Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali

Ayahs 61–70 of 123

61

۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌۭ مُّجِيبٌۭ

And to Thamud [We sent] their brother Salih. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. He has produced you from the earth and settled you in it, so ask forgiveness of Him and then repent to Him. Indeed, my Lord is near and responsive."

قوله تعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ القصة.

الكلامُ على أوَّلها كالذي قبلها. والعامَّةُ على منع «ثمُود» الصَّرْف هنا لعلَّتين: وهما العلمية والتَّأنيث، ذهبُوا به مذهب القبيلة، والأعمش ويحيى بن وثاب صَرَفاه، ذهبا به مذهب الحي، وسيأتي بيان الخلافِ إن شاءَ الله تعالى.

قوله: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض﴾ يجُوزُ أن تكون «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ، أي ابتداء إنشائكم منها إمَّا إنشاءُ أصلكم، وهو آدم - صلوات الله وسلامه عليه -.

قال ابنُ الخطيب: «وفيه وجهٌ آخر وهو أقربُ منه؛ وذلك لأنَّ الإنسان مخلوقٌ من المنيّ ومن دم الطمث، والمنيُّ إنما تولد من الدَّم، فالإنسان مخلوق من الدَّم، والدَّم إنما تولد من الأغذية، والأغذيةُ إما حيوانية وإما نباتية، والحيوانات حالها كحال الإنسان؛ فوجب انتهاء الكل إلى النبات والنبات أنما تولد من الأرض؛ فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض» .

أو لأن كل واحد خلق من تربته؛ أو لأن عذائهم وسبب حياتهم من الأرض.

وقيل: «من» بمعنى «في» ولا حاجة إليه.

قوله: ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ أي جعلكم عمَّارها وسكانها. قال الضحاكُ: «أطَالَ أعماركم فيها» . وقال مجاهدٌ: أعمركم من العمرى. أي جعلها لكم ما عِشْتُمْ. وقال قتادةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «اسكنكم فيها» . قال ابنُ العربي: «قال بعضُ علمائنا: الاستعمارُ: طلبُ العمارة، والطلب المعلق من الله - تعالى - على الوجوب، قال القاضي أبو بكرٍ: تأتي كلمة استفعل في لسانِ العربِ على معانٍ منها: استفعل بمعنى: طلبُ الفعل كقوله: اسْتَحْمَلْتُه أي: طلبت من حملاناً، وبمعنى اعتقد؛ كقوله: استسهلت هذا الأمر اعتقدته سهلاً، أو وجدتُه سهلاً، واستعظمتهُ أي: وجدته عظيماً، وبمعنى أصبت كقوله: استجدته أي: أصبته جيداً، وبمعنى» فَعَلَ «؛ كقوله: قرَّ في المكانِ، واستقر، قالوا وقوله: [ ﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأنعام: 5] و ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: 14] منه، فقوله تعالى: ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ أي: خلقكم لعمارتها، لا على معنى: استجدته واستسهلته، أي: أصبته جيداً، وسهلاً، وهذا يستحيل] في حقِّ الخالق، فيرجع إلى أنَّه حلق لأنه الفائدة؛ وقد يعبّر عن الشيء بفائدته مجازاً، ولا يصحّ أن يقال إنه طلبٌ من الله لعمارتها، فإن هذا لا يجوز في حقه» ويصحُّ أن يقال: استدعى عمارتها، وفي الآية دليل على الإسكان والعُمْرَى.

ثم قال: ﴿فاستغفروه ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ﴾ وقد تقدَّم تفسيره. ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ أي: أقربُ بالعلم والسمعِ «مجيب» دعاء المحتاجين بفضله، ورحمته.

ولمَّا قرَّر صالح هذه الدلائل ﴿قَالُواْ ياصالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا﴾ أي: كُنَّا نَرْجُو أن تكون سيّداً فينا. وقيل: كُنَّا نَرْجُو أن تعُود إلى ديننا، وذلك أنَّهُ كان رجلاً قوي الخاطر وكان من قبيلتهم، فقوي رجاؤهُم في أن ينصر دينهم، ويقرِّرُ طريقتهم، فلمَّا دعاهم إلى الله وترك الأصنام زعموا أنَّ رجاءهم انقطع منه فقالوا: ﴿أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الآلهة، فتمسَّكُوا بطريق التقليد.

ونظير تعجُّبهم هذا ما حكاهُ الله - تعالى - عن كفَّار مكَّة في قولهم: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5] .

قوله: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ﴾ مما تدعونا إليه مريب هذا هو الأصل، ويجوز «وإنَّا» بنونٍ واحدةٍ مشدَّدة كما في السورة الأخرى [إبراهيم: 9] . وينبغي أن يكون المحذوفُ النُّونَ الثَّانية من «إنَّ» ؛ لأنَّه قد عُهد حذفها دون اجتماعها مع «ن» ، فحذها مع «ن» أولى، وأيضاً فإنَّ حذف بعض الأسماءِ ليس بسهلٍ وقال الفرَّاءُ: «مَنْ قال» إنَّنَا «أخرج الحرف على أصله؛ لأنَّ كتابة المتكلمين» نَا «فاجتمع ثلاثُ نونات، ومن قال:» إنا «استثقل اجتماعها؛ فأسقط الثالثة، وأبقى الأوليين» انتهى. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك.

قوله: «مُرِيبٍ» اسم فاعل من …

62

قَالُوا۟ يَٰصَٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّۭا قَبْلَ هَٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ

They said, "O Salih, you were among us a man of promise before this. Do you forbid us to worship what our fathers worshipped? And indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

قوله تعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ القصة.

الكلامُ على أوَّلها كالذي قبلها. والعامَّةُ على منع «ثمُود» الصَّرْف هنا لعلَّتين: وهما العلمية والتَّأنيث، ذهبُوا به مذهب القبيلة، والأعمش ويحيى بن وثاب صَرَفاه، ذهبا به مذهب الحي، وسيأتي بيان الخلافِ إن شاءَ الله تعالى.

قوله: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض﴾ يجُوزُ أن تكون «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ، أي ابتداء إنشائكم منها إمَّا إنشاءُ أصلكم، وهو آدم - صلوات الله وسلامه عليه -.

قال ابنُ الخطيب: «وفيه وجهٌ آخر وهو أقربُ منه؛ وذلك لأنَّ الإنسان مخلوقٌ من المنيّ ومن دم الطمث، والمنيُّ إنما تولد من الدَّم، فالإنسان مخلوق من الدَّم، والدَّم إنما تولد من الأغذية، والأغذيةُ إما حيوانية وإما نباتية، والحيوانات حالها كحال الإنسان؛ فوجب انتهاء الكل إلى النبات والنبات أنما تولد من الأرض؛ فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض» .

أو لأن كل واحد خلق من تربته؛ أو لأن عذائهم وسبب حياتهم من الأرض.

وقيل: «من» بمعنى «في» ولا حاجة إليه.

قوله: ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ أي جعلكم عمَّارها وسكانها. قال الضحاكُ: «أطَالَ أعماركم فيها» . وقال مجاهدٌ: أعمركم من العمرى. أي جعلها لكم ما عِشْتُمْ. وقال قتادةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «اسكنكم فيها» . قال ابنُ العربي: «قال بعضُ علمائنا: الاستعمارُ: طلبُ العمارة، والطلب المعلق من الله - تعالى - على الوجوب، قال القاضي أبو بكرٍ: تأتي كلمة استفعل في لسانِ العربِ على معانٍ منها: استفعل بمعنى: طلبُ الفعل كقوله: اسْتَحْمَلْتُه أي: طلبت من حملاناً، وبمعنى اعتقد؛ كقوله: استسهلت هذا الأمر اعتقدته سهلاً، أو وجدتُه سهلاً، واستعظمتهُ أي: وجدته عظيماً، وبمعنى أصبت كقوله: استجدته أي: أصبته جيداً، وبمعنى» فَعَلَ «؛ كقوله: قرَّ في المكانِ، واستقر، قالوا وقوله: [ ﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأنعام: 5] و ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: 14] منه، فقوله تعالى: ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ أي: خلقكم لعمارتها، لا على معنى: استجدته واستسهلته، أي: أصبته جيداً، وسهلاً، وهذا يستحيل] في حقِّ الخالق، فيرجع إلى أنَّه حلق لأنه الفائدة؛ وقد يعبّر عن الشيء بفائدته مجازاً، ولا يصحّ أن يقال إنه طلبٌ من الله لعمارتها، فإن هذا لا يجوز في حقه» ويصحُّ أن يقال: استدعى عمارتها، وفي الآية دليل على الإسكان والعُمْرَى.

ثم قال: ﴿فاستغفروه ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ﴾ وقد تقدَّم تفسيره. ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ أي: أقربُ بالعلم والسمعِ «مجيب» دعاء المحتاجين بفضله، ورحمته.

ولمَّا قرَّر صالح هذه الدلائل ﴿قَالُواْ ياصالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا﴾ أي: كُنَّا نَرْجُو أن تكون سيّداً فينا. وقيل: كُنَّا نَرْجُو أن تعُود إلى ديننا، وذلك أنَّهُ كان رجلاً قوي الخاطر وكان من قبيلتهم، فقوي رجاؤهُم في أن ينصر دينهم، ويقرِّرُ طريقتهم، فلمَّا دعاهم إلى الله وترك الأصنام زعموا أنَّ رجاءهم انقطع منه فقالوا: ﴿أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الآلهة، فتمسَّكُوا بطريق التقليد.

ونظير تعجُّبهم هذا ما حكاهُ الله - تعالى - عن كفَّار مكَّة في قولهم: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5] .

قوله: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ﴾ مما تدعونا إليه مريب هذا هو الأصل، ويجوز «وإنَّا» بنونٍ واحدةٍ مشدَّدة كما في السورة الأخرى [إبراهيم: 9] . وينبغي أن يكون المحذوفُ النُّونَ الثَّانية من «إنَّ» ؛ لأنَّه قد عُهد حذفها دون اجتماعها مع «ن» ، فحذها مع «ن» أولى، وأيضاً فإنَّ حذف بعض الأسماءِ ليس بسهلٍ وقال الفرَّاءُ: «مَنْ قال» إنَّنَا «أخرج الحرف على أصله؛ لأنَّ كتابة المتكلمين» نَا «فاجتمع ثلاثُ نونات، ومن قال:» إنا «استثقل اجتماعها؛ فأسقط الثالثة، وأبقى الأوليين» انتهى. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك.

قوله: «مُرِيبٍ» اسم فاعل من …

63

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةًۭ فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍۢ

He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord and He has given me mercy from Himself, who would protect me from Allah if I disobeyed Him? So you would not increase me except in loss.

قوله تعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ القصة.

الكلامُ على أوَّلها كالذي قبلها. والعامَّةُ على منع «ثمُود» الصَّرْف هنا لعلَّتين: وهما العلمية والتَّأنيث، ذهبُوا به مذهب القبيلة، والأعمش ويحيى بن وثاب صَرَفاه، ذهبا به مذهب الحي، وسيأتي بيان الخلافِ إن شاءَ الله تعالى.

قوله: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض﴾ يجُوزُ أن تكون «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ، أي ابتداء إنشائكم منها إمَّا إنشاءُ أصلكم، وهو آدم - صلوات الله وسلامه عليه -.

قال ابنُ الخطيب: «وفيه وجهٌ آخر وهو أقربُ منه؛ وذلك لأنَّ الإنسان مخلوقٌ من المنيّ ومن دم الطمث، والمنيُّ إنما تولد من الدَّم، فالإنسان مخلوق من الدَّم، والدَّم إنما تولد من الأغذية، والأغذيةُ إما حيوانية وإما نباتية، والحيوانات حالها كحال الإنسان؛ فوجب انتهاء الكل إلى النبات والنبات أنما تولد من الأرض؛ فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض» .

أو لأن كل واحد خلق من تربته؛ أو لأن عذائهم وسبب حياتهم من الأرض.

وقيل: «من» بمعنى «في» ولا حاجة إليه.

قوله: ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ أي جعلكم عمَّارها وسكانها. قال الضحاكُ: «أطَالَ أعماركم فيها» . وقال مجاهدٌ: أعمركم من العمرى. أي جعلها لكم ما عِشْتُمْ. وقال قتادةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «اسكنكم فيها» . قال ابنُ العربي: «قال بعضُ علمائنا: الاستعمارُ: طلبُ العمارة، والطلب المعلق من الله - تعالى - على الوجوب، قال القاضي أبو بكرٍ: تأتي كلمة استفعل في لسانِ العربِ على معانٍ منها: استفعل بمعنى: طلبُ الفعل كقوله: اسْتَحْمَلْتُه أي: طلبت من حملاناً، وبمعنى اعتقد؛ كقوله: استسهلت هذا الأمر اعتقدته سهلاً، أو وجدتُه سهلاً، واستعظمتهُ أي: وجدته عظيماً، وبمعنى أصبت كقوله: استجدته أي: أصبته جيداً، وبمعنى» فَعَلَ «؛ كقوله: قرَّ في المكانِ، واستقر، قالوا وقوله: [ ﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأنعام: 5] و ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: 14] منه، فقوله تعالى: ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ أي: خلقكم لعمارتها، لا على معنى: استجدته واستسهلته، أي: أصبته جيداً، وسهلاً، وهذا يستحيل] في حقِّ الخالق، فيرجع إلى أنَّه حلق لأنه الفائدة؛ وقد يعبّر عن الشيء بفائدته مجازاً، ولا يصحّ أن يقال إنه طلبٌ من الله لعمارتها، فإن هذا لا يجوز في حقه» ويصحُّ أن يقال: استدعى عمارتها، وفي الآية دليل على الإسكان والعُمْرَى.

ثم قال: ﴿فاستغفروه ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ﴾ وقد تقدَّم تفسيره. ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ أي: أقربُ بالعلم والسمعِ «مجيب» دعاء المحتاجين بفضله، ورحمته.

ولمَّا قرَّر صالح هذه الدلائل ﴿قَالُواْ ياصالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا﴾ أي: كُنَّا نَرْجُو أن تكون سيّداً فينا. وقيل: كُنَّا نَرْجُو أن تعُود إلى ديننا، وذلك أنَّهُ كان رجلاً قوي الخاطر وكان من قبيلتهم، فقوي رجاؤهُم في أن ينصر دينهم، ويقرِّرُ طريقتهم، فلمَّا دعاهم إلى الله وترك الأصنام زعموا أنَّ رجاءهم انقطع منه فقالوا: ﴿أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الآلهة، فتمسَّكُوا بطريق التقليد.

ونظير تعجُّبهم هذا ما حكاهُ الله - تعالى - عن كفَّار مكَّة في قولهم: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5] .

قوله: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ﴾ مما تدعونا إليه مريب هذا هو الأصل، ويجوز «وإنَّا» بنونٍ واحدةٍ مشدَّدة كما في السورة الأخرى [إبراهيم: 9] . وينبغي أن يكون المحذوفُ النُّونَ الثَّانية من «إنَّ» ؛ لأنَّه قد عُهد حذفها دون اجتماعها مع «ن» ، فحذها مع «ن» أولى، وأيضاً فإنَّ حذف بعض الأسماءِ ليس بسهلٍ وقال الفرَّاءُ: «مَنْ قال» إنَّنَا «أخرج الحرف على أصله؛ لأنَّ كتابة المتكلمين» نَا «فاجتمع ثلاثُ نونات، ومن قال:» إنا «استثقل اجتماعها؛ فأسقط الثالثة، وأبقى الأوليين» انتهى. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك.

قوله: «مُرِيبٍ» اسم فاعل من …

64

وَيَٰقَوْمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةًۭ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍۢ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌۭ قَرِيبٌۭ

And O my people, this is the she-camel of Allah - [she is] to you a sign. So let her feed upon Allah 's earth and do not touch her with harm, or you will be taken by an impending punishment."

قوله تعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ القصة.

الكلامُ على أوَّلها كالذي قبلها. والعامَّةُ على منع «ثمُود» الصَّرْف هنا لعلَّتين: وهما العلمية والتَّأنيث، ذهبُوا به مذهب القبيلة، والأعمش ويحيى بن وثاب صَرَفاه، ذهبا به مذهب الحي، وسيأتي بيان الخلافِ إن شاءَ الله تعالى.

قوله: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض﴾ يجُوزُ أن تكون «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ، أي ابتداء إنشائكم منها إمَّا إنشاءُ أصلكم، وهو آدم - صلوات الله وسلامه عليه -.

قال ابنُ الخطيب: «وفيه وجهٌ آخر وهو أقربُ منه؛ وذلك لأنَّ الإنسان مخلوقٌ من المنيّ ومن دم الطمث، والمنيُّ إنما تولد من الدَّم، فالإنسان مخلوق من الدَّم، والدَّم إنما تولد من الأغذية، والأغذيةُ إما حيوانية وإما نباتية، والحيوانات حالها كحال الإنسان؛ فوجب انتهاء الكل إلى النبات والنبات أنما تولد من الأرض؛ فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض» .

أو لأن كل واحد خلق من تربته؛ أو لأن عذائهم وسبب حياتهم من الأرض.

وقيل: «من» بمعنى «في» ولا حاجة إليه.

قوله: ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ أي جعلكم عمَّارها وسكانها. قال الضحاكُ: «أطَالَ أعماركم فيها» . وقال مجاهدٌ: أعمركم من العمرى. أي جعلها لكم ما عِشْتُمْ. وقال قتادةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «اسكنكم فيها» . قال ابنُ العربي: «قال بعضُ علمائنا: الاستعمارُ: طلبُ العمارة، والطلب المعلق من الله - تعالى - على الوجوب، قال القاضي أبو بكرٍ: تأتي كلمة استفعل في لسانِ العربِ على معانٍ منها: استفعل بمعنى: طلبُ الفعل كقوله: اسْتَحْمَلْتُه أي: طلبت من حملاناً، وبمعنى اعتقد؛ كقوله: استسهلت هذا الأمر اعتقدته سهلاً، أو وجدتُه سهلاً، واستعظمتهُ أي: وجدته عظيماً، وبمعنى أصبت كقوله: استجدته أي: أصبته جيداً، وبمعنى» فَعَلَ «؛ كقوله: قرَّ في المكانِ، واستقر، قالوا وقوله: [ ﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأنعام: 5] و ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: 14] منه، فقوله تعالى: ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ أي: خلقكم لعمارتها، لا على معنى: استجدته واستسهلته، أي: أصبته جيداً، وسهلاً، وهذا يستحيل] في حقِّ الخالق، فيرجع إلى أنَّه حلق لأنه الفائدة؛ وقد يعبّر عن الشيء بفائدته مجازاً، ولا يصحّ أن يقال إنه طلبٌ من الله لعمارتها، فإن هذا لا يجوز في حقه» ويصحُّ أن يقال: استدعى عمارتها، وفي الآية دليل على الإسكان والعُمْرَى.

ثم قال: ﴿فاستغفروه ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ﴾ وقد تقدَّم تفسيره. ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ أي: أقربُ بالعلم والسمعِ «مجيب» دعاء المحتاجين بفضله، ورحمته.

ولمَّا قرَّر صالح هذه الدلائل ﴿قَالُواْ ياصالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا﴾ أي: كُنَّا نَرْجُو أن تكون سيّداً فينا. وقيل: كُنَّا نَرْجُو أن تعُود إلى ديننا، وذلك أنَّهُ كان رجلاً قوي الخاطر وكان من قبيلتهم، فقوي رجاؤهُم في أن ينصر دينهم، ويقرِّرُ طريقتهم، فلمَّا دعاهم إلى الله وترك الأصنام زعموا أنَّ رجاءهم انقطع منه فقالوا: ﴿أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الآلهة، فتمسَّكُوا بطريق التقليد.

ونظير تعجُّبهم هذا ما حكاهُ الله - تعالى - عن كفَّار مكَّة في قولهم: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5] .

قوله: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ﴾ مما تدعونا إليه مريب هذا هو الأصل، ويجوز «وإنَّا» بنونٍ واحدةٍ مشدَّدة كما في السورة الأخرى [إبراهيم: 9] . وينبغي أن يكون المحذوفُ النُّونَ الثَّانية من «إنَّ» ؛ لأنَّه قد عُهد حذفها دون اجتماعها مع «ن» ، فحذها مع «ن» أولى، وأيضاً فإنَّ حذف بعض الأسماءِ ليس بسهلٍ وقال الفرَّاءُ: «مَنْ قال» إنَّنَا «أخرج الحرف على أصله؛ لأنَّ كتابة المتكلمين» نَا «فاجتمع ثلاثُ نونات، ومن قال:» إنا «استثقل اجتماعها؛ فأسقط الثالثة، وأبقى الأوليين» انتهى. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك.

قوله: «مُرِيبٍ» اسم فاعل من …

65

فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍۢ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍۢ

But they hamstrung her, so he said, "Enjoy yourselves in your homes for three days. That is a promise not to be denied."

قوله تعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ القصة.

الكلامُ على أوَّلها كالذي قبلها. والعامَّةُ على منع «ثمُود» الصَّرْف هنا لعلَّتين: وهما العلمية والتَّأنيث، ذهبُوا به مذهب القبيلة، والأعمش ويحيى بن وثاب صَرَفاه، ذهبا به مذهب الحي، وسيأتي بيان الخلافِ إن شاءَ الله تعالى.

قوله: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض﴾ يجُوزُ أن تكون «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ، أي ابتداء إنشائكم منها إمَّا إنشاءُ أصلكم، وهو آدم - صلوات الله وسلامه عليه -.

قال ابنُ الخطيب: «وفيه وجهٌ آخر وهو أقربُ منه؛ وذلك لأنَّ الإنسان مخلوقٌ من المنيّ ومن دم الطمث، والمنيُّ إنما تولد من الدَّم، فالإنسان مخلوق من الدَّم، والدَّم إنما تولد من الأغذية، والأغذيةُ إما حيوانية وإما نباتية، والحيوانات حالها كحال الإنسان؛ فوجب انتهاء الكل إلى النبات والنبات أنما تولد من الأرض؛ فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض» .

أو لأن كل واحد خلق من تربته؛ أو لأن عذائهم وسبب حياتهم من الأرض.

وقيل: «من» بمعنى «في» ولا حاجة إليه.

قوله: ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ أي جعلكم عمَّارها وسكانها. قال الضحاكُ: «أطَالَ أعماركم فيها» . وقال مجاهدٌ: أعمركم من العمرى. أي جعلها لكم ما عِشْتُمْ. وقال قتادةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «اسكنكم فيها» . قال ابنُ العربي: «قال بعضُ علمائنا: الاستعمارُ: طلبُ العمارة، والطلب المعلق من الله - تعالى - على الوجوب، قال القاضي أبو بكرٍ: تأتي كلمة استفعل في لسانِ العربِ على معانٍ منها: استفعل بمعنى: طلبُ الفعل كقوله: اسْتَحْمَلْتُه أي: طلبت من حملاناً، وبمعنى اعتقد؛ كقوله: استسهلت هذا الأمر اعتقدته سهلاً، أو وجدتُه سهلاً، واستعظمتهُ أي: وجدته عظيماً، وبمعنى أصبت كقوله: استجدته أي: أصبته جيداً، وبمعنى» فَعَلَ «؛ كقوله: قرَّ في المكانِ، واستقر، قالوا وقوله: [ ﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأنعام: 5] و ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: 14] منه، فقوله تعالى: ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ أي: خلقكم لعمارتها، لا على معنى: استجدته واستسهلته، أي: أصبته جيداً، وسهلاً، وهذا يستحيل] في حقِّ الخالق، فيرجع إلى أنَّه حلق لأنه الفائدة؛ وقد يعبّر عن الشيء بفائدته مجازاً، ولا يصحّ أن يقال إنه طلبٌ من الله لعمارتها، فإن هذا لا يجوز في حقه» ويصحُّ أن يقال: استدعى عمارتها، وفي الآية دليل على الإسكان والعُمْرَى.

ثم قال: ﴿فاستغفروه ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ﴾ وقد تقدَّم تفسيره. ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ أي: أقربُ بالعلم والسمعِ «مجيب» دعاء المحتاجين بفضله، ورحمته.

ولمَّا قرَّر صالح هذه الدلائل ﴿قَالُواْ ياصالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا﴾ أي: كُنَّا نَرْجُو أن تكون سيّداً فينا. وقيل: كُنَّا نَرْجُو أن تعُود إلى ديننا، وذلك أنَّهُ كان رجلاً قوي الخاطر وكان من قبيلتهم، فقوي رجاؤهُم في أن ينصر دينهم، ويقرِّرُ طريقتهم، فلمَّا دعاهم إلى الله وترك الأصنام زعموا أنَّ رجاءهم انقطع منه فقالوا: ﴿أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الآلهة، فتمسَّكُوا بطريق التقليد.

ونظير تعجُّبهم هذا ما حكاهُ الله - تعالى - عن كفَّار مكَّة في قولهم: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5] .

قوله: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ﴾ مما تدعونا إليه مريب هذا هو الأصل، ويجوز «وإنَّا» بنونٍ واحدةٍ مشدَّدة كما في السورة الأخرى [إبراهيم: 9] . وينبغي أن يكون المحذوفُ النُّونَ الثَّانية من «إنَّ» ؛ لأنَّه قد عُهد حذفها دون اجتماعها مع «ن» ، فحذها مع «ن» أولى، وأيضاً فإنَّ حذف بعض الأسماءِ ليس بسهلٍ وقال الفرَّاءُ: «مَنْ قال» إنَّنَا «أخرج الحرف على أصله؛ لأنَّ كتابة المتكلمين» نَا «فاجتمع ثلاثُ نونات، ومن قال:» إنا «استثقل اجتماعها؛ فأسقط الثالثة، وأبقى الأوليين» انتهى. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك.

قوله: «مُرِيبٍ» اسم فاعل من …

66

فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَٰلِحًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ

So when Our command came, We saved Salih and those who believed with him, by mercy from Us, and [saved them] from the disgrace of that day. Indeed, it is your Lord who is the Powerful, the Exalted in Might.

قوله تعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ القصة.

الكلامُ على أوَّلها كالذي قبلها. والعامَّةُ على منع «ثمُود» الصَّرْف هنا لعلَّتين: وهما العلمية والتَّأنيث، ذهبُوا به مذهب القبيلة، والأعمش ويحيى بن وثاب صَرَفاه، ذهبا به مذهب الحي، وسيأتي بيان الخلافِ إن شاءَ الله تعالى.

قوله: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض﴾ يجُوزُ أن تكون «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ، أي ابتداء إنشائكم منها إمَّا إنشاءُ أصلكم، وهو آدم - صلوات الله وسلامه عليه -.

قال ابنُ الخطيب: «وفيه وجهٌ آخر وهو أقربُ منه؛ وذلك لأنَّ الإنسان مخلوقٌ من المنيّ ومن دم الطمث، والمنيُّ إنما تولد من الدَّم، فالإنسان مخلوق من الدَّم، والدَّم إنما تولد من الأغذية، والأغذيةُ إما حيوانية وإما نباتية، والحيوانات حالها كحال الإنسان؛ فوجب انتهاء الكل إلى النبات والنبات أنما تولد من الأرض؛ فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض» .

أو لأن كل واحد خلق من تربته؛ أو لأن عذائهم وسبب حياتهم من الأرض.

وقيل: «من» بمعنى «في» ولا حاجة إليه.

قوله: ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ أي جعلكم عمَّارها وسكانها. قال الضحاكُ: «أطَالَ أعماركم فيها» . وقال مجاهدٌ: أعمركم من العمرى. أي جعلها لكم ما عِشْتُمْ. وقال قتادةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «اسكنكم فيها» . قال ابنُ العربي: «قال بعضُ علمائنا: الاستعمارُ: طلبُ العمارة، والطلب المعلق من الله - تعالى - على الوجوب، قال القاضي أبو بكرٍ: تأتي كلمة استفعل في لسانِ العربِ على معانٍ منها: استفعل بمعنى: طلبُ الفعل كقوله: اسْتَحْمَلْتُه أي: طلبت من حملاناً، وبمعنى اعتقد؛ كقوله: استسهلت هذا الأمر اعتقدته سهلاً، أو وجدتُه سهلاً، واستعظمتهُ أي: وجدته عظيماً، وبمعنى أصبت كقوله: استجدته أي: أصبته جيداً، وبمعنى» فَعَلَ «؛ كقوله: قرَّ في المكانِ، واستقر، قالوا وقوله: [ ﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأنعام: 5] و ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: 14] منه، فقوله تعالى: ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ أي: خلقكم لعمارتها، لا على معنى: استجدته واستسهلته، أي: أصبته جيداً، وسهلاً، وهذا يستحيل] في حقِّ الخالق، فيرجع إلى أنَّه حلق لأنه الفائدة؛ وقد يعبّر عن الشيء بفائدته مجازاً، ولا يصحّ أن يقال إنه طلبٌ من الله لعمارتها، فإن هذا لا يجوز في حقه» ويصحُّ أن يقال: استدعى عمارتها، وفي الآية دليل على الإسكان والعُمْرَى.

ثم قال: ﴿فاستغفروه ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ﴾ وقد تقدَّم تفسيره. ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ أي: أقربُ بالعلم والسمعِ «مجيب» دعاء المحتاجين بفضله، ورحمته.

ولمَّا قرَّر صالح هذه الدلائل ﴿قَالُواْ ياصالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا﴾ أي: كُنَّا نَرْجُو أن تكون سيّداً فينا. وقيل: كُنَّا نَرْجُو أن تعُود إلى ديننا، وذلك أنَّهُ كان رجلاً قوي الخاطر وكان من قبيلتهم، فقوي رجاؤهُم في أن ينصر دينهم، ويقرِّرُ طريقتهم، فلمَّا دعاهم إلى الله وترك الأصنام زعموا أنَّ رجاءهم انقطع منه فقالوا: ﴿أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الآلهة، فتمسَّكُوا بطريق التقليد.

ونظير تعجُّبهم هذا ما حكاهُ الله - تعالى - عن كفَّار مكَّة في قولهم: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5] .

قوله: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ﴾ مما تدعونا إليه مريب هذا هو الأصل، ويجوز «وإنَّا» بنونٍ واحدةٍ مشدَّدة كما في السورة الأخرى [إبراهيم: 9] . وينبغي أن يكون المحذوفُ النُّونَ الثَّانية من «إنَّ» ؛ لأنَّه قد عُهد حذفها دون اجتماعها مع «ن» ، فحذها مع «ن» أولى، وأيضاً فإنَّ حذف بعض الأسماءِ ليس بسهلٍ وقال الفرَّاءُ: «مَنْ قال» إنَّنَا «أخرج الحرف على أصله؛ لأنَّ كتابة المتكلمين» نَا «فاجتمع ثلاثُ نونات، ومن قال:» إنا «استثقل اجتماعها؛ فأسقط الثالثة، وأبقى الأوليين» انتهى. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك.

قوله: «مُرِيبٍ» اسم فاعل من …

67

وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَٰرِهِمْ جَٰثِمِينَ

And the shriek seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

قوله تعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ القصة.

الكلامُ على أوَّلها كالذي قبلها. والعامَّةُ على منع «ثمُود» الصَّرْف هنا لعلَّتين: وهما العلمية والتَّأنيث، ذهبُوا به مذهب القبيلة، والأعمش ويحيى بن وثاب صَرَفاه، ذهبا به مذهب الحي، وسيأتي بيان الخلافِ إن شاءَ الله تعالى.

قوله: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض﴾ يجُوزُ أن تكون «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ، أي ابتداء إنشائكم منها إمَّا إنشاءُ أصلكم، وهو آدم - صلوات الله وسلامه عليه -.

قال ابنُ الخطيب: «وفيه وجهٌ آخر وهو أقربُ منه؛ وذلك لأنَّ الإنسان مخلوقٌ من المنيّ ومن دم الطمث، والمنيُّ إنما تولد من الدَّم، فالإنسان مخلوق من الدَّم، والدَّم إنما تولد من الأغذية، والأغذيةُ إما حيوانية وإما نباتية، والحيوانات حالها كحال الإنسان؛ فوجب انتهاء الكل إلى النبات والنبات أنما تولد من الأرض؛ فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض» .

أو لأن كل واحد خلق من تربته؛ أو لأن عذائهم وسبب حياتهم من الأرض.

وقيل: «من» بمعنى «في» ولا حاجة إليه.

قوله: ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ أي جعلكم عمَّارها وسكانها. قال الضحاكُ: «أطَالَ أعماركم فيها» . وقال مجاهدٌ: أعمركم من العمرى. أي جعلها لكم ما عِشْتُمْ. وقال قتادةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «اسكنكم فيها» . قال ابنُ العربي: «قال بعضُ علمائنا: الاستعمارُ: طلبُ العمارة، والطلب المعلق من الله - تعالى - على الوجوب، قال القاضي أبو بكرٍ: تأتي كلمة استفعل في لسانِ العربِ على معانٍ منها: استفعل بمعنى: طلبُ الفعل كقوله: اسْتَحْمَلْتُه أي: طلبت من حملاناً، وبمعنى اعتقد؛ كقوله: استسهلت هذا الأمر اعتقدته سهلاً، أو وجدتُه سهلاً، واستعظمتهُ أي: وجدته عظيماً، وبمعنى أصبت كقوله: استجدته أي: أصبته جيداً، وبمعنى» فَعَلَ «؛ كقوله: قرَّ في المكانِ، واستقر، قالوا وقوله: [ ﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأنعام: 5] و ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: 14] منه، فقوله تعالى: ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ أي: خلقكم لعمارتها، لا على معنى: استجدته واستسهلته، أي: أصبته جيداً، وسهلاً، وهذا يستحيل] في حقِّ الخالق، فيرجع إلى أنَّه حلق لأنه الفائدة؛ وقد يعبّر عن الشيء بفائدته مجازاً، ولا يصحّ أن يقال إنه طلبٌ من الله لعمارتها، فإن هذا لا يجوز في حقه» ويصحُّ أن يقال: استدعى عمارتها، وفي الآية دليل على الإسكان والعُمْرَى.

ثم قال: ﴿فاستغفروه ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ﴾ وقد تقدَّم تفسيره. ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ أي: أقربُ بالعلم والسمعِ «مجيب» دعاء المحتاجين بفضله، ورحمته.

ولمَّا قرَّر صالح هذه الدلائل ﴿قَالُواْ ياصالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا﴾ أي: كُنَّا نَرْجُو أن تكون سيّداً فينا. وقيل: كُنَّا نَرْجُو أن تعُود إلى ديننا، وذلك أنَّهُ كان رجلاً قوي الخاطر وكان من قبيلتهم، فقوي رجاؤهُم في أن ينصر دينهم، ويقرِّرُ طريقتهم، فلمَّا دعاهم إلى الله وترك الأصنام زعموا أنَّ رجاءهم انقطع منه فقالوا: ﴿أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الآلهة، فتمسَّكُوا بطريق التقليد.

ونظير تعجُّبهم هذا ما حكاهُ الله - تعالى - عن كفَّار مكَّة في قولهم: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5] .

قوله: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ﴾ مما تدعونا إليه مريب هذا هو الأصل، ويجوز «وإنَّا» بنونٍ واحدةٍ مشدَّدة كما في السورة الأخرى [إبراهيم: 9] . وينبغي أن يكون المحذوفُ النُّونَ الثَّانية من «إنَّ» ؛ لأنَّه قد عُهد حذفها دون اجتماعها مع «ن» ، فحذها مع «ن» أولى، وأيضاً فإنَّ حذف بعض الأسماءِ ليس بسهلٍ وقال الفرَّاءُ: «مَنْ قال» إنَّنَا «أخرج الحرف على أصله؛ لأنَّ كتابة المتكلمين» نَا «فاجتمع ثلاثُ نونات، ومن قال:» إنا «استثقل اجتماعها؛ فأسقط الثالثة، وأبقى الأوليين» انتهى. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك.

قوله: «مُرِيبٍ» اسم فاعل من …

68

كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّثَمُودَ

As if they had never prospered therein. Unquestionably, Thamud denied their Lord; then, away with Thamud.

قوله تعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ القصة.

الكلامُ على أوَّلها كالذي قبلها. والعامَّةُ على منع «ثمُود» الصَّرْف هنا لعلَّتين: وهما العلمية والتَّأنيث، ذهبُوا به مذهب القبيلة، والأعمش ويحيى بن وثاب صَرَفاه، ذهبا به مذهب الحي، وسيأتي بيان الخلافِ إن شاءَ الله تعالى.

قوله: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض﴾ يجُوزُ أن تكون «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ، أي ابتداء إنشائكم منها إمَّا إنشاءُ أصلكم، وهو آدم - صلوات الله وسلامه عليه -.

قال ابنُ الخطيب: «وفيه وجهٌ آخر وهو أقربُ منه؛ وذلك لأنَّ الإنسان مخلوقٌ من المنيّ ومن دم الطمث، والمنيُّ إنما تولد من الدَّم، فالإنسان مخلوق من الدَّم، والدَّم إنما تولد من الأغذية، والأغذيةُ إما حيوانية وإما نباتية، والحيوانات حالها كحال الإنسان؛ فوجب انتهاء الكل إلى النبات والنبات أنما تولد من الأرض؛ فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض» .

أو لأن كل واحد خلق من تربته؛ أو لأن عذائهم وسبب حياتهم من الأرض.

وقيل: «من» بمعنى «في» ولا حاجة إليه.

قوله: ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ أي جعلكم عمَّارها وسكانها. قال الضحاكُ: «أطَالَ أعماركم فيها» . وقال مجاهدٌ: أعمركم من العمرى. أي جعلها لكم ما عِشْتُمْ. وقال قتادةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «اسكنكم فيها» . قال ابنُ العربي: «قال بعضُ علمائنا: الاستعمارُ: طلبُ العمارة، والطلب المعلق من الله - تعالى - على الوجوب، قال القاضي أبو بكرٍ: تأتي كلمة استفعل في لسانِ العربِ على معانٍ منها: استفعل بمعنى: طلبُ الفعل كقوله: اسْتَحْمَلْتُه أي: طلبت من حملاناً، وبمعنى اعتقد؛ كقوله: استسهلت هذا الأمر اعتقدته سهلاً، أو وجدتُه سهلاً، واستعظمتهُ أي: وجدته عظيماً، وبمعنى أصبت كقوله: استجدته أي: أصبته جيداً، وبمعنى» فَعَلَ «؛ كقوله: قرَّ في المكانِ، واستقر، قالوا وقوله: [ ﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأنعام: 5] و ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: 14] منه، فقوله تعالى: ﴿واستعمركم فِيهَا﴾ أي: خلقكم لعمارتها، لا على معنى: استجدته واستسهلته، أي: أصبته جيداً، وسهلاً، وهذا يستحيل] في حقِّ الخالق، فيرجع إلى أنَّه حلق لأنه الفائدة؛ وقد يعبّر عن الشيء بفائدته مجازاً، ولا يصحّ أن يقال إنه طلبٌ من الله لعمارتها، فإن هذا لا يجوز في حقه» ويصحُّ أن يقال: استدعى عمارتها، وفي الآية دليل على الإسكان والعُمْرَى.

ثم قال: ﴿فاستغفروه ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ﴾ وقد تقدَّم تفسيره. ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ أي: أقربُ بالعلم والسمعِ «مجيب» دعاء المحتاجين بفضله، ورحمته.

ولمَّا قرَّر صالح هذه الدلائل ﴿قَالُواْ ياصالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا﴾ أي: كُنَّا نَرْجُو أن تكون سيّداً فينا. وقيل: كُنَّا نَرْجُو أن تعُود إلى ديننا، وذلك أنَّهُ كان رجلاً قوي الخاطر وكان من قبيلتهم، فقوي رجاؤهُم في أن ينصر دينهم، ويقرِّرُ طريقتهم، فلمَّا دعاهم إلى الله وترك الأصنام زعموا أنَّ رجاءهم انقطع منه فقالوا: ﴿أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الآلهة، فتمسَّكُوا بطريق التقليد.

ونظير تعجُّبهم هذا ما حكاهُ الله - تعالى - عن كفَّار مكَّة في قولهم: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5] .

قوله: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ﴾ مما تدعونا إليه مريب هذا هو الأصل، ويجوز «وإنَّا» بنونٍ واحدةٍ مشدَّدة كما في السورة الأخرى [إبراهيم: 9] . وينبغي أن يكون المحذوفُ النُّونَ الثَّانية من «إنَّ» ؛ لأنَّه قد عُهد حذفها دون اجتماعها مع «ن» ، فحذها مع «ن» أولى، وأيضاً فإنَّ حذف بعض الأسماءِ ليس بسهلٍ وقال الفرَّاءُ: «مَنْ قال» إنَّنَا «أخرج الحرف على أصله؛ لأنَّ كتابة المتكلمين» نَا «فاجتمع ثلاثُ نونات، ومن قال:» إنا «استثقل اجتماعها؛ فأسقط الثالثة، وأبقى الأوليين» انتهى. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك.

قوله: «مُرِيبٍ» اسم فاعل من …

69

وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَٰمًۭا ۖ قَالَ سَلَٰمٌۭ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍۢ

And certainly did Our messengers come to Abraham with good tidings; they said, "Peace." He said, "Peace," and did not delay in bringing [them] a roasted calf.

قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى﴾ القصة.

قال النحويون: دخلت كلمة «قَدْ» ها هنا لأنَّ السَّامع لقصص الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يتوقع قصة بعد قصة، و «قَدْ» للتوقع، ودخلت اللاَّم في «لَقَدْ» تأكيداً للخبر.

فصل

لفظ «رُسُلُنَا» جمع وأقله ثلاثة، فهذا يدلُّ على أنهم كانوا ثلاثة، والزَّائِدُ على هذا العددِ لا يثبتُ إلاَّ بدليل آخر، وأجمعُوا على أنَّ الأصلَ فيهم كان جبريلُ - عليه السَّلامُ -.

قال ابنُ عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: «كانوا ثلاثة جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وهم المذكورون في الذَّاريات ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الذاريات: 24] وفي الحجر ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر: 51] .

وقال الضحَّاكُ:» كانوا تسعة «. وقال محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -» كان جبريل ومعه سبعة «وقال السُّديُّ:» أحد عشر ملكاً» وقال مقاتل: «كانوا اثني عشر ملكاً على صور الغلمان الوضاء وجوههم» .

» بالبشرى «بالبشارة بإسحاق ويعقوب وقيل: بسلامة لوطٍ، وأهلاك قومه.

قوله: ﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾ : في نصبه وجهان:

أحدهما: أنَّه مفعولٌ به، ثم هو محتملٌ لأمرينِ:

أحدهما: أن يراد قالوا هذه اللفظ بعينه، وجاز ذلك لأنَّه يتضمَّن معنى الكلام.

الثاني: أنَّهُ أراد قالوا معنى هذا اللفظ، وقد تقدَّم نحو ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] .

وثاني الوجهين: أن يكون منصوباً على المصدر بفعل محذوفٍ، وذلك الفعلُ في محلِّ نصب بالقول، تقديره: قالوا: سَلَّمْنَا سلاماً، وهو من باب من ناب فيه المصدرُ عن العامل فيه، وهو واجب الإضمار.

قوله:» سَلاَمٌ» في رفعه وجهان: أحدهما: أنَّهُ مبتدأ وخبره محذوفٌ، أي: سلامٌ عليكم.

والثاني: أنَّه خبر مبتدأ محذوف أي: أمْرِي أو قَوْلِي سلام.

وقد تقدَّم أنَّ الرفع أدلُّ على الثُّبوتِ من النَّصْبِ [الفاتحة: 2] ، والجملة بأسرها - وإن كان أحد جزأيها محذوفاً - في محلِّ نصب بالقول؛ كقوله: [الطويل]

2985 - إذَا ذَقْتُ فَاهَا قُلْتُ: طَعْمُ مُدَامَةٍ..... ... ... ... ... ... ... .

وقرأ الاخوان: «قَالَ سِلْم» هنا وفي سورة الذَّاريات بكسر السين وسكون اللاَّم.

ويلزم بالضرورة سقوطُ الألف، قال الفرَّاءُ: «هُما لغتان كحِرْم وحَرَامٍ وحِلٍّ وحلالٍ» ؛ وأنشد [الطويل]

2986 - مَرَرْنَا فَقُلْنَا: إيهِ سِلْمٌ فَسلَّمْتْ ... كَمَا اكْتَلَّ بالبَرْقِ الغَمَامُ اللَّوَائِحُ

يريد: سلامٌ؛ بدليل: فسلَّمَتْ.

وقال الفارسي: «السِّلْم» بالكسر ضد الحربِ، وناسبَ ذلك لأنَّهم لمَّا امتنعوا من تناول ما قدَّمهُ إليهم، أنكرهم، وأوجس منهم خيفة، فقال: أنا سِلْم، أي: مُسَالمكم غيرُ محارب لكم، فلم تمتنعوا من تناول طعامي؟

قال ابنُ الخطيب - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ على هذا التقدير ينبغي أن يكون تكلُّم إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بهذا اللفظ بعد إحضار الطَّعام، والقرآن يدل على أنَّ هذا الكلام قبل إحضار الطَّعام؛ لأنَّه تعالى قال: ﴿قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والفاءُ للتَّعقيب، فدلَّ على أنَّ مجيئَهُ بالعجل الحنيذِ بعد السَّلام.

فصل

أكثر ما يستعمل «سلامٌ عليكم» منكّراً؛ لأنَّهُ في معنى الدُّعاءِ كقولهم: خير بين يديك.

فإن قيل: كيف جاز الابتداء بالنَّكرةِ؟ .

فالجوابُ: إذا وصفت جاز، فإذا قلت: «سلامٌ عليكم» فالتَّنكير هُنا يدلُّ على الكمال والتَّمام، فكأنه سلام كامل تام عليك، ونظيره قوله تعالى: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي﴾ [مريم: 47] وقوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] وقوله: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: 23، 24] .

وأما قوله: ﴿والسلام على مَنِ اتبع الهدى﴾ …

70

فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍۢ

But when he saw their hands not reaching for it, he distrusted them and felt from them apprehension. They said, "Fear not. We have been sent to the people of Lot."

قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى﴾ القصة.

قال النحويون: دخلت كلمة «قَدْ» ها هنا لأنَّ السَّامع لقصص الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يتوقع قصة بعد قصة، و «قَدْ» للتوقع، ودخلت اللاَّم في «لَقَدْ» تأكيداً للخبر.

فصل

لفظ «رُسُلُنَا» جمع وأقله ثلاثة، فهذا يدلُّ على أنهم كانوا ثلاثة، والزَّائِدُ على هذا العددِ لا يثبتُ إلاَّ بدليل آخر، وأجمعُوا على أنَّ الأصلَ فيهم كان جبريلُ - عليه السَّلامُ -.

قال ابنُ عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: «كانوا ثلاثة جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وهم المذكورون في الذَّاريات ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الذاريات: 24] وفي الحجر ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر: 51] .

وقال الضحَّاكُ:» كانوا تسعة «. وقال محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -» كان جبريل ومعه سبعة «وقال السُّديُّ:» أحد عشر ملكاً» وقال مقاتل: «كانوا اثني عشر ملكاً على صور الغلمان الوضاء وجوههم» .

» بالبشرى «بالبشارة بإسحاق ويعقوب وقيل: بسلامة لوطٍ، وأهلاك قومه.

قوله: ﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾ : في نصبه وجهان:

أحدهما: أنَّه مفعولٌ به، ثم هو محتملٌ لأمرينِ:

أحدهما: أن يراد قالوا هذه اللفظ بعينه، وجاز ذلك لأنَّه يتضمَّن معنى الكلام.

الثاني: أنَّهُ أراد قالوا معنى هذا اللفظ، وقد تقدَّم نحو ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] .

وثاني الوجهين: أن يكون منصوباً على المصدر بفعل محذوفٍ، وذلك الفعلُ في محلِّ نصب بالقول، تقديره: قالوا: سَلَّمْنَا سلاماً، وهو من باب من ناب فيه المصدرُ عن العامل فيه، وهو واجب الإضمار.

قوله:» سَلاَمٌ» في رفعه وجهان: أحدهما: أنَّهُ مبتدأ وخبره محذوفٌ، أي: سلامٌ عليكم.

والثاني: أنَّه خبر مبتدأ محذوف أي: أمْرِي أو قَوْلِي سلام.

وقد تقدَّم أنَّ الرفع أدلُّ على الثُّبوتِ من النَّصْبِ [الفاتحة: 2] ، والجملة بأسرها - وإن كان أحد جزأيها محذوفاً - في محلِّ نصب بالقول؛ كقوله: [الطويل]

2985 - إذَا ذَقْتُ فَاهَا قُلْتُ: طَعْمُ مُدَامَةٍ..... ... ... ... ... ... ... .

وقرأ الاخوان: «قَالَ سِلْم» هنا وفي سورة الذَّاريات بكسر السين وسكون اللاَّم.

ويلزم بالضرورة سقوطُ الألف، قال الفرَّاءُ: «هُما لغتان كحِرْم وحَرَامٍ وحِلٍّ وحلالٍ» ؛ وأنشد [الطويل]

2986 - مَرَرْنَا فَقُلْنَا: إيهِ سِلْمٌ فَسلَّمْتْ ... كَمَا اكْتَلَّ بالبَرْقِ الغَمَامُ اللَّوَائِحُ

يريد: سلامٌ؛ بدليل: فسلَّمَتْ.

وقال الفارسي: «السِّلْم» بالكسر ضد الحربِ، وناسبَ ذلك لأنَّهم لمَّا امتنعوا من تناول ما قدَّمهُ إليهم، أنكرهم، وأوجس منهم خيفة، فقال: أنا سِلْم، أي: مُسَالمكم غيرُ محارب لكم، فلم تمتنعوا من تناول طعامي؟

قال ابنُ الخطيب - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ على هذا التقدير ينبغي أن يكون تكلُّم إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بهذا اللفظ بعد إحضار الطَّعام، والقرآن يدل على أنَّ هذا الكلام قبل إحضار الطَّعام؛ لأنَّه تعالى قال: ﴿قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والفاءُ للتَّعقيب، فدلَّ على أنَّ مجيئَهُ بالعجل الحنيذِ بعد السَّلام.

فصل

أكثر ما يستعمل «سلامٌ عليكم» منكّراً؛ لأنَّهُ في معنى الدُّعاءِ كقولهم: خير بين يديك.

فإن قيل: كيف جاز الابتداء بالنَّكرةِ؟ .

فالجوابُ: إذا وصفت جاز، فإذا قلت: «سلامٌ عليكم» فالتَّنكير هُنا يدلُّ على الكمال والتَّمام، فكأنه سلام كامل تام عليك، ونظيره قوله تعالى: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي﴾ [مريم: 47] وقوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] وقوله: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: 23، 24] .

وأما قوله: ﴿والسلام على مَنِ اتبع الهدى﴾ …

Commentary: Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.