Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 71–80 of 123

71

وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌۭ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَٰهَا بِإِسْحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَٰقَ يَعْقُوبَ

And his Wife was standing, and she smiled. Then We gave her good tidings of Isaac and after Isaac, Jacob.

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ﴾ ﴿قالَتْ يا ويْلَتا ءاَلِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (قَدْ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]

صفحة ١١٦

والغَرَضُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ هو المَوْعِظَةُ بِمَصِيرِ قَوْمِ لُوطٍ إذْ عَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَحَلَّ بِهِمُ العَذابُ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم مُجادَلَةُ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ لِذَلِكَ ولِلتَّنْوِيهِ بِمَقامِهِ عِنْدَ رَبِّهِ عَلى وجْهِ الإدْماجِ، ولِذَلِكَ غُيِّرَ أُسْلُوبُ الحِكايَةِ في القَصَصِ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها نَحْوَ (وإلى عادٍ) إلَخْ.

والرُّسُلُ: المَلائِكَةُ. قالَ - تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]

والبُشْرى: اسْمٌ لِلتَّبْشِيرِ والبِشارَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. هَذِهِ البُشْرى هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ لِأنَّ بِشارَةَ زَوْجِهِ بِابْنٍ بِشارَةٌ لَهُ أيْضًا.

والباءُ في (بِالبُشْرى) لِلْمُصاحَبَةِ لِأنَّهم جاءُوا لِأجْلِ البُشْرى فَهي مُصاحِبَةٌ لَهم كَمُصاحَبَةِ الرِّسالَةِ لِلْمُرْسَلِ بِها.

وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سَلامًا﴾ في مَوْضِعِ البَيانِ لِلْبُشْرى؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ مَبْدَأُ البُشْرى، وإنَّ ما اعْتُرِضَ بَيْنَها حِكايَةُ أحْوالٍ، وقَدِ انْتَهى إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾

والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

و(سَلامًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وقَعَ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ. والتَّقْدِيرُ: سَلَّمْنا سَلامًا.

و(سَلامٌ) المَرْفُوعُ مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، أيْ لَكم، مِثْلَ (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) . ورَفْعُ المَصْدَرِ أبْلَغُ مِن نَصْبِهِ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ فِيهِ تَنامِي مَعْنى الفِعْلِ فَهو أدَلُّ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ. ولِذَلِكَ خالَفَ بَيْنَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَدَّ السَّلامَ بِعِبارَةٍ أحْسَنَ مِن عِبارَةِ الرُّسُلِ زِيادَةً في الإكْرامِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَيّا الخَلِيلُ بِأحْسَنِ مِمّا حُيِّيَ بِهِ، أيْ نَظَرًا إلى الأدَبِ الإلَهِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ لَنا في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦]

صفحة ١١٧

فَحُكِيَ ذَلِكَ بِأوْجَزِ لَفْظٍ في العَرَبِيَّةِ أداءً لِمَعْنى كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الكَلْدانِيَّةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿قالَ سَلامٌ﴾ - بِفَتْحِ السِّينِ وبِألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - . وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (قالَ سِلْمٌ) - بِكَسْرِ السِّينِ وبِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - وهو اسْمُ المُسالَمَةِ. وسُمِّيَتْ بِهِ التَّحِيَّةُ كَما سُمِّيَتْ بِمُرادِفِهِ (سَلامٌ) فَهو مِن …

72

قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌۭ وَهَٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌۭ

She said, "Woe to me! Shall I give birth while I am an old woman and this, my husband, is an old man? Indeed, this is an amazing thing!"

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ﴾ ﴿قالَتْ يا ويْلَتا ءاَلِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (قَدْ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]

صفحة ١١٦

والغَرَضُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ هو المَوْعِظَةُ بِمَصِيرِ قَوْمِ لُوطٍ إذْ عَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَحَلَّ بِهِمُ العَذابُ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم مُجادَلَةُ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ لِذَلِكَ ولِلتَّنْوِيهِ بِمَقامِهِ عِنْدَ رَبِّهِ عَلى وجْهِ الإدْماجِ، ولِذَلِكَ غُيِّرَ أُسْلُوبُ الحِكايَةِ في القَصَصِ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها نَحْوَ (وإلى عادٍ) إلَخْ.

والرُّسُلُ: المَلائِكَةُ. قالَ - تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]

والبُشْرى: اسْمٌ لِلتَّبْشِيرِ والبِشارَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. هَذِهِ البُشْرى هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ لِأنَّ بِشارَةَ زَوْجِهِ بِابْنٍ بِشارَةٌ لَهُ أيْضًا.

والباءُ في (بِالبُشْرى) لِلْمُصاحَبَةِ لِأنَّهم جاءُوا لِأجْلِ البُشْرى فَهي مُصاحِبَةٌ لَهم كَمُصاحَبَةِ الرِّسالَةِ لِلْمُرْسَلِ بِها.

وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سَلامًا﴾ في مَوْضِعِ البَيانِ لِلْبُشْرى؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ مَبْدَأُ البُشْرى، وإنَّ ما اعْتُرِضَ بَيْنَها حِكايَةُ أحْوالٍ، وقَدِ انْتَهى إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾

والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

و(سَلامًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وقَعَ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ. والتَّقْدِيرُ: سَلَّمْنا سَلامًا.

و(سَلامٌ) المَرْفُوعُ مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، أيْ لَكم، مِثْلَ (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) . ورَفْعُ المَصْدَرِ أبْلَغُ مِن نَصْبِهِ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ فِيهِ تَنامِي مَعْنى الفِعْلِ فَهو أدَلُّ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ. ولِذَلِكَ خالَفَ بَيْنَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَدَّ السَّلامَ بِعِبارَةٍ أحْسَنَ مِن عِبارَةِ الرُّسُلِ زِيادَةً في الإكْرامِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَيّا الخَلِيلُ بِأحْسَنِ مِمّا حُيِّيَ بِهِ، أيْ نَظَرًا إلى الأدَبِ الإلَهِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ لَنا في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦]

صفحة ١١٧

فَحُكِيَ ذَلِكَ بِأوْجَزِ لَفْظٍ في العَرَبِيَّةِ أداءً لِمَعْنى كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الكَلْدانِيَّةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿قالَ سَلامٌ﴾ - بِفَتْحِ السِّينِ وبِألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - . وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (قالَ سِلْمٌ) - بِكَسْرِ السِّينِ وبِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - وهو اسْمُ المُسالَمَةِ. وسُمِّيَتْ بِهِ التَّحِيَّةُ كَما سُمِّيَتْ بِمُرادِفِهِ (سَلامٌ) فَهو مِن …

73

قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌۭ مَّجِيدٌۭ

They said, "Are you amazed at the decree of Allah? May the mercy of Allah and His blessings be upon you, people of the house. Indeed, He is Praiseworthy and Honorable."

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ﴾ ﴿قالَتْ يا ويْلَتا ءاَلِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (قَدْ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]

صفحة ١١٦

والغَرَضُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ هو المَوْعِظَةُ بِمَصِيرِ قَوْمِ لُوطٍ إذْ عَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَحَلَّ بِهِمُ العَذابُ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم مُجادَلَةُ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ لِذَلِكَ ولِلتَّنْوِيهِ بِمَقامِهِ عِنْدَ رَبِّهِ عَلى وجْهِ الإدْماجِ، ولِذَلِكَ غُيِّرَ أُسْلُوبُ الحِكايَةِ في القَصَصِ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها نَحْوَ (وإلى عادٍ) إلَخْ.

والرُّسُلُ: المَلائِكَةُ. قالَ - تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]

والبُشْرى: اسْمٌ لِلتَّبْشِيرِ والبِشارَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. هَذِهِ البُشْرى هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ لِأنَّ بِشارَةَ زَوْجِهِ بِابْنٍ بِشارَةٌ لَهُ أيْضًا.

والباءُ في (بِالبُشْرى) لِلْمُصاحَبَةِ لِأنَّهم جاءُوا لِأجْلِ البُشْرى فَهي مُصاحِبَةٌ لَهم كَمُصاحَبَةِ الرِّسالَةِ لِلْمُرْسَلِ بِها.

وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سَلامًا﴾ في مَوْضِعِ البَيانِ لِلْبُشْرى؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ مَبْدَأُ البُشْرى، وإنَّ ما اعْتُرِضَ بَيْنَها حِكايَةُ أحْوالٍ، وقَدِ انْتَهى إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾

والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

و(سَلامًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وقَعَ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ. والتَّقْدِيرُ: سَلَّمْنا سَلامًا.

و(سَلامٌ) المَرْفُوعُ مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، أيْ لَكم، مِثْلَ (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) . ورَفْعُ المَصْدَرِ أبْلَغُ مِن نَصْبِهِ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ فِيهِ تَنامِي مَعْنى الفِعْلِ فَهو أدَلُّ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ. ولِذَلِكَ خالَفَ بَيْنَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَدَّ السَّلامَ بِعِبارَةٍ أحْسَنَ مِن عِبارَةِ الرُّسُلِ زِيادَةً في الإكْرامِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَيّا الخَلِيلُ بِأحْسَنِ مِمّا حُيِّيَ بِهِ، أيْ نَظَرًا إلى الأدَبِ الإلَهِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ لَنا في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦]

صفحة ١١٧

فَحُكِيَ ذَلِكَ بِأوْجَزِ لَفْظٍ في العَرَبِيَّةِ أداءً لِمَعْنى كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الكَلْدانِيَّةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿قالَ سَلامٌ﴾ - بِفَتْحِ السِّينِ وبِألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - . وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (قالَ سِلْمٌ) - بِكَسْرِ السِّينِ وبِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - وهو اسْمُ المُسالَمَةِ. وسُمِّيَتْ بِهِ التَّحِيَّةُ كَما سُمِّيَتْ بِمُرادِفِهِ (سَلامٌ) فَهو مِن …

74

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ

And when the fright had left Abraham and the good tidings had reached him, he began to argue with Us concerning the people of Lot.

صفحة ١٢٣

﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جا أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾

التَّعْرِيفُ في الرَّوْعِ وفي البُشْرى تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ، وهُما المَذْكُورانِ آنِفًا، فالرَّوْعُ: مُرادِفُ الخِيفَةِ.

وقَوْلُهُ: (يُجادِلُنا) هو جَوابٌ لِما صِيغَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] . والمُجادَلَةُ: المُحاوَرَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ في عِقابِ قَوْمِ لُوطٍ. وهَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِاسْمِ الذّاتِ، والمُرادُ حالٌ مِن أحْوالِها يُعَيِّنُهُ المَقامُ، كَقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أيْ أكْلُها.

والمُجادَلَةُ هُنا: دُعاءٌ ومُناجاةٌ سَألَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَبَّهُ العَفْوَ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ خَشْيَةَ إهْلاكِ المُؤْمِنِينَ مِنهم.

وقَدْ تَكُونُ المُجادَلَةُ مَعَ المَلائِكَةِ. وعُدِّيَتْ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن جِدالِ المَلائِكَةِ التَّعَرُّضُ إلى أمْرِ اللَّهِ بِصَرْفِ العَذابِ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ.

والحَلِيمُ المَوْصُوفُ بِالحِلْمِ وهو صِفَةٌ تَقْتَضِي الصَّفْحَ واحْتِمالَ الأذى.

والأوّاهُ أصْلُهُ الَّذِي يُكْثِرُ التَّأوُّهَ، وهو قَوْلُ: أوِّهِ. وأوِّهِ: اسْمُ فِعْلٍ نائِبٍ مَنابَ أتَوَجَّعُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ اهْتِمامِهِ بِهُمُومِ النّاسِ.

صفحة ١٢٤

والمُنِيبُ مَن أنابَ إذا رَجَعَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّوْبِ وهو النُّزُولُ. والمُرادُ التَّوْبَةُ مِنَ التَّقْصِيرِ، أيْ مُحاسِبٌ نَفْسَهُ عَلى ما يَحْذَرُ مِنهُ.

وحَقِيقَةُ الإنابَةِ: الرُّجُوعُ إلى الشَّيْءِ بَعْدَ مُفارَقَتِهِ وتَرْكِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ مَقُولُ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ وهو مِن بَدِيعِ الإيجازِ، وهو وحْيٌ مِنَ اللَّهِ إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أوْ جَوابُ المَلائِكَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَإذا كانَ مِن كَلامِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِإدْخالِ الرَّوْعِ في ضَمِيرِ السّامِعِ.

وأمْرُ اللَّهِ قَضاؤُهُ، أيْ أمْرُ تَكْوِينِهِ.

75

إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌۭ مُّنِيبٌۭ

Indeed, Abraham was forbearing, grieving and [frequently] returning [to Allah].

صفحة ١٢٣

﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جا أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾

التَّعْرِيفُ في الرَّوْعِ وفي البُشْرى تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ، وهُما المَذْكُورانِ آنِفًا، فالرَّوْعُ: مُرادِفُ الخِيفَةِ.

وقَوْلُهُ: (يُجادِلُنا) هو جَوابٌ لِما صِيغَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] . والمُجادَلَةُ: المُحاوَرَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ في عِقابِ قَوْمِ لُوطٍ. وهَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِاسْمِ الذّاتِ، والمُرادُ حالٌ مِن أحْوالِها يُعَيِّنُهُ المَقامُ، كَقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أيْ أكْلُها.

والمُجادَلَةُ هُنا: دُعاءٌ ومُناجاةٌ سَألَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَبَّهُ العَفْوَ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ خَشْيَةَ إهْلاكِ المُؤْمِنِينَ مِنهم.

وقَدْ تَكُونُ المُجادَلَةُ مَعَ المَلائِكَةِ. وعُدِّيَتْ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن جِدالِ المَلائِكَةِ التَّعَرُّضُ إلى أمْرِ اللَّهِ بِصَرْفِ العَذابِ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ.

والحَلِيمُ المَوْصُوفُ بِالحِلْمِ وهو صِفَةٌ تَقْتَضِي الصَّفْحَ واحْتِمالَ الأذى.

والأوّاهُ أصْلُهُ الَّذِي يُكْثِرُ التَّأوُّهَ، وهو قَوْلُ: أوِّهِ. وأوِّهِ: اسْمُ فِعْلٍ نائِبٍ مَنابَ أتَوَجَّعُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ اهْتِمامِهِ بِهُمُومِ النّاسِ.

صفحة ١٢٤

والمُنِيبُ مَن أنابَ إذا رَجَعَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّوْبِ وهو النُّزُولُ. والمُرادُ التَّوْبَةُ مِنَ التَّقْصِيرِ، أيْ مُحاسِبٌ نَفْسَهُ عَلى ما يَحْذَرُ مِنهُ.

وحَقِيقَةُ الإنابَةِ: الرُّجُوعُ إلى الشَّيْءِ بَعْدَ مُفارَقَتِهِ وتَرْكِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ مَقُولُ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ وهو مِن بَدِيعِ الإيجازِ، وهو وحْيٌ مِنَ اللَّهِ إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أوْ جَوابُ المَلائِكَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَإذا كانَ مِن كَلامِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِإدْخالِ الرَّوْعِ في ضَمِيرِ السّامِعِ.

وأمْرُ اللَّهِ قَضاؤُهُ، أيْ أمْرُ تَكْوِينِهِ.

76

يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍۢ

[The angels said], "O Abraham, give up this [plea]. Indeed, the command of your Lord has come, and indeed, there will reach them a punishment that cannot be repelled."

صفحة ١٢٣

﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جا أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾

التَّعْرِيفُ في الرَّوْعِ وفي البُشْرى تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ، وهُما المَذْكُورانِ آنِفًا، فالرَّوْعُ: مُرادِفُ الخِيفَةِ.

وقَوْلُهُ: (يُجادِلُنا) هو جَوابٌ لِما صِيغَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] . والمُجادَلَةُ: المُحاوَرَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ في عِقابِ قَوْمِ لُوطٍ. وهَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِاسْمِ الذّاتِ، والمُرادُ حالٌ مِن أحْوالِها يُعَيِّنُهُ المَقامُ، كَقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أيْ أكْلُها.

والمُجادَلَةُ هُنا: دُعاءٌ ومُناجاةٌ سَألَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَبَّهُ العَفْوَ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ خَشْيَةَ إهْلاكِ المُؤْمِنِينَ مِنهم.

وقَدْ تَكُونُ المُجادَلَةُ مَعَ المَلائِكَةِ. وعُدِّيَتْ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن جِدالِ المَلائِكَةِ التَّعَرُّضُ إلى أمْرِ اللَّهِ بِصَرْفِ العَذابِ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ.

والحَلِيمُ المَوْصُوفُ بِالحِلْمِ وهو صِفَةٌ تَقْتَضِي الصَّفْحَ واحْتِمالَ الأذى.

والأوّاهُ أصْلُهُ الَّذِي يُكْثِرُ التَّأوُّهَ، وهو قَوْلُ: أوِّهِ. وأوِّهِ: اسْمُ فِعْلٍ نائِبٍ مَنابَ أتَوَجَّعُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ اهْتِمامِهِ بِهُمُومِ النّاسِ.

صفحة ١٢٤

والمُنِيبُ مَن أنابَ إذا رَجَعَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّوْبِ وهو النُّزُولُ. والمُرادُ التَّوْبَةُ مِنَ التَّقْصِيرِ، أيْ مُحاسِبٌ نَفْسَهُ عَلى ما يَحْذَرُ مِنهُ.

وحَقِيقَةُ الإنابَةِ: الرُّجُوعُ إلى الشَّيْءِ بَعْدَ مُفارَقَتِهِ وتَرْكِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ مَقُولُ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ وهو مِن بَدِيعِ الإيجازِ، وهو وحْيٌ مِنَ اللَّهِ إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أوْ جَوابُ المَلائِكَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَإذا كانَ مِن كَلامِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِإدْخالِ الرَّوْعِ في ضَمِيرِ السّامِعِ.

وأمْرُ اللَّهِ قَضاؤُهُ، أيْ أمْرُ تَكْوِينِهِ.

77

وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًۭا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌۭ

And when Our messengers, [the angels], came to Lot, he was anguished for them and felt for them great discomfort and said, "This is a trying day."

﴿ولِما جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾

قَدْ عُلِمَ أنَّ المَلائِكَةَ ذاهِبُونَ إلى قَوْمِ لُوطٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] . فالتَّقْدِيرُ: فَفارَقُوا إبْراهِيمَ وذَهَبُوا إلى لُوطٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَلَمّا جاءُوا لُوطًا، فَحَذَفَ ما دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ إيجازًا قُرْآنِيًّا بَدِيعًا.

وقَدْ جاءُوا لُوطًا كَما جاءُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ في صُورَةِ البَشَرِ، فَظَنَّهم ناسًا وخَشِيَ أنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهِمْ قَوْمُهُ بِعادَتِهِمُ الشَّنِيعَةِ، فَلِذَلِكَ سِيءَ بِهِمْ.

ومَعْنى ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ ضاقَ ذَرْعَهُ بِسَبَبِهِمْ، أيْ بِسَبَبِ مَجِيئِهِمْ فَحَوَّلَ الإسْنادَ إلى المُضافِ إلَيْهِ وجَعَلَ المُسْنَدَ إلَيْهِ تَمْيِيزًا لِأنَّ إسْنادَ الضِّيقِ إلى صاحِبِ الذَّرْعِ أنْسَبُ بِالمَعْنى المَجازِيِّ، وهو أشْبَهُ بِتَجْرِيدِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ.

والذَّرْعُ: مَدُّ الذِّراعِ فَإذا أُسْنِدَ إلى الآدَمِيِّ فَهو تَقْدِيرُ المَسافَةِ. وإذا أُسْنِدَ إلى البَعِيرِ فَهو مَدُّ ذِراعَيْهِ في السَّيْرِ عَلى قَدْرِ سَعَةِ خُطْوَتِهِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ضاقَ ذَرْعًا

صفحة ١٢٥

تَمْثِيلًا بِحالِ الإنْسانِ الَّذِي يُرِيدُ مَدَّ ذِراعِهِ فَلا يَسْتَطِيعُ مَدَّها كَما يُرِيدُ فَيَكُونُ ذَرْعُهُ أضْيَقَ مِن مُعْتادِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا بِحالِ البَعِيرِ المُثْقَلِ بِالحِمْلِ أكْثَرَ مِن طاقَتِهِ فَلا يَسْتَطِيعُ مَدَّ ذِراعَيْهِ كَما اعْتادَهُ. وأيًّا ما كانَ فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِحالِ مَن لَمْ يَجِدْ حِيلَةً في أمْرٍ يُرِيدُ عَمَلَهُ بِحالِ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ مَدَّ ذِراعِهِ كَما يَشاءُ.

وقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ قالَهُ في نَفْسِهِ كَما يُناجِي المَرْءُ نَفْسَهُ إذا اشْتَدَّ عَلَيْهِ أمْرٌ.

والعَصِيبُ: الشَّدِيدُ فِيما لا يُرْضِي. يُقالُ: يَوْمٌ عَصِيبٌ إذا حَدَثَ فِيهِ أمْرٌ عَظِيمٌ مِن أحْوالِ النّاسِ أوْ أحْوالِ الجَوِّ كَشِدَّةِ البَرْدِ وشِدَّةِ الحَرِّ. وهو بِزِنَةِ فَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ ولا يُعْرَفُ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ وإنَّما يُقالُ: اعْصَوْصَبَ الشَّرُّ اشْتَدَّ. قالُوا: هو مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِكَ: عَصَبْتَ الشَّيْءَ إذا شَدَدْتَهُ. وأصْلُ هَذِهِ المادَّةِ يُفِيدُ الشَّدَّ والضَّغْطَ، يُقالُ: عَصَبَ الشَّيْءَ إذا لَواهُ، ومِنهُ العِصابَةُ. ويُقالُ: عَصَبَتْهُمُ السُّنُونُ إذا أجاعَتْهم. ولَمْ أقِفْ عَلى فِعْلٍ مُجَرَّدٍ لِوَصْفِ اليَوْمِ بِعَصِيبٍ. وأرادَ: أنَّهُ سَيَكُونُ عَصِيبًا لِما يَعْلَمُ مِن عادَةِ قَوْمِهِ السَّيِّئَةِ وهو مُقْتَضٍ أنَّهم جاءُوهُ نَهارًا.

ومِن بَدِيعِ تَرْتِيبِ هَذِهِ الجُمَلِ أنَّها جاءَتْ عَلى تَرْتِيبِ حُصُولِها في الوُجُودِ، فَإنَّ أوَّلَ ما يَسْبِقُ إلى نَفْسِ الكارِهِ لِلْأمْرِ أنْ يُساءَ بِهِ ويَتَطَلَّبُ المُخَلِّصَ مِنهُ، فَإذا عَلِمَ أنَّهُ لا مُخَلِّصَ مِنهُ ضاقَ بِهِ ذَرْعًا، ثُمَّ يُصْدِرُ تَعْبِيرًا عَنِ المَعانِي وتَرْتِيبًا عَنْهُ كَلامًا يُرِيحُ بِهِ نَفْسَهُ.

وتَصْلُحُ هَذِهِ الآيَةُ لِأنْ تَكُونَ مِثالًا لِإنْشاءِ المُنْشِئِ إنْشاءَهُ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِ الحُصُولِ في نَفْسِ الأمْرِ، هَذا أصْلُ الإنْشاءِ ما لَمْ تَكُنْ في الكَلامِ دَواعِي التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ودَواعِي الحَذْفِ والزِّيادَةِ.

78

وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌۭ

And his people came hastening to him, and before [this] they had been doing evil deeds. He said, "O my people, these are my daughters; they are purer for you. So fear Allah and do not disgrace me concerning my guests. Is there not among you a man of reason?"

صفحة ١٢٦

﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِيَ ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾

أيْ جاءَهُ بَعْضُ قَوْمِهِ. وإنَّما أُسْنِدَ المَجِيءُ إلى القَوْمِ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ المَجِيءِ دَأْبُهم وقَدْ تَمالَئُوا عَلى مِثْلِهِ، فَإذا جاءَ بَعْضُهم فَسَيَعْقُبُهُ مَجِيءُ بَعْضٍ آخَرَ في وقْتٍ آخَرَ. وهَذا مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى القَبِيلَةِ إذا فَعَلَهُ بَعْضُهُما، كَقَوْلِ الحارِثِ ابْنِ وعْلَةَ الجَرْمِيِّ:

قَوْمِي هم قَتَلُوا أُمَيْمَةَ أخِي فَإذا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي

ويُهْرَعُونَ - بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ - فَسَّرُوهُ بِالمَشْيِ الشَّبِيهِ بِمَشْيِ المَدْفُوعِ، وهو بَيْنَ الخَبَبِ والجَمْزِ، فَهو لا يَكُونُ إلّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ أصْلَهُ مَشْيُ الأسِيرِ الَّذِي يُسْرَعُ بِهِ. وهَذا البِناءُ يَقْتَضِي أنَّ الهَرْعَ هو دَفْعُ الماشِي حِينَ مَشْيِهِ. إلّا أنَّ ذَلِكَ تُنُوسِيَ وبَقِيَ أهْرَعَ بِمَعْنى سارَ سَيْرًا كَسَيْرِ المَدْفُوعِ، ولِذَلِكَ قالَ جَمْعٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّهُ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي التَزَمُوا فِيها صِيغَةَ المَفْعُولِ لِأنَّها في الأصْلِ مُسْنَدَةٌ إلى فاعِلٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ. وفَسَّرَهُ في الصِّحاحِ والقامُوسِ بِأنَّهُ الِارْتِعادُ مِن غَضَبٍ أوْ خَوْفٍ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَجُمْلَةُ يُهْرَعُونَ حالٌ.

وقَدْ طَوى القُرْآنُ ذِكْرَ الغَرَضِ الَّذِي جاءُوا لِأجْلِهِ مَعَ الإشارَةِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ فَقَدْ صارَتْ لَهم دَأْبًا لا يَسْعَوْنَ إلّا لِأجْلِهِ.

وجُمْلَةُ قالَ يا قَوْمِ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ جُمْلَةِ ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ﴾، إذْ قَدْ عَلِمَ السّامِعُ غَرَضَهم مِن مَجِيئِهِمْ، فَهو بِحَيْثُ يَسْألُ عَمّا تَلَقّاهم بِهِ.

وبادَرَهم لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ . وافْتِتاحُ الكَلامِ بِالنِّداءِ وبِأنَّهم قَوْمُهُ تَرْقِيقٌ لِنُفُوسِهِمْ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ تَصَلُّبَهم في عادَتِهِمُ الفَظِيعَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾، كَما سَيَأْتِي.

صفحة ١٢٧

والإشارَةُ بِـ (هَؤُلاءِ) إلى (بَناتِي) . و(بَناتِي) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، والإشارَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في العَرْضِ، والتَّقْدِيرُ: فَخُذُوهُنَّ.

وجُمْلَةُ ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْعَرْضِ. ومَعْنى (﴿هُنَّ أطْهَرُ﴾) أنَّهُنَّ حَلالٌ لَكم يَحُلْنَ بَيْنَكم وبَيْنَ الفاحِشَةِ، فاسْمُ التَّفْضِيلِ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ قُصِدَ بِهِ قُوَّةُ الطَّهارَةِ.

و(هَؤُلاءِ) إشارَةٌ إلى جَمْعٍ، إذْ بُيِّنَ بِقَولِهِ: بَناتِي

وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا ابْنَتانِ، فالظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَ البَناتِ هُنا مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ هَؤُلاءِ نِساؤُهُنَّ كَبَناتِي. وأرادَ نِساءً مِن قَوْمِهِ بِعَدَدِ القَوْمِ الَّذِينَ جاءُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ. وهَذا مَعْنى ما فَسَّرَ بِهِ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وهو المُناسِبُ لِجَعْلِهِنَّ لِقَوْمِهِ إذْ قالَ ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾، فَإنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ حَضَرُوا عِنْدَهُ كَثِيرُونَ، فَيَكُونُ المَعْنى: هَؤُلاءِ النِّساءُ فَتَزَوَّجُوهُنَّ. وهَذا أحْسَنُ المَحامِلِ.

وقِيلَ: أرادَ بَناتِ صُلْبِهِ، وهو رِوايَةٌ عَنْ قَتادَةَ. وإذْ كانَ المَشْهُورُ أنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ ابْنَتانِ صارَ …

79

قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّۢ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ

They said, "You have already known that we have not concerning your daughters any claim, and indeed, you know what we want."

صفحة ١٢٦

﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِيَ ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾

أيْ جاءَهُ بَعْضُ قَوْمِهِ. وإنَّما أُسْنِدَ المَجِيءُ إلى القَوْمِ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ المَجِيءِ دَأْبُهم وقَدْ تَمالَئُوا عَلى مِثْلِهِ، فَإذا جاءَ بَعْضُهم فَسَيَعْقُبُهُ مَجِيءُ بَعْضٍ آخَرَ في وقْتٍ آخَرَ. وهَذا مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى القَبِيلَةِ إذا فَعَلَهُ بَعْضُهُما، كَقَوْلِ الحارِثِ ابْنِ وعْلَةَ الجَرْمِيِّ:

قَوْمِي هم قَتَلُوا أُمَيْمَةَ أخِي فَإذا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي

ويُهْرَعُونَ - بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ - فَسَّرُوهُ بِالمَشْيِ الشَّبِيهِ بِمَشْيِ المَدْفُوعِ، وهو بَيْنَ الخَبَبِ والجَمْزِ، فَهو لا يَكُونُ إلّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ أصْلَهُ مَشْيُ الأسِيرِ الَّذِي يُسْرَعُ بِهِ. وهَذا البِناءُ يَقْتَضِي أنَّ الهَرْعَ هو دَفْعُ الماشِي حِينَ مَشْيِهِ. إلّا أنَّ ذَلِكَ تُنُوسِيَ وبَقِيَ أهْرَعَ بِمَعْنى سارَ سَيْرًا كَسَيْرِ المَدْفُوعِ، ولِذَلِكَ قالَ جَمْعٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّهُ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي التَزَمُوا فِيها صِيغَةَ المَفْعُولِ لِأنَّها في الأصْلِ مُسْنَدَةٌ إلى فاعِلٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ. وفَسَّرَهُ في الصِّحاحِ والقامُوسِ بِأنَّهُ الِارْتِعادُ مِن غَضَبٍ أوْ خَوْفٍ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَجُمْلَةُ يُهْرَعُونَ حالٌ.

وقَدْ طَوى القُرْآنُ ذِكْرَ الغَرَضِ الَّذِي جاءُوا لِأجْلِهِ مَعَ الإشارَةِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ فَقَدْ صارَتْ لَهم دَأْبًا لا يَسْعَوْنَ إلّا لِأجْلِهِ.

وجُمْلَةُ قالَ يا قَوْمِ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ جُمْلَةِ ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ﴾، إذْ قَدْ عَلِمَ السّامِعُ غَرَضَهم مِن مَجِيئِهِمْ، فَهو بِحَيْثُ يَسْألُ عَمّا تَلَقّاهم بِهِ.

وبادَرَهم لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ . وافْتِتاحُ الكَلامِ بِالنِّداءِ وبِأنَّهم قَوْمُهُ تَرْقِيقٌ لِنُفُوسِهِمْ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ تَصَلُّبَهم في عادَتِهِمُ الفَظِيعَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾، كَما سَيَأْتِي.

صفحة ١٢٧

والإشارَةُ بِـ (هَؤُلاءِ) إلى (بَناتِي) . و(بَناتِي) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، والإشارَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في العَرْضِ، والتَّقْدِيرُ: فَخُذُوهُنَّ.

وجُمْلَةُ ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْعَرْضِ. ومَعْنى (﴿هُنَّ أطْهَرُ﴾) أنَّهُنَّ حَلالٌ لَكم يَحُلْنَ بَيْنَكم وبَيْنَ الفاحِشَةِ، فاسْمُ التَّفْضِيلِ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ قُصِدَ بِهِ قُوَّةُ الطَّهارَةِ.

و(هَؤُلاءِ) إشارَةٌ إلى جَمْعٍ، إذْ بُيِّنَ بِقَولِهِ: بَناتِي

وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا ابْنَتانِ، فالظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَ البَناتِ هُنا مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ هَؤُلاءِ نِساؤُهُنَّ كَبَناتِي. وأرادَ نِساءً مِن قَوْمِهِ بِعَدَدِ القَوْمِ الَّذِينَ جاءُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ. وهَذا مَعْنى ما فَسَّرَ بِهِ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وهو المُناسِبُ لِجَعْلِهِنَّ لِقَوْمِهِ إذْ قالَ ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾، فَإنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ حَضَرُوا عِنْدَهُ كَثِيرُونَ، فَيَكُونُ المَعْنى: هَؤُلاءِ النِّساءُ فَتَزَوَّجُوهُنَّ. وهَذا أحْسَنُ المَحامِلِ.

وقِيلَ: أرادَ بَناتِ صُلْبِهِ، وهو رِوايَةٌ عَنْ قَتادَةَ. وإذْ كانَ المَشْهُورُ أنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ ابْنَتانِ صارَ …

80

قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍۢ شَدِيدٍۢ

He said, "If only I had against you some power or could take refuge in a strong support."

﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾

فُصِلَتْ جُمْلَةُ (قالُوا) عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِوُقُوعِها مَوْقِعَ المُحاوَرَةِ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

و(لَقَدْ عَلِمْتَ) تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِ يَعْلَمُ، فَأُكِّدَ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّهُ يَعْلَمُ لِأنَّ حالَهُ في عَرْضِهِ بَناتِهِ عَلَيْهِمْ كَحالِ مَن لا يَعْلَمُ خُلُقَهم، وكَذَلِكَ التَّوْكِيدُ في ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]، وكِلا الخَبَرَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ فائِدَةِ الخَبَرِ، أيْ نَحْنُ نَعْلَمُ أنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ ما لَنا رَغْبَةٌ في بَناتِكَ وإنَّكَ تَعْلَمُ مُرادَنا.

صفحة ١٣٠

ومِثْلُهُ قَوْلُهُ حِكايَةً عَنْ قَوْمِ إبْراهِيمَ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]

و(ما) الأُولى نافِيَةٌ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ عَنِ العَمَلِ، و(ما) الثّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ.

والحَقُّ: ما يَحِقُّ، أيْ يَجِبُ لِأحَدٍ أوْ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: لَهُ حَقٌّ في كَذا، إذا كانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ، ويُقالُ: ما لَهُ حَقٌّ في كَذا بِمَعْنى لا يَسْتَحِقُّهُ، فالظّاهِرُ أنَّهُ أُطْلِقَ هُنا كِنايَةً عَنْ عَدَمِ التَّعَلُّقِ بِالشَّيْءِ وعَنِ التَّجافِي عَنْهُ. وهو إطْلاقٌ لَمْ أرَ مِثْلَهُ، وقَدْ تَحَيَّزَ المُفَسِّرُونَ في تَقْرِيرِهِ. والمَعْنى: ما لَنا في بَناتِكَ رَغْبَةٌ.

وجَوابُهُ بِـ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ جَوابُ يائِسٍ مِنِ ارْعِوائِهِمْ.

و(لَوْ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّمَنِّي، وهَذا أقْصى ما أمْكَنَهُ في تَغْيِيرِ هَذا المُنْكَرِ.

والباءُ في بِكم لِلِاسْتِعْلاءِ، أيْ عَلَيْكم. يُقالُ: ما لِي بِهِ قُوَّةٌ وما لِي بِهِ طاقَةٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]

ويَقُولُونَ: ما لِي بِهَذا الأمْرِ يَدانِ، أيْ قُدْرَةٌ أوْ حِيلَةٌ عَلَيْهِ.

والمَعْنى: لَيْتَ لِي قُوَّةً أدْفَعُكم بِها، ويُرِيدُ بِذَلِكَ قُوَّةَ أنْصارٍ لِأنَّهُ كانَ غَرِيبًا بَيْنَهم.

ومَعْنى ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أوْ أعْتَصِمُ بِما فِيهِ مَنَعَةٌ، أيْ بِمَكانٍ أوْ ذِي سُلْطانٍ يَمْنَعُنِي مِنكم.

والرُّكْنُ: الشِّقُّ مِنَ الجَبَلِ المُتَّصِلِ بِالأرْضِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.