Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 61–70 of 123

61

۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌۭ مُّجِيبٌۭ

And to Thamud [We sent] their brother Salih. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. He has produced you from the earth and settled you in it, so ask forgiveness of Him and then repent to Him. Indeed, my Lord is near and responsive."

﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهِ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾

قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ إلى قَوْلِهِ (غَيْرُهُ) الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [هود: ٥٠] إلَخْ.

وذِكْرُ ثَمُودَ وصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وثَمُودُ اسْمُ جَدٍّ سُمِّيَتْ بِهِ القَبِيلَةُ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ بِتَأْوِيلِ القَبِيلَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ ونَفْيِ إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ، وكَأنَّهم كانُوا مِثْلَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ لا يَدَّعُونَ لِأصْنامِهِمْ خَلْقًا ولا رِزْقًا، فَلِذَلِكَ كانَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ناهِضَةً واضِحَةً.

صفحة ١٠٨

والإنْشاءُ: الإيجادُ والإحْداثُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦] في الأنْعامِ.

وجَعَلَ الخَبَرَيْنِ عَنِ الضَّمِيرِ فِعْلَيْنِ دُونَ: هو مُنْشِئُكم ومُسْتَعْمِرُكم لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ لَمْ يُنْشِئْكم مِنَ الأرْضِ إلّا هو ولَمْ يَسْتَعْمِرْكم فِيها غَيْرُهُ.

والإنْشاءُ مِنَ الأرْضِ خَلْقُ آدَمَ مِنَ الأرْضِ لِأنَّ إنْشاءَهُ إنْشاءٌ لِنَسْلِهِ، وإنَّما ذُكِرَ تَعَلُّقُ خَلْقِهِمْ بِالأرْضِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ غَرْسٍ وزَرْعٍ، كَما قالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿أتُتْرَكُونَ فِيما هاهُنا آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمْ ولِأنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ مِن جِبالِ الأرْضِ بُيُوتًا ويَبْنُونَ في الأرْضِ قُصُورًا، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤]، فَكانَتْ لَهم مَنافِعُ مِنَ الأرْضِ تُناسِبُ نِعْمَةَ إنْشائِهِمْ مِنَ الأرْضِ فَلِأجْلِ مَنافِعِهِمْ في الأرْضِ قُيِّدَتْ نِعْمَةُ الخَلْقِ بِأنَّها مِنَ الأرْضِ الَّتِي أُنْشِئُوا مِنها، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾

والِاسْتِعْمارُ: الإعْمارُ، أيْ جَعَلَكم عامِرِيها، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ كالَّتِي في اسْتَبْقى واسْتَفاقَ. ومَعْنى الإعْمارِ أنَّهم جَعَلُوا الأرْضَ عامِرَةً بِالبِناءِ والغَرْسِ والزَّرْعِ لِأنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ تَعْمِيرًا لِلْأرْضِ حَتّى سُمِّيَ الحَرْثُ عِمارَةً لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ عَمْرُ الأرْضِ.

وفَرَّعَ عَلى التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ النِّعَمِ أمْرَهم بِاسْتِغْفارِهِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ، أيْ طَلَبِ مَغْفِرَةِ إجْرامِهِمْ، والإقْلاعِعَمّا لا يَرْضاهُ مِنَ الشِّرْكِ والفَسادِ. ومِن تَفَنُّنِ الأُسْلُوبِ أنْ جُعِلَتْ هَذِهِ النِّعَمُعِلَّةً لِأمْرِهِمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ بِطَرِيقِ جُمْلَةِ التَّعْلِيلِ، وجُعِلَتْ عِلَّةً أيْضًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ بِطَرِيقِ التَّفْرِيعِ.

وعُطِفَ الأمْرُ بِالتَّوْبَةِ بِحَرْفِ التَّراخِي لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ.

صفحة ١٠٩

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُمُ اسْتَعْظَمُوا أنْ يَكُونَ جُرْمُهم مِمّا يُقْبَلُ الِاسْتِغْفارُ عَنْهُ، فَأُجِيبُوابِأنَّ اللَّهَ قَرِيبٌ مُجِيبٌ، وبِذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ بِتَعْلِيلٍ. وحَرْفُ (إنَّ) فِيها لِلتَّأْكِيدِ تَنْزِيلًا لَهم في تَعْظِيمِ جُرْمِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في …

62

قَالُوا۟ يَٰصَٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّۭا قَبْلَ هَٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ

They said, "O Salih, you were among us a man of promise before this. Do you forbid us to worship what our fathers worshipped? And indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾

هَذا جَوابُهم عَنْ دَعْوَتِهِ البَلِيغَةِ الوَجِيزَةِ المَلْأى إرْشادًا وهَدْيًا. وهو جَوابٌ مَلِيءٌ بِالضَّلالِ والمُكابَرَةِ وضَعْفِ الحُجَّةِ.

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِالنِّداءِ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ أوِ المَلامِ والتَّنْبِيهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣] . وقَرِينَةُ التَّوْبِيخِ هُنا أظْهَرُ، وهي قَوْلُهم ﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ فَإنَّهُ تَعْرِيضٌ بِخَيْبَةِ رَجائِهِمْ فِيهِ فَهو تَعْنِيفٌ.

و(قَدْ) لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ.

صفحة ١١٠

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (مَرْجُوًّا) لِدَلالَةِ فِعْلِ الرَّجاءِ عَلى أنَّهُ تَرَقُّبُ الخَيْرِ، أيْ مَرْجُوًّا لِلْخَيْرِ. أيْ والآنَ وقَعَ اليَأْسُ مِن خَيْرِكَ. وهَذا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهم يَعُدُّونَ ما دَعاهم إلَيْهِ شَرًّا، وإنَّما خاطَبُوهُ بِمِثْلِ هَذا لِأنَّهُ بُعِثَ فِيهِمْ وهو شابٌّ (كَذا قالَ البَغَوِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأعْرافِ) أيْ كُنْتَ مَرْجُوًّا لِخِصالِ السِّيادَةِ وحِمايَةِ العَشِيرَةِ ونُصْرَةِ آلِهَتِهِمْ.

والإشارَةُ في (قَبْلَ هَذا) إلى الكَلامِ الَّذِي خاطَبَهم بِهِ حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ بِاعْتِبارِ دَلالَتِها عَلى التَّعْنِيفِ، واشْتِمالِها عَلى اسْمِ الإشارَةِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ أيْضًا جُمْلَةُ ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾

والِاسْتِفْهامُ: إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ.

وعَبَّرُوا عَنْ أصْنامِهِمْ بِالمَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِحْقاقِ تِلْكَ الأصْنامِ أنْ يَعْبُدُوها في زَعْمِهِمِ اقْتِداءً بِآبائِهِمْ لِأنَّهم أُسْوَةٌ لَهم، وذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ الإنْكارَ اتِّجاهًا في اعْتِقادِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾، فَبَعْدَ أنْ ذَكَرُوا يَأْسَهم مِن صَلاحِ حالِهِ ذَكَرُوا أنَّهم يَشُكُّونَ في صِدْقِ أنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ وزادُوا ذَلِكَ تَأْكِيدًا بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ. ومِن مَحاسِنِ النُّكَتِ هُنا إثْباتُ نُونِ (إنَّ) مَعَ نُونِ ضَمِيرِ الجَمْعِ لِأنَّ ذَلِكَ زِيادَةُ إظْهارٍ لِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، والإظْهارُ ضَرْبٌ مِنَ التَّحْقِيقِ بِخِلافِ ما في سُورَةِ إبْراهِيمَ مِن قَوْلِ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا﴾ [إبراهيم: ٩] لِأنَّ الحِكايَةَ فِيها عَنْ أُمَمٍ مُخْتَلِفَةٍ في دَرَجاتِ التَّكْذِيبِ، ولِأنَّ ما في هاتِهِ الآيَةِ خِطابٌ واحِدٌ، فَكانَ (تَدْعُونا) بِنُونٍ واحِدَةٍ هي نُونُ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ فَلَمْ يَقَعْ في الجُمْلَةِ أكْثَرُ مِن ثَلاثِ نُوناتٍ بِخِلافِ ما في سُورَةِ إبْراهِيمَ لِأنَّ الحِكايَةَ هُنالِكَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الرُّسُلِ في تَدْعُونَنا فَلَوْ جاءَ (إنَّنا) لاجْتَمَعَ أرْبَعُ نُوناتٍ.

صفحة ١١١

والمُرِيبُ: اسْمُ فاعِلٍ مَن أرابَ إذا أُوقِعَ في الرَّيْبِ. يُقالُ: رابَهُ وأرابَهُ بِمَعْنًى. ووَصْفُ الشَّكِّ بِذَلِكَ تَأْكِيدٌ كَقَوْلِهِمْ: جَدَّ جَدُّهُ.

63

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةًۭ فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍۢ

He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord and He has given me mercy from Himself, who would protect me from Allah if I disobeyed Him? So you would not increase me except in loss.

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾

جَوابٌ عَنْ كَلامِهِمْ فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ جُمْلَةُ (قالَ) وهو الشَّأْنُ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وابْتِداءُ الجَوابِ بِالنِّداءِ لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ إلى ما سَيَقُولُهُ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ.

وخاطَبَهم بِوَصْفِ القَوْمِيَّةِ لَهُ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ.

والكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً﴾ كالكَلامِ عَلى نَظِيرِها في قِصَّةِ نُوحٍ.

وإنَّما يَتَّجِهُ هُنا أنْ يَسْألَ عَنْ مُوجِبِ تَقْدِيمِ (مِنهُ) عَلى (رَحْمَةٍ) هُنا وتَأْخِيرِ (مِن عِنْدِهِ) عَنْ (رَحْمَةٍ) في قِصَّةِ نُوحٍ السّابِقَةِ.

فالجَوابُ لِأنَّ ذَلِكَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّفَنُّنِ بِعَدَمِ التِزامِ طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في إعادَةِ الكَلامِ المُتَماثِلِ، هو أيْضًا أسْعَدُ بِالبَيانِ في وُضُوحِ الدَّلالَةِ ودَفْعِ اللَّبْسِ. فَلَمّا كانَ مَجْرُورُ (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ ظَرْفًا وهو (عِنْدَ) كانَ صَرِيحًا في وصْفِ الرَّحْمَةِ بِصِفَةٍ تَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ الرَّبّانِيِّ بِها وبِمَن أُوتِيَها. ولَمّا كانَ المَجْرُورُ هُنا ضَمِيرَ الجَلالَةِ كانَ الأحْسَنُ أنْ يَقَعَ عَقِبَ فِعْلِ (آتانِي) لِيَكُونَ تَقْيِيدُ الإيتاءِ بِأنَّهُ مِنَ اللَّهِ مُشِيرًا إلى إيتاءٍ خاصٍّ ذِي عِنايَةٍ بِالمُؤْتى إذْ لَوْلا ذَلِكَ لَكانَ كَوْنُهُ مِنَ

صفحة ١١٢

اللَّهِ تَحْصِيلًا لِما أُفِيدَ مِن إسْنادِ الإيتاءِ إلَيْهِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ إيتاءً خاصًّا، ولَوْ أُوقِعَ مِنهُ عَقِبَ رَحْمَةٍ لَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّ ذَلِكَ عِوَضٌ عَنِ الإضافَةِ، أيْ عَنْ أنْ يُقالَ: وآتانِي رَحْمَتَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا﴾ [مريم: ٢١] أيْ ورَحْمَتَنا لَهم، أيْ لِنَعِظَهم ونَرْحَمَهم.

وجُمْلَةُ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ وهو ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾

والمَعْنى إلْزامٌ وجَدَلٌ، أيْ إنْ كُنْتُمْ تُنْكِرُونَ نُبُوَّتِي وتُوَبِّخُونَنِي عَلى دَعْوَتِكم فَأنا مُؤْمِنٌ بِأنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي، أفَتَرُونَ أنِّي أعْدِلُ عَنْ يَقِينِي إلى شَكِّكم، وكَيْفَ تَتَوَقَّعُونَ مِنِّي ذَلِكَ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ يَقِينِي بِذَلِكَ يَجْعَلُنِي خائِفًا مِن عَذابِ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ ولا أحَدَ يَنْصُرُنِي.

والكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ كالكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ [هود: ٣٠] في قِصَّةِ نُوحٍ.

وفَرَّعَ عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ جُمْلَةَ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أيْ إذْ كانَ ذَلِكَ فَما دُعاؤُكم إيّايَ إلّا سَعْيٌ في خُسْرانِي.

والمُرادُ بِالزِّيادَةِ حُدُوثُ حالٍ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لِأنَّ ذَلِكَ زِيادَةٌ في أحْوالِ الإنْسانِ، أيْ فَما يَحْدُثُ لِي إنِ اتَّبَعَتْكم وعَصَيْتُ اللَّهَ إلّا الخُسْرانُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى - حِكايَةً عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦]، أيْ كُنْتُ أدْعُوهم وهم يَسْمَعُونَ فَلَمّا كَرَرْتُ دَعْوَتَهم زادُوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ فَفَرُّوا، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم كانُوا يَفِرُّونَ فَزادُوا في الفِرارِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ هُنالِكَ: فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا مِن فِرارٍ، ولَقِيلَ هُنا: فَما تَزِيدُونَنِي إلّا مِن تَخْسِيرٍ.

والتَّخْسِيرُ، مَصْدَرُ خَسِرَ، إذا …

64

وَيَٰقَوْمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةًۭ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍۢ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌۭ قَرِيبٌۭ

And O my people, this is the she-camel of Allah - [she is] to you a sign. So let her feed upon Allah 's earth and do not touch her with harm, or you will be taken by an impending punishment."

صفحة ١١٣

﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾

هَذا جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] فَأتاهم بِمُعْجِزَةٍ تُزِيلُ الشَّكَّ.

وإعادَةُ (ويا قَوْمِ) لِمِثْلِ الغَرَضِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ [هود: ٣٠]

والإشارَةُ بِهَذِهِ إلى النّاقَةِ حِينَ شاهَدُوا انْفِلاقَ الصَّخْرَةِ عَنْها.

وإضافَةُ النّاقَةِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّها خُلِقَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ.

و(آيَةً) و(لَكم) حالانِ مِن ناقَةٍ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الحالِ في سُورَةِ الأعْرافِ. وسَتَجِيءُ قِصَّةٌ في إعْرابِها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وأوْصاهم بِتَجَنُّبِ الِاعْتِداءِ عَلَيْها لِتَوَقُّعِهِ أنَّهم يَتَصَدَّوْنَ لَها مِن تَصَلُّبِهِمْ في عِنادِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ عَقْرُها في سُورَةِ الأعْرافِ.

والتَّمَتُّعُ: الِانْتِفاعُ بِالمَتاعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والدّارُ: البَلَدُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨] في سُورَةِ الأعْرافِ، وذَلِكَ التَّأْجِيلُ اسْتِقْصاءٌ لَهم في الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ.

والمَكْذُوبُ: الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ الكاذِبُ. يُقالُ: كَذَبَ الخَبَرَ، إذا اخْتَلَقَهُ.

65

فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍۢ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍۢ

But they hamstrung her, so he said, "Enjoy yourselves in your homes for three days. That is a promise not to be denied."

صفحة ١١٣

﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾

هَذا جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] فَأتاهم بِمُعْجِزَةٍ تُزِيلُ الشَّكَّ.

وإعادَةُ (ويا قَوْمِ) لِمِثْلِ الغَرَضِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ [هود: ٣٠]

والإشارَةُ بِهَذِهِ إلى النّاقَةِ حِينَ شاهَدُوا انْفِلاقَ الصَّخْرَةِ عَنْها.

وإضافَةُ النّاقَةِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّها خُلِقَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ.

و(آيَةً) و(لَكم) حالانِ مِن ناقَةٍ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الحالِ في سُورَةِ الأعْرافِ. وسَتَجِيءُ قِصَّةٌ في إعْرابِها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وأوْصاهم بِتَجَنُّبِ الِاعْتِداءِ عَلَيْها لِتَوَقُّعِهِ أنَّهم يَتَصَدَّوْنَ لَها مِن تَصَلُّبِهِمْ في عِنادِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ عَقْرُها في سُورَةِ الأعْرافِ.

والتَّمَتُّعُ: الِانْتِفاعُ بِالمَتاعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والدّارُ: البَلَدُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨] في سُورَةِ الأعْرافِ، وذَلِكَ التَّأْجِيلُ اسْتِقْصاءٌ لَهم في الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ.

والمَكْذُوبُ: الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ الكاذِبُ. يُقالُ: كَذَبَ الخَبَرَ، إذا اخْتَلَقَهُ.

66

فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَٰلِحًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ

So when Our command came, We saved Salih and those who believed with him, by mercy from Us, and [saved them] from the disgrace of that day. Indeed, it is your Lord who is the Powerful, the Exalted in Might.

صفحة ١١٤

﴿فَلَمّا جا أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾

تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظائِرِ بَعْضِ هَذِهِ الآيَةِ في قِصَّةِ هُودٍ في سُورَةِ الأعْرافِ.

ومُتَعَلِّقُ نَجَّيْنا مَحْذُوفٌ.

وعَطْفُ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ عَلى مُتَعَلِّقِ (نَجَّيْنا) المَحْذُوفِ، أيْ نَجَّيْنا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ ومِنَ الخِزْيِ المُكَيَّفِ بِهِ العَذابُ فَإنَّ العَذابَ يَكُونُ عَلى كَيْفِيّاتٍ بَعْضُها أخْزى مِن بَعْضٍ. فالمَقْصُودُ مِنَ العَطْفِ عَطْفُ مِنَّةٍ عَلى مِنَّةٍ لا عَطْفُ إنْجاءٍ عَلى إنْجاءٍ، ولِذَلِكَ عَطَفَ المُتَعَلِّقَ ولَمْ يَعْطِفِ الفِعْلَ، كَما عَطَفَ في قِصَّةِ عادٍ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] لِأنَّ ذَلِكَ إنْجاءٌ مِن عَذابٍ مُغايِرٍ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

وتَنْوِينُ يَوْمِئِذٍ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ جاءَ أمْرُنا.

والخِزْيُ: الذُّلُّ، وهو ذُلُّ العَذابِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ.

وقَدْ أُكِّدَ الخَبَرُ بِثَلاثِ مُؤَكِّداتٍ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وعَبَّرَ عَنْ ثَمُودَ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا لِلْإيماءِ بِالمَوْصُولِ إلى عِلَّةِ تَرَتُّبِ الحُكْمِ، أيْ لِظُلْمِهِمْ وهو ظُلْمُ الشِّرْكِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ بِالتَّحْذِيرِ مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلَ ما أصابَ أُولَئِكَ لِأنَّهم ظالِمُونَ أيْضًا.

صفحة ١١٥

والصَّيْحَةُ: الصّاعِقَةُ أصابَتْهم.

ومَعْنى ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا.

وتَقَدَّمَ شُعَيْبٌ في الأعْرافِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألا إنَّ ثَمُودًا﴾ - بِالتَّنْوِينِ - عَلى اعْتِبارِ ثَمُودٍ اسْمِ جَدِّ الأُمَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، بِدُونِ تَنْوِينٍ عَلى اعْتِبارِهِ اسْمًا لِلْأُمَّةِ أوِ القَبِيلَةِ. وهُما طَرِيقَتانِ مَشْهُورَتانِ لِلْعَرَبِ في أسْماءِ القَبائِلِ المُسَمّاةِ بِأسْماءِ الأجْدادِ الأعْلَيْنَ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (بُعْدًا) في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤]

67

وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَٰرِهِمْ جَٰثِمِينَ

And the shriek seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

صفحة ١١٤

﴿فَلَمّا جا أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾

تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظائِرِ بَعْضِ هَذِهِ الآيَةِ في قِصَّةِ هُودٍ في سُورَةِ الأعْرافِ.

ومُتَعَلِّقُ نَجَّيْنا مَحْذُوفٌ.

وعَطْفُ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ عَلى مُتَعَلِّقِ (نَجَّيْنا) المَحْذُوفِ، أيْ نَجَّيْنا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ ومِنَ الخِزْيِ المُكَيَّفِ بِهِ العَذابُ فَإنَّ العَذابَ يَكُونُ عَلى كَيْفِيّاتٍ بَعْضُها أخْزى مِن بَعْضٍ. فالمَقْصُودُ مِنَ العَطْفِ عَطْفُ مِنَّةٍ عَلى مِنَّةٍ لا عَطْفُ إنْجاءٍ عَلى إنْجاءٍ، ولِذَلِكَ عَطَفَ المُتَعَلِّقَ ولَمْ يَعْطِفِ الفِعْلَ، كَما عَطَفَ في قِصَّةِ عادٍ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] لِأنَّ ذَلِكَ إنْجاءٌ مِن عَذابٍ مُغايِرٍ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

وتَنْوِينُ يَوْمِئِذٍ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ جاءَ أمْرُنا.

والخِزْيُ: الذُّلُّ، وهو ذُلُّ العَذابِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ.

وقَدْ أُكِّدَ الخَبَرُ بِثَلاثِ مُؤَكِّداتٍ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وعَبَّرَ عَنْ ثَمُودَ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا لِلْإيماءِ بِالمَوْصُولِ إلى عِلَّةِ تَرَتُّبِ الحُكْمِ، أيْ لِظُلْمِهِمْ وهو ظُلْمُ الشِّرْكِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ بِالتَّحْذِيرِ مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلَ ما أصابَ أُولَئِكَ لِأنَّهم ظالِمُونَ أيْضًا.

صفحة ١١٥

والصَّيْحَةُ: الصّاعِقَةُ أصابَتْهم.

ومَعْنى ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا.

وتَقَدَّمَ شُعَيْبٌ في الأعْرافِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألا إنَّ ثَمُودًا﴾ - بِالتَّنْوِينِ - عَلى اعْتِبارِ ثَمُودٍ اسْمِ جَدِّ الأُمَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، بِدُونِ تَنْوِينٍ عَلى اعْتِبارِهِ اسْمًا لِلْأُمَّةِ أوِ القَبِيلَةِ. وهُما طَرِيقَتانِ مَشْهُورَتانِ لِلْعَرَبِ في أسْماءِ القَبائِلِ المُسَمّاةِ بِأسْماءِ الأجْدادِ الأعْلَيْنَ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (بُعْدًا) في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤]

68

كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّثَمُودَ

As if they had never prospered therein. Unquestionably, Thamud denied their Lord; then, away with Thamud.

صفحة ١١٤

﴿فَلَمّا جا أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾

تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظائِرِ بَعْضِ هَذِهِ الآيَةِ في قِصَّةِ هُودٍ في سُورَةِ الأعْرافِ.

ومُتَعَلِّقُ نَجَّيْنا مَحْذُوفٌ.

وعَطْفُ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ عَلى مُتَعَلِّقِ (نَجَّيْنا) المَحْذُوفِ، أيْ نَجَّيْنا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ ومِنَ الخِزْيِ المُكَيَّفِ بِهِ العَذابُ فَإنَّ العَذابَ يَكُونُ عَلى كَيْفِيّاتٍ بَعْضُها أخْزى مِن بَعْضٍ. فالمَقْصُودُ مِنَ العَطْفِ عَطْفُ مِنَّةٍ عَلى مِنَّةٍ لا عَطْفُ إنْجاءٍ عَلى إنْجاءٍ، ولِذَلِكَ عَطَفَ المُتَعَلِّقَ ولَمْ يَعْطِفِ الفِعْلَ، كَما عَطَفَ في قِصَّةِ عادٍ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] لِأنَّ ذَلِكَ إنْجاءٌ مِن عَذابٍ مُغايِرٍ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

وتَنْوِينُ يَوْمِئِذٍ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ جاءَ أمْرُنا.

والخِزْيُ: الذُّلُّ، وهو ذُلُّ العَذابِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ.

وقَدْ أُكِّدَ الخَبَرُ بِثَلاثِ مُؤَكِّداتٍ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وعَبَّرَ عَنْ ثَمُودَ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا لِلْإيماءِ بِالمَوْصُولِ إلى عِلَّةِ تَرَتُّبِ الحُكْمِ، أيْ لِظُلْمِهِمْ وهو ظُلْمُ الشِّرْكِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ بِالتَّحْذِيرِ مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلَ ما أصابَ أُولَئِكَ لِأنَّهم ظالِمُونَ أيْضًا.

صفحة ١١٥

والصَّيْحَةُ: الصّاعِقَةُ أصابَتْهم.

ومَعْنى ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا.

وتَقَدَّمَ شُعَيْبٌ في الأعْرافِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألا إنَّ ثَمُودًا﴾ - بِالتَّنْوِينِ - عَلى اعْتِبارِ ثَمُودٍ اسْمِ جَدِّ الأُمَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، بِدُونِ تَنْوِينٍ عَلى اعْتِبارِهِ اسْمًا لِلْأُمَّةِ أوِ القَبِيلَةِ. وهُما طَرِيقَتانِ مَشْهُورَتانِ لِلْعَرَبِ في أسْماءِ القَبائِلِ المُسَمّاةِ بِأسْماءِ الأجْدادِ الأعْلَيْنَ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (بُعْدًا) في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤]

69

وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَٰمًۭا ۖ قَالَ سَلَٰمٌۭ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍۢ

And certainly did Our messengers come to Abraham with good tidings; they said, "Peace." He said, "Peace," and did not delay in bringing [them] a roasted calf.

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ﴾ ﴿قالَتْ يا ويْلَتا ءاَلِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (قَدْ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]

صفحة ١١٦

والغَرَضُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ هو المَوْعِظَةُ بِمَصِيرِ قَوْمِ لُوطٍ إذْ عَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَحَلَّ بِهِمُ العَذابُ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم مُجادَلَةُ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ لِذَلِكَ ولِلتَّنْوِيهِ بِمَقامِهِ عِنْدَ رَبِّهِ عَلى وجْهِ الإدْماجِ، ولِذَلِكَ غُيِّرَ أُسْلُوبُ الحِكايَةِ في القَصَصِ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها نَحْوَ (وإلى عادٍ) إلَخْ.

والرُّسُلُ: المَلائِكَةُ. قالَ - تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]

والبُشْرى: اسْمٌ لِلتَّبْشِيرِ والبِشارَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. هَذِهِ البُشْرى هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ لِأنَّ بِشارَةَ زَوْجِهِ بِابْنٍ بِشارَةٌ لَهُ أيْضًا.

والباءُ في (بِالبُشْرى) لِلْمُصاحَبَةِ لِأنَّهم جاءُوا لِأجْلِ البُشْرى فَهي مُصاحِبَةٌ لَهم كَمُصاحَبَةِ الرِّسالَةِ لِلْمُرْسَلِ بِها.

وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سَلامًا﴾ في مَوْضِعِ البَيانِ لِلْبُشْرى؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ مَبْدَأُ البُشْرى، وإنَّ ما اعْتُرِضَ بَيْنَها حِكايَةُ أحْوالٍ، وقَدِ انْتَهى إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾

والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

و(سَلامًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وقَعَ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ. والتَّقْدِيرُ: سَلَّمْنا سَلامًا.

و(سَلامٌ) المَرْفُوعُ مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، أيْ لَكم، مِثْلَ (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) . ورَفْعُ المَصْدَرِ أبْلَغُ مِن نَصْبِهِ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ فِيهِ تَنامِي مَعْنى الفِعْلِ فَهو أدَلُّ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ. ولِذَلِكَ خالَفَ بَيْنَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَدَّ السَّلامَ بِعِبارَةٍ أحْسَنَ مِن عِبارَةِ الرُّسُلِ زِيادَةً في الإكْرامِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَيّا الخَلِيلُ بِأحْسَنِ مِمّا حُيِّيَ بِهِ، أيْ نَظَرًا إلى الأدَبِ الإلَهِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ لَنا في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦]

صفحة ١١٧

فَحُكِيَ ذَلِكَ بِأوْجَزِ لَفْظٍ في العَرَبِيَّةِ أداءً لِمَعْنى كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الكَلْدانِيَّةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿قالَ سَلامٌ﴾ - بِفَتْحِ السِّينِ وبِألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - . وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (قالَ سِلْمٌ) - بِكَسْرِ السِّينِ وبِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - وهو اسْمُ المُسالَمَةِ. وسُمِّيَتْ بِهِ التَّحِيَّةُ كَما سُمِّيَتْ بِمُرادِفِهِ (سَلامٌ) فَهو مِن …

70

فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍۢ

But when he saw their hands not reaching for it, he distrusted them and felt from them apprehension. They said, "Fear not. We have been sent to the people of Lot."

﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ﴾ ﴿قالَتْ يا ويْلَتا ءاَلِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾

عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (قَدْ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]

صفحة ١١٦

والغَرَضُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ هو المَوْعِظَةُ بِمَصِيرِ قَوْمِ لُوطٍ إذْ عَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَحَلَّ بِهِمُ العَذابُ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم مُجادَلَةُ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ لِذَلِكَ ولِلتَّنْوِيهِ بِمَقامِهِ عِنْدَ رَبِّهِ عَلى وجْهِ الإدْماجِ، ولِذَلِكَ غُيِّرَ أُسْلُوبُ الحِكايَةِ في القَصَصِ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها نَحْوَ (وإلى عادٍ) إلَخْ.

والرُّسُلُ: المَلائِكَةُ. قالَ - تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]

والبُشْرى: اسْمٌ لِلتَّبْشِيرِ والبِشارَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. هَذِهِ البُشْرى هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ لِأنَّ بِشارَةَ زَوْجِهِ بِابْنٍ بِشارَةٌ لَهُ أيْضًا.

والباءُ في (بِالبُشْرى) لِلْمُصاحَبَةِ لِأنَّهم جاءُوا لِأجْلِ البُشْرى فَهي مُصاحِبَةٌ لَهم كَمُصاحَبَةِ الرِّسالَةِ لِلْمُرْسَلِ بِها.

وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سَلامًا﴾ في مَوْضِعِ البَيانِ لِلْبُشْرى؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ مَبْدَأُ البُشْرى، وإنَّ ما اعْتُرِضَ بَيْنَها حِكايَةُ أحْوالٍ، وقَدِ انْتَهى إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾

والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

و(سَلامًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وقَعَ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ. والتَّقْدِيرُ: سَلَّمْنا سَلامًا.

و(سَلامٌ) المَرْفُوعُ مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، أيْ لَكم، مِثْلَ (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) . ورَفْعُ المَصْدَرِ أبْلَغُ مِن نَصْبِهِ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ فِيهِ تَنامِي مَعْنى الفِعْلِ فَهو أدَلُّ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ. ولِذَلِكَ خالَفَ بَيْنَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَدَّ السَّلامَ بِعِبارَةٍ أحْسَنَ مِن عِبارَةِ الرُّسُلِ زِيادَةً في الإكْرامِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَيّا الخَلِيلُ بِأحْسَنِ مِمّا حُيِّيَ بِهِ، أيْ نَظَرًا إلى الأدَبِ الإلَهِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ لَنا في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦]

صفحة ١١٧

فَحُكِيَ ذَلِكَ بِأوْجَزِ لَفْظٍ في العَرَبِيَّةِ أداءً لِمَعْنى كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الكَلْدانِيَّةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿قالَ سَلامٌ﴾ - بِفَتْحِ السِّينِ وبِألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - . وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (قالَ سِلْمٌ) - بِكَسْرِ السِّينِ وبِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - وهو اسْمُ المُسالَمَةِ. وسُمِّيَتْ بِهِ التَّحِيَّةُ كَما سُمِّيَتْ بِمُرادِفِهِ (سَلامٌ) فَهو مِن …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.