Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 51–60 of 123

51

يَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

O my people, I do not ask you for it any reward. My reward is only from the one who created me. Then will you not reason?

﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ خاطَبَ بِهِ كُلُّ نَبِيٍّ قَوْمَهُ؛ إزاحَةً لِما عَسى يَتَوَهَّمُونَهُ، وإمْحاضًا لِلنَّصِيحَةِ، فَإنَّها ما دامَتْ مَشُوبَةً بِالمَطامِعِ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّأْثِيرِ، وإيرادُ المَوْصُولِ لِلتَّفْخِيمِ، وجَعْلُ الصِّلَةِ فِعْلَ الفِطْرَةِ لِكَوْنِهِ أقْدَمَ النِّعَمِ الفائِضَةِ مِن جَنابِ اللَّهِ تَعالى المُسْتَوْجِبَةِ لِلشُّكْرِ الَّذِي لا يَتَأتّى إلّا بِالجَرَيانِ عَلى مُوجِبِ أمْرِهِ الغالِبِ، مُعْرِضًا عَنِ المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأجْرُ.

﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: أتَغْفُلُونَ عَنْ هَذِهِ القَضِيَّةِ، أوْ ألا تَتَفَكَّرُونَ فِيها فَلا تَعْقِلُونَها، أوْ أتَجْهَلُونَ كُلَّ شَيْءٍ فَلا تَعْقِلُونَ شَيْئًا أصْلًا، فَإنَّ هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَخْفي عَلى أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ.

52

وَيَٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ

And O my people, ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. He will send [rain from] the sky upon you in showers and increase you in strength [added] to your strength. And do not turn away, [being] criminals."

﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ: اطْلُبُوا مَغْفِرَتَهُ لِما سَلَفَ مِنكم مِنَ الذُّنُوبِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: تَوَسَّلُوا إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ، وأيْضًا التَّبَرُّؤُ مِنَ الغَيْرِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الإيمان باللَّهِ تَعالى والرَّغْبَةِ فِيما عِنْدَهُ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أيِ: المَطَرَ ﴿عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ: كَثِيرَ الدُّرُورِ ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً﴾ مُضافَةً ومُنْضَمَّةً ﴿إلى قُوَّتِكُمْ﴾ أيْ: يُضاعِفْها لَكُمْ، وإنَّما رَغَّبَهم بِكَثْرَةِ المَطَرِ؛ لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُرُوعٍ وعِماراتٍ، وقِيلَ: حَبَسَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَطْرَ وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ ثَلاثَ سِنِينَ، فَوَعَدَهم - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَثْرَةَ الأمْطارِ، وتَضاعُفَ القُوَّةِ بِالتَّناسُلِ عَلى الإيمانِ والتَّوْبَةِ ﴿وَلا تَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: لا تُعْرِضُوا عَمّا دَعَوْتُكم إلَيْهِ ﴿مُجْرِمِينَ﴾ مُصِرِّينَ عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإجْرامِ.

53

قَالُوا۟ يَٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍۢ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ

They said, "O Hud, you have not brought us clear evidence, and we are not ones to leave our gods on your say-so. Nor are we believers in you.

﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ: بِحُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دَعْواكَ، وإنَّما قالُوهُ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ، وعَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِما جاءَهم مِنَ البَيِّناتِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ أيْ: بِتارِكِي عِبادَتِها ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ أيْ: صادِرِينَ عَنْهُ، أيْ: صادِرًا تَرْكُنا عَنْ ذَلِكَ بِإسْنادِ حالِ الوَصْفِ إلى المَوْصُوفِ، ومَعْناهُ التَّعْلِيلُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لِدَلالَتِهِ عَلى كَوْنِهِ عِلَّةً فاعِلِيَّةً، ولا يُفِيدُهُ الباءُ واللّامُ، وهَذا كَقَوْلِهِمُ المَنقُولِ عَنْهم في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾، ﴿وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِمُصَدِّقِينَ في شَيْءٍ مِمّا تَأْتِي وتَذَرُ، فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ الآلِهَةِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ الشَّكِيمَةِ، وتَجاوُزِ الحَدِّ في العُتُوِّ ما لا يَخْفى.

54

إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍۢ ۗ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

We only say that some of our gods have possessed you with evil." He said, "Indeed, I call Allah to witness, and witness [yourselves] that I am free from whatever you associate with Allah

﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ﴾ أيْ: ما نَقُولُ إلّا قَوْلَنا: اعْتَراكَ، أيْ: أصابَكَ ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ بِجُنُونٍ لِسَبِّكَ إيّاها وصَدِّكَ عَنْ عِبادَتِها، وحَطِّكِ لَها عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ بِما مَرَّ مِن قَوْلِكَ: "ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ" والتَّنْكِيرُ في (سُوءٍ) لِلتَّقْلِيلِ، كَأنَّهم لَمْ يُبالِغُوا في السُّوءِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى بَعْضِ آلِهَتِهِمْ دُونَ كُلِّها، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ و(إلّا) لَغْوٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ، وهَذا الكَلامُ مُقَرِّرٌ لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِمْ: "وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ" فَإنَّ اعْتِقادَهم بِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما قالُوا وحاشاهُ عَنْ ذَلِكَ - يُوجِبُ عَدَمَ الِاعْتِدادِ بِقَوْلِهِ، وعَدَّهُ مِن قَبِيلِ الخُرافاتِ فَضْلًا عَنِ التَّصْدِيقِ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، يَعْنُونَ: إنّا لا نَعُدُّ كَلامَكَ إلّا مِن قَبِيلِ ما لا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ مَنِ الهَذَياناتِ الصّادِرَةِ عَنِ المَجانِينِ، فَكَيْفَ نُصَدِّقُهُ ونُؤْمِنُ بِهِ ونَعْمَلُ بِمُوجِبِهِ؟! ولَقَدْ سَلَكُوا في طَرِيقَةِ المُخالَفَةِ والعِنادِ إلى سَبِيلِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، حَيْثُ أخْبَرُوا أوَّلًا عَنْ عَدَمِ مَجِيئِهِ بِالبَيِّنَةِ مَعَ احْتِمالِ كَوْنِ ما جاءَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حُجَّةً في نَفْسِهِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ واضِحَةَ الدَّلالَةِ عَلى المُرادِ، وثانِيًا عَنْ تَرْكِ الِامْتِثالِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِقَوْلِهِمْ "وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ" مَعَ إمْكانِ تَحَقُّقِ ذَلِكَ بِتَصْدِيقِهِمْ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في كَلامِهِ، ثُمَّ نَفَوْا تَصْدِيقَهم لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِقَوْلِهِمْ: "وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ" مَعَ كَوْنِ كَلامِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِمّا يَقْبَلُ التَّصْدِيقَ، ثُمَّ نَفَوْا عَنْهُ تِلْكَ المَرْتَبَةَ أيْضًا، حَيْثُ قالُوا ما قالُوا، قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ.

55

مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًۭا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ

Other than Him. So plot against me all together; then do not give me respite.

﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ: مِن إشْراكِكم مِن دُونِ اللَّهِ، أيْ: مِن غَيْرِ أنْ يُنَزِّلَ بِهِ سُلْطانًا، كَما قالَ في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أوْ مِمّا تُشْرِكُونَهُ مِن آلِهَةٍ غَيْرِ اللَّهِ أجابَ بِهِ عَنْ مَقالَتِهِمُ الحَمْقاءِ المَبْنِيَّةِ عَلى اعْتِقادِ كَوْنِ آلِهَتِهِمْ مِمّا يَضُرُّ أوْ يَنْفَعُ وأنَّها بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ، ولَمّا كانَ ما وقَعَ أوَّلًا عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في حَقِّ آلِهَتِهِمْ مِن كَوْنِها بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ إنَّما وقَعَ في ضِمْنِ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى واخْتِصاصِهِ بِها، وقَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وعَدُّوهُ مِمّا يُورِثُ شَيْئًا، حَتّى زَعَمُوا أنَّها تُصِيبُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – بِسُوءٍ؛ مُجازاةً لِصَنِيعِهِ مَعَها، صَرَّحَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالحَقِّ وصَدَعَ بِهِ، حَيْثُ أخْبَرَ بِبَراءَتِهِ القَدِيمَةِ عَنْها بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُصَدَّرَةِ بِـ"إنَّ"، وأشْهَدَ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ، وأمَرَهم بِأنْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ ويَشْهَدُوا بِهِ اسْتِهانَةً بِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهم بِالِاجْتِماعِ والِاحْتِشادِ مَعَ آلِهَتِهِمْ جَمِيعًا دُونَ بَعْضٍ مِنها، حَسْبَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُمْ: "بَعْضُ آلِهَتِنا" والتَّعاوُنِ في إيصالِ الكَيْدِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ونَهاهم عَنِ الإنْظارِ والإمْهالِ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ: إنْ صَحَّ ما لَوَّحْتُمْ بِهِ مِن كَوْنِ آلِهَتِكم مِمّا يَقْدِرُ عَلى إضْرارِ مَن يَنالُ مِنها، ويَصُدُّ عَنْ عِبادَتِها - ولَوْ بِطَرِيقٍ ضِمْنِيٍّ - فَإنِّي بَرِيءٌ مِنها، فَكُونُوا أنْتُمْ مَعَها جَمِيعًا وباشِرُوا كَيْدِي، ثُمَّ لا تُمْهِلُونِي ولا تُسامِحُونِي في ذَلِكَ، فالفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ عَلى زَعْمِهِمْ في قُدْرَةِ آلِهَتِهِمْ عَلى ما قالُوا وعَلى البَراءَةِ كِلَيْهِما، وهَذا مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ - كانَ رَجُلًا مُفْرَدًا بَيْنَ الجَمِّ الغَفِيرِ والجَمْعِ الكَثِيرِ مِن عُتاةِ عادٍ الغِلاظِ الشِّدادِ، وقَدْ خاطَبَهم بِما خاطَبَهم وحَقَّرَهم وآلِهَتَهم وهَيَّجَهم عَلى مُباشَرَةِ مَبادِئِ المُضادَّةِ والمُضارَّةِ، وحَثَّهم عَلى التَّصَدِّي لِأسْبابِ المُعازَّةِ والمُعارَّةِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُباشَرَةِ شَيْءٍ مِمّا كُلِّفُوهُ، وظَهَرَ عَجْزُهم عَنْ ذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا، كَيْفَ لا وقَدِ التَجَأ إلى رُكْنٍ مَنِيعٍ رَفِيعٍ واعْتَصَمَ بِحَبْلٍ مَتِينٍ؟ حَيْثُ قالَ:

56

إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

Indeed, I have relied upon Allah, my Lord and your Lord. There is no creature but that He holds its forelock. Indeed, my Lord is on a path [that is] straight."

﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي أنَّكم وإنْ بَذَلْتُمْ في مُضارَّتِي مَجْهُودَكم لا تَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا تُرِيدُونَ بِي، فَإنِّي مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وإنَّما جِيءَ بِلَفْظِ الماضِي لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى الإنْشاءِ المُناسِبِ لِلْمَقامِ، وواثِقٌ بِكَلاءَتِي وحِفْظِي عَنْ غَوائِلِكُمْ، وهو مالِكِي ومالِكُكم لا يَصْدُرُ عَنْكم شَيْءٌ، ولا يُصِيبُنِي أمْرٌ إلّا بِإرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ أيْ: إلّا هو مالِكٌ لَها قادِرٌ عَلَيْها يُصَرِّفُها كَيْفَ يَشاءُ غَيْرَ مُسْتَعْصِيَةٍ عَلَيْهِ، فَإنَّ الأخْذَ بِالنّاصِيَةِ تَمْثِيلٌ لِذَلِكَ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّوَكُّلُ مِن عَدَمِ قدرتهمْ عَلى إضْرارِهِ، أيْ: هو عَلى الحَقِّ والعَدْلِ، فَلا يَكادُ يُسَلِّطُكم عَلَيَّ إذْ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ مُعْتَصِمٌ ولا يَفْتاتُ عَلَيْهِ ظالِمٌ، والِاقْتِصارُ عَلى إضافَةِ الرَّبِّ إلى نَفْسِهِ إمّا بِطْرِيقِ الِاكْتِفاءِ لِظُهُورِ المُرادِ، وإمّا لِأنَّ فائِدَةَ كَوْنِهِ تَعالى مالِكًا لَهم أيْضًا راجِعَةٌ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

57

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌۭ

But if they turn away, [say], "I have already conveyed that with which I was sent to you. My Lord will give succession to a people other than you, and you will not harm Him at all. Indeed my Lord is, over all things, Guardian."

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: تَتَوَلَّوْا بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، أيْ: إنْ تَسْتَمِرُّوا عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾ أيْ: لَمْ أُعاتَبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ وكُنْتُمْ مَحْجُوجِينَ بِأنْ بَلَغَكُمُ الحَقُّ فَأبَيْتُمْ إلّا التَّكْذِيبَ والجُحُودَ ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بِالوَعِيدِ لَهُمْ، بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُهْلِكُهم ويَسْتَخْلِفُ في دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ قَوْمًا آخَرِينَ، أوْ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ بِالفاءِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَوَلَّوْا يَعْذُرْنِي ويُهْلِكْكم ويَسْتَخْلِفْ مَكانَكم آخَرِينَ، وفي اقْتِصارِ إضافَةِ الرَّبِّ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رَمْزٌ إلى اللُّطْفِ بِهِ والتَّدْمِيرِ لِلْمُخاطَبِينَ ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ﴾ بِتَوَلِّيكم ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الضَّرَرِ لِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ومَن جَزَمَ و(يَسْتَخْلِفُ) أسْقَطَ مِنهُ النُّونَ.

﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أيْ: رَقِيبٌ مُهَيْمِنٌ فَلا تَخْفي عَلَيْهِ أعْمالُكم فَيُجازِيكم بِحَسَبِها، أوْ حافِظٌ مُسْتَوْلٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَكَيْفَ يَضُرُّهُ شَيْءٌ وهو الحافِظُ لِلْكُلِّ؟!

58

وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَنَجَّيْنَٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ

And when Our command came, We saved Hud and those who believed with him, by mercy from Us; and We saved them from a harsh punishment.

﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: نَزَلَ عَذابُنا، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالأمْرِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ جَلَّ جَلالُهُ، وعَنْ نُزُولِهِ بِالمَجِيءِ ما لا يَخْفي مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، أوْ ورَدَ أمْرُنا بِالعَذابِ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وكانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ لَهم ﴿مِنّا﴾ وهي الإيمانُ الَّذِي أنْعَمْنا بِهِ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ والهِدايَةِ إلَيْهِ ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ: كانَتْ تِلْكَ التَّنْجِيَةُ تَنْجِيَةً مِن عَذابٍ غَلِيظٍ، وهي السَّمُومُ الَّتِي كانَتْ تَدْخُلُ أُنُوفَ الكَفَرَةِ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ فَتُقَطِّعُهم إرْبًا إرْبًا، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالثّانِيَةِ التَّنْجِيَةُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ولا عَذابَ أغْلَظُ مِنهُ وأشَدُّ، وهَذِهِ التَّنْجِيَةُ - وإنْ لَمْ تَكُنْ مُقَيَّدَةً بِمَجِيءِ الأمْرِ - لَكِنْ جِيءَ بِها تَكْمِلَةً لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، وتَعْرِيضًا بِأنَّ المُهْلَكِينَ كَما عُذِّبُوا في الدُّنْيا بِالسَّمُومِ فَهم مُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ بِالعَذابِ الغَلِيظِ.

59

وَتِلْكَ عَادٌۭ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ

And that was 'Aad, who rejected the signs of their Lord and disobeyed His messengers and followed the order of every obstinate tyrant.

﴿وَتِلْكَ عادٌ﴾ أُنِّثَ اسْمُ الإشارَةِ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ، أوْ لِأنَّ الإشارَةَ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ كَفَرُوا بِها بَعْدَما اسْتَيْقَنُوها ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ جَمَعَ الرُّسُلَ - مَعَ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إلَيْهِمْ غَيْرَ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَفْظِيعًا لِحالِهِمْ، وإظْهارًا لِكَمالِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ بِبَيانِ أنَّ عِصْيانَهم لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عِصْيانٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ واللّاحِقِينَ، لِاتِّفاقِ كَلِمَتِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ) فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ ما أتى بِهِ هُودٌ وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وفِيهِ زِيادَةُ مُلاءَمَةٍ لِما تَقَدَّمَ مِن جَمِيعِ الآياتِ وما تَأخَّرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ مِن كُبَرائِهِمْ ورُؤَسائِهِمُ الدُّعاةِ إلى الضَّلالِ وإلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَصَوْا كُلَّ رَسُولٍ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ، وهَذا الوَصْفُ لَيْسَ كَما سَبَقَ مِن جُحُودِ الآياتِ وعِصْيانِ الرُّسُلِ في الشُّمُولِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنهم، فَإنَّ الِاتِّباعَ لِلْأمْرِ مِن أوْصافِ الأسافِلِ دُونَ الرُّؤَساءِ، وَعَنِيدٌ فَعِيلٌ مِن عَنَدَ عَنَدًا وعَنْدًا إذا طَغا، والمَعْنى: عَصَوْا مَن دَعاهم إلى الهُدى وأطاعُوا مَن حَداهم إلى الرَّدى.

60

وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًۭا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّعَادٍۢ قَوْمِ هُودٍۢ

And they were [therefore] followed in this world with a curse and [as well] on the Day of Resurrection. Unquestionably, 'Aad denied their Lord; then away with 'Aad, the people of Hud.

﴿وَأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ إبْعادًا عَنِ الرَّحْمَةِ وعَنْ كُلِّ خَيْرٍ، أيْ: جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ لازِمَةً لَهم وعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّبَعِيَّةِ لِلْمُبالَغَةِ، فَكَأنَّها لا تُفارِقُهم وإنْ ذَهَبُوا كُلَّ مَذْهَبٍ، بَلْ تَدُورُ مَعَهم حَيْثُما دارُوا، ولِوُقُوعِهِ في صُحْبَةِ اتِّباعِهِمْ رُؤَساءَهم يَعْنِي أنَّهم لَمّا اتَّبَعُوهم أُتْبِعُوا ذَلِكَ جَزاءً لِصَنِيعِهِمْ جَزاءً وِفاقًا ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيِ: أُتْبِعُوا يَوْمَ القِيامَةِ أيْضًا لَعْنَةً، وهي عَذابُ النّارِ المُخَلِّدُ، حُذِفَتْ لِدَلالَةِ الأُولى عَلَيْها، ولِلْإيذانِ بِكَوْنِ كُلٍّ مِنَ اللُّغَتَيْنِ نَوْعًا بِرَأْسِهِ لَمْ تُجْمَعا في قَرْنٍ واحِدٍ، بِأنْ يُقالَ: وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ لَعْنَةً، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ﴾ إيذانًا بِاخْتِلافِ نَوْعَيِ الحَسَنَتَيْنِ، فَإنَّ المُرادَ بِالحَسَنَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ نَحْوُ الصِّحَّةِ والكَفافِ والتَّوْفِيقِ لِلْخَيْرِ، وبِالحَسَنَةِ الأُخْرَوِيَّةِ الثَّوابُ والرَّحْمَةُ.

﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ: بِرَبِّهِمْ، أوْ نِعْمَةَ رَبِّهِمْ حَمْلًا لَهُ عَلى نَقِيضِهِ الَّذِي هو الشُّكْرُ أوْ جَحَدُوهُ ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ مَعَ كَوْنِهِمْ هالِكِينَ أيَّ هَلاكٌ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِاسْتِحْقاقِ الهَلاكِ، واسْتِيجابِ الدَّمارِ، وتَكْرِيرُ حَرْفِ التَّنْبِيهِ، وإعادَةُ "عادٍ" لِلْمُبالَغَةِ في تَفْظِيعِ حالِهِمْ، والحَثِّ عَلى الِاعْتِبارِ بِقِصَّتِهِمْ ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِـ(عادٍ) فائِدَتُهُ التَّمْيِيزُ عَنْ (عادٍ) الثّانِيَةِ عادِ إرَمَ، والإيماءُ إلى أنَّ اسْتِحْقاقَهم لِلْبُعْدِ بِسَبَبِ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ هُودٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وهم قَوْمُهُ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.