِكَ، وأمّا فِقْهُهم لَفْظَهُ ومَعْناهُ فَمُتَحَصِّلٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وشَرِيكٍ القاضِي في قَوْلِهِمْ: "ضَعِيفًا" أنَّهُ كانَ ضَرِيرَ البَصَرِ أعْمى، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأعْمى: ضَعِيفٌ، كَما يُقالُ لَهُ: ضَرِيرٌ، وقِيلَ: كانَ ناحِلَ البَدَنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ ولا تَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ بِضَعْفِ بَصَرِهِ أو بَدَنِهِ، والظاهِرُ مِن قَوْلِهِمْ: "ضَعِيفًا" أنَّهُ ضَعِيفُ الِانْتِصارِ والقُدْرَةِ، وأنَّ رَهْطَهُ الكَفَرَةَ كانُوا يُراعُونَ فِيهِ.

و الرَهْطُ: جَماعَةُ الرَجُلِ، ومِنهُ الراهِطاءُ؛ لِأنَّ اليَرْبُوعَ يَعْتَصِمُ بِهِ كَما يَفْعَلُ الرَجُلُ بِرَهْطِهِ. و "لَرَجَمْناكَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِالحِجارَةِ، وهو الظاهِرُ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: لَرَجَمْناكَ بِالسَبِّ، وبِهِ فَسَّرَ الطَبَرَيُّ، وهَذا أيْضًا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأرْجُمَنَّكَ …

90

وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌۭ وَدُودٌۭ

And ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. Indeed, my Lord is Merciful and Affectionate."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمِ نُوحٍ أو قَوْمِ هُودٍ أو قَوْمِ صالِحٍ وما قَوْمِ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾

﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ مَعْناهُ: لا يَكْسِبْنَكُمْ، يُقالُ: جَرَّمَهُ كَذا وكَذا وأُجَرِّمُهُ إذا أكْسَبَهُ، كَما يُقالُ: كَسَبَ وأكْسَبَ بِمَعْنى، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ولَقَدْ طَعنتَ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَجْرِمَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "يُجْرِمَنَّكُمْ" بِضَمِّها، و "شِقاقِي" مَعْناهُ: مُشاقَتِي وعَداوَتِي، و"أنْ" مُفَعْوَلَةٌ بِـ "يَجْرِمَنَّكُمْ". وكانَتْ قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ أقْرَبَ القِصَصِ عَهْدًا بِقِصَّةِ قَوْمِ شُعَيْبٍ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وما مَنازِلُ قَوْمِ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ في المَسافَةِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا القَوْلُ ضَرْبَ المَثَلِ لَهم بِقَوْمِ لُوطٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِثْلُ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ "يُصِيبْكُمْ"، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِثْلَ" بِالنَصْبِ؛ وذَلِكَ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ "مِثْلَ" فاعِلًا، وفَتْحَةُ اللامِ فَتْحَةَ بِناءٍ لِما أُضِيفَ لِغَيْرٍ مُتَمَكِّنٍ، فَإنَّ "مِثْلَ" قَدْ يَجْرِي مَجْرى الظُرُوفِ في هَذا البابِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا مَحْضًا، وإمّا أنْ يُقَدَّرَ الفاعِلُ مَحْذُوفًا يَقْتَضِيهِ المَعْنى، ويَكُونُ "مِثْلَ" مَنصُوبًا عَلى النَعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إصابَةُ مِثْلَ.

وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ الآيَةَ. تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذا مِن تَرْتِيبِ هَذا الِاسْتِغْفارِ قَبْلَ التَوْبَةِ، و "وَدُودٌ" مَعْناهُ أنَّ أفْعالَهُ ولُطْفَهُ بِعِبادِهِ لَمّا كانَتْ في غايَةِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ كانَتْ كَفِعْلِ مَن يَتَوَدَّدُ ويَوَدُّ المَصْنُوعَ لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ﴾ الآيَةَ. "نَفْقَهُ" مَعْناهُ: نَفْهَمُ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ قُرَيْشٍ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥]، ومَعْنى ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾: أيْ ما نَفْقَهُ صِحَّةَ قَوْلِكَ، وأمّا فِقْهُهم لَفْظَهُ ومَعْناهُ فَمُتَحَصِّلٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وشَرِيكٍ القاضِي في قَوْلِهِمْ: "ضَعِيفًا" أنَّهُ كانَ ضَرِيرَ البَصَرِ أعْمى، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ حِمْيَرَ تَقُولُ لِلْأعْمى: ضَعِيفٌ، كَما يُقالُ لَهُ: ضَرِيرٌ، وقِيلَ: كانَ ناحِلَ البَدَنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ ولا تَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ بِضَعْفِ بَصَرِهِ أو بَدَنِهِ، والظاهِرُ مِن قَوْلِهِمْ: "ضَعِيفًا" أنَّهُ ضَعِيفُ الِانْتِصارِ والقُدْرَةِ، وأنَّ رَهْطَهُ الكَفَرَةَ كانُوا يُراعُونَ فِيهِ.

و الرَهْطُ: جَماعَةُ الرَجُلِ، ومِنهُ الراهِطاءُ؛ لِأنَّ اليَرْبُوعَ يَعْتَصِمُ بِهِ كَما يَفْعَلُ الرَجُلُ بِرَهْطِهِ. و "لَرَجَمْناكَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِالحِجارَةِ، وهو الظاهِرُ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ: لَرَجَمْناكَ بِالسَبِّ، وبِهِ فَسَّرَ الطَبَرَيُّ، وهَذا أيْضًا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأرْجُمَنَّكَ …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.