Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 51–60 of 123

51

يَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

O my people, I do not ask you for it any reward. My reward is only from the one who created me. Then will you not reason?

Explained together with ayah 46

52

وَيَٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ

And O my people, ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. He will send [rain from] the sky upon you in showers and increase you in strength [added] to your strength. And do not turn away, [being] criminals."

Explained together with ayah 46

53

قَالُوا۟ يَٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍۢ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ

They said, "O Hud, you have not brought us clear evidence, and we are not ones to leave our gods on your say-so. Nor are we believers in you.

إنَّ مِن أخْفى آياتِ الرُّسُلِ آياتُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴿ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾

وَمَعَ هَذا فَبَيِّنَتُهُ مِن أظْهَرِ البَيِّناتِ، وقَدْ أشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونَ - إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤-٥٦]، فَهَذا مِن أعْظَمِ الآياتِ: أنَّ رَجُلًا واحِدًا يُخاطِبُ أُمَّةً عَظِيمَةً بِهَذا الخِطابِ، غَيْرَ جَزِعٍ ولا فَزِعٍ، ولا خَوّارٍ، بَلْ واثِقٌ مِمّا قالَهُ جازِمٌ بِهِ، قَدْ أشْهَدَ اللَّهَ أوَّلًا عَلى بَراءَتِهِ مِن دِينِهِمْ، ومِمّا هم عَلَيْهِ إشْهادَ واثِقٍ بِهِ، مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِ، مُعْلِمٍ لِقَوْمِهِ: أنَّهُ ولِيُّهُ وناصِرُهُ، وأنَّهُ غَيْرُ مُسَلِّطِهِمْ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أشْهَدَهم - إشْهادَ مُجاهِرٍ لَهم بِالمُخالَفَةِ -: أنَّهُ بَرِيءٌ مِن دِينِهِمْ وآلِهَتِهِمْ، الَّتِي يُوالُونَ عَلَيْها ويُعادُونَ، ويَبْذُلُونَ دِماءَهم وأمْوالَهم في نُصْرَتِها.

ثُمَّ أكَّدَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِالِاسْتِهانَةِ بِهِمْ، واحْتِقارِهِمْ وازْدِرائِهِمْ، وأنَّهم لَوْ يَجْتَمِعُونَ كُلُّهم عَلى كَيْدِهِ، وشِفاءِ غَيْظِهِمْ مِنهُ، ثُمَّ يُعالِجُونَهُ ولا يُمْهِلُونَهُ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ: أنَّهم أضْعَفُ وأعْجَزُ وأقَلُّ مِن ذَلِكَ، وأنَّكم لَوْ رُمْتُمُوهُ لانْقَلَبْتُمْ بِغَيْظِكم مَكْبُوتِينَ مَخْذُولِينَ.

ثُمَّ قَرَّرَ دَعْوَتَهُ أحَسَنَ تَقْرِيرٍ، وبَيَّنَ أنَّ رَبَّهُ تَعالى ورَبَّهُمْ، الَّذِي نَواصِيهِمْ بِيَدِهِ: هو ولِيُّهُ ووَكِيلُهُ، القائِمُ بِنَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، وأنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَلا يَخْذُلُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وآمَنَ بِهِ، ولا يُشْمِتُ بِهِ أعْداءَهُ، ولا يَكُونُ مَعَهم عَلَيْهِ، فَإنَّ صِراطَهُ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو عَلَيْهِ - في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ - يَمْنَعُ ذَلِكَ ويَأْباهُ.

وَتَحْتَ هَذا الخِطابِ أنَّ مِن صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ أنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ خَرَجَ عَنْهُ وعَمِلَ بِخِلافِهِ، ويُنْزِلَ بِهِ بِأْسَهُ، فَإنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو العَدْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّبُّ تَعالى، ومِنهُ انْتِقامُهُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ والإجْرامِ، ونَصْرُهُ أوْلِياءَهُ ورُسُلَهُ عَلى أعْدائِهِمْ، وأنَّهُ يَذْهَبُ بِهِمْ، ويَسْتَخْلِفُ قَوْمًا غَيْرَهُمْ، ولا يَضُرُّهُ ذَلِكَ شَيْئًا، وأنَّهُ القائِمُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حِفْظًا ورِعايَةً وتَدْبِيرًا وإحْصاءً.

فَأيُّ آيَةٍ وبُرْهانٍ ودَلِيلٍ أحْسَنُ مِن آياتِ الأنْبِياءِ وبَراهِينِهِمْ وأدِلَّتِهِمْ؟ وهي شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُمْ، بَيَّنَها لِعِبادِهِ غايَةَ البَيانِ، وأظْهَرَها لَهم غايَةَ الإظْهارِ بِقَوْلِهِ وفِعْلِهِ، وفي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما آمَنَ عَلى مِثْلِهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ».

54

إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍۢ ۗ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

We only say that some of our gods have possessed you with evil." He said, "Indeed, I call Allah to witness, and witness [yourselves] that I am free from whatever you associate with Allah

إنَّ مِن أخْفى آياتِ الرُّسُلِ آياتُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴿ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾

وَمَعَ هَذا فَبَيِّنَتُهُ مِن أظْهَرِ البَيِّناتِ، وقَدْ أشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونَ - إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤-٥٦]، فَهَذا مِن أعْظَمِ الآياتِ: أنَّ رَجُلًا واحِدًا يُخاطِبُ أُمَّةً عَظِيمَةً بِهَذا الخِطابِ، غَيْرَ جَزِعٍ ولا فَزِعٍ، ولا خَوّارٍ، بَلْ واثِقٌ مِمّا قالَهُ جازِمٌ بِهِ، قَدْ أشْهَدَ اللَّهَ أوَّلًا عَلى بَراءَتِهِ مِن دِينِهِمْ، ومِمّا هم عَلَيْهِ إشْهادَ واثِقٍ بِهِ، مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِ، مُعْلِمٍ لِقَوْمِهِ: أنَّهُ ولِيُّهُ وناصِرُهُ، وأنَّهُ غَيْرُ مُسَلِّطِهِمْ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أشْهَدَهم - إشْهادَ مُجاهِرٍ لَهم بِالمُخالَفَةِ -: أنَّهُ بَرِيءٌ مِن دِينِهِمْ وآلِهَتِهِمْ، الَّتِي يُوالُونَ عَلَيْها ويُعادُونَ، ويَبْذُلُونَ دِماءَهم وأمْوالَهم في نُصْرَتِها.

ثُمَّ أكَّدَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِالِاسْتِهانَةِ بِهِمْ، واحْتِقارِهِمْ وازْدِرائِهِمْ، وأنَّهم لَوْ يَجْتَمِعُونَ كُلُّهم عَلى كَيْدِهِ، وشِفاءِ غَيْظِهِمْ مِنهُ، ثُمَّ يُعالِجُونَهُ ولا يُمْهِلُونَهُ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ: أنَّهم أضْعَفُ وأعْجَزُ وأقَلُّ مِن ذَلِكَ، وأنَّكم لَوْ رُمْتُمُوهُ لانْقَلَبْتُمْ بِغَيْظِكم مَكْبُوتِينَ مَخْذُولِينَ.

ثُمَّ قَرَّرَ دَعْوَتَهُ أحَسَنَ تَقْرِيرٍ، وبَيَّنَ أنَّ رَبَّهُ تَعالى ورَبَّهُمْ، الَّذِي نَواصِيهِمْ بِيَدِهِ: هو ولِيُّهُ ووَكِيلُهُ، القائِمُ بِنَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، وأنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَلا يَخْذُلُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وآمَنَ بِهِ، ولا يُشْمِتُ بِهِ أعْداءَهُ، ولا يَكُونُ مَعَهم عَلَيْهِ، فَإنَّ صِراطَهُ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو عَلَيْهِ - في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ - يَمْنَعُ ذَلِكَ ويَأْباهُ.

وَتَحْتَ هَذا الخِطابِ أنَّ مِن صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ أنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ خَرَجَ عَنْهُ وعَمِلَ بِخِلافِهِ، ويُنْزِلَ بِهِ بِأْسَهُ، فَإنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو العَدْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّبُّ تَعالى، ومِنهُ انْتِقامُهُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ والإجْرامِ، ونَصْرُهُ أوْلِياءَهُ ورُسُلَهُ عَلى أعْدائِهِمْ، وأنَّهُ يَذْهَبُ بِهِمْ، ويَسْتَخْلِفُ قَوْمًا غَيْرَهُمْ، ولا يَضُرُّهُ ذَلِكَ شَيْئًا، وأنَّهُ القائِمُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حِفْظًا ورِعايَةً وتَدْبِيرًا وإحْصاءً.

فَأيُّ آيَةٍ وبُرْهانٍ ودَلِيلٍ أحْسَنُ مِن آياتِ الأنْبِياءِ وبَراهِينِهِمْ وأدِلَّتِهِمْ؟ وهي شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُمْ، بَيَّنَها لِعِبادِهِ غايَةَ البَيانِ، وأظْهَرَها لَهم غايَةَ الإظْهارِ بِقَوْلِهِ وفِعْلِهِ، وفي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما آمَنَ عَلى مِثْلِهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ».

55

مِن دُونِهِۦ ۖ فَكِيدُونِى جَمِيعًۭا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ

Other than Him. So plot against me all together; then do not give me respite.

إنَّ مِن أخْفى آياتِ الرُّسُلِ آياتُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴿ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾

وَمَعَ هَذا فَبَيِّنَتُهُ مِن أظْهَرِ البَيِّناتِ، وقَدْ أشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونَ - إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤-٥٦]، فَهَذا مِن أعْظَمِ الآياتِ: أنَّ رَجُلًا واحِدًا يُخاطِبُ أُمَّةً عَظِيمَةً بِهَذا الخِطابِ، غَيْرَ جَزِعٍ ولا فَزِعٍ، ولا خَوّارٍ، بَلْ واثِقٌ مِمّا قالَهُ جازِمٌ بِهِ، قَدْ أشْهَدَ اللَّهَ أوَّلًا عَلى بَراءَتِهِ مِن دِينِهِمْ، ومِمّا هم عَلَيْهِ إشْهادَ واثِقٍ بِهِ، مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِ، مُعْلِمٍ لِقَوْمِهِ: أنَّهُ ولِيُّهُ وناصِرُهُ، وأنَّهُ غَيْرُ مُسَلِّطِهِمْ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أشْهَدَهم - إشْهادَ مُجاهِرٍ لَهم بِالمُخالَفَةِ -: أنَّهُ بَرِيءٌ مِن دِينِهِمْ وآلِهَتِهِمْ، الَّتِي يُوالُونَ عَلَيْها ويُعادُونَ، ويَبْذُلُونَ دِماءَهم وأمْوالَهم في نُصْرَتِها.

ثُمَّ أكَّدَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِالِاسْتِهانَةِ بِهِمْ، واحْتِقارِهِمْ وازْدِرائِهِمْ، وأنَّهم لَوْ يَجْتَمِعُونَ كُلُّهم عَلى كَيْدِهِ، وشِفاءِ غَيْظِهِمْ مِنهُ، ثُمَّ يُعالِجُونَهُ ولا يُمْهِلُونَهُ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ: أنَّهم أضْعَفُ وأعْجَزُ وأقَلُّ مِن ذَلِكَ، وأنَّكم لَوْ رُمْتُمُوهُ لانْقَلَبْتُمْ بِغَيْظِكم مَكْبُوتِينَ مَخْذُولِينَ.

ثُمَّ قَرَّرَ دَعْوَتَهُ أحَسَنَ تَقْرِيرٍ، وبَيَّنَ أنَّ رَبَّهُ تَعالى ورَبَّهُمْ، الَّذِي نَواصِيهِمْ بِيَدِهِ: هو ولِيُّهُ ووَكِيلُهُ، القائِمُ بِنَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ، وأنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَلا يَخْذُلُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وآمَنَ بِهِ، ولا يُشْمِتُ بِهِ أعْداءَهُ، ولا يَكُونُ مَعَهم عَلَيْهِ، فَإنَّ صِراطَهُ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو عَلَيْهِ - في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ - يَمْنَعُ ذَلِكَ ويَأْباهُ.

وَتَحْتَ هَذا الخِطابِ أنَّ مِن صِراطِهِ المُسْتَقِيمِ أنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ خَرَجَ عَنْهُ وعَمِلَ بِخِلافِهِ، ويُنْزِلَ بِهِ بِأْسَهُ، فَإنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو العَدْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّبُّ تَعالى، ومِنهُ انْتِقامُهُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ والإجْرامِ، ونَصْرُهُ أوْلِياءَهُ ورُسُلَهُ عَلى أعْدائِهِمْ، وأنَّهُ يَذْهَبُ بِهِمْ، ويَسْتَخْلِفُ قَوْمًا غَيْرَهُمْ، ولا يَضُرُّهُ ذَلِكَ شَيْئًا، وأنَّهُ القائِمُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حِفْظًا ورِعايَةً وتَدْبِيرًا وإحْصاءً.

فَأيُّ آيَةٍ وبُرْهانٍ ودَلِيلٍ أحْسَنُ مِن آياتِ الأنْبِياءِ وبَراهِينِهِمْ وأدِلَّتِهِمْ؟ وهي شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُمْ، بَيَّنَها لِعِبادِهِ غايَةَ البَيانِ، وأظْهَرَها لَهم غايَةَ الإظْهارِ بِقَوْلِهِ وفِعْلِهِ، وفي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما آمَنَ عَلى مِثْلِهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ».

56

إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

Indeed, I have relied upon Allah, my Lord and your Lord. There is no creature but that He holds its forelock. Indeed, my Lord is on a path [that is] straight."

فَقَوْلُهُ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ [هود: ٥٦] نَظِيرُ قَوْلِهِ: «ناصِيَتِي بِيَدِك» وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] نَظِيرُ قَوْلِهِ: «عَدْلٌ في قَضاؤُك».

فالأوَّلُ مُلْكُهُ، والثّانِي حَمْدُهُ، وهو سُبْحانَهُ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وكَوْنُهُ سُبْحانَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا الحَقَّ، ولا يَأْمُرُ إلّا بِالعَدْلِ، ولا يَفْعَلُ إلّا ما هو مَصْلَحَةٌ ورَحْمَةٌ وحِكْمَةٌ وعَدْلٌ؛ فَهو عَلى الحَقِّ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ؛ فَلا يَقْضِي عَلى العَبْدِ بِما يَكُونُ ظالِمًا لَهُ بِهِ، ولا يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ ذَنْبِهِ، ولا يَنْقُصُهُ مِن حَسَناتِهِ شَيْئًا، ولا يَحْمِلُ عَلَيْهِ مِن سَيِّئاتِ غَيْرِهِ الَّتِي لَمْ يَعْمَلْها ولَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْها شَيْئًا، ولا يُؤاخِذُ أحَدًا بِذَنْبِ غَيْرِهِ، ولا يَفْعَلُ قَطُّ ما لا يُحْمَدُ عَلَيْهِ، ويُثْنى بِهِ عَلَيْهِ، ويَكُونُ لَهُ فِيهِ العَواقِبُ الحَمِيدَةُ، والغاياتُ المَطْلُوبَةُ، فَإنَّ كَوْنَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يَأْبى ذَلِكَ كُلَّهُ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] يَقُولُ: إنّ رَبِّي عَلى طَرِيقِ الحَقِّ، يُجازِي المُحْسِنَ مِن خَلْقِهِ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لا يَظْلِمُ أحَدًا مِنهم شَيْئًا، ولا يَقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامَ لَهُ، والإيمانَ بِهِ، ثُمَّ حَكى عَنْ مُجاهِدٍ مِن طَرِيقِ شِبْلِ بْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْهُ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] قالَ: الحَقُّ، وكَذَلِكَ رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُ.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] وهَذا اخْتِلافُ عِبارَةٍ، فَإنَّ كَوْنَهُ بِالمِرْصادِ هو مُجازاةُ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: إنّ رَبِّي يَحُثُّكم عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ويَحُضُّكم عَلَيْهِ؛ وهَؤُلاءِ إنْ أرادُوا أنَّ هَذا مَعْنى الآيَةِ الَّتِي أُرِيدَ بِها فَلَيْسَ كَما زَعَمُوا، ولا دَلِيلَ عَلى هَذا المُقَدَّرِ، وقَدْ فَرَّقَ سُبْحانَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ آمِرًا بِالعَدْلِ وبَيْنَ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وإنْ أرادُوا أنَّ حَثَّهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مِن جُمْلَةِ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فَقَدْ أصابُوا.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: مَعْنى كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أنَّ مَرَدَّ العِبادِ والأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنها، وهَؤُلاءِ إنْ أرادُوا أنَّ هَذا مَعْنى الآيَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وإنْ أرادُوا أنَّ هَذا مِن لَوازِمِ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ومِن مُقْتَضاهُ ومُوجِبِهِ فَهو حَقٌّ.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: مَعْناهُ كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وقَهْرِهِ وفي مِلْكِهِ وقَبْضَتِهِ، وهَذا وإنْ كانَ حَقًّا فَلَيْسَ هو مَعْنى الآيَةِ، وقَدْ فَرَّقَ شُعَيْبٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ [هود: ٥٦] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] فَهُما مَعْنَيانِ مُسْتَقِلّانِ

فالقَوْلُ قَوْلُ مُجاهِدٍ، وهو قَوْلُ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ، ولا تَحْتَمِلُ العَرَبِيَّةُ غَيْرَهُ إلّا عَلى اسْتِكْراهٍ؛ وقالَ جَرِيرٌ يَمْدَحُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ:

؎أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى صِراطٍ ∗∗∗ إذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيمِ

وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩] وإذا كانَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي جَعَلَ رُسُلَهُ …

57

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌۭ

But if they turn away, [say], "I have already conveyed that with which I was sent to you. My Lord will give succession to a people other than you, and you will not harm Him at all. Indeed my Lord is, over all things, Guardian."

Explained together with ayah 56

58

وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًۭا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍۢ مِّنَّا وَنَجَّيْنَٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍۢ

And when Our command came, We saved Hud and those who believed with him, by mercy from Us; and We saved them from a harsh punishment.

Explained together with ayah 56

59

وَتِلْكَ عَادٌۭ ۖ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ

And that was 'Aad, who rejected the signs of their Lord and disobeyed His messengers and followed the order of every obstinate tyrant.

Explained together with ayah 56

60

وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةًۭ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ عَادًۭا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًۭا لِّعَادٍۢ قَوْمِ هُودٍۢ

And they were [therefore] followed in this world with a curse and [as well] on the Day of Resurrection. Unquestionably, 'Aad denied their Lord; then away with 'Aad, the people of Hud.

Explained together with ayah 56

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.