Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 51–60 of 123

51

يَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

O my people, I do not ask you for it any reward. My reward is only from the one who created me. Then will you not reason?

صفحة ٩٤

﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِيَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، فَعَطَفَ و(إلى عادٍ) عَلى (إلى قَوْمِهِ) . وعَطَفَ (أخاهم) عَلى (نُوحًا)، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا. وهو مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَطْفَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ لا مِن عَطْفِ الجُمَلِ لِأنَّ الجارَّ لا بُدَّ لَهُ مِن مُتَعَلِّقٍ، وقَضاءً لِحَقِّ الإيجازِ لِيُحْضَرَ ذِكْرُ عادٍ مَرَّتَيْنِ بِلَفْظِهِ ثُمَّ بِضَمِيرِهِ.

ووَصْفُ هُودٍ بِأنَّهُ أخُو عادٍ لِأنَّهُ كانَ مِن نَسَبِهِمْ كَما يُقالُ: يا أخا العَرَبِ، أيْ يا عَرَبِيُّ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ وهُودٍ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ (قالَ) مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ المُقَدَّرَةِ وهي (أرْسَلْنا)

ووَجْهُ التَّصْرِيحِ بِفِعْلِ القَوْلِ لِأنَّ فِعْلَ (أرْسَلْنا) مَحْذُوفٌ، فَلَوْ بُيِّنَ بِجُمْلَةِ ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا﴾ كَما بُيِّنَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] لَكانَ بَيانًا لِمَعْدُومٍ وهو غَيْرُ جَلِيٍّ.

وافْتِتاحُ دَعْوَتِهِ بِنِداءِ قَوْمِهِ لِاسْتِرْعاءِ أسْماعِهِمْ إشارَةٌ إلى أهَمِّيَّةِ ما سَيُلْقِي إلَيْهِمْ.

صفحة ٩٥

وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ اعْبُدُوا أوْ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ. والإتْيانُ بِالحالِ لِاستِقْصادِ إبْطالِ شِرْكِهِمْ بِأنَّهم أشْرَكُوا غَيْرَهُ في عِبادَتِهِ في حالِ أنَّهم لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ، أوْ في حالِ أنَّهُ لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ. وذَلِكَ تَشْنِيعٌ لِلشِّرْكِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ تَوْبِيخٌ وإنْكارٌ. فَهي بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾، أيْ ما أنْتُمْ إلّا كاذِبُونَ في ادِّعاءِ إلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى.

وجُمْلَةُ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ إنْ كانَ قالَها مَعَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها فَإعادَةُ النِّداءِ في أثْناءِ الكَلامِ تَكْرِيرٌ لِلْأهَمِّيَّةِ يُقْصَدُ بِهِ تَهْوِيلُ الأمْرِ واسْتِرْعاءُ السَّمْعِ اهْتِمامًا بِما يَسْتَسْمِعُونَهُ، والنِّداءُ هو الرّابِطُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ وإنْ كانَتْ مَقُولَةً في وقْتٍ غَيْرِ الَّذِي قِيلَتْ فِيهِ الجُمْلَةُ الأُولى، فَكَوْنُها ابْتِداءَ كَلامٍ ظاهِرٌ.

وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أيْ لا أسْألُكم أجْرًا عَلى ما قُلْتُهُ لَكم.

والتَّعْبِيرُ بِالمَوْصُولِ ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ أنَّهُ لا يَسْألُهم عَلى الإرْشادِ أجْرًا بِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي خَلَقَهُ يَسُوقُ إلَيْهِ رِزْقَهُ؛ لِأنَّ إظْهارَ المُتَكَلِّمِ عِلْمَهُ بِالأسْبابِ يُكْسِبُ كَلامَهُ عَلى المُسَبِّباتِ قُوَّةً وتَحْقِيقًا.

ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عاطِفَةً اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَنْ عَدَمِ تَعَقُّلِهِمْ، أيْ تَأمُّلِهِمْ في دَلالَةِ حالِهِ عَلى صِدْقِهِ فِيما يُبَلِّغُ ونُصْحِهِ لَهم فِيما يَأْمُرُهم. والعَقْلُ: العِلْمُ.

وعَطْفُ جُمْلَةِ (ويا قَوْمِ) مِثْلَ نَظِيرِها في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - …

52

وَيَٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ

And O my people, ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. He will send [rain from] the sky upon you in showers and increase you in strength [added] to your strength. And do not turn away, [being] criminals."

صفحة ٩٤

﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِيَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، فَعَطَفَ و(إلى عادٍ) عَلى (إلى قَوْمِهِ) . وعَطَفَ (أخاهم) عَلى (نُوحًا)، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا. وهو مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَطْفَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ لا مِن عَطْفِ الجُمَلِ لِأنَّ الجارَّ لا بُدَّ لَهُ مِن مُتَعَلِّقٍ، وقَضاءً لِحَقِّ الإيجازِ لِيُحْضَرَ ذِكْرُ عادٍ مَرَّتَيْنِ بِلَفْظِهِ ثُمَّ بِضَمِيرِهِ.

ووَصْفُ هُودٍ بِأنَّهُ أخُو عادٍ لِأنَّهُ كانَ مِن نَسَبِهِمْ كَما يُقالُ: يا أخا العَرَبِ، أيْ يا عَرَبِيُّ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ وهُودٍ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ (قالَ) مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ المُقَدَّرَةِ وهي (أرْسَلْنا)

ووَجْهُ التَّصْرِيحِ بِفِعْلِ القَوْلِ لِأنَّ فِعْلَ (أرْسَلْنا) مَحْذُوفٌ، فَلَوْ بُيِّنَ بِجُمْلَةِ ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا﴾ كَما بُيِّنَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] لَكانَ بَيانًا لِمَعْدُومٍ وهو غَيْرُ جَلِيٍّ.

وافْتِتاحُ دَعْوَتِهِ بِنِداءِ قَوْمِهِ لِاسْتِرْعاءِ أسْماعِهِمْ إشارَةٌ إلى أهَمِّيَّةِ ما سَيُلْقِي إلَيْهِمْ.

صفحة ٩٥

وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ اعْبُدُوا أوْ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ. والإتْيانُ بِالحالِ لِاستِقْصادِ إبْطالِ شِرْكِهِمْ بِأنَّهم أشْرَكُوا غَيْرَهُ في عِبادَتِهِ في حالِ أنَّهم لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ، أوْ في حالِ أنَّهُ لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ. وذَلِكَ تَشْنِيعٌ لِلشِّرْكِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ تَوْبِيخٌ وإنْكارٌ. فَهي بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾، أيْ ما أنْتُمْ إلّا كاذِبُونَ في ادِّعاءِ إلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى.

وجُمْلَةُ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ إنْ كانَ قالَها مَعَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها فَإعادَةُ النِّداءِ في أثْناءِ الكَلامِ تَكْرِيرٌ لِلْأهَمِّيَّةِ يُقْصَدُ بِهِ تَهْوِيلُ الأمْرِ واسْتِرْعاءُ السَّمْعِ اهْتِمامًا بِما يَسْتَسْمِعُونَهُ، والنِّداءُ هو الرّابِطُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ وإنْ كانَتْ مَقُولَةً في وقْتٍ غَيْرِ الَّذِي قِيلَتْ فِيهِ الجُمْلَةُ الأُولى، فَكَوْنُها ابْتِداءَ كَلامٍ ظاهِرٌ.

وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أيْ لا أسْألُكم أجْرًا عَلى ما قُلْتُهُ لَكم.

والتَّعْبِيرُ بِالمَوْصُولِ ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ أنَّهُ لا يَسْألُهم عَلى الإرْشادِ أجْرًا بِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي خَلَقَهُ يَسُوقُ إلَيْهِ رِزْقَهُ؛ لِأنَّ إظْهارَ المُتَكَلِّمِ عِلْمَهُ بِالأسْبابِ يُكْسِبُ كَلامَهُ عَلى المُسَبِّباتِ قُوَّةً وتَحْقِيقًا.

ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عاطِفَةً اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَنْ عَدَمِ تَعَقُّلِهِمْ، أيْ تَأمُّلِهِمْ في دَلالَةِ حالِهِ عَلى صِدْقِهِ فِيما يُبَلِّغُ ونُصْحِهِ لَهم فِيما يَأْمُرُهم. والعَقْلُ: العِلْمُ.

وعَطْفُ جُمْلَةِ (ويا قَوْمِ) مِثْلَ نَظِيرِها في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - …

53

قَالُوا۟ يَٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍۢ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ

They said, "O Hud, you have not brought us clear evidence, and we are not ones to leave our gods on your say-so. Nor are we believers in you.

﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]

مُحاوَرَةٌ مِنهم لِهُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَوابٍ عَنْ دَعْوَتِهِ، ولِذَلِكَ جُرِّدَتِ الجُمْلَةُ عَنِ العاطِفِ.

وافْتِتاحُ كَلامِهِمْ بِالنِّداءِ يُشِيرُ إلى الِاهْتِمامِ بِما سَيَقُولُونَهُ، وأنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يُتَنَبَّهَ لَهُ لِأنَّهم نَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ البَعِيدِ لِغَفْلَتِهِ فَنادَوْهُ، فَهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ أيْضًا. وقَدْ يَكُونُ مُرادًا مِنهُ مَعَ ذَلِكَ تَوْبِيخُهُ ولَوْمُهُ فَيَكُونُ كِنايَةً ثانِيَةً، أوِ اسْتِعْمالُ النِّداءِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.

وقَوْلُهم ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ بُهْتانٌ لِأنَّهُ أتاهم بِمُعْجِزاتٍ لِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٥٩] وإنْ كانَ القُرْآنُ لَمْ يَذْكُرْ آيَةً مُعَيَّنَةً لِهُودٍ - عَلَيْهِ

صفحة ٩٨

السَّلامُ - . ولَعَلَّ آيَتَهُ أنَّهُ وعَدَهم عِنْدَ بِعْثَتِهِ بِوَفْرَةِ الأرْزاقِ والأوْلادِ واطِّرادِ الخِصْبِ وفْرَةً مُطَّرِدَةً لا تَنالُهم في خِلالِها نَكْبَةٌ ولا مُصِيبَةٌ بِحَيْثُ كانَتْ خارِقَةً لِعادَةِ النِّعْمَةِ في الأُمَمِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]

وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» الحَدِيثَ.

وإنَّما أرادُوا أنَّ البَيِّناتِ الَّتِي جاءَهم بِها هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَكُنْ طِبْقًا لِمُقْتَرَحاتِهِمْ. وجَعَلُوا ذَلِكَ عِلَّةً لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ فَقالُوا ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ . ولَمْ يَجْعَلُوا ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي﴾ مُفَرَّعًا عَلى قَوْلِهِمْ ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾

وعَنْ في ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ لا نَتْرُكُها تَرْكًا صادِرًا عَنْ قَوْلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] . والمَعْنى عَلى أنْ يَكُونَ كَلامُهُ عِلَّةً لِتَرْكِهِمْ آلِهَتَهم.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ لِلسّامِعِ ومَن مَعَهُ في أنْفُسِهِمْ أنْ يَقُولُوا إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِما جاءَ بِهِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَماذا تَعُدُّونَ دَعْوَتَهُ فِيكم، أيْ نَقُولُ إنَّكَ مَمْسُوسٌ مِن بَعْضِ آلِهَتِنا، وجَعَلُوا ذَلِكَ مِن فِعْلِ بَعْضِ الآلِهَةِ تَهْدِيدًا لِلنّاسِ بِأنَّهُ لَوْ تَصَدّى لَهُ جَمِيعُ الآلِهَةِ لَدَكُّوهُ دَكًّا.

والِاعْتِراءُ: النُّزُولُ والإصابَةُ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أصابَكَ بِسُوءٍ. ولا شَكَّ أنَّهم يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَهم أصابَتْهُ بِمَسٍّ مِن قَبْلِ أنْ يَقُومَ بِدَعْوَةِ رَفْضِ عِبادَتِها لِسَبَبٍ آخَرَ، وهو كَلامٌ غَيْرُ جارٍ عَلى انْتِظامِ الحُجَّةِ؛ لِأنَّهُ كَلامٌ مُلَفَّقٌ مِن نَوْعِ ما يَصْدُرُ عَنِ السُّفِسْطائِيِّينَ، فَجَعَلُوهُ مَجْنُونًا وجَعَلُوا سَبَبَ جُنُونِهِ مَسًّا مِن آلِهَتِهِمْ، ولِمَ يَتَفَطَّنُوا إلى دَخَلِ كَلامِهِمْ وهو أنَّ الآلِهَةَ كَيْفَ تَكُونُ سَبَبًا في إثارَةِ ثائِرٍ عَلَيْها.

صفحة ٩٩

والقَوْلُ مُسْتَعْمَلٌ في المَقُولِ اللِّسانِيِّ، وهو يَقْتَضِي اعْتِقادَهم ما يَقُولُونَهُ.

54

إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍۢ ۗ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

We only say that some of our gods have possessed you with evil." He said, "Indeed, I call Allah to witness, and witness [yourselves] that I am free from whatever you associate with Allah

﴿قالَ إنِّيَ أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو ءاخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

لَمّا جاءُوا في كَلامِهِمْ بِرَفْضِ ما دَعاهم إلَيْهِ وبِجَحْدِ آياتِهِ وبِتَصْمِيمِهِمْ عَلى مُلازَمَةِ عِبادَةِ أصْنامِهِمْ وبِالتَّنْوِيهِ بِتَصَرُّفِ آلِهَتِهِمْ أجابَهم هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ أنَّهُ أبْلَغَهم وأنَّهم كابَرُوا وجَحَدُوا آياتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إنْشاءٌ لِإشْهادِ اللَّهِ بِصِيغَةِ الإخْبارِ لِأنَّ كُلَّ إنْشاءٍ لا يَظْهَرُ أثَرُهُ في الخَلْقِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ لِما في الخَبَرِ مِن قَصْدِ إعْلامِ السّامِعِ بِما يُضْمِرُهُ المُتَكَلِّمُ، ولِذَلِكَ كانَ مَعْنى صِيَغِ العُقُودِ إنْشاءً بِلَفْظِ الخَبَرِ. ثُمَّ حَمَّلَهم شَهادَةً لَهُ بِأنَّهُ بَرِيءٌ مِن شُرَكائِهِمْ مُبادَرَةً بِإنْكارِ المُنْكَرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ قَدْ أتَوْا بِهِ اسْتِطْرادًا، فَلِذَلِكَ كانَ تَعَرُّضُهُ لِإبْطالِهِ كالِاعْتِراضِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ وجُمْلَةِ فَإنْ تَوَلَّوْا بِناءً عَلى أنَّ جُمْلَةَ فَإنْ تَوَلَّوْا إلى آخِرِها مِن كَلامِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وسَيَأْتِي. ومَعْنى إشْهادِهِ فَيُرادُ مِن شُرَكائِهِمْ تَحْقِيقُ ذَلِكَ وأنَّهُ لا يَتَرَدَّدُ عَلى أمْرٍ جازِمٍ قَدْ أوْجَبَهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلى نَفْسِهِ. وأتى في إشْهادِهِمْ بِصِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّهُ أرادَ مِزاجَةَ إنْشاءِ الإشْهادِ دُونَ رائِحَةِ مَعْنى الإخْبارِ.

و(ما) في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ. والتَّقْدِيرُ: مِمّا يُشْرِكُونَهُ.

وماصَدَقُ المَوْصُولِ الأصْنامُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ المُؤَكَّدِ في

صفحة ١٠٠

قَوْلِهِ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ . ولَمّا كانَتِ البَراءَةُ مِنَ الشُّرَكاءِ تَقْتَضِي اعْتِقادَ عَجْزِها عَنْ إلْحاقِ إضْرارٍ بِهِ فَرَّعَ عَلى البَراءَةِ جُمْلَةَ ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ . وجَعَلَ الخِطابَ لِقَوْمِهِ لِئَلّا يَكُونَ خِطابُهُ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَسْمَعُ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَكِيدُوهُ. وأدْخَلَ في ضَمِيرِ الكائِدِينَ أصْنامَهم مُجاراةً لِاعْتِقادِهِمْ واسْتِقْصاءً لِتَعْجِيزِهِمْ، أيْ أنْتُمْ وأصْنامُكم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ عَلى البَراءَةِ مِن أصْنامِهِمْ.

والأمْرُ بـِ كِيدُونِي مُسْتَعْمَلٌ في الإباحَةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْجِيزِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأصْنامِ وبِالنِّسْبَةِ لِقَوْمِهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] . وهَذا إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾

و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ تَحَدّاهم بِأنْ يَكِيدُوهُ ثُمَّ ارْتَقى في رُتْبَةِ التَّعْجِيزِ والِاحْتِقارِ فَنَهاهم عَنِ التَّأْخِيرِ بِكَيْدِهِمْ إيّاهُ، وذَلِكَ نِهايَةُ الِاسْتِخْفافِ بِأصْنامِهِمْ وبِهِمْ وكِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ لا يَصِلُونَ إلى ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ فَكِيدُونِي وهو التَّعْجِيزُ والِاحْتِقارُ. يَعْنِي: أنَّهُ واثِقٌ بِعَجْزِهِمْ عَنْ كَيْدِهِ لِأنَّهُ مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ. فَهَذا مَعْنًى دِينِيٌّ قَدِيمٌ.

وأُجْرِيَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ صِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ اسْتِدْلالًا عَلى صِحَّةِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ في دَفْعِ ضُرِّهِمْ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مالِكُهم جَمِيعًا يَدْفَعُ ظُلْمَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.

وجُمْلَةُ ﴿ما مِن دابَّةٍ …

55

مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًۭا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ

Other than Him. So plot against me all together; then do not give me respite.

﴿قالَ إنِّيَ أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو ءاخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

لَمّا جاءُوا في كَلامِهِمْ بِرَفْضِ ما دَعاهم إلَيْهِ وبِجَحْدِ آياتِهِ وبِتَصْمِيمِهِمْ عَلى مُلازَمَةِ عِبادَةِ أصْنامِهِمْ وبِالتَّنْوِيهِ بِتَصَرُّفِ آلِهَتِهِمْ أجابَهم هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ أنَّهُ أبْلَغَهم وأنَّهم كابَرُوا وجَحَدُوا آياتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إنْشاءٌ لِإشْهادِ اللَّهِ بِصِيغَةِ الإخْبارِ لِأنَّ كُلَّ إنْشاءٍ لا يَظْهَرُ أثَرُهُ في الخَلْقِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ لِما في الخَبَرِ مِن قَصْدِ إعْلامِ السّامِعِ بِما يُضْمِرُهُ المُتَكَلِّمُ، ولِذَلِكَ كانَ مَعْنى صِيَغِ العُقُودِ إنْشاءً بِلَفْظِ الخَبَرِ. ثُمَّ حَمَّلَهم شَهادَةً لَهُ بِأنَّهُ بَرِيءٌ مِن شُرَكائِهِمْ مُبادَرَةً بِإنْكارِ المُنْكَرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ قَدْ أتَوْا بِهِ اسْتِطْرادًا، فَلِذَلِكَ كانَ تَعَرُّضُهُ لِإبْطالِهِ كالِاعْتِراضِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ وجُمْلَةِ فَإنْ تَوَلَّوْا بِناءً عَلى أنَّ جُمْلَةَ فَإنْ تَوَلَّوْا إلى آخِرِها مِن كَلامِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وسَيَأْتِي. ومَعْنى إشْهادِهِ فَيُرادُ مِن شُرَكائِهِمْ تَحْقِيقُ ذَلِكَ وأنَّهُ لا يَتَرَدَّدُ عَلى أمْرٍ جازِمٍ قَدْ أوْجَبَهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلى نَفْسِهِ. وأتى في إشْهادِهِمْ بِصِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّهُ أرادَ مِزاجَةَ إنْشاءِ الإشْهادِ دُونَ رائِحَةِ مَعْنى الإخْبارِ.

و(ما) في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ. والتَّقْدِيرُ: مِمّا يُشْرِكُونَهُ.

وماصَدَقُ المَوْصُولِ الأصْنامُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ المُؤَكَّدِ في

صفحة ١٠٠

قَوْلِهِ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ . ولَمّا كانَتِ البَراءَةُ مِنَ الشُّرَكاءِ تَقْتَضِي اعْتِقادَ عَجْزِها عَنْ إلْحاقِ إضْرارٍ بِهِ فَرَّعَ عَلى البَراءَةِ جُمْلَةَ ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ . وجَعَلَ الخِطابَ لِقَوْمِهِ لِئَلّا يَكُونَ خِطابُهُ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَسْمَعُ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَكِيدُوهُ. وأدْخَلَ في ضَمِيرِ الكائِدِينَ أصْنامَهم مُجاراةً لِاعْتِقادِهِمْ واسْتِقْصاءً لِتَعْجِيزِهِمْ، أيْ أنْتُمْ وأصْنامُكم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ عَلى البَراءَةِ مِن أصْنامِهِمْ.

والأمْرُ بـِ كِيدُونِي مُسْتَعْمَلٌ في الإباحَةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْجِيزِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأصْنامِ وبِالنِّسْبَةِ لِقَوْمِهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] . وهَذا إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾

و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ تَحَدّاهم بِأنْ يَكِيدُوهُ ثُمَّ ارْتَقى في رُتْبَةِ التَّعْجِيزِ والِاحْتِقارِ فَنَهاهم عَنِ التَّأْخِيرِ بِكَيْدِهِمْ إيّاهُ، وذَلِكَ نِهايَةُ الِاسْتِخْفافِ بِأصْنامِهِمْ وبِهِمْ وكِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ لا يَصِلُونَ إلى ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ فَكِيدُونِي وهو التَّعْجِيزُ والِاحْتِقارُ. يَعْنِي: أنَّهُ واثِقٌ بِعَجْزِهِمْ عَنْ كَيْدِهِ لِأنَّهُ مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ. فَهَذا مَعْنًى دِينِيٌّ قَدِيمٌ.

وأُجْرِيَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ صِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ اسْتِدْلالًا عَلى صِحَّةِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ في دَفْعِ ضُرِّهِمْ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مالِكُهم جَمِيعًا يَدْفَعُ ظُلْمَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.

وجُمْلَةُ ﴿ما مِن دابَّةٍ …

56

إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

Indeed, I have relied upon Allah, my Lord and your Lord. There is no creature but that He holds its forelock. Indeed, my Lord is on a path [that is] straight."

﴿قالَ إنِّيَ أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو ءاخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

لَمّا جاءُوا في كَلامِهِمْ بِرَفْضِ ما دَعاهم إلَيْهِ وبِجَحْدِ آياتِهِ وبِتَصْمِيمِهِمْ عَلى مُلازَمَةِ عِبادَةِ أصْنامِهِمْ وبِالتَّنْوِيهِ بِتَصَرُّفِ آلِهَتِهِمْ أجابَهم هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ أنَّهُ أبْلَغَهم وأنَّهم كابَرُوا وجَحَدُوا آياتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إنْشاءٌ لِإشْهادِ اللَّهِ بِصِيغَةِ الإخْبارِ لِأنَّ كُلَّ إنْشاءٍ لا يَظْهَرُ أثَرُهُ في الخَلْقِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ لِما في الخَبَرِ مِن قَصْدِ إعْلامِ السّامِعِ بِما يُضْمِرُهُ المُتَكَلِّمُ، ولِذَلِكَ كانَ مَعْنى صِيَغِ العُقُودِ إنْشاءً بِلَفْظِ الخَبَرِ. ثُمَّ حَمَّلَهم شَهادَةً لَهُ بِأنَّهُ بَرِيءٌ مِن شُرَكائِهِمْ مُبادَرَةً بِإنْكارِ المُنْكَرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ قَدْ أتَوْا بِهِ اسْتِطْرادًا، فَلِذَلِكَ كانَ تَعَرُّضُهُ لِإبْطالِهِ كالِاعْتِراضِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ وجُمْلَةِ فَإنْ تَوَلَّوْا بِناءً عَلى أنَّ جُمْلَةَ فَإنْ تَوَلَّوْا إلى آخِرِها مِن كَلامِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وسَيَأْتِي. ومَعْنى إشْهادِهِ فَيُرادُ مِن شُرَكائِهِمْ تَحْقِيقُ ذَلِكَ وأنَّهُ لا يَتَرَدَّدُ عَلى أمْرٍ جازِمٍ قَدْ أوْجَبَهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلى نَفْسِهِ. وأتى في إشْهادِهِمْ بِصِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّهُ أرادَ مِزاجَةَ إنْشاءِ الإشْهادِ دُونَ رائِحَةِ مَعْنى الإخْبارِ.

و(ما) في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ. والتَّقْدِيرُ: مِمّا يُشْرِكُونَهُ.

وماصَدَقُ المَوْصُولِ الأصْنامُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ المُؤَكَّدِ في

صفحة ١٠٠

قَوْلِهِ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ . ولَمّا كانَتِ البَراءَةُ مِنَ الشُّرَكاءِ تَقْتَضِي اعْتِقادَ عَجْزِها عَنْ إلْحاقِ إضْرارٍ بِهِ فَرَّعَ عَلى البَراءَةِ جُمْلَةَ ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ . وجَعَلَ الخِطابَ لِقَوْمِهِ لِئَلّا يَكُونَ خِطابُهُ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَسْمَعُ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَكِيدُوهُ. وأدْخَلَ في ضَمِيرِ الكائِدِينَ أصْنامَهم مُجاراةً لِاعْتِقادِهِمْ واسْتِقْصاءً لِتَعْجِيزِهِمْ، أيْ أنْتُمْ وأصْنامُكم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ عَلى البَراءَةِ مِن أصْنامِهِمْ.

والأمْرُ بـِ كِيدُونِي مُسْتَعْمَلٌ في الإباحَةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْجِيزِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأصْنامِ وبِالنِّسْبَةِ لِقَوْمِهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] . وهَذا إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾

و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ تَحَدّاهم بِأنْ يَكِيدُوهُ ثُمَّ ارْتَقى في رُتْبَةِ التَّعْجِيزِ والِاحْتِقارِ فَنَهاهم عَنِ التَّأْخِيرِ بِكَيْدِهِمْ إيّاهُ، وذَلِكَ نِهايَةُ الِاسْتِخْفافِ بِأصْنامِهِمْ وبِهِمْ وكِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ لا يَصِلُونَ إلى ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ فَكِيدُونِي وهو التَّعْجِيزُ والِاحْتِقارُ. يَعْنِي: أنَّهُ واثِقٌ بِعَجْزِهِمْ عَنْ كَيْدِهِ لِأنَّهُ مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ. فَهَذا مَعْنًى دِينِيٌّ قَدِيمٌ.

وأُجْرِيَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ صِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ اسْتِدْلالًا عَلى صِحَّةِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ في دَفْعِ ضُرِّهِمْ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مالِكُهم جَمِيعًا يَدْفَعُ ظُلْمَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.

وجُمْلَةُ ﴿ما مِن دابَّةٍ …

57

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌۭ

But if they turn away, [say], "I have already conveyed that with which I was sent to you. My Lord will give succession to a people other than you, and you will not harm Him at all. Indeed my Lord is, over all things, Guardian."

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءِ حَفِيظٌ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ [هود: ٥٤] . وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أوْجَبَهُ قَصْدُ المُبادَرَةِ بِإبْطالِ باطِلِهِمْ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفْصِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ [هود: ٥٤] بِناءً عَلى أنَّ هَذا مِن كَلامِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ أصْلُ تَوَلَّوْا تَتَوَلَّوْا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ اخْتِصارًا، فَهو مُضارِعٌ، وهو خِطابُ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ، وهو ظاهِرُ إجْراءِ الضَّمائِرِ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ.

صفحة ١٠٢

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا، والواوُ لِأهْلِ مَكَّةَ فَيَكُونُ كالِاعْتِراضِ في أجْزاءِ القِصَّةِ لِقَصْدِ العِبْرَةِ بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ الواقِعِ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ [هود: ٣٥] الآيَةَ. خاطَبَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ وأمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لَهم قَدْ أبْلَغْتُكم. والفاءُ الأُولى لِتَفْرِيعِ الِاعْتِبارِ عَلى المَوْعِظَةِ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ مِن كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ مَقُولَ قَوْلٍ مَأْمُورٍ بِهِ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. والتَّقْدِيرُ: فَقُلْ قَدْ أبْلَغْتُكم. وهَذا الأُسْلُوبُ مِن قَبِيلِ الكَلامِ المُوَجَّهِ المُحْتَمَلِ مَعْنَيَيْنِ غَيْرِ مُتَخالِفَيْنِ، وهو مِن بَدِيعِ أسالِيبِ الإعْجازِ، ولِأجَلِهِ جاءَ فِعْلُ (تَوَلَّوْا) بِتاءٍ واحِدَةٍ بِخِلافِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]

والتَّوَلِّي: الإعْراضُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، في سُورَةِ النِّساءِ.

وجُعِلَ جَوابُ شَرْطِ التَّوَلِّي قَوْلَهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ مَعَ أنَّ الإبْلاغَ سابِقٌ عَلى التَّوَلِّي المَجْعُولِ شَرْطًا لِأنَّ المَقْصُودَ بِهَذا الجَوابِ هو لازِمُ ذَلِكَ الإبْلاغِ، وهو انْتِفاءُ تَبِعَةِ تَوَلِّيهِمْ عَنْهُ وبَراءَتِهِ مِن جُرْمِهِمْ لِأنَّهُ أدّى ما وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الإبْلاغِ، فَإنْ كانَ مِن كَلامِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَـ ﴿ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ هو ما تَقَدَّمَ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ فَما أُرْسِلَ بِهِ هو المَوْعِظَةُ بِقِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ.

وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَهو كِنايَةٌ عَنِ الإنْذارِ بِتَبِعَةِ التَّوَلِّي عَلَيْهِمْ ونُزُولِ العِقابِ بِهِمْ، ولِذَلِكَ عَطَفَ ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أيْ يُزِيلُكم ويُخْلِفُكم بِقَوْمٍ آخَرِينَ لا يَتَوَلَّوْنَ عَنْ رَسُولِهِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]

وارْتِفاعُ (يَسْتَخْلِفُ) في قِراءَةِ الكافَّةِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الجَوابِ مُجازٌ فِيهِ الرَّفْعُ والجَزْمُ. وإنَّما كانَ الرَّفْعُ هُنا أرْجَحَ لِإعْطاءِ الفِعْلِ حُكْمَ الكَلامِ

صفحة ١٠٣

المُسْتَأْنَفِ لِيَكُونَ مَقْصُودًا بِذاتِهِ لا تَبَعًا لِلْجَوابِ، فَبِذَلِكَ يَكُونُ مَقْصُودًا بِهِ إخْبارُهم لِإنْذارِهِمْ بِالِاسْتِئْصالِ.

وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ والمُرادُ لا تَضُرُّونَ اللَّهَ بِتَوَلِّيكم شَيْئًا. و(شَيْئًا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِ (تَضُرُّونَهُ) المَنفِيِّ.

وتَنْكِيرُهُ لِلتَّقْلِيلِ كَما هو شَأْنُ تَنْكِيرِ لَفْظِ الشَّيْءِ غالِبًا. …

58

وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَنَجَّيْنَٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ

And when Our command came, We saved Hud and those who believed with him, by mercy from Us; and We saved them from a harsh punishment.

﴿ولَمّا جا أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾

اسْتِعْمالُ الماضِي في قَوْلِهِ: جاءَ أمْرُنا بِمَعْنى اقْتِرابِ المَجِيءِ لِأنَّ الإنْجاءَ كانَ قَبْلَ حُلُولِ العَذابِ.

والأمْرُ أُطْلِقَ عَلى أثَرِ الأمْرِ، وهو ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أمْرَ تَكْوِينٍ، أيْ لَمّا اقْتَرَبَ مَجِيءُ أثَرِ أمْرِنا، وهو العَذابُ، أيِ الرِّيحُ العَظِيمُ.

صفحة ١٠٤

ومُتَعَلِّقُ (نَجَّيْنا) الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ مِنَ العَذابِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ . وكَيْفِيَّةُ إنْجاءِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأعْرافِ.

والباءُ في ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَكانَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ بِهِمْ سَبَبًا في نَجاتِهِمْ. والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْحَمْهم لِشَمِلَهُمُ الِاسْتِئْصالُ فَكانَ نِقْمَةً لِلْكافِرِينَ وبَلْوًى لِلْمُؤْمِنِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ . والتَّقْدِيرُ وأيْضًا نَجَّيْناهم مِن عَذابٍ شَدِيدٍ وهو الإنْجاءُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ وهو العَذابُ الغَلِيظُ. فَفي هَذا مِنَّةٌ ثانِيَةٌ عَلى إنْجاءٍ ثانٍ، أيْ نَجَّيْناهم مِن عَذابِ الدُّنْيا بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ عَطَفَ فِعْلَ (نَجَّيْناهم) عَلى (نَجَّيْنا)، وهَذانِ الإنْجاءانِ يُقابِلانِ جَمْعَ العَذابَيْنِ لِعادٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٦٠] . وقَدْ ذُكِرَ هُنا مُتَعَلِّقُ الإنْجاءِ وحُذِفَ السَّبَبُ عَكْسُ ما في الجُمْلَةِ الأوْلى لِظُهُورِ أنَّ الإنْجاءَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ كانَ بِسَبَبِ الإيمانِ وطاعَةِ اللَّهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ [هود: ٥٩]

والغَلِيظُ حَقِيقَتُهُ: الخَشِنُ ضِدُّ الرَّقِيقِ، وهو مُسْتَعارٌ لِلشَّدِيدِ. واسْتَعْمَلَ الماضِي في ونَجَّيْناهم في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ الوَعْدِ بِوُقُوعِهِ.

59

وَتِلْكَ عَادٌۭ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ

And that was 'Aad, who rejected the signs of their Lord and disobeyed His messengers and followed the order of every obstinate tyrant.

﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾

الإشارَةُ بِـ (تِلْكَ) إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ بِسَبَبِ ما أُجْرِيَ عَلَيْهِ مِنَ الحَدِيثِ حَتّى صارَ كَأنَّهُ حاضِرٌ في الحِسِّ والمُشاهَدَةِ. كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ [الأعراف: ١٠١]

صفحة ١٠٥

وكَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، وهو أيْضًا مِثْلُهُ في أنَّ الإتْيانَ بِهِ عَقِبَ الأخْبارِ الماضِيَةِ عَنِ المُشارِ إلَيْهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِما يَأْتِي بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ لِأجْلِ تِلْكَ الأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ.

وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ بِتَأْوِيلِ الأُمَّةِ.

و(عادٌ) بَيانٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ.

وجُمْلَةُ جَحَدُوا خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهو وما بَعْدَهُ تَمْهِيدٌ لِلْمَعْطُوفِ وهو ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ لِزِيادَةِ تَسْجِيلِ التَّمْهِيدِ بِالأجْرامِ السّابِقَةِ، وهو الَّذِي اقْتَضاهُ اسْمُ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِن أسْبابِ جَمْعِ العَذابَيْنِ لَهم.

والجَحْدُ: الإنْكارُ الشَّدِيدُ، مِثْلَ إنْكارِ الواقِعاتِ والمُشاهَداتِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هُودًا أتاهم بِآياتٍ فَأنْكَرُوا دَلالَتَها. وعُدِّيَ جَحَدُوا بِالباءِ مَعَ أنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ، أوْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى كَفَرُوا فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ ما لَوْ قِيلَ: جَحَدُوا آياتِ رَبِّهِمْ وكَفَرُوا بِها، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]

وجَمَعَ الرُّسُلَ في قَوْلِهِ: ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ وإنَّما عَصَوْا رَسُولًا واحِدًا، وهو هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المُرادَ ذِكْرُ إجْرامِهِمْ فَناسَبَ أنْ يُناطَ الجُرْمُ بِعِصْيانِ جِنْسِ الرُّسُلِ لِأنَّ تَكْذِيبَهم هُودًا لَمْ يَكُنْ خاصًّا بِشَخْصِهِ لِأنَّهم قالُوا لَهُ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]، فَكُلُّ رَسُولٍ جاءَ بِأمْرِ تَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَهم مُكَذِّبُونَ بِهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]

ومَعْنى اتِّباعِ الأمْرِ: طاعَةُ ما يَأْمُرُهم بِهِ، فالِاتِّباعُ تَمْثِيلٌ لِلْعَمَلِ بِما يُمْلى عَلى المُتَّبِعِ؛ لِأنَّ الأمَرَ يُشْبِهُ الهادِيَ لِلسّائِرِ في الطَّرِيقِ، والمُمْتَثِلَ يُشْبِهُ المُتَّبِعَ لِلسّائِرِ.

صفحة ١٠٦

والجَبّارُ: المُتَكَبِّرُ. والعَنِيدُ: مُبالَغَةٌ في المُعانَدَةِ، يُقالُ: عَنَدَ - مُثَلَّثُ النُّونِ - إذا طَغى، ومَن كانَ خُلُقُهُ التَّجَبُّرُ، والعُنُودُ لا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ ولا يَدْعُو إلّا إلى باطِلٍ، فَدَلَّ اتِّباعُهم أمْرَ الجَبابِرَةِ المُعانِدِينَ عَلى أنَّهم أطاعُوا دُعاةَ الكُفْرِ والضَّلالِ والظُّلْمِ.

وكُلٌّ مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَإنْ أُرِيدَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ مِن قَوْمِهِمْ فالعُمُومُ حَقِيقِيٌّ، وإنْ أُرِيدَ جِنْسُ الجَبابِرَةِ فَـ (كُلِّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي

ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] في سُورَةِ الحَجِّ.

وإتْباعُ اللَّعْنَةِ إيّاهم مُسْتَعارٌ لِإصابَتِها إيّاهم إصابَةً عاجِلَةً دُونَ تَأْخِيرٍ كَما يُتْبَعُ الماشِي بِمَن يَلْحَقُهُ. ومِمّا يَزِيدُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ حُسْنًا ما فِيها مِنَ المُشاكَلَةِ ومِن مُماثَلَةِ العِقابِ لِلْجُرْمِ …

60

وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًۭا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّعَادٍۢ قَوْمِ هُودٍۢ

And they were [therefore] followed in this world with a curse and [as well] on the Day of Resurrection. Unquestionably, 'Aad denied their Lord; then away with 'Aad, the people of Hud.

﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾

الإشارَةُ بِـ (تِلْكَ) إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ بِسَبَبِ ما أُجْرِيَ عَلَيْهِ مِنَ الحَدِيثِ حَتّى صارَ كَأنَّهُ حاضِرٌ في الحِسِّ والمُشاهَدَةِ. كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ [الأعراف: ١٠١]

صفحة ١٠٥

وكَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، وهو أيْضًا مِثْلُهُ في أنَّ الإتْيانَ بِهِ عَقِبَ الأخْبارِ الماضِيَةِ عَنِ المُشارِ إلَيْهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِما يَأْتِي بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ لِأجْلِ تِلْكَ الأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ.

وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ بِتَأْوِيلِ الأُمَّةِ.

و(عادٌ) بَيانٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ.

وجُمْلَةُ جَحَدُوا خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهو وما بَعْدَهُ تَمْهِيدٌ لِلْمَعْطُوفِ وهو ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ لِزِيادَةِ تَسْجِيلِ التَّمْهِيدِ بِالأجْرامِ السّابِقَةِ، وهو الَّذِي اقْتَضاهُ اسْمُ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِن أسْبابِ جَمْعِ العَذابَيْنِ لَهم.

والجَحْدُ: الإنْكارُ الشَّدِيدُ، مِثْلَ إنْكارِ الواقِعاتِ والمُشاهَداتِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هُودًا أتاهم بِآياتٍ فَأنْكَرُوا دَلالَتَها. وعُدِّيَ جَحَدُوا بِالباءِ مَعَ أنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ، أوْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى كَفَرُوا فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ ما لَوْ قِيلَ: جَحَدُوا آياتِ رَبِّهِمْ وكَفَرُوا بِها، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]

وجَمَعَ الرُّسُلَ في قَوْلِهِ: ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ وإنَّما عَصَوْا رَسُولًا واحِدًا، وهو هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المُرادَ ذِكْرُ إجْرامِهِمْ فَناسَبَ أنْ يُناطَ الجُرْمُ بِعِصْيانِ جِنْسِ الرُّسُلِ لِأنَّ تَكْذِيبَهم هُودًا لَمْ يَكُنْ خاصًّا بِشَخْصِهِ لِأنَّهم قالُوا لَهُ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]، فَكُلُّ رَسُولٍ جاءَ بِأمْرِ تَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَهم مُكَذِّبُونَ بِهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]

ومَعْنى اتِّباعِ الأمْرِ: طاعَةُ ما يَأْمُرُهم بِهِ، فالِاتِّباعُ تَمْثِيلٌ لِلْعَمَلِ بِما يُمْلى عَلى المُتَّبِعِ؛ لِأنَّ الأمَرَ يُشْبِهُ الهادِيَ لِلسّائِرِ في الطَّرِيقِ، والمُمْتَثِلَ يُشْبِهُ المُتَّبِعَ لِلسّائِرِ.

صفحة ١٠٦

والجَبّارُ: المُتَكَبِّرُ. والعَنِيدُ: مُبالَغَةٌ في المُعانَدَةِ، يُقالُ: عَنَدَ - مُثَلَّثُ النُّونِ - إذا طَغى، ومَن كانَ خُلُقُهُ التَّجَبُّرُ، والعُنُودُ لا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ ولا يَدْعُو إلّا إلى باطِلٍ، فَدَلَّ اتِّباعُهم أمْرَ الجَبابِرَةِ المُعانِدِينَ عَلى أنَّهم أطاعُوا دُعاةَ الكُفْرِ والضَّلالِ والظُّلْمِ.

وكُلٌّ مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَإنْ أُرِيدَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ مِن قَوْمِهِمْ فالعُمُومُ حَقِيقِيٌّ، وإنْ أُرِيدَ جِنْسُ الجَبابِرَةِ فَـ (كُلِّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي

ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] في سُورَةِ الحَجِّ.

وإتْباعُ اللَّعْنَةِ إيّاهم مُسْتَعارٌ لِإصابَتِها إيّاهم إصابَةً عاجِلَةً دُونَ تَأْخِيرٍ كَما يُتْبَعُ الماشِي بِمَن يَلْحَقُهُ. ومِمّا يَزِيدُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ حُسْنًا ما فِيها مِنَ المُشاكَلَةِ ومِن مُماثَلَةِ العِقابِ لِلْجُرْمِ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.