Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 71–80 of 123

71

وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌۭ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَٰهَا بِإِسْحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَٰقَ يَعْقُوبَ

And his Wife was standing, and she smiled. Then We gave her good tidings of Isaac and after Isaac, Jacob.

﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ وراءَ السَّتْرِ، بِحَيْثُ تَسْمَعُ مُحاوَرَتَهُمْ، أوْ عَلى رُءُوسِهِمْ لِلْخِدْمَةِ، حَسْبَما هو المُعْتادُ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "قالُوا"، أيْ: قالُوهُ وهي قائِمَةٌ تَسْمَعُ مَقالَتَهم ﴿فَضَحِكَتْ﴾ سُرُورًا بِزَوالِ الخَوْفِ، أوْ بِهَلاكِ أهْلِ الفَسادِ، أوْ بِهِما جَمِيعًا، وقِيلَ: بِوُقُوعِ الأمْرِ، حَسْبَما كانَتْ تَقُولُ فِيما سَلَفَ، فَإنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ: اضْمُمْ إلَيْكَ لُوطًا فَإنِّي أرى أنَّ العَذابَ نازِلًا بِهَؤُلاءِ القَوْمِ، وقِيلَ: ضَحِكَتْ حاضَتْ، ومِنهُ ضَحِكَتِ الشَّجَرَةُ إذا سالَ صَمْغُها وهو بَعِيدٌ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الحاءِ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ أيْ: عَقَّبْنا سُرُورَها بِسُرُورٍ أتَمَّ مِنهُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِنا ﴿وَمِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ "بَشَّرْناها"، أيْ: ووَهَبْنا لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ الظَّرْفُ، أيْ: مِن بَعْدِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ مَوْلُودٌ، أوْ مَوْجُودٌ، وكِلا الِاسْمَيْنِ داخِلٌ في البِشارَةِ كَيَحْيى، أوْ واقِعٌ في الحِكايَةِ بَعْدَ أنْ وُلِدا فَسُمِّيا بِذَلِكَ، وتَوْجِيهُ البِشارَةِ هَهُنا إلَيْها - مَعَ أنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ وُجِّهَتْ إلَيْهِ، حَيْثُ قِيلَ: (وبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ)، (وَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) - لِلْإيذانِ بِأنَّ ما بُشِّرَ بِهِ يَكُونُ مِنهُما، ولِكَوْنِها عَقِيمَةً حَرِيصَةً عَلى الوَلَدِ.

72

قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌۭ وَهَٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌۭ

She said, "Woe to me! Shall I give birth while I am an old woman and this, my husband, is an old man? Indeed, this is an amazing thing!"

﴿قالَتْ﴾ اسْتِئْنافٌ ورَدَ جَوابًا عَنْ سُؤالِ مَن سَألَ وقالَ: فَما فَعَلَتْ إذْ بُشِّرَتْ بِذَلِكَ؟ فَقِيلَ: "قالَتْ": ﴿يا ويْلَتى﴾ أصْلُ الوَيْلِ الخِزْيُ، ثُمَّ شاعَ في كُلِّ أمْرٍ فَظِيعٍ، والألِفُ مُبْدَلَةٌ مِن ياءِ الإضافَةِ، كَما في (يا لَهَفًا) و(يا عَجَبًا)، وقَرَأ الحَسَنُ عَلى الأصْلِ، وأمالَها أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ في رِوايَةٍ، ومَعْناهُ: يا ويْلَتِي احْضُرِي فَهَذا أوانُ حُضُورِكِ، وقِيلَ: هي ألِفُ النُّدْبَةِ، ويُوقَفُ عَلَيْها بِهاءِ السَّكْتِ.

﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ بِنْتُ تِسْعِينَ، أوْ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً ﴿وَهَذا﴾ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ ﴿بَعْلِي﴾ أيْ: زَوْجِي، وأصْلُ البَعْلِ القائِمُ بِالأمْرِ ﴿شَيْخًا﴾ وكانَ ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو شَيْخٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ هو الخَبَرُ وبَعْلِي بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، أوْ بَيانٌ لَهُ، وكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ وقَعَتْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في "أألِدُ" لِتَقْرِيرِ ما فِيهِ مِنَ الِاسْتِبْعادِ وتَعْلِيلِهِ، أيْ: أألِدُ وكَلانا عَلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لِذَلِكَ، وإنَّما قُدِّمَتْ بَيانُ حالِها عَلى بَيانِ حالِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّ مُبايَنَةَ حالِها لِما ذُكِرَ مِنَ الوِلادَةِ أكْثَرُ، إذْ رُبَّما يُولَدُ لِلشُّيُوخِ مِنَ الشَّوابِّ، أمّا العَجائِزُ داؤُهُنَّ عَقامٌ؛ ولِأنَّ البِشارَةَ مُتَوَجِّهَةٌ إلَيْها صَرِيحًا؛ ولِأنَّ العَكْسَ في البَيانِ رُبَّما يُوهِمُ مِن أوَّلِ الأمْرِ نِسْبَةَ المانِعِ مِنَ الوِلادَةِ إلى جانِبِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وفِيهِ ما لا يَخْفي مِنَ المَحْذُورِ، واقْتِصارُها الِاسْتِبْعادَ عَلى وِلادَتِها مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِحالِ النّافِلَةِ؛ لِأنَّها المُسْتَبْعَدُ، وأمّا وِلادَةُ ولَدِها فَلا يَتَعَلَّقُ بِها اسْتِبْعادٌ.

﴿إنَّ هَذا﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ مِن هَرِمَيْنِ مِثْلِنا ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى المَسْلُوكَةِ فِيما بَيْنَ عِبادِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ لِتَعْلِيلِ الِاسْتِبْعادِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ، ومَقْصِدُها اسْتِعْظامُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها في ضِمْنِ الِاسْتِعْجابِ العادِيِّ لا اسْتِبْعادُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى قدرته سُبْحانَهُ وتَعالى.

73

قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌۭ مَّجِيدٌۭ

They said, "Are you amazed at the decree of Allah? May the mercy of Allah and His blessings be upon you, people of the house. Indeed, He is Praiseworthy and Honorable."

﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: قدرته وحِكْمَتِهِ، أوْ تَكْوِينِهِ، أوْ شَأْنِهِ، أنْكَرُوا عَلَيْها تَعَجُّبَها مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّها كانَتْ ناشِئَةً في بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَهْبِطِ الوَحْيِ والآياتِ، ومُظْهِرِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ، فَكانَ حَقُّها أنَّ تَتَوَقَّرَ ولا يَزْدَهِيَها ما يَزْدَهِي سائِرَ النِّساءِ مِن أمْثالِ هَذِهِ الخَوارِقِ مِن ألْطافِ اللَّهِ تَعالى الخَفِيَّةِ ولَطائِفِ صُنْعِهِ الفائِضَةِ عَلى كُلِّ أحَدٍ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَشِيئَتُهُ الأزَلِيَّةُ، لا سِيَّما عَلى أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ الَّذِينَ لَيْسَتْ مَرْتَبَتُهم عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَمَراتِبِ سائِرِ النّاسِ، وأنْ تُسَبِّحَ اللَّهَ تَعالى وتَحْمَدَهُ وتُمَجِّدَهُ، وإلى ذَلِكَ أشارُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: " رَّحْمَةِ الله " الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ واسْتَتْبَعَتْ كُلَّ خَيْرٍ، وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمِرِ لِزِيادَةِ تَشْرِيفِها ﴿وَبَرَكاتُهُ﴾ أيْ: خَيْراتُهُ النّامِيَةُ المُتَكاثِرَةُ في كُلِّ بابٍ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها هِبَةُ الأوْلادِ، وقِيلَ: الرَّحْمَةُ النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ مِنهُمْ، وكُلُّهم مِن ولَدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوِ الِاخْتِصاصِ؛ لِأنَّهم أهْلُ بَيْتِ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، وصَرْفُ الخِطابِ مِن صِيغَةِ الواحِدَةِ إلى جَمْعِ المُذَكَّرِ لِتَعْمِيمِ حُكْمِهِ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْضًا؛ لِيَكُونَ جَوابُهم لَها جَوابًا لَهُ أيْضًا إنْ خَطَرَ بِبالِهِ مِثْلُ ما خَطَرَ بِبالِها، والجُمْلَةُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عُلِّلَ بِهِ إنْكارُ تَعَجُّبِها، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ المَقامُ مَقامَ التَّعَجُّبِ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ولَسْتُمْ يا أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ والكَرامَةِ والزُّلْفي كَسائِرِ الطَّوائِفِ، بَلْ رَحْمَتُهُ المُسْتَتْبِعَةُ لِكُلِّ خَيْرٍ الواسِعَةُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وبَرَكاتُهُ - أيْ: خَيْراتُهُ - النّامِيَةُ الفائِضَةُ مِنهُ بِواسِطَةِ تِلْكَ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ لازِمَةٌ لَكم لا تُفارِقُكم.

﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾ فاعِلٌ ما يَسْتَوْجِبُ الحَمْدَ ﴿مَجِيدٌ﴾ كَثِيرُ الخَيْرِ والإحْسانِ إلى عِبادِهِ، والجُمْلَةُ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ: ( ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ ).

74

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ

And when the fright had left Abraham and the good tidings had reached him, he began to argue with Us concerning the people of Lot.

﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيْ: ما أوْجَسَ مِنهم مَنِ الخِيفَةِ، واطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِعِرْفانِهِمْ وعِرْفانِ سَبَبِ مَجِيئِهِمْ، والفاءُ لِرَبْطِ بَعْضِ أحْوالِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِبَعْضٍ غِبَّ انْفِصالِها بِما لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مِن كُلِّ وجْهٍ، بَلْ لَهُ مَدْخَلٌ تامٌّ في السِّباقِ والسِّياقُ، وتَأْخِيرُ الفاعِلِ عَنِ الظَّرْفِ؛ لِأنَّهُ مَصَبُّ الفائِدَةِ؛ فَإنَّ بِتَأْخِيرِ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ تَبْقى النَّفْسُ مُنْتَظِرَةً إلى وُرُودِهِ فَيَتَمَكَّنُ فِيها عِنْدَ وُرُودِهِ إلَيْها فَضْلَ تَمَكُّنٍ ﴿وَجاءَتْهُ البُشْرى﴾ إنْ فُسِّرَتِ البُشْرى بِقَوْلِهِمْ: (لا تَخَفْ) فَسَبَبِيَّةُ ذَهابِ الخَوْفِ ومَجِيءِ السُّرُورِ - لِلْمُجادِلَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ: جادَلَ رُسُلَنا في شَأْنِهِمْ، وعُدِلَ إلى صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها، أوْ طَفِقَ يُجادِلُنا - ظاهِرَةٌ، وأمّا إنْ فُسِّرَتْ بِبِشارَةِ الوَلَدِ، أوْ بِما يَعُمُّها فَلَعَلَّ سَبَبِيَّتَها لَها مِن حَيْثُ إنَّها تُفِيدُ زِيادَةَ اطْمِئْنانِ قَلْبٍ بِسَلامَتِهِ وسَلامَةِ أهْلِهِ كافَّةً ومُجادَلَتُهُ إيّاهُمْ، أنَّهُ قالَ لَهم حِينَ قالُوا لَهُ: ( ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ ): أرَأيْتُمْ لَوْ كانَ فِيها خَمْسُونَ رَجُلًا مِنَ المُؤْمِنِينَ أتُهْلِكُونَها، قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ، قالُوا: لا، قالَ: فَثَلاثُونَ، قالُوا: لا، حَتّى بَلَغَ العَشَرَةَ قالُوا: لا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها رَجُلٌ مُسْلِمٌ أتُهْلِكُونَها؟ قالُوا: لا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ إنْ قِيلَ: المُتَبادَرُ مِن هَذا الكَلامِ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ عَلِمَ أنَّهم مُرْسَلُونَ لِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ قَبْلَ ذَهابِ الرَّوْعِ عَنْ نَفْسِهِ، ولَكِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى مُجادَلَتِهِمْ في شَأْنِهِمْ لِاشْتِغالِهِ بِشَأْنِ نَفْسِهِ، فَلَمّا ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَرَغَ لَها، مَعَ أنَّ ذَهابَ الرَّوْعِ إنَّما هو قَبْلَ العِلْمِ بِذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ (قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ )﴾ قُلْنا: كانَ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمُهُ مُكَلَّفِينَ بِها، فَلَمّا رَأى مِنَ المَلائِكَةِ ما رَأى خافَ عَلى نَفْسِهِ وعَلى كافَّةِ أُمَّتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِهِمْ قَوْمُ لُوطٍ، ولا رَيْبَ في تَقَدُّمِ هَذا الخَوْفِ عَلى قَوْلِهِمْ: ( ﴿لا تَخَفْ﴾ ) وأمّا الَّذِي عَلِمَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ فَهو اخْتِصاصُ قَوْمِ لُوطٍ بِالهَلاكِ لا دُخُولُهم تَحْتَ العُمُومِ، فَتَأمَّلْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.

75

إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌۭ مُّنِيبٌۭ

Indeed, Abraham was forbearing, grieving and [frequently] returning [to Allah].

﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ غَيْرُ عَجُولٍ عَلى الِانْتِقامِ مِمَّنْ أساءَ إلَيْهِ ﴿أوّاهٌ﴾ كَثِيرُ التَّأوُّهِ عَلى الذُّنُوبِ والتَّأسُّفِ عَلى النّاسِ ﴿مُنِيبٌ﴾ راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى، والمَقْصُودُ بِتَعْدادِ صِفاتِهِ الجَمِيلَةِ المَذْكُورَةِ بَيانُ ما حَمَلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ المُجادَلَةِ.

76

يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍۢ

[The angels said], "O Abraham, give up this [plea]. Indeed, the command of your Lord has come, and indeed, there will reach them a punishment that cannot be repelled."

﴿يا إبْراهِيمُ﴾ أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ: يا إبْراهِيمُ ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ الجِدالِ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ: الشَّأْنُ ﴿قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ أيْ: قَدَرُهُ الجارِي عَلى وفْقِ قَضائِهِ الأزَلِيِّ، الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإرادَةِ الأزَلِيَّةِ والعِنايَةِ الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِنِظامِ المَوْجُوداتِ عَلى تَرْتِيبٍ خاصٍّ حَسَبَ تَعَلُّقِها بِالأشْياءِ في أوْقاتِها، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالقَدَرِ ﴿وَإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ لا بِجِدالٍ ولا بِدُعاءٍ ولا بِغَيْرِهِما.

77

وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًۭا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌۭ

And when Our messengers, [the angels], came to Lot, he was anguished for them and felt for them great discomfort and said, "This is a trying day."

﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: انْطَلَقُوا مِن عِنْدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَيْنَ القَرْيَتَيْنِ أرْبَعَةُ فَراسِخَ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ في صُوَرِ غِلْمانٍ مُرْدٍ حِسانِ الوُجُوهِ فَلِذَلِكَ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ: ساءَهُ مَجِيئُهم لِظَنِّهِ أنَّهم أُناسٌ، فَخافَ أنْ يَقْصِدَهم قَوْمُهُ ويَعْجِزَ عَنْ مُدافَعَتِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو: (وَسِيءَ) و(سِيئَتْ) بِإشْمامِ السِّينِ الضَّمَّ.

رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِلْمَلائِكَةِ: (لا تُهْلِكُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ) فَلَمّا مَشى مَعَهم مُنْطَلِقًا بِهِمْ إلى مَنزِلِهِ قالَ لَهُمْ: أما بَلَغَكم أمْرُ هَذِهِ القَرْيَةِ، قالُوا: وما أمْرُها، قالَ: أشْهَدُ إنَّها لَشَرُّ قَرْيَةٍ في الأرْضِ عَمَلًا، يَقُولُ ذَلِكَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، فَدَخَلُوا مَعَهُ مَنزِلَهُ ولَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أحَدٌ، فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ فَأخْبَرَتْ بِهِ قَوْمَها، وقالَتْ: في بَيْتِ لُوطٍ رِجالًا ما رَأيْتُ مِثْلَ وُجُوهِهِمْ قِطُّ.

﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أيْ: ضاقَ بِمَكانِهِمْ صَدْرُهُ، أوْ قَلْبُهُ، أوْ وُسْعُهُ وطاقَتُهُ، وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الِانْقِباضِ لِلْعَجْزِ عَنْ مُدافَعَةِ المَكْرُوهِ والِاحْتِيالِ فِيهِ، وقِيلَ: ضاقَتْ نَفْسُهُ عَنْ هَذا الحادِثِ، وذِكْرُ الذَّرْعِ مَثَلٌ، وهو المِساحَةُ، وكَأنَّهُ قَدْرُ البَدَنِ مَجازًا، أيْ: إنَّ بَدَنَهُ ضاقَ قَدْرُهُ مِنِ احْتِمالِ ما وقَعَ، وقِيلَ: الذِّراعُ اسْمٌ لِلْجارِحَةِ مِنَ المِرْفَقِ إلى الأنامِلِ، والذَّرْعُ مَدُّها، ومَعْنى ضِيقِ الذَّرْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: "ضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا" قَصْرُها، كَما أنَّ مَعْنى سَعَتِها وبَسْطَتِها طُولُها، ووَجْهُ التَّمْثِيلِ بِذَلِكَ أنَّ القَصِيرَ الذِّراعِ إذا مَدَّها لِيَتَناوَلَ ما يَتَناوَلُ الطَّوِيلُ الذِّراعِ تَقاصَرَ عَنْهُ، وعَجِزَ عَنْ تَعاطِيهِ، فَضُرِبَ مَثَلًا لِلَّذِي قَصُرَتْ طاقَتُهُ دُونَ بُلُوغِ الأمْرِ ﴿وَقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شَدِيدٌ، مِن عَصَبَهُ إذا شَدَّهُ.

78

وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌۭ

And his people came hastening to him, and before [this] they had been doing evil deeds. He said, "O my people, these are my daughters; they are purer for you. So fear Allah and do not disgrace me concerning my guests. Is there not among you a man of reason?"

﴿وَجاءَهُ﴾ أيْ: لُوطًا، وهو في بَيْتِهِ مَعَ أضْيافِهِ ﴿قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ: يُسْرِعُونَ، كَأنَّما يُدْفَعُونَ دَفْعًا لِطَلَبِ الفاحِشَةِ مِن أضْيافِهِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن قَوْمِهِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ أيْ: جاءُوا مُسْرِعِينَ، والحالُ أنَّهم كانُوا مُنْهَمِكِينَ في عَمَلِ السَّيِّئاتِ، فَضَرُوا بِها وتَمَرَّنُوا فِيها حَتّى لَمْ يَبْقَ عِنْدَهم قُبْحَتُها، ولِذَلِكَ لَمْ يَسْتَحْيَوْا مِمّا فَعَلُوا مِن مَجِيئِهِمْ مُهْرِعِينَ مُجاهِرِينَ.

﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ فَتَزَوَّجُوهُنَّ، وكانُوا يَطْلُبُونَهُنَّ مِن قَبْلُ ولا يُجِيبُهم لِخُبْثِهِمْ وعَدَمِ كَفاءَتِهِمْ، لا لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهِ، فَإنَّ تَزْوِيجَ المُسْلِماتِ مِنَ الكُفّارِ كانَ جائِزًا، وقَدْ زَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَيْهِ مِن عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ، وأبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ - قَبْلَ الوَحْيِ - وهُما كافِرانِ، وقِيلَ: كانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ، فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما ابْنَتَيْهِ، وأيًّا ما كانَ فَقَدْ أرادَ بِهِ وِقايَةَ ضَيْفِهِ، وذَلِكَ غايَةُ الكَرَمِ، وقِيلَ: ما كانَ ذَلِكَ القَوْلُ مِنهُ مُجْرًى عَلى الحَقِيقَةِ مِن إرادَةِ النِّكاحِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ مُبالَغَةً في التَّواضُعِ لَهم وإظْهارًا لِشِدَّةِ امْتِعاضِهِ مِمّا أوْرَدُوا عَلَيْهِ؛ طَمَعًا في أنْ يَسْتَحْيُوا مِنهُ، ويَرِقُّوا لَهُ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ فَيَنْزَجِرُوا عَمّا أقْدَمُوا عَلَيْهِ مَعَ ظُهُورِ الأمْرِ واسْتِقْرارِ العِلْمِ عِنْدَهُ وعِنْدَهم جَمِيعًا بِأنْ لا مُناكَحَةَ بَيْنَهُمْ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ (لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ)﴾ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ.

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِتَرْكِ الفَواحِشِ، أوْ بِإيثارِهِنَّ عَلَيْهِمْ ﴿وَلا تُخْزُونِ في ضَيْفِي﴾ أيْ: لا تَفْضَحُونِي في شَأْنِهِمْ، فَإنَّ إخْزاءَ ضَيْفِ الرَّجُلِ وجارِهِ إخْزاءٌ لَهُ، أوْ لا تُخْجِلُونِي، مِنَ الخَزايَةِ وهي الحَياءُ ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يَهْتَدِي إلى الحَقِّ الصَّرِيحِ، ويَرْعَوِي عَنِ الباطِلِ القَبِيحِ؟!

79

قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّۢ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ

They said, "You have already known that we have not concerning your daughters any claim, and indeed, you know what we want."

﴿قالُوا﴾ مُعْرِضِينَ عَمّا نَصَحَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ والنَّهْيِ عَنْ إخْزائِهِ، مُجِيبِينَ عَنْ أوَّلِ كَلامِهِ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾ مُسْتَشْهِدِينَ بِعِلْمِهِ بِذَلِكَ، يَعْنُونَ إنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أنْ لا سَبِيلَ إلى المُناكَحَةِ بَيْنَنا وبَيْنَكَ، وما عَرْضُكَ إلّا عَرَضُ سابِرِيٍّ ولا مَطْمَعَ لَنا في ذَلِكَ ﴿وَإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ مِن إتْيانِ الذُّكْرانِ، ولَمّا يَئِسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنِ ارْعِوائِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ.

80

قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍۢ شَدِيدٍۢ

He said, "If only I had against you some power or could take refuge in a strong support."

﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ أيْ: لَفَعَلْتُ بِكم ما فَعَلْتُ، وصَنَعْتُ ما صَنَعْتُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾، ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ (أنَّ لِي بِكُمْ)﴾ إلى آخِرِهِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أيْ: لَوْ قَوِيتُ عَلى دَفْعِكم بِنَفْسِي، أوْ أوَيْتُ إلى ناصِرٍ عَزِيزٍ قَوِيٍّ أتَمَنَّعُ بِهِ عَنْكُمْ، شَبَّهَهُ بِرُكْنِ الجَبَلِ في الشِّدَّةِ والمَنَعَةِ.

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««رَحِمَ اللَّهُ أخِي لُوطًا كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ».»

رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أغْلَقَ بابَهُ دُونَ أضْيافِهِ، وأخَذَ يُجادِلُهم مِن وراءِ البابِ، فَتَسَوَّرُوا الجِدارَ، فَلَمّا رَأتِ المَلائِكَةُ ما عَلى لُوطٍ مِنَ الكَرْبِ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.