Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 1–10 of 123

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ

Alif, Lam, Ra. [This is] a Book whose verses are perfected and then presented in detail from [one who is] Wise and Acquainted.

سُورَةُ هُودٍ مَكِّيَّةٌ وهي مِائَةٌ وثَلاثٌ وعِشْرُونَ آيَةً

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿الر كِتابٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أوْ ﴿كِتابٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ نُظِمَتْ نَظْمًا مُحْكَمًا لا يَعْتَرِيهِ إخْلالٌ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى، أوْ مُنِعَتْ مِنَ الفَسادِ والنَّسْخِ فَإنَّ المُرادَ آياتُ السُّورَةِ ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ، أوْ أُحْكِمَتْ بِالحُجَجِ والدَّلائِلِ أوْ جُعِلَتْ حَكِيمَةً مَنقُولٌ مِن حُكِمَ بِالضَّمِّ إذا صارَ حَكِيمًا لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى أُمَّهاتِ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ. ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بِالفَوائِدِ مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ والمَواعِظِ والأخْبارِ، أوْ بِجَعْلِها سُوَرًا أوْ بِالإنْزالِ نَجْمًا نَجْمًا، أوْ فَصَّلَ فِيها ولَخَّصَ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ. وقُرِئَ « ثُمَّ فَصَّلَتْ» أيْ فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وأحْكَمَتْ آياتِهِ ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمُتَكَلِّمِ، و ﴿ثُمَّ﴾ لِلتَّفاوُتِ في الحُكْمِ أوْ لِلتَّراخِي في الأخْبارِ. ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ ﴿كِتابٌ﴾، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ صِلَةٌ لِـ ﴿أُحْكِمَتْ﴾ أوْ ﴿فُصِّلَتْ﴾، وهو تَقْرِيرٌ لِأحْكامِها وتَفْصِيلِها عَلى أكْمَلِ ما يَنْبَغِي بِاعْتِبارِ ما ظَهَرَ أمْرُهُ وما خَفِيَ.

2

أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۚ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ

[Through a messenger, saying], "Do not worship except Allah. Indeed, I am to you from Him a warner and a bringer of good tidings,"

﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ لِأنْ لا تَعْبُدُوا. وقِيلَ أنْ مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ في تَفْصِيلِ الآياتِ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً لِلْإغْراءِ عَلى التَّوْحِيدِ أوِ الأمْرُ بِالتَّبَرِّي مِن عِبادَةِ الغَيْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَرْكُ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ بِمَعْنى الزَمُوهُ أوِ اتْرُكُوها تَرْكًا. ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ﴾ مِنَ اللَّهِ. ﴿نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ بِالعِقابِ عَلى الشِّرْكِ والثَّوابِ عَلى التَّوْحِيدِ.

﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى ألّا تَعْبُدُوا. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ ثُمَّ تَوَسَّلُوا إلى مَطْلُوبِكم بِالتَّوْبَةِ فَإنَّ المَعْرِضَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الرُّجُوعِ. وقِيلَ اسْتَغْفِرُوا مِنَ الشِّرْكِ ثُمَّ تُوبُوا إلى اللَّهِ بِالطّاعَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثُمَّ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الأمْرَيْنِ. ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾ يُعَيِّشُكم في أمْنٍ ودَعَةٍ. ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو آخِرُ أعْمارِكُمُ المُقَدَّرَةِ، أوْ لا يُهْلِكُكم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ والأرْزاقِ والآجالِ، وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالأعْمارِ لَكِنَّها مُسَمّاةٌ بِالإضافَةِ إلى كُلِّ أحَدٍ فَلا تَتَغَيَّرُ. ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ ويُعْطِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ في دِينِهِ جَزاءَ فَضْلِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو وعْدٌ لِلْمُوَحِّدِ التّائِبِ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ. ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ وإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ يَوْمَ الشَّدائِدِ وقَدِ ابْتُلُوا بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ. وقُرِئَ وإنْ ﴿تَوَلَّوْا﴾ مِن ولِيَ.

3

وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ كَبِيرٍ

And [saying], "Seek forgiveness of your Lord and repent to Him, [and] He will let you enjoy a good provision for a specified term and give every doer of favor his favor. But if you turn away, then indeed, I fear for you the punishment of a great Day.

﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ لِأنْ لا تَعْبُدُوا. وقِيلَ أنْ مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ في تَفْصِيلِ الآياتِ مَعْنى القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُبْتَدَأً لِلْإغْراءِ عَلى التَّوْحِيدِ أوِ الأمْرُ بِالتَّبَرِّي مِن عِبادَةِ الغَيْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَرْكُ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ بِمَعْنى الزَمُوهُ أوِ اتْرُكُوها تَرْكًا. ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ﴾ مِنَ اللَّهِ. ﴿نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ بِالعِقابِ عَلى الشِّرْكِ والثَّوابِ عَلى التَّوْحِيدِ.

﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى ألّا تَعْبُدُوا. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ ثُمَّ تَوَسَّلُوا إلى مَطْلُوبِكم بِالتَّوْبَةِ فَإنَّ المَعْرِضَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الرُّجُوعِ. وقِيلَ اسْتَغْفِرُوا مِنَ الشِّرْكِ ثُمَّ تُوبُوا إلى اللَّهِ بِالطّاعَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثُمَّ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الأمْرَيْنِ. ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾ يُعَيِّشُكم في أمْنٍ ودَعَةٍ. ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو آخِرُ أعْمارِكُمُ المُقَدَّرَةِ، أوْ لا يُهْلِكُكم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ والأرْزاقِ والآجالِ، وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالأعْمارِ لَكِنَّها مُسَمّاةٌ بِالإضافَةِ إلى كُلِّ أحَدٍ فَلا تَتَغَيَّرُ. ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ ويُعْطِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ في دِينِهِ جَزاءَ فَضْلِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو وعْدٌ لِلْمُوَحِّدِ التّائِبِ بِخَيْرِ الدّارَيْنِ. ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ وإنْ تَتَوَلَّوْا. ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ يَوْمَ الشَّدائِدِ وقَدِ ابْتُلُوا بِالقَحْطِ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ. وقُرِئَ وإنْ ﴿تَوَلَّوْا﴾ مِن ولِيَ.

4

إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

To Allah is your return, and He is over all things competent."

﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ رُجُوعُكم في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو شاذٌّ عَنِ القِياسِ. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى تَعْذِيبِكم أشَدَّ عَذابٍ وكَأنَّهُ تَقْدِيرٌ لِكِبَرِ اليَوْمِ.

﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ يَثْنُونَها عَنِ الحَقِّ ويَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، أوْ يَعْطِفُونَها عَلى الكُفْرِ وعَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ يُوَلُّونَ ظُهُورَهم. وقُرِئَ « يَثْنُونِي» بِالياءِ والتّاءِ مَنِ اثْنُونِي، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ. و « تَثْنُونَ»، وأصْلُهُ تَثْنُونَنِ مِنَ الثِّنِّ وهو الكَلَأُ الضَّعِيفُ أرادَ بِهِ ضَعْفَ قُلُوبِهِمْ أوْ مُطاوَعَةَ صُدُورِهِمْ لِلثَّنْيِ، و « يَثْنِئْنَ» مِنَ اثْنَأنَّ كابْياضَّ بِالهَمْزَةِ و « تَثْنَوِي» . ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ مِنَ اللَّهِ بِسِرِّهِمْ فَلا يُطْلِعُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ. قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: إذا أرْخَيْنا سُتُورَنا واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا وطَوَيْنا صُدُورَنا عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ كَيْفَ يَعْلَمُ.

وَقِيلَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ وفِيهِ نَظَرٌ إذِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ والنِّفاقُ حَدَّثَ بِالمَدِينَةِ. ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ ألا حِينَ يَأْوُونَ إلى فِراشِهِمْ ويَتَغَطَّوْنَ بِثِيابِهِمْ. ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ في قُلُوبِهِمْ. ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ بِأفْواهِهِمْ يَسْتَوِي في عِلْمِهِ سِرُّهم وعَلَنُهم فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ ما عَسى يُظْهِرُونَهُ. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بِالأسْرارِ ذاتِ الصُّدُورِ أوْ بِالقُلُوبِ وأحْوالِها.

5

أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Unquestionably, they the disbelievers turn away their breasts to hide themselves from Him. Unquestionably, [even] when they cover themselves in their clothing, Allah knows what they conceal and what they declare. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ رُجُوعُكم في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو شاذٌّ عَنِ القِياسِ. ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى تَعْذِيبِكم أشَدَّ عَذابٍ وكَأنَّهُ تَقْدِيرٌ لِكِبَرِ اليَوْمِ.

﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ يَثْنُونَها عَنِ الحَقِّ ويَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، أوْ يَعْطِفُونَها عَلى الكُفْرِ وعَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ يُوَلُّونَ ظُهُورَهم. وقُرِئَ « يَثْنُونِي» بِالياءِ والتّاءِ مَنِ اثْنُونِي، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ. و « تَثْنُونَ»، وأصْلُهُ تَثْنُونَنِ مِنَ الثِّنِّ وهو الكَلَأُ الضَّعِيفُ أرادَ بِهِ ضَعْفَ قُلُوبِهِمْ أوْ مُطاوَعَةَ صُدُورِهِمْ لِلثَّنْيِ، و « يَثْنِئْنَ» مِنَ اثْنَأنَّ كابْياضَّ بِالهَمْزَةِ و « تَثْنَوِي» . ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ مِنَ اللَّهِ بِسِرِّهِمْ فَلا يُطْلِعُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ. قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: إذا أرْخَيْنا سُتُورَنا واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا وطَوَيْنا صُدُورَنا عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ كَيْفَ يَعْلَمُ.

وَقِيلَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ وفِيهِ نَظَرٌ إذِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ والنِّفاقُ حَدَّثَ بِالمَدِينَةِ. ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ ألا حِينَ يَأْوُونَ إلى فِراشِهِمْ ويَتَغَطَّوْنَ بِثِيابِهِمْ. ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ في قُلُوبِهِمْ. ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ بِأفْواهِهِمْ يَسْتَوِي في عِلْمِهِ سِرُّهم وعَلَنُهم فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ ما عَسى يُظْهِرُونَهُ. ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بِالأسْرارِ ذاتِ الصُّدُورِ أوْ بِالقُلُوبِ وأحْوالِها.

6

۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّۭ فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ

And there is no creature on earth but that upon Allah is its provision, and He knows its place of dwelling and place of storage. All is in a clear register.

﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ غِذاؤُها ومَعاشُها لِتَكَفُّلِهِ إيّاهُ تَفَضُّلًا ورَحْمَةً، وإنَّما أتى بِلَفْظِ الوُجُوبِ تَحْقِيقًا لِوُصُولِهِ وحَمْلًا عَلى التَّوَكُّلِ فِيهِ. ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها﴾ أماكِنَها في الحَياةِ والمَماتِ، أوِ الأصْلابِ والأرْحامِ أوْ مَساكِنَها مِنَ الأرْضِ حِينَ وُجِدَتْ بِالفِعْلِ ومَوْدَعَها مِنَ المَوادِّ والمُقارِّ حِينَ كانَتْ بَعْدُ بِالقُوَّةِ. ﴿كُلٌّ﴾ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الدَّوابِّ وأحْوالِها. ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ مَذْكُورٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وكَأنَّهُ أُرِيدَ بِالآيَةِ بَيانُ كَوْنِهِ عالِمًا بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها وبِما بَعْدَها بَيانُ كَوْنِهِ قادِرًا عَلى المُمْكِناتِ بِأسْرِها تَقْرِيرًا لِلتَّوْحِيدِ ولِما سَبَقَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.

7

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And it is He who created the heavens and the earth in six days - and His Throne had been upon water - that He might test you as to which of you is best in deed. But if you say, "Indeed, you are resurrected after death," those who disbelieve will surely say, "This is not but obvious magic."

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ خَلَقَهُما وما فِيهِما كَما مَرَّ بَيانُهُ في « الأعْرافِ»، أوْ ما في جِهَتَيِ العُلُوِّ والسُّفْلِ وجَمَعَ السَّمَواتِ دُونَ الأرْضِ لِاخْتِلافِ العُلْوِيّاتِ بِالأصْلِ والذّاتِ دُونَ السُّفْلِيّاتِ.

﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ قَبْلَ خَلْقِهِما لَمْ يَكُنْ حائِلٌ بَيْنَهُما لا أنَّهُ كانَ مَوْضُوعًا عَلى مَتْنِ الماءِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى إمْكانِ الخَلاءِ وأنَّ الماءَ أوَّلُ حادِثٍ بَعْدَ العَرْشِ مِن أجْرامِ هَذا العالَمِ. وقِيلَ كانَ الماءُ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ واللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ. ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿خَلَقَ﴾ أيْ خَلَقَ ذَلِكَ كَخَلْقِ مَن خَلَقَ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ المُبْتَلِي لِأحْوالِكم كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَإنَّ جُمْلَةَ ذَلِكَ أسْبابٌ ومَوادُّ لِوُجُودِكم ومَعاشِكم وما تَحْتاجُ إلَيْهِ أعْمالُكم ودَلائِلُ وأماراتٌ تَسْتَدِلُّونَ بِها وتَسْتَنْبِطُونَ مِنها، وإنَّما جازَ تَعْلِيقُ فَعْلِ البَلْوى لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ مِن حَيْثُ إنَّهُ طَرِيقٌ إلَيْهِ كالنَّظَرِ والِاسْتِماعِ، وإنَّما ذِكْرُ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ والِاخْتِبارِ شامِلٌ لِفِرَقِ المُكَلَّفِينَ بِاعْتِبارِ الحُسْنِ والقُبْحِ لِلتَّحْرِيضِ عَلى أحاسِنِ المَحاسِنِ، والتَّحْضِيضِ عَلى التَّرَقِّي دائِمًا في مَراتِبِ العِلْمِ والعَمَلِ فَإنَّ المُرادَ بِالعَمَلِ ما يَعُمُّ عَمَلَ القَلْبِ والجَوارِحِ ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ «أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ» .

والمَعْنى أيُّكم أكْمَلُ عِلْمًا وعَمَلًا. ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ما البَعْثُ أوِ القَوْلُ بِهِ أوِ القُرْآنُ المُتَضَمِّنُ لِذِكْرِهِ إلّا كالسِّحْرِ في الخَدِيعَةِ أوِ البُطْلانِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « إلّا ساحِرٌ» عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى القائِلِ. وقُرِئَ (أنَّكُمْ) بِالفَتْحِ عَلى تَضَمُّنِ قُلْتَ مَعْنى ذَكَرْتَ أوْ أنْ يَكُونَ أنَّ بِمَعْنى عَلى أيْ ولَئِنْ قُلْتَ عَلَّكم مَبْعُوثُونَ، بِمَعْنى تَوَقَّعُوا بَعْثَكم ولا تَبُتُّوا بِإنْكارِهِ لَعَدُّوهُ مِن قَبِيلِ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ مُبالَغَةً في إنْكارِهِ.

8

وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍۢ مَّعْدُودَةٍۢ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And if We hold back from them the punishment for a limited time, they will surely say, "What detains it?" Unquestionably, on the Day it comes to them, it will not be averted from them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ﴾ المَوْعُودَ. ﴿إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ إلى جَماعَةٍ مِنَ الأوْقاتِ قَلِيلَةٍ. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ اسْتِهْزاءً. ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾ ما يَمْنَعُهُ مِنَ الوُقُوعِ. ﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ كَيَوْمِ بَدْرٍ. ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ لَيْسَ العَذابُ مَدْفُوعًا عَنْهم، ويَوْمَ مَنصُوبٌ بِخَبَرِ لَيْسَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وهو دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ خَبَرِها عَلَيْها. ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ وأحاطَ بِهِمْ وُضِعَ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا ومُبالَغَةً في التَّهْدِيدِ. ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيِ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَعْجِلُونَ، فَوُضِعَ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مَوْضِعَ يَسْتَعْجِلُونَ لِأنَّ اسْتِعْجالَهم كانَ اسْتِهْزاءً.

9

وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ ثُمَّ نَزَعْنَٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌۭ كَفُورٌۭ

And if We give man a taste of mercy from Us and then We withdraw it from him, indeed, he is despairing and ungrateful.

﴿وَلَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ ولَئِنْ أعْطَيْناهُ نِعْمَةً بِحَيْثُ يَجِدُ لَذَّتَها. ﴿ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ﴾ ثُمَّ سَلَبْنا تِلْكَ النِّعْمَةَ مِنهُ. ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ قَطُوعٌ رَجاءَهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِقِلَّةِ صَبْرِهِ وعَدَمِ ثِقَتِهِ بِهِ. ﴿كَفُورٌ﴾ مُبالِغٌ في كُفْرانِ ما سَلَفَ لَهُ مِنَ النِّعْمَةِ.

﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ كَصِحَّةٍ بَعْدَ سَقَمٍ وغِنًى بَعْدَ عَدَمٍ، وفي اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ نُكْتَةٌ لا تَخْفى. ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ أيِ المَصائِبُ الَّتِي ساءَتْنِي. ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ بَطِرٌ بِالنِّعَمِ مُغْتَرٌّ بِها. ﴿فَخُورٌ﴾ عَلى النّاسِ مَشْغُولٌ عَنِ الشُّكْرِ والقِيامِ بِحَقِّها، وفي لَفْظِ الإذاقَةِ والمَسِّ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ في الدُّنْيا مِنَ النِّعَمِ والمِحَنِ كالأُنْمُوذَجِ لِما يَجِدُهُ في الآخِرَةِ، وأنَّهُ يَقَعُ في الكُفْرانِ والبَطَرِ بِأدْنى شَيْءٍ لِأنَّ الذَّوْقَ إدْراكُ الطَّعْمِ والمَسَّ مُبْتَدَأُ الوُصُولِ.

﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى الضَّرّاءِ إيمانًا بِاللَّهِ تَعالى واسْتِسْلامًا لِقَضائِهِ. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ شُكْرًا لِآلائِهِ سابِقِها ولاحِقِها. ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ. ﴿وَأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أُقِلُّهُ الجَنَّةُ والِاسْتِثْناءُ مِنَ الإنْسانِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ فَإذا كانَ مُحَلّى بِاللّامِ أفادَ الِاسْتِغْراقَ ومَن حَمَلَهُ عَلى الكافِرِ لِسَبْقِ ذِكْرِهِمْ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا.

10

وَلَئِنْ أَذَقْنَٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌۭ فَخُورٌ

But if We give him a taste of favor after hardship has touched him, he will surely say, "Bad times have left me." Indeed, he is exultant and boastful -

﴿وَلَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ ولَئِنْ أعْطَيْناهُ نِعْمَةً بِحَيْثُ يَجِدُ لَذَّتَها. ﴿ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ﴾ ثُمَّ سَلَبْنا تِلْكَ النِّعْمَةَ مِنهُ. ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ قَطُوعٌ رَجاءَهُ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِقِلَّةِ صَبْرِهِ وعَدَمِ ثِقَتِهِ بِهِ. ﴿كَفُورٌ﴾ مُبالِغٌ في كُفْرانِ ما سَلَفَ لَهُ مِنَ النِّعْمَةِ.

﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ كَصِحَّةٍ بَعْدَ سَقَمٍ وغِنًى بَعْدَ عَدَمٍ، وفي اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ نُكْتَةٌ لا تَخْفى. ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ أيِ المَصائِبُ الَّتِي ساءَتْنِي. ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ بَطِرٌ بِالنِّعَمِ مُغْتَرٌّ بِها. ﴿فَخُورٌ﴾ عَلى النّاسِ مَشْغُولٌ عَنِ الشُّكْرِ والقِيامِ بِحَقِّها، وفي لَفْظِ الإذاقَةِ والمَسِّ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ في الدُّنْيا مِنَ النِّعَمِ والمِحَنِ كالأُنْمُوذَجِ لِما يَجِدُهُ في الآخِرَةِ، وأنَّهُ يَقَعُ في الكُفْرانِ والبَطَرِ بِأدْنى شَيْءٍ لِأنَّ الذَّوْقَ إدْراكُ الطَّعْمِ والمَسَّ مُبْتَدَأُ الوُصُولِ.

﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عَلى الضَّرّاءِ إيمانًا بِاللَّهِ تَعالى واسْتِسْلامًا لِقَضائِهِ. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ شُكْرًا لِآلائِهِ سابِقِها ولاحِقِها. ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِذُنُوبِهِمْ. ﴿وَأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أُقِلُّهُ الجَنَّةُ والِاسْتِثْناءُ مِنَ الإنْسانِ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ فَإذا كانَ مُحَلّى بِاللّامِ أفادَ الِاسْتِغْراقَ ومَن حَمَلَهُ عَلى الكافِرِ لِسَبْقِ ذِكْرِهِمْ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا.

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.