Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 61–70 of 123

61

۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌۭ مُّجِيبٌۭ

And to Thamud [We sent] their brother Salih. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. He has produced you from the earth and settled you in it, so ask forgiveness of Him and then repent to Him. Indeed, my Lord is near and responsive."

.

قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، والكَلامُ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإلى ثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ المَواضِعِ.

واخْتَلَفَ سائِرُ القُرّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ في مَوْضِعٍ ولَمْ يَصْرِفُوهُ في مَوْضِعٍ، فالصَّرْفُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالحَيِّ، والمَنعُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ، وهَكَذا سائِرُ ما يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلانِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ:

؎غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ جَماعَةً وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها

﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الأرْضِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، مِن قَوْلِهِمْ: أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ: مِثْلَ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.

وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلاثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرَكم بِعِمارَتِها مِن بِناءِ المَساكِنِ وغَرْسِ الأشْجارِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الإجابَةِ لِمَن دَعاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .

﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ فِينا سَيِّدًا مُطاعًا نَنْتَفِعُ بِرَأْيِكَ، ونَسْعَدُ بِسِيادَتِكَ قَبْلَ هَذا الَّذِي أظْهَرْتَهُ مِنِ ادِّعائِكَ النُّبُوَّةَ ودَعْوَتِكَ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: كانَ صالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهم وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا انْقَطَعَ رَجاؤُنا مِنكَ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ لِلْإنْكارِ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا النَّهْيَ، وأنْ نَعْبُدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِحَذْفِ الجارِّ: أيْ بِأنْ نَعْبُدَ، ومَعْنى ما يَعْبُدُ آباؤُنا: ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مِن أرَبْتُهُ فَأنا أُرِيبُهُ: إذا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ: إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والمَعْنى: إنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكُ عِبادَةِ الأوْثانِ مُوقِعٌ في الرَّيْبِ.

﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ صَحِيحٍ ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ رَحْمَةً أيْ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ وإنْ كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ، لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا بِحالِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ، كَما وصَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ: أيْ لا ناصِرَ لِي يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وراقَبْتُكم وفَتَرْتُ عَمّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ البَلاغِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِتَثْبِيطِكم إيّايَ …

62

قَالُوا۟ يَٰصَٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّۭا قَبْلَ هَٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ

They said, "O Salih, you were among us a man of promise before this. Do you forbid us to worship what our fathers worshipped? And indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

.

قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، والكَلامُ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإلى ثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ المَواضِعِ.

واخْتَلَفَ سائِرُ القُرّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ في مَوْضِعٍ ولَمْ يَصْرِفُوهُ في مَوْضِعٍ، فالصَّرْفُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالحَيِّ، والمَنعُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ، وهَكَذا سائِرُ ما يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلانِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ:

؎غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ جَماعَةً وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها

﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الأرْضِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، مِن قَوْلِهِمْ: أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ: مِثْلَ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.

وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلاثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرَكم بِعِمارَتِها مِن بِناءِ المَساكِنِ وغَرْسِ الأشْجارِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الإجابَةِ لِمَن دَعاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .

﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ فِينا سَيِّدًا مُطاعًا نَنْتَفِعُ بِرَأْيِكَ، ونَسْعَدُ بِسِيادَتِكَ قَبْلَ هَذا الَّذِي أظْهَرْتَهُ مِنِ ادِّعائِكَ النُّبُوَّةَ ودَعْوَتِكَ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: كانَ صالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهم وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا انْقَطَعَ رَجاؤُنا مِنكَ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ لِلْإنْكارِ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا النَّهْيَ، وأنْ نَعْبُدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِحَذْفِ الجارِّ: أيْ بِأنْ نَعْبُدَ، ومَعْنى ما يَعْبُدُ آباؤُنا: ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مِن أرَبْتُهُ فَأنا أُرِيبُهُ: إذا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ: إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والمَعْنى: إنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكُ عِبادَةِ الأوْثانِ مُوقِعٌ في الرَّيْبِ.

﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ صَحِيحٍ ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ رَحْمَةً أيْ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ وإنْ كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ، لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا بِحالِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ، كَما وصَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ: أيْ لا ناصِرَ لِي يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وراقَبْتُكم وفَتَرْتُ عَمّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ البَلاغِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِتَثْبِيطِكم إيّايَ …

63

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةًۭ فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍۢ

He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord and He has given me mercy from Himself, who would protect me from Allah if I disobeyed Him? So you would not increase me except in loss.

.

قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، والكَلامُ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإلى ثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ المَواضِعِ.

واخْتَلَفَ سائِرُ القُرّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ في مَوْضِعٍ ولَمْ يَصْرِفُوهُ في مَوْضِعٍ، فالصَّرْفُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالحَيِّ، والمَنعُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ، وهَكَذا سائِرُ ما يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلانِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ:

؎غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ جَماعَةً وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها

﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الأرْضِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، مِن قَوْلِهِمْ: أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ: مِثْلَ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.

وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلاثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرَكم بِعِمارَتِها مِن بِناءِ المَساكِنِ وغَرْسِ الأشْجارِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الإجابَةِ لِمَن دَعاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .

﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ فِينا سَيِّدًا مُطاعًا نَنْتَفِعُ بِرَأْيِكَ، ونَسْعَدُ بِسِيادَتِكَ قَبْلَ هَذا الَّذِي أظْهَرْتَهُ مِنِ ادِّعائِكَ النُّبُوَّةَ ودَعْوَتِكَ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: كانَ صالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهم وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا انْقَطَعَ رَجاؤُنا مِنكَ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ لِلْإنْكارِ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا النَّهْيَ، وأنْ نَعْبُدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِحَذْفِ الجارِّ: أيْ بِأنْ نَعْبُدَ، ومَعْنى ما يَعْبُدُ آباؤُنا: ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مِن أرَبْتُهُ فَأنا أُرِيبُهُ: إذا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ: إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والمَعْنى: إنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكُ عِبادَةِ الأوْثانِ مُوقِعٌ في الرَّيْبِ.

﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ صَحِيحٍ ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ رَحْمَةً أيْ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ وإنْ كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ، لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا بِحالِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ، كَما وصَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ: أيْ لا ناصِرَ لِي يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وراقَبْتُكم وفَتَرْتُ عَمّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ البَلاغِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِتَثْبِيطِكم إيّايَ …

64

وَيَٰقَوْمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةًۭ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍۢ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌۭ قَرِيبٌۭ

And O my people, this is the she-camel of Allah - [she is] to you a sign. So let her feed upon Allah 's earth and do not touch her with harm, or you will be taken by an impending punishment."

.

قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، والكَلامُ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإلى ثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ المَواضِعِ.

واخْتَلَفَ سائِرُ القُرّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ في مَوْضِعٍ ولَمْ يَصْرِفُوهُ في مَوْضِعٍ، فالصَّرْفُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالحَيِّ، والمَنعُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ، وهَكَذا سائِرُ ما يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلانِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ:

؎غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ جَماعَةً وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها

﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الأرْضِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، مِن قَوْلِهِمْ: أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ: مِثْلَ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.

وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلاثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرَكم بِعِمارَتِها مِن بِناءِ المَساكِنِ وغَرْسِ الأشْجارِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الإجابَةِ لِمَن دَعاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .

﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ فِينا سَيِّدًا مُطاعًا نَنْتَفِعُ بِرَأْيِكَ، ونَسْعَدُ بِسِيادَتِكَ قَبْلَ هَذا الَّذِي أظْهَرْتَهُ مِنِ ادِّعائِكَ النُّبُوَّةَ ودَعْوَتِكَ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: كانَ صالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهم وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا انْقَطَعَ رَجاؤُنا مِنكَ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ لِلْإنْكارِ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا النَّهْيَ، وأنْ نَعْبُدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِحَذْفِ الجارِّ: أيْ بِأنْ نَعْبُدَ، ومَعْنى ما يَعْبُدُ آباؤُنا: ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مِن أرَبْتُهُ فَأنا أُرِيبُهُ: إذا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ: إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والمَعْنى: إنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكُ عِبادَةِ الأوْثانِ مُوقِعٌ في الرَّيْبِ.

﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ صَحِيحٍ ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ رَحْمَةً أيْ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ وإنْ كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ، لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا بِحالِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ، كَما وصَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ: أيْ لا ناصِرَ لِي يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وراقَبْتُكم وفَتَرْتُ عَمّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ البَلاغِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِتَثْبِيطِكم إيّايَ …

65

فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍۢ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍۢ

But they hamstrung her, so he said, "Enjoy yourselves in your homes for three days. That is a promise not to be denied."

.

قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، والكَلامُ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإلى ثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ المَواضِعِ.

واخْتَلَفَ سائِرُ القُرّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ في مَوْضِعٍ ولَمْ يَصْرِفُوهُ في مَوْضِعٍ، فالصَّرْفُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالحَيِّ، والمَنعُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ، وهَكَذا سائِرُ ما يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلانِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ:

؎غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ جَماعَةً وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها

﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الأرْضِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، مِن قَوْلِهِمْ: أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ: مِثْلَ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.

وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلاثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرَكم بِعِمارَتِها مِن بِناءِ المَساكِنِ وغَرْسِ الأشْجارِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الإجابَةِ لِمَن دَعاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .

﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ فِينا سَيِّدًا مُطاعًا نَنْتَفِعُ بِرَأْيِكَ، ونَسْعَدُ بِسِيادَتِكَ قَبْلَ هَذا الَّذِي أظْهَرْتَهُ مِنِ ادِّعائِكَ النُّبُوَّةَ ودَعْوَتِكَ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: كانَ صالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهم وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا انْقَطَعَ رَجاؤُنا مِنكَ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ لِلْإنْكارِ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا النَّهْيَ، وأنْ نَعْبُدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِحَذْفِ الجارِّ: أيْ بِأنْ نَعْبُدَ، ومَعْنى ما يَعْبُدُ آباؤُنا: ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مِن أرَبْتُهُ فَأنا أُرِيبُهُ: إذا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ: إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والمَعْنى: إنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكُ عِبادَةِ الأوْثانِ مُوقِعٌ في الرَّيْبِ.

﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ صَحِيحٍ ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ رَحْمَةً أيْ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ وإنْ كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ، لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا بِحالِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ، كَما وصَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ: أيْ لا ناصِرَ لِي يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وراقَبْتُكم وفَتَرْتُ عَمّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ البَلاغِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِتَثْبِيطِكم إيّايَ …

66

فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَٰلِحًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ

So when Our command came, We saved Salih and those who believed with him, by mercy from Us, and [saved them] from the disgrace of that day. Indeed, it is your Lord who is the Powerful, the Exalted in Might.

.

قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، والكَلامُ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإلى ثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ المَواضِعِ.

واخْتَلَفَ سائِرُ القُرّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ في مَوْضِعٍ ولَمْ يَصْرِفُوهُ في مَوْضِعٍ، فالصَّرْفُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالحَيِّ، والمَنعُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ، وهَكَذا سائِرُ ما يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلانِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ:

؎غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ جَماعَةً وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها

﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الأرْضِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، مِن قَوْلِهِمْ: أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ: مِثْلَ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.

وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلاثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرَكم بِعِمارَتِها مِن بِناءِ المَساكِنِ وغَرْسِ الأشْجارِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الإجابَةِ لِمَن دَعاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .

﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ فِينا سَيِّدًا مُطاعًا نَنْتَفِعُ بِرَأْيِكَ، ونَسْعَدُ بِسِيادَتِكَ قَبْلَ هَذا الَّذِي أظْهَرْتَهُ مِنِ ادِّعائِكَ النُّبُوَّةَ ودَعْوَتِكَ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: كانَ صالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهم وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا انْقَطَعَ رَجاؤُنا مِنكَ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ لِلْإنْكارِ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا النَّهْيَ، وأنْ نَعْبُدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِحَذْفِ الجارِّ: أيْ بِأنْ نَعْبُدَ، ومَعْنى ما يَعْبُدُ آباؤُنا: ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مِن أرَبْتُهُ فَأنا أُرِيبُهُ: إذا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ: إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والمَعْنى: إنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكُ عِبادَةِ الأوْثانِ مُوقِعٌ في الرَّيْبِ.

﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ صَحِيحٍ ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ رَحْمَةً أيْ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ وإنْ كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ، لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا بِحالِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ، كَما وصَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ: أيْ لا ناصِرَ لِي يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وراقَبْتُكم وفَتَرْتُ عَمّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ البَلاغِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِتَثْبِيطِكم إيّايَ …

67

وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَٰرِهِمْ جَٰثِمِينَ

And the shriek seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

.

قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، والكَلامُ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإلى ثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ المَواضِعِ.

واخْتَلَفَ سائِرُ القُرّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ في مَوْضِعٍ ولَمْ يَصْرِفُوهُ في مَوْضِعٍ، فالصَّرْفُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالحَيِّ، والمَنعُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ، وهَكَذا سائِرُ ما يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلانِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ:

؎غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ جَماعَةً وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها

﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الأرْضِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، مِن قَوْلِهِمْ: أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ: مِثْلَ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.

وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلاثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرَكم بِعِمارَتِها مِن بِناءِ المَساكِنِ وغَرْسِ الأشْجارِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الإجابَةِ لِمَن دَعاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .

﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ فِينا سَيِّدًا مُطاعًا نَنْتَفِعُ بِرَأْيِكَ، ونَسْعَدُ بِسِيادَتِكَ قَبْلَ هَذا الَّذِي أظْهَرْتَهُ مِنِ ادِّعائِكَ النُّبُوَّةَ ودَعْوَتِكَ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: كانَ صالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهم وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا انْقَطَعَ رَجاؤُنا مِنكَ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ لِلْإنْكارِ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا النَّهْيَ، وأنْ نَعْبُدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِحَذْفِ الجارِّ: أيْ بِأنْ نَعْبُدَ، ومَعْنى ما يَعْبُدُ آباؤُنا: ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مِن أرَبْتُهُ فَأنا أُرِيبُهُ: إذا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ: إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والمَعْنى: إنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكُ عِبادَةِ الأوْثانِ مُوقِعٌ في الرَّيْبِ.

﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ صَحِيحٍ ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ رَحْمَةً أيْ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ وإنْ كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ، لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا بِحالِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ، كَما وصَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ: أيْ لا ناصِرَ لِي يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وراقَبْتُكم وفَتَرْتُ عَمّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ البَلاغِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِتَثْبِيطِكم إيّايَ …

68

كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ ۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّثَمُودَ

As if they had never prospered therein. Unquestionably, Thamud denied their Lord; then, away with Thamud.

.

قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، والكَلامُ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وإلى ثَمُودٍ بِالتَّنْوِينِ في جَمِيعِ المَواضِعِ.

واخْتَلَفَ سائِرُ القُرّاءِ فِيهِ فَصَرَفُوهُ في مَوْضِعٍ ولَمْ يَصْرِفُوهُ في مَوْضِعٍ، فالصَّرْفُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالحَيِّ، والمَنعُ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ، وهَكَذا سائِرُ ما يَصِحُّ فِيهِ التَّأْوِيلانِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في التَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالقَبِيلَةِ:

؎غَلَبَ المَسامِيحَ الوَلِيدُ جَماعَةً وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها

﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ مِن صُلْبِ آدَمَ، وهو مَخْلُوقٌ مِنَ الأرْضِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ أيْ جَعَلَكم عُمّارَها وسُكّانَها، مِن قَوْلِهِمْ: أعْمَرَ فُلانٌ فُلانًا دارَهُ فَهي لَهُ عُمْرى، فَيَكُونُ اسْتَفْعَلْ بِمَعْنى أفْعَلَ: مِثْلَ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.

وقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ أطالَ أعْمارَكم، وكانَتْ أعْمارُهم مِن ثَلاثِمِائَةٍ إلى ألْفٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرَكم بِعِمارَتِها مِن بِناءِ المَساكِنِ وغَرْسِ الأشْجارِ ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ سَلُوهُ المَغْفِرَةَ لَكم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا إلى عِبادَتِهِ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أيْ قَرِيبُ الإجابَةِ لِمَن دَعاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .

﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ أيْ كُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ فِينا سَيِّدًا مُطاعًا نَنْتَفِعُ بِرَأْيِكَ، ونَسْعَدُ بِسِيادَتِكَ قَبْلَ هَذا الَّذِي أظْهَرْتَهُ مِنِ ادِّعائِكَ النُّبُوَّةَ ودَعْوَتِكَ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: كانَ صالِحٌ يَعِيبُ آلِهَتَهم وكانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، فَلَمّا دَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا انْقَطَعَ رَجاؤُنا مِنكَ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ لِلْإنْكارِ أنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذا النَّهْيَ، وأنْ نَعْبُدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِحَذْفِ الجارِّ: أيْ بِأنْ نَعْبُدَ، ومَعْنى ما يَعْبُدُ آباؤُنا: ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا، فَهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ مِن أرَبْتُهُ فَأنا أُرِيبُهُ: إذا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ، أوْ مِن أرابَ الرَّجُلُ: إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، والمَعْنى: إنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكُ عِبادَةِ الأوْثانِ مُوقِعٌ في الرَّيْبِ.

﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ صَحِيحٍ ﴿وآتانِي مِنهُ﴾ أيْ مِن جِهَتِهِ رَحْمَةً أيْ نُبُوَّةً، وهَذِهِ الأُمُورُ وإنْ كانَتْ مُتَحَقِّقَةَ الوُقُوعِ، لَكِنَّها صُدِّرَتْ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ اعْتِبارًا بِحالِ المُخاطَبِينَ، لِأنَّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ، كَما وصَفُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ: أيْ لا ناصِرَ لِي يَمْنَعُنِي مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وراقَبْتُكم وفَتَرْتُ عَمّا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ البَلاغِ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بِتَثْبِيطِكم إيّايَ …

69

وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَٰمًۭا ۖ قَالَ سَلَٰمٌۭ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍۢ

And certainly did Our messengers come to Abraham with good tidings; they said, "Peace." He said, "Peace," and did not delay in bringing [them] a roasted calf.

.

هَذِهِ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ، وهو ابْنُ عَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ قُرى لُوطٍ بِنَواحِي الشّامِ وإبْراهِيمُ بِبِلادِ فِلَسْطِينَ.

فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ، مَرُّوا بِإبْراهِيمَ ونَزَلُوا عِنْدَهُ، وكانَ كُلُّ مَن نَزَلَ عِنْدَهُ يُحْسِنُ قِراهُ، وكانَ مُرُورُهم عَلَيْهِ لِتَبْشِيرِهِ بِهَذِهِ البِشارَةِ المَذْكُورَةِ، فَظَنَّهم أضْيافًا، وهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ.

وقِيلَ كانُوا تِسْعَةً، وقِيلَ أحَدَ عَشَرَ، والبُشْرى الَّتِي بَشَّرُوهُ بِها هي بِشارَتُهُ بِالوَلَدِ، وقِيلَ بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، والأُولى أوْلى ﴿قالُوا سَلامًا﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: عَلَيْكم سَلامٌ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أيْ إبْراهِيمُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ أنْ هُنا بِمَعْنى حَتّى: أيْ فَما لَبِثَ حَتّى جاءَ، وقِيلَ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِسُقُوطِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ فَما لَبِثَ عَنْ أنْ جاءَ: أيْ ما أبْطَأ إبْراهِيمُ عَنْ مَجِيئِهِ بِعِجْلٍ وما نافِيَةٌ قالَهُ سِيبَوَيْهِ.

وقالَ الفَرّاءُ: فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ: أيْ ما أبْطَأ مَجِيئُهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَوْصُولَةٌ وهي مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: فالَّذِي لَبِثَ إبْراهِيمُ هو مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، والحَنِيذُ: المَشْوِيُّ مُطْلَقًا، وقِيلَ: المَشْوِيُّ بِحَرِّ الحِجارَةِ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ، يُقالُ: حَنَذَ الشّاةَ يَحْنِذُها: جَعَلَها فَوْقَ حِجارَةٍ مُحَمّاةٍ لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وقِيلَ مَعْنى حَنِيذٍ: سَمِينٌ، وقِيلَ الحَنِيذُ هو السَّمِيطُ، وقِيلَ النَّضِيجُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وإنَّما جاءَهم بِعِجْلٍ، لِأنَّ البَقَرَ كانَتْ أكْثَرَ أمْوالِهِ.

﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ لا يَمُدُّونَها إلى العِجْلِ كَما يَمُدُّ يَدَهُ مَن يُرِيدُ الأكْلَ نَكِرَهم يُقالُ: نَكِرْتَهُ وأنْكَرْتَهُ واسْتَنْكَرْتَهُ: إذا وجَدْتَهُ عَلى غَيْرِ ما تَعْهَدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبُ والصَّلَعا

فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، ومِمّا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إذا أنْكَرَتْنِي بَلْدَةٌ أوْ نَكِرْتُها ∗∗∗ خَرَجْتُ مَعَ البازِي عَلَيَّ سَوادُ

وقِيلَ يُقالُ: أنْكَرْتُ لِما تَراهُ بِعَيْنِكَ، ونَكِرْتُ لِما تَراهُ بِقَلْبِكَ، قِيلَ: وإنَّما اسْتَنْكَرَ مِنهم ذَلِكَ، لِأنَّ عادَتَهم أنَّ الضَّيْفَ إذا نَزَلَ بِهِمْ ولَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ قَدْ جاءَ بِشْرٍ ﴿وأوْجَسَ مِنهُمْ﴾ أيْ أحَسَّ في نَفْسِهِ مِنهم خِيفَةً أيْ خَوْفًا وفَزَعًا، وقِيلَ مَعْنى أوْجَسَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، والأوَّلُ ألْصَقُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎جاءَ البَرِيدُ بِقِرْطاسٍ يَحُثُّ بِهِ ∗∗∗ فَأوْجَسَ القَلْبُ مِن قِرْطاسِهِ فَزَعا

وكَأنَّهُ ظَنَّ أنَّهم قَدْ نَزَلُوا بِهِ لِأمْرٍ يُنْكِرُهُ، أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ قالُوا لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِما يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ، بَلْ أوْجَسَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَلَعَلَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلى خَوْفِهِ بِأماراتٍ كَظُهُورِ أثَرِهِ عَلى وجْهِهِ، أوْ قالُوهُ لَهُ بَعْدَما قالَ عَقِبَ ما أوْجَسَ في نَفْسِهِ مِنَ الخِيفَةِ …

70

فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۚ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍۢ

But when he saw their hands not reaching for it, he distrusted them and felt from them apprehension. They said, "Fear not. We have been sent to the people of Lot."

.

هَذِهِ قِصَّةُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ، وهو ابْنُ عَمِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ قُرى لُوطٍ بِنَواحِي الشّامِ وإبْراهِيمُ بِبِلادِ فِلَسْطِينَ.

فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ، مَرُّوا بِإبْراهِيمَ ونَزَلُوا عِنْدَهُ، وكانَ كُلُّ مَن نَزَلَ عِنْدَهُ يُحْسِنُ قِراهُ، وكانَ مُرُورُهم عَلَيْهِ لِتَبْشِيرِهِ بِهَذِهِ البِشارَةِ المَذْكُورَةِ، فَظَنَّهم أضْيافًا، وهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ.

وقِيلَ كانُوا تِسْعَةً، وقِيلَ أحَدَ عَشَرَ، والبُشْرى الَّتِي بَشَّرُوهُ بِها هي بِشارَتُهُ بِالوَلَدِ، وقِيلَ بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، والأُولى أوْلى ﴿قالُوا سَلامًا﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: عَلَيْكم سَلامٌ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أيْ إبْراهِيمُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ قالَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ أنْ هُنا بِمَعْنى حَتّى: أيْ فَما لَبِثَ حَتّى جاءَ، وقِيلَ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِسُقُوطِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ فَما لَبِثَ عَنْ أنْ جاءَ: أيْ ما أبْطَأ إبْراهِيمُ عَنْ مَجِيئِهِ بِعِجْلٍ وما نافِيَةٌ قالَهُ سِيبَوَيْهِ.

وقالَ الفَرّاءُ: فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ: أيْ ما أبْطَأ مَجِيئُهُ، وقِيلَ: إنَّ ما مَوْصُولَةٌ وهي مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: فالَّذِي لَبِثَ إبْراهِيمُ هو مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، والحَنِيذُ: المَشْوِيُّ مُطْلَقًا، وقِيلَ: المَشْوِيُّ بِحَرِّ الحِجارَةِ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ، يُقالُ: حَنَذَ الشّاةَ يَحْنِذُها: جَعَلَها فَوْقَ حِجارَةٍ مُحَمّاةٍ لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وقِيلَ مَعْنى حَنِيذٍ: سَمِينٌ، وقِيلَ الحَنِيذُ هو السَّمِيطُ، وقِيلَ النَّضِيجُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وإنَّما جاءَهم بِعِجْلٍ، لِأنَّ البَقَرَ كانَتْ أكْثَرَ أمْوالِهِ.

﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ لا يَمُدُّونَها إلى العِجْلِ كَما يَمُدُّ يَدَهُ مَن يُرِيدُ الأكْلَ نَكِرَهم يُقالُ: نَكِرْتَهُ وأنْكَرْتَهُ واسْتَنْكَرْتَهُ: إذا وجَدْتَهُ عَلى غَيْرِ ما تَعْهَدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبُ والصَّلَعا

فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، ومِمّا جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إذا أنْكَرَتْنِي بَلْدَةٌ أوْ نَكِرْتُها ∗∗∗ خَرَجْتُ مَعَ البازِي عَلَيَّ سَوادُ

وقِيلَ يُقالُ: أنْكَرْتُ لِما تَراهُ بِعَيْنِكَ، ونَكِرْتُ لِما تَراهُ بِقَلْبِكَ، قِيلَ: وإنَّما اسْتَنْكَرَ مِنهم ذَلِكَ، لِأنَّ عادَتَهم أنَّ الضَّيْفَ إذا نَزَلَ بِهِمْ ولَمْ يَأْكُلْ مِن طَعامِهِمْ ظَنُّوا أنَّهُ قَدْ جاءَ بِشْرٍ ﴿وأوْجَسَ مِنهُمْ﴾ أيْ أحَسَّ في نَفْسِهِ مِنهم خِيفَةً أيْ خَوْفًا وفَزَعًا، وقِيلَ مَعْنى أوْجَسَ: أضْمَرَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، والأوَّلُ ألْصَقُ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎جاءَ البَرِيدُ بِقِرْطاسٍ يَحُثُّ بِهِ ∗∗∗ فَأوْجَسَ القَلْبُ مِن قِرْطاسِهِ فَزَعا

وكَأنَّهُ ظَنَّ أنَّهم قَدْ نَزَلُوا بِهِ لِأمْرٍ يُنْكِرُهُ، أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ قالُوا لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِما يَدُلُّ عَلى الخَوْفِ، بَلْ أوْجَسَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَلَعَلَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلى خَوْفِهِ بِأماراتٍ كَظُهُورِ أثَرِهِ عَلى وجْهِهِ، أوْ قالُوهُ لَهُ بَعْدَما قالَ عَقِبَ ما أوْجَسَ في نَفْسِهِ مِنَ الخِيفَةِ …

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.