Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 71–80 of 123

71

وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌۭ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَٰهَا بِإِسْحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَٰقَ يَعْقُوبَ

And his Wife was standing, and she smiled. Then We gave her good tidings of Isaac and after Isaac, Jacob.

وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)

(وامرأته) أي سارَّة زوجة إبراهيم وهي ابنة هارون بن ناحورا وهي ابنة عمّ إبراهيم (قائمة) قيل كانت قائمة عند تحاورهم وراء الستر تسمع كلامهم وقيل كانت واقفة قائمة تخدم الملائكة وهو جالس؛ والجملة مستأنفة أو حالية (فضحكت) الضحك هنا هو الضحك المعروف الذي يكون للتعجب أو للسرور كما قاله الجمهور، وأصل الضحك انبساط الوجه من سرور يحصل للنفس ولظهور الأسنان عنده سميت مقدمات الأسنان الضواحك ويستعمل في السرور المجرد وفي التعجب المجرد أيضا وعليه أكثر المفسرين.

وقال مجاهد وعكرمة أنه الحيض، والعرب تقول ضحكت الأرنب إذا حاضت وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت، قال الراغب: وقول من قال حاضت ليس تفسيراً لقوله فضحكت كما تصوره بعض المفسرين وإنما ذكر ذلك تنصيصاً لحالها فإن ذلك أمارة لما بشرت به فحيضها في الوقت ليعلم أن حملها ليس بمنكر لأن المرأة ما دامت تحيض فإنها تحمل.

قال الفراء: ضحكت بمعنى حاضت لم نسمعه من ثقة، وقال الزجاج: ليس بشيء ضحكت بمعنى حاضت، وقال ابن الأنباري: قد أنكر الفراء وأبو عبيده أن يكون ضحكت بمعنى حاضت، وقال في المحكم: ضحكت المرأة حاضت والأول أولى ولا مصير إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، وظاهر النص أنها ضحكت.

قال قتادة: ضحكت تعجباً مما فيه قوم لوط من الغفلة ومما أتاهم من العذاب، وقال السدي: ضحكت تعجباً من عدم أكلهم، وقال مقاتل والكلبي: ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة وهو فيما بين خدمه وحشمه وخواصه. وقيل ضحكت من زوال الخوف عنها وعن إبراهم، حين قالوا لا تخف. وقيل ضحكت سررواً من البشارة.

وقال وهب: ضحكت تعجباً من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها. وقيل غير ذلك مما ليس في ذكره كثير فائدة والله أعلم مما ضحكت.

وقال ابن عباس: حاضت وهي بنت ثمان وتسعين سنة. وعن مجاهد قال: وكان إبراهيم ابن مائة سنة.

(فبشرناها بإسحاق) ظاهره أن التبشير كان بعد الضحك، وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير، والمعنى فبشرناها فضحكت سروراً بالولد وولد إسحق بعد البشارة بسنة وكانت ولادته بعد إسماعيل بأربعة عشر سنة (ومن وراء) أي وهبنا لها من وراء (إسحاق يعقوب) وقرئ بجر يعقوب ومنعه الفراء وقرئ بالرفع على الابتداء وخبره الظرف الذي قبله وبالنصب وهما سبعيتان.

وقد وقع التبشير هنا لها ووقع لإبراهيم في قوله تعالى (وبشرناه بغلام حليم) وبشروه بغلام عليم لأن كل واحد منهما مستحق للبشارة به لكونه منهما، قال ابن عباس: هو ولد الولد أي فبشرت بأنها تعيش حتى ترى ولد الولد وقد رأته.

72

قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌۭ وَهَٰذَا بَعْلِى شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌۭ

She said, "Woe to me! Shall I give birth while I am an old woman and this, my husband, is an old man? Indeed, this is an amazing thing!"

قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72)

(قالت يا ويلتا) مستأنفة كأنه قيل فماذا قالت وهي لم ترد الدعاء على نفسها بالويل، ولكنها كلمة تقع كثيراً على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه، وأصل الويل الخزي، ثم شاع في كل أمر فظيع، والألف مبدلة من ياء الإضافة والاستفهام في قولها.

(أألد وأنا عجوز) للتعجب، أي كيف ألد وأنا شيخة قد طعنت في السن يقال عجزت تعجز مخففاً ومثقلاً عجزاً وتعجيزاً أي طعنت في السن، ويقال عجوز وعجوزة، وأما عجزت بكسر الجيم فمعناه عظمت عجيزتها (وهذا بعلي) أي زوجي إبراهيم (شيخاً) لا تحبل من مثله النساء ونصبه على الحال والعامل فيه معنى اسم الإشارة.

ومثل هذه الحال من غوامض العربية إذ لا تجوز إلا حيث يعرف الخبر، وقرئ بالرفع على أنه خبر محذوف أي هو شيخ أو خبر بعد خبر أو هو الخبر، وبعلي بدل؛ وجوَّز كونه عطف بيان، وكون شيخ تابعاً لبعلي أيضاً والبعل هو المستعلي على غيره، والزوج مستعل على المرأة قائم بأمرها فسمي بعلاً لذلك. قيل كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة وهي بنت تسع وتسعين وقيل بنت تسعين وهذه المبشرة هي سارة امرأة إبراهيم، وقد كان ولد لإبراهيم من هاجر أمته إسماعيل فتمنت سارة أن يكون لها ابن وأيست منه لكبر سنها فبشرها الله به على لسان ملائكته، وكانت بين الولادة والبشارة سنة.

(إن هذا لشيء عجيب) أي ما ذكرته الملائكة من التبشير بحصول الولد مع كونها في هذه السن العالية التي لا يولد لمن كان في مثلها شيء يقضى منه العجب ولم تنكر قدرة الله.

73

قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۖ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٌۭ مَّجِيدٌۭ

They said, "Are you amazed at the decree of Allah? May the mercy of Allah and His blessings be upon you, people of the house. Indeed, He is Praiseworthy and Honorable."

قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)

(قالوا أتعجين من أمر الله) مستأنفة جواب سؤال مقدر والاستفهام فيها للإنكار، أي كيف تعجبين من قضاء الله وقدره وهو لا يستحيل عليه شيء.

وقيل المعنى لا تعجبي من ذلك، وإنما أنكروا عليها مع كون ما تعجبت منه من خوارق العادة لأنها من بيت النبوة، ولا يخفى على مثلها أن هذا من مقدوراته سبحانه، ولهذا قالوا.

(رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) أي الرحمة التي وسعت كل شيء واستتبعت كل خير، وإنما وضع المطهر موضع المضمر لزيادة تشريفها، والبركات الخيرات النامية المتكاثرة في كل باب، التي من جملتها هبة الأولاد، والبركة هى النمو والزيادة؛ وقيل الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لما فيهم من الأنبياء وكلهم من ولد إبراهيم.

وانتصاب أهل البيت على المدح أو الاختصاص وبين النصبين فرق ذكره السمين، وصرف الخطاب من صيغة الواحدة إلى الجمع لقصد التعميم، وقيل خطاب لها وله، وهذا على مهى الدعاء من الملائكة بالخير والبركة، وفيه دليل على أن أزواج الرجل من أهل بيته عن ابن عباس أنه كان ينهي عن أن يزاد في جواب التحية على قولهم عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ويتلو هذه الآية. وعن ابن عمر نحوه (إنه حميد) أي يفعل موجبات الحمد من عباده على سبيل الكثرة (مجيد) كثير الإحسان إلى عباده بما يفيضه إليهم من الخيرات. وقيل المجيد المنيع الذي لا يرام.

وقال الخطابي: المجيد الواسع الكريم وأصل المجد في كلامهم السعة، وقيل هو ذو الشرف والكرم والجملة تعليل لقوله رحمة الله وبركاته الخ.

74

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ

And when the fright had left Abraham and the good tidings had reached him, he began to argue with Us concerning the people of Lot.

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74)

(فلما ذهب عن إبراهيم الروع) أي الخيفة التي أوجسها في نفسه، يقال ارتاع من كذا إذا خاف. قال مجاهد: الروع الفرق وهو الخوف وقيل الفزع (وجاءته البشرى) أي بالولد أو بقولهم لا تخف (يجادلنا في قوم لوط) قال الأخفش والكسائي: إن يجادلنا في موضع جادلنا فيكون هو جواب لما، لما تقرر من أن جوابها يكون بالماضي لا بالمستقبل.

قال النحاس: جعل المستقبل مكانه كما يجعل الماضي مكان المستقبل في الشرط وقيل أن الجواب محذوف ويجادلنا في محل نصب على الحال قاله الفراء وتقديره فلما ذهب عنه الروح وجاءته البشرى اجترأ على خطابنا حال كونه يجادلنا، أي يجادل رسلنا.

وقيل أن المعنى أخذ أو جعل يجادلنا ومجادلته لهم، قيل أنه لما سمع قولهم إنا مهلكو أهل هذه القرية، قال: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين أتهلكونهم قالوا: لا، قال: فأربعون، قالوا: لا، قال فعشرون: قالوا: لا، قال: فعشرة فخمسة، قالوا: لا، قال: فواحد؛ قالوا: لا، قال: إن فيها لوطاً، قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله. الآية.

وعن ابن عباس قال: لا جاءت الملائكة إلى إبراهيم قالوا لإبراهيم إن كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم العذاب، فهذا معنى مجادلته في قوم لوط، أي في شأنهم وأمرهم، وقيل معناه يكلمنا ويسألنا، لأن العبد لا يقدر أن يخاصم ربه وإن كان نبياً؛ ولهذا قال جمهور المفسرين معناه يجادل رسلنا.

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77)

ثم أثنوا على إبراهيم أو أثنى الله عليه فقال

75

إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌۭ مُّنِيبٌۭ

Indeed, Abraham was forbearing, grieving and [frequently] returning [to Allah].

(إن إبراهيم لحليم) أي ليس بعجول في الأمور ولا بموقع لها على غير ما ينبغي (أوّاه) أي كثير التأوه أو الرحيم (منيب) أي راجع إلى الله، وقد تقدم في براءة الكلام على الأوّاه والمنيب هو المقبل إلى طاعة الله. وقال قتادة: المنيب المخلص. وفي الآية ما يشير إلى أن المراد بالمجادلة فيما تقدم مجادلة الرسل لا مجادلة الرب كما قاله الجمهور، والمقصود من ذلك بيان الحامل له على المجادلة، وهو رقة قلبه وفرط رحمته، فطلب تأخير العذاب عنهم لعلهم يؤمنون، ويرجعون عما هم فيه من الكفر والمعاصي.

76

يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَآ ۖ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍۢ

[The angels said], "O Abraham, give up this [plea]. Indeed, the command of your Lord has come, and indeed, there will reach them a punishment that cannot be repelled."

(يا إبراهيم أعرض عن هذا) هذا قول الملائكة له أي أعرض عن هذا المقال واترك هذا الجدال في أمر قد فرغ منه وجف به القلم وحق به القضاء (إنه قد جاء أمر ربك) الضمير للشأن والمعنى مجيء عذابه الذي قدره عليهم وسبق به قضاؤه في أزله (وإنهم آتيهم عذاب غير مردود) أي لا يرده دعاء ولا جدال بل هو واقع بهم لا محالة ونازل بهم على كل حال ليس بمصروف ولا مدفوع.

77

وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًۭا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌۭ

And when Our messengers, [the angels], came to Lot, he was anguished for them and felt for them great discomfort and said, "This is a trying day."

(ولما جاءت رسلنا لوطاً) أي لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ، جاءوا إلى لوط فلما رآهم لوط وكانوا في صورة غلمان حسان مرد (سيء بهم) أي ساءه مجيئهم إليه، يقال ساءه يسوؤه لأنهم جاءوه في صورة غلمان حسان مرد، فظن أنهم أناس، فخاف عليهم أن يقصدهم قومه فيعجز عن مدافعتهم.

(وضاق بهم ذرعاً) قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة، وأصله أن البعير يذرع بيده في سيره على قدر سعة خطوة أي يبسطها فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فجعل ضيق الذرع كناية عن قلة الوسع والطاقة وشدة الأمر.

وقيل هو من ذرعه القيء إذا غلبه وضاق عن حبسه، والمعنى أنه ضاق صدره لما رأى الملائكة في تلك الصورة خوفاً عليهم من قومه لما يعلم من فسقهم وارتكابهم لفاحشة اللواط ولم يجد مخلصاً.

قال ابن عباس. ساء ظناً بقومه وضاق ذرعاً بأضيافه، وقيل ضاق بهم قلباً وصدراً ولا يعرف أصله، ويقال ضاق فلان ذرعاً بكذا إذا وقع في مكروه ولا يطيق الخروج منه (وقال هذا يوم عصيب) أي شديد كأنه قد عصب به الشر والبلاء أي شد به مأخوذ من العصابة التي يشد بها الرأس، يقال عصيب وعصيصب وعصوصب على التكثير أي يوم مكروه يجتمع فيه الشر، ومنه عصبة وعصابة أي مجتمعو الكلمة، ورجل معصوب أي مجتمع الخلق.

وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)

78

وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌۭ رَّشِيدٌۭ

And his people came hastening to him, and before [this] they had been doing evil deeds. He said, "O my people, these are my daughters; they are purer for you. So fear Allah and do not disgrace me concerning my guests. Is there not among you a man of reason?"

(وجاءه قومه يهرعون إليه) أي جاءوا لوطاً يسرعون إليه قاله قتادة، وقال الكسائي والفراء وغيرهما من أهل اللغة: لا يكون الإهراع إلا إسراعاً مع رعدة يقال أهرع الرجل إهراعاً أي أسرع في رعدة من برد أو غضب أو حمى وقيل يهرولون قاله مجاهد، وقيل هو مشي بين الهرولة والعدو، قاله الحسن وقال شمر: هو بين الهرولة والخبب والجمز.

والمعنى أن قوم لوط لما بلغهم مجيء الملائكة في تلك الصورة أسرعوا إليه كأنما يدفعون دفعاً لطلب الفاحشة من أضيافه (ومن قبل) أي ومن قبل مجيء الرسل (كانوا يعملون السيئات) أي يأتون الرجال في أدبارهم وكانت ذلك عادتهم، فلا حياء عندهم منها فلما جاؤوا إلى لوط وقصدوا أضيافه لذلك العمل قام إليهم لوط مدافعاً.

(قال يا قوم) خاطبهم بهذا الخطاب وهم من وراء الباب خارجه (هؤلاء بناتي) أي تزوجوهن ودعوا ما تطلبونه من الفاحشة بأضيافي، وقد كان له ثلاث بنات وقيل ابنتان وكانوا يطلبون منه أن يزوجهم بهن فيمتنع لخبثهم لا لعدم كفاءتهم، وكان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما بنتيه والمراد بالجمع ما فوق الواحد.

وقيل أراد بقوله هؤلاء بناتي النساء جملة، لأن نبي القوم أب لهم قاله ابن عباس وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير، قال الكرخي: وهذا القول أولى لأن إقدام الإنسان على عرض بناته على الأوباش والفجار مستبعد لا يليق بأهل المروءة فكيف بالأنبياء. وأيضاً فبناته لا تكفي الجمع العظيم أما بنات أمته ففيهن كفاية للكل انتهى.

لكن فيه مخالفة لظاهر النظم، وقيل كان في ملته يجوز تزوج الكافر بالمسلمة قال قتادة: المراد بناته لصلبه، وفي أضيافه ببناته، وقال الحسين بن الفضل: عرض بناته عليهم بشرط الإسلام، وقالت طائفة: أما كان هذا القول منه على طريق المدافعة ولم يرد الحقيقة، وعن حذيفة بن اليمان قال: عرض عليهم بناته تزويجاً وأراد أن يقي أضيافه بتزويج بناته.

(هن أطهر لكم) أي أحل وأنزه والتطهر التنزه عما لا يحل، وليس في صيغة أطهر دلالة على التفضيل، بل هي مثل (الله أكبر) وقرأ الحسن وعيسى ابن عمر بنصب أطهر، وقرأ الباقون بالرفع، ووجه النصب أن يكون اسم إشارة مبتدأ وخبره بناتي. وهن ضمير فصل، وأطهر حال، وقد منع الخليل وسيبويه والأخفش مثل هذا، لأن ضمير الفصل الذي يسمى عماداً إنما يكون بين كلامين بحيث لا يتم الكلام إلا بما بعدها، نحو كان زيد هو أخاك (فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي) أي اتقوا الله بترك ما تريدون من الفاحشة بهم، ولا تذلوني وتجلبوا عليَّ العار في ضيفي، والضيف يطلق على الواحد والاثنين والجماعة، لأنه في الأصل مصدر، ومنه قول الشاعر:

لا تعدمي الدهر شفار الجازر ... للضيف والضيف أحق زائر

ويجوز فيه التثنية والجمع، والأول أكثر، يقال خزي الرجل خزاية: أي استحيا أو ذلّ أو هان. وخزي خزياً: إذا افتضح، ومعنى في ضيفي: في حق ضيفي، فخزي الضيف خزي للمضيف، ثم وبخهم فقال (أليس منكم رجل رشيد) يرشدكم إلى ترك هذا العمل القبيح ويمنعكم منه، فأجابوا عليه معرضين عما نصحهم به، وأرشدهم إليه بقولهم

79

قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّۢ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ

They said, "You have already known that we have not concerning your daughters any claim, and indeed, you know what we want."

(ما لنا في بناتك من حق) أي ما لنا فيهم من شهوة ولا حاجة لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق، ومعنى ما نسبوه إليه من العلم أنه قد علم منهم المكالبة على إتيان المذكور وشدة الشهوة إليهم، فهم من هذه الحيثية كأنهم لا حاجة لهم إلى النساء، ويمكن أن يريدوا: أنهم لا حق لنا في نكاحهنّ، لأنه لا ينكحهنّ ولا يتزوجهنّ إلّا مؤمن ونحن لا نؤمن أبداً، وقيل إنهم كانوا قد خطبوا بناته من قبل فردهم، وكان من سنتهم أن من خطب فردّ فلا تحل المخطوبة أبداً؛ (وإنك لتعلم ما نريد) من إتيان المذكور، ثم إنه لما علم تصميمهم على الفاحشة وأنهم لا يتركون ما قد طلبوه

80

قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍۢ شَدِيدٍۢ

He said, "If only I had against you some power or could take refuge in a strong support."

(قال لو أن لي بكم قوة) وجواب لو محذوف، والتقدير لدافعتكم عنهم ومنعتكم منهم، وهذا منه عليه السلام على طريق التمني: أي لو وجدت معيناً وناصراً، فسمي ما يتقوى به قوة (أو آوي إلى ركن شديد) عطف على ما بعد لوطاً فيه من معنى الفعل، والتقدير: لو قويت على دفعكم أو آويت إلى ركن شديد. وَقرئ (أو آويَ) بالنصب عطفاً على قوة كأنه قال: لو أن لي بكم قوة أو إيواء إلى ركن شديد، ومراده بالركن الرشيد: العشيرة، وما يمنع به عنهم هو ومن معه لأنه كان أولاً بالعراق مع إبراهيم فلما هاجر إلى الشام أرسله الله إلى أهل سدوم وهي قرية عند حمص.

قال أبو هريرة: ما بعث الله نبياً بعده إلا في منعة من عشيرته، وقيل أراد بالقوة الولد وبالركن من ينصره من غير ولده، وقيل أراد بالقوة قوته في نفسه قال السدي: إلى جند شديد لقاتلتكم.

وقد ثبت في البخاري وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يغفر الله للوط إن كان يأوي إلى ركن شديد، وهو مروي في غير الصحيح من طريق غيره من الصحابة، وقال النووي: المراد بالركن الشديد هو الله عز وجل فإنه أشد الأركان وأقواها وأمنعها اهـ. وهو يخالف ظاهر الآية والحديث المتقدم.

قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82)

ولما سمعته الملائكة يقول هذه المقالة ووجدوا قومه قد غلبوه وعجز عن مدافعتهم

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.