Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 1–10 of 123

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ

Alif, Lam, Ra. [This is] a Book whose verses are perfected and then presented in detail from [one who is] Wise and Acquainted.

صفحة ٣١٤

﴿ألر﴾

تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها مِن نُظَرائِها وما سُورَةُ يُونُسَ بِبَعِيدٍ.

* * *

﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾

القَوْلُ في الِافْتِتاحِ بِقَوْلِهِ: كِتابٌ وتَنْكِيرُهُ مُماثِلٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٢] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلِماذا يَعْجَبُ المُشْرِكُونَ مِن ذَلِكَ ويُكَذِّبُونَ بِهِ. فَـ كِتابٌ مُبْتَدَأٌ، سَوَّغَ الِابْتِداءُ ما فِيهِ مِنَ التَّنْكِيرِ لِلنَّوْعِيَّةِ.

و﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ خَبَرٌ و﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ صِفَةٌ لِـ كِتابٍ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ صِفَةً مُخَصَّصَةً، وهي مُسَوِّغُ الِابْتِداءِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ أُحْكِمَتْ هو الخَبَرُ. وتَجْعَلَ ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـ أُحْكِمَتْ وفُصِّلَتْ

والإحْكامُ: إتْقانُ الصُّنْعِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الحِكْمَةِ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ. وهي إتْقانُ الأشْياءِ بِحَيْثُ تَكُونُ سالِمَةً مِنَ الأخْلالِ الَّتِي تَعْرِضُ لِنَوْعِها، أيْ جُعِلَتْ آياتُهُ كامِلَةً في نَوْعِ الكَلامِ بِحَيْثُ سَلِمَتْ مِن مُخالَفَةِ الواقِعِ ومِن أخْلالِ المَعْنى واللَّفْظِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ [آل عمران: ٧] في أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وبِهَذا المَعْنى تُنْبِئُ المُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ﴾

وآياتُ القُرْآنِ: الجُمَلُ المُسْتَقِلَّةُ بِمَعانِيها المُخْتَتَمَةِ بِفَواصِلَ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَسْمِيَةِ جُمَلِ القُرْآنِ بِالآياتِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [البقرة: ٣٩] في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.

صفحة ٣١٥

والتَّفْصِيلُ: التَّوْضِيحُ والبَيانُ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الفَصْلِ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الشَّيْءِ وغَيْرِهِ بِما يُمَيِّزُهُ، فَصارَ كِنايَةً مَشْهُورَةً عَنِ البَيانِ لِما فِيهِ مِن فَصْلِ المَعانِي. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

ونَظِيرُهُ: الفَرْقُ، كَنّى بِهِ عَنِ البَيانِ فَسُمِّيَ القُرْآنُ فُرْقانًا. وعَنِ الفَصْلِ فَسُمِّيَ يَوْمُ بَدْرٍ يَوْمَ الفَرْقانِ، ومِنهُ في ذِكْرِ لَيْلَةِ القَدْرِ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] .

وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ لِما في التَّفْصِيلِ مِنَ الِاهْتِمامِ لَدى النُّفُوسِ لِأنَّ العُقُولَ تَرْتاحُ إلى البَيانِ والإيضاحِ.

و﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أيْ مِن عِنْدِ المَوْصُوفِ بِإبْداعِ الصُّنْعِ لِحِكْمَتِهِ، وإيضاحِ التَّبْيِينِ لِقُوَّةِ عِلْمِهِ. والخَبِيرُ: العالِمُ بِخَفايا الأشْياءِ، وكُلَّما كَثُرَتِ الأشْياءُ كانَتِ الإحاطَةُ بِها أعَزَّ، فالحَكِيمُ مُقابِلٌ لِـ أُحْكِمَتْ، والخَبِيرُ مُقابِلٌ لِـ فُصِّلَتْ. وهُما وإنْ كانا مُتَعَلِّقَ العِلْمِ ومُتَعَلِّقَ القُدْرَةِ إذِ القُدْرَةُ لا تَجْرِي إلّا عَلى وِفْقِ العِلْمِ، إلّا أنَّهُ رُوعِيَ في المُقابَلَةِ الفِعْلُ الَّذِي هو أثَرُ إحْدى الصِّفَتَيْنِ أشَدُّ تَبادُرًا فِيهِ لِلنّاسِ مِنَ الآخَرِ وهَذا مِن بَلِيغِ المُزاوَجَةِ.

2

أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۚ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ

[Through a messenger, saying], "Do not worship except Allah. Indeed, I am to you from Him a warner and a bringer of good tidings,"

﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾

(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِما في مَعْنى ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أقْوالٍ مُحْكَمَةٍ ومُفَصَّلَةٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أُوحِيَ إلَيْكَ في هَذا الكِتابِ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ لِما أُحْكِمَ مِنَ الآياتِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وإيجابِ عِبادَةِ اللَّهِ هو أصْلُ الدِّينِ، وإلَيْهِ مَرْجِعُ جَمِيعِ الصِّفاتِ الَّتِي ثَبَتَتْ لِلَّهِ - تَعالى - بِالدَّلِيلِ، وهو الَّذِي يَتَفَرَّعُ عَنْهُ جَمِيعُ التَّفاصِيلِ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ

صفحة ٣١٦

الأمْرُ بِالتَّوْحِيدِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ في القُرْآنِ، وأنَّ أوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ كانَ فِيها الأمْرُ بِمُلابَسَةِ اسْمِ اللَّهِ لِأوَّلِ قِراءَةِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]

والخِطابُ في ﴿ألّا تَعْبُدُوا﴾ وضَمائِرُ الخِطابِ الَّتِي بَعْدَهُ مُوَجَّهَةٌ إلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا وهم كُلُّ مَن يَسْمَعُ هَذا الكَلامَ المَأْمُورَ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ وجُمْلَةِ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [هود: ٣] الآيَةَ، وهو اعْتِراضٌ لِلتَّحْذِيرِ مِن مُخالَفَةِ النَّهْيِ والتَّحْرِيضِ عَلى امْتِثالِهِ.

ووُقُوعُ هَذا الِاعْتِراضِ عَقِبَ الجُمْلَةِ الأُولى الَّتِي هي مِنَ الآياتِ المُحْكَماتِ إشْعارٌ بِأنَّ مَضْمُونَهُ مِنَ الآياتِ المُحْكَماتِ وإنْ لَمْ تَكُنِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةً وذَلِكَ لِأنَّ شَأْنَ الِاعْتِراضِ أنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِما وقَعَ بَعْدَهُ وناشِئًا مِنهُ فَإنَّ مَضْمُونَ البَشِيرِ والنَّذِيرِ هو جامِعُ عَمَلِ الرَّسُولِ ﷺ في رِسالَتِهِ فَهو بَشِيرٌ لِمَن آمَنَ وأطاعَ، ونَذِيرٌ لِمَن أعْرَضَ وعَصى، وذَلِكَ أيْضًا جامِعٌ لِلْأُصُولِ المُتَعَلِّقَةِ بِالرِّسالَةِ وأحْوالِ الرُّسُلِ وما أخْبَرُوا بِهِ مِنَ الغَيْبِ فانْدَرَجَ في ذَلِكَ العَقائِدُ السَّمْعِيَّةُ، وهَذا عَيْنُ الإحْكامِ.

ومَن في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ إنِّي نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لَكم جائِيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.

والجَمْعُ بَيْنَ النِّذارَةِ والبِشارَةِ لِمُقابَلَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الأوْلى مِن طَلَبِ تَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ بِطَرِيقِ النَّهْيِ وطَلَبِ عِبادَةِ اللَّهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ، فالنِّذارَةُ تَرْجِعُ إلى الجُزْءِ الأوَّلِ، والبِشارَةُ تَرْجِعُ إلى الجُزْءِ الثّانِي.

3

وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ كَبِيرٍ

And [saying], "Seek forgiveness of your Lord and repent to Him, [and] He will let you enjoy a good provision for a specified term and give every doer of favor his favor. But if you turn away, then indeed, I fear for you the punishment of a great Day.

صفحة ٣١٧

﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] وهو تَفْسِيرٌ ثانٍ يَرْجِعُ إلى ما في الجُمْلَةِ الأُولى مِن لَفْظِ التَّفْصِيلِ، فَهَذا ابْتِداءُ التَّفْصِيلِ لِأنَّهُ بَيانٌ وإرْشادٌ لِوَسائِلِ نَبْذِ عِبادَةِ ما عَدا اللَّهَ تَعالى، ودَلائِلُ عَلى ذَلِكَ وأمْثالٌ ونُذُرٌ، فالمَقْصُودُ: تَقْسِيمُ التَّفْسِيرِ وهو وجْهُ إعادَةِ حَرْفِ التَّفْسِيرِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِالَّذِي في الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها.

والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ، أيْ طَلَبُ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِذَنْبٍ مَضى، وذَلِكَ النَّدَمُ.

والتَّوْبَةُ: الإقْلاعُ عَنْ عَمَلِ ذَنْبٍ، والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ.

وثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الِاعْتِرافَ بِفَسادِ ما هم فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ أهَمُّ مِن طَلَبِ المَغْفِرَةِ، فَإنَّ تَصْحِيحَ العَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدَةِ إلَيْها هو مُسَمّى التَّوْبَةِ، وهَذا تَرْغِيبٌ في نَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ وبَيانٌ لِما في ذَلِكَ مِنَ الفَوائِدِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

والمَتاعُ: اسْمُ مَصْدَرِ التَّمْتِيعِ لِما يُتَمَتَّعُ بِهِ، أيْ يُنْتَفَعُ. ويُطْلَقُ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والحَسَنُ: تَقْيِيدٌ لِنَوْعِ المَتاعِ بِأنَّهُ الحَسَنُ في نَوْعِهِ، أيْ خالِصًا مِنَ المُكَدِّراتِ طَوِيلًا بَقاؤُهُ لِصاحِبِهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ . والمُرادُ بِالمَتاعِ: الإبْقاءُ، أيِ الحَياةُ، والمَعْنى أنَّهُ لا يَسْتَأْصِلُهم. ووَصَفَهُ بِالحُسْنِ لِإفادَةِ أنَّها حَياةٌ طَيِّبَةٌ.

صفحة ٣١٨

وإلى أجَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُمَتِّعُكم وهو غايَةٌ لِلتَّمْتِيعِ، وذَلِكَ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذا المَتاعَ لَهُ نِهايَةٌ، فَعُلِمَ أنَّهُ مَتاعُ الدُّنْيا. والمَقْصُودُ بِالأجَلِ: أجْلُ كُلِّ واحِدٍ وهو نِهايَةُ حَياتِهِ، وهَذا وعْدٌ بِأنَّهُ نِعْمَةٌ باقِيَةٌ طُولَ الحَياةِ.

وجُمْلَةُ ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ يُمَتِّعْكم. والإيتاءُ: الإعْطاءُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِنَ المَتاعِ الحَسَنِ، فَيُعْلَمُ أنَّهُ إعْطاءُ نَعِيمِ الآخِرَةِ. والفَضْلُ: إعْطاءُ اَلْخَيْرِ. سُمِّيَ فَضْلًا لِأنَّ الغالِبَ أنَّ فاعِلَ اَلْخَيْرِ يَفْعَلُهُ بِما هو فاضِلٌ عَنْ حاجَتِهِ، ثُمَّ تُنُوسِيَ ذَلِكَ فَصارَ الفَضْلُ بِمَعْنى إعْطاءِ اَلْخَيْرِ.

والفَضْلُ الأوَّلُ: العَمَلُ الصّالِحُ، بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِفَضْلِ اللَّهِ الغَنِيِّ عَنِ النّاسِ. والفَضْلُ الثّانِي المُضافُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ هو ثَوابُ الآخِرَةِ، بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِالمَتاعِ في الدُّنْيا. والمَعْنى: ويُؤْتِ اللَّهُ فَضْلَهُ كُلَّ ذِي فَضْلٍ في عَمَلِهِ.

ولَمّا عُلِّقَ الإيتاءُ بِالفَضْلَيْنِ عُلِمَ أنَّ مِقْدارَ الجَزاءِ بِقَدْرِ المُجْزِيِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ عُلِّقَ بِذِي فَضْلٍ وهو في قُوَّةِ المُشْتَقِّ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِالتَّعْلِيلِ وبِالتَّقْدِيرِ. وضَبْطُ ذَلِكَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وهو سِرٌّ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ. ونَظِيرُ هَذا مَعَ اخْتِلافٍ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ وزِيادَةِ بَيانٍ، قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]

* …

4

إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ

To Allah is your return, and He is over all things competent."

﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. والمَعْنى: أنَّكم صائِرُونَ إلى اللَّهِ، أيْ إلى قُدْرَتِهِ غَيْرَ مُنْفَلِتِينَ مِنهُ فَهو مُجازِيكم عَلى تَوَلِّيكم عَنْ أمْرِهِ.

فالمَرْجِعُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الرُّجُوعِ. وهو مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ لازِمِهِ العُرْفِيِّ وهو عَدَمُ الِانْفِلاتِ وإنْ طالَ الزَّمَنُ، وذَلِكَ شامِلٌ لِلرُّجُوعِ بَعْدَ المَوْتِ. ولَيْسَ المُرادُ إيّاهُ خاصَّةً لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أنْسَبُ بِالمَصِيرِ الدُّنْيَوِيِّ لِأنَّهُ المُسَلَّمُ عِنْدَهم، وأمّا المَصِيرُ الأُخْرَوِيُّ فَلَوِ اعْتَرَفُوا بِهِ لَما كانَ هُنالِكَ قَوِيٌّ مُقْتَضٍ لِزِيادَةٍ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ والتَّقَوِّي، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الحَصْرُ إذْ هم لا يَحْسَبُونَ أنَّهم مُرْجَعُونَ بَعْدَ المَوْتِ بَلْهَ أنْ يَرْجِعُوا إلى غَيْرِهِ.

صفحة ٣٢٠

وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾، أيْ فَما ظَنُّكم بِرُجُوعِكم إلى القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وقَدْ عَصَيْتُمْ أمْرَهُ ألَيْسَ يُعَذِّبُكم عَذابًا كَبِيرًا.

5

أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Unquestionably, they the disbelievers turn away their breasts to hide themselves from Him. Unquestionably, [even] when they cover themselves in their clothing, Allah knows what they conceal and what they declare. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾

حَوْلَ أُسْلُوبِ الكَلامِ عَنْ مُخاطَبَةِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ إلى إعْلامِهِ بِحالٍ مِن أحْوالِ الَّذِينَ أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ في جَهْلِهِمْ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ - تَعالى - بِكُلِّ حالٍ مِنَ الكائِناتِ مِنَ الذَّواتِ والأعْمالِ ظاهِرِها وخَفِيِّها، فَقَدَّمَ لِذَلِكَ إبْطالَ وهْمٍ مِن أوْهامِ أهْلِ الشِّرْكِ أنَّهم في مُكْنَةٍ مِن إخْفاءِ بَعْضِ أحْوالِهِمْ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ إلَخْ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾، جَمْعًا بَيْنَ إخْبارِهِمْ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِالأشْياءِ وبَيْنَ إبْطالِ تَوَهُّماتِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِصِفاتِ اللَّهِ. وقَدْ نَشَأ هَذا الكَلامُ عَنْ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [هود: ٤] لِمُناسَبَةِ أنَّ المَرْجُوعَ إلَيْهِ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِتَمامِ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ هو أيْضًا مَوْصُوفٌ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ لِلتَّلازُمِ بَيْنَ تَمامِ القُدْرَةِ وتَمامِ العِلْمِ.

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ ألا لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِهِ لِغَرابَةِ أمْرِهِمُ المَحْكِيِّ ولِلْعِنايَةِ بِتَعْلِيمِ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.

وضَمائِرُ الجَماعَةِ الغائِبِينَ عائِدَةٌ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أمَرَ النَّبِيءُ ﷺ بِالإبْلاغِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢٦] ولَيْسَ بِالتِفاتٍ. وضَمائِرُ الغَيْبَةِ لِلْمُفْرَدِ عائِدَةٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [هود: ٤]

صفحة ٣٢١

والثَّنْيُ: الطَّيُّ، وأصْلُ اشْتِقاقِهِ مِنَ اسْمِ الِاثْنَيْنِ. يُقالُ: ثَناهُ بِالتَّخْفِيفِ، إذا جَعَلَهُ ثانِيًا، يُقالُ: هَذا واحِدٌ فاثْنِهِ، أيْ كُنْ ثانِيًا لَهُ، فالَّذِي يَطْوِي الشَّيْءَ يَجْعَلُ أحَدَ طاقَيْهِ ثانِيًا لِلَّذِي قَبْلَهُ؛ فَثَنْيُ الصُّدُورِ: إمالَتُها وحَنْيُها تَشْبِيهًا بِالطَّيِّ. ومَعْنى ذَلِكَ الطَّأْطَأةُ.

وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ الإجْراءَ عَلى حَقِيقَةِ ألْفاظِهِ مِنَ الثَّنْيِ والصُّدُورِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةٍ نَفْسِيَّةٍ بِهَيْئَةٍ حِسِّيَّةٍ.

فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ ذَلِكَ تَعْجِيبًا مِن جَهالَةِ أهْلِ الشِّرْكِ إذْ كانُوا يَقِيسُونَ صِفاتَ اللَّهِ - تَعالى - عَلى صِفاتِ النّاسِ فَيَحْسَبُونَ أنَّ اللَّهَ لا يَطَّلِعُ عَلى ما يَحْجُبُونَهُ عَنْهُ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ أشارَتْ إلى ما يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ أنَّ أحَدَهم يَدْخُلُ بَيْتَهُ ويُرْخِي السِّتْرَ عَلَيْهِ ويَسْتَغْشِي ثَوْبَهُ ويَحْنِي ظَهْرَهُ ويَقُولُ: هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قَلْبِي ؟ وذَلِكَ مِن جَهْلِهِمْ بِعَظَمَةِ اللَّهِ.

فَفِي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ قُرَيْشِيّانِ وثَقَفِيٌّ كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ ما نَقُولُ ؟ قالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إنْ جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إنْ أخْفَيْنا. وقالَ الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا فَإنَّهُ يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى: ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا …

6

۞ وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّۭ فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ

And there is no creature on earth but that upon Allah is its provision, and He knows its place of dwelling and place of storage. All is in a clear register.

صفحة ٥

﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتاب مُبِينٍ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] . والتَّقْدِيرُ: وما مِن دابَّةٍ إلّا يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها، وإنَّما نُظِمَ الكَلامُ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ تَفَنُّنًا لِإفادَةِ التَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ بِالنَّفْيِ المُؤَكَّدِ بِـ مِن، ولِإدْماجِ تَعْمِيمِ رِزْقِ اللَّهِ كُلَّ دابَّةٍ في الأرْضِ في أثْناءِ إفادَةِ عُمُومِ عِلْمِهِ بِأحْوالِ كُلِّ دابَّةٍ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ أُخِّرَ الفِعْلُ المَعْطُوفُ لِأنَّ في التَّذْكِيرِ بِأنَّ اللَّهَ رازِقُ الدَّوابِّ الَّتِي لا حِيلَةَ لَها في الِاكْتِسابِ اسْتِدْلالًا عَلى أنَّهُ عَلِيمٌ بِأحْوالِها، فَإنَّ كَوْنَهُ رازِقًا لِلدَّوابِّ قَضِيَّةٌ مِنَ الأُصُولِ المَوْضُوعَةِ المَقْبُولَةِ عِنْدَ عُمُومِ البَشَرِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ جُعِلَ رِزْقُ اللَّهِ إيّاها دَلِيلًا عَلى عِلْمِهِ بِما تَحْتاجُهُ.

والدّابَّةُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِما يَدِبُّ أيْ يَمْشِي عَلى الأرْضِ غَيْرِ الإنْسانِ.

وزِيادَةُ في الأرْضِ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى دابَّةٍ في التَّنْصِيصِ عَلى أنَّ العُمُومَ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ.

والرِّزْقُ: الطَّعامُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]

والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأحْوالِ التّابِعِ لِعُمُومِ الذَّواتِ والمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ رِزْقِها الَّذِي هو مِن أحْوالِها.

وتَقْدِيمُ عَلى اللَّهِ قَبْلَ مُتَعَلِّقِهِ وهو رِزْقُها لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ عَلى اللَّهِ لا عَلى غَيْرِهِ، ولِإفادَةِ تَرْكِيبِ عَلى اللَّهِ رِزْقُها مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ بِرِزْقِها ولَمْ

صفحة ٦

يُهْمِلْهُ؛ لِأنَّ عَلى تَدُلُّ عَلى اللُّزُومِ والمَحْقُوقِيَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ لا يُلْزِمُهُ أحَدٌ شَيْئًا، فَما أفادَ مَعْنى اللُّزُومِ فَإنَّما هو التِزامُهُ بِنَفْسِهِ بِمُقْتَضى صِفاتِهِ المُقْتَضِيَةِ ذَلِكَ لَهُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعْدًا عَلَيْنا﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وقَوْلُهُ: ﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ [يونس: ١٠٣]

والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ ما يُسْنَدُ إلَيْهِ رِزْقُ الدَّوابِّ في ظاهِرِ ما يَبْدُو لِلنّاسِ أنَّهُ رِزْقٌ مِن أصْحابِ الدَّوابِّ ومَن يُرَبُّونَها، أيْ رِزْقُها عَلى اللَّهِ لا عَلى غَيْرِهِ، فالمُسْتَثْنى هو الكَوْنُ عَلى اللَّهِ والمُسْتَثْنى مِنهُ مُطْلَقُ الكَوْنِ مِمّا يُتَخَيَّلُ أنَّهُ رَزّاقٌ فَحَصْرُ الرِّزْقِ في الكَوْنِ عَلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ في العُرْفِ بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ مُسَبِّبٌ ذَلِكَ الرِّزْقَ ومُقَدِّرُهُ.

وجُمْلَةُ ﴿ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِثْناءِ لا عَلى المُسْتَثْنى، أيْ واللَّهُ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّ كُلِّ دابَّةٍ ومُسْتَوْدَعِها. فَلَيْسَ حُكْمُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِداخِلٍ في حَيِّزِ الحَصْرِ.

والمُسْتَقَرُّ: مَحَلُّ اسْتِقْرارِها. والمُسْتَوْدَعُ: مَحَلُّ الإيداعِ، والإيداعُ: الوَضْعُ والدَّخَرُ. والمُرادُ بِهِ مُسْتَوْدَعُها في الرَّحِمِ قَبْلَ بُرُوزِها إلى الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وتَنْوِينُ ”كُلٌّ“ تَنْوِينِ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ اخْتِصارٌ، أيْ كُلُّ رِزْقِها ومُسْتَقَرِّها ومُسْتَوْدَعِها في كِتابٍ مُبِينٍ، أيْ كِتابَةٍ، فالكِتابُ هُنا مَصْدَرٌ كَقَوْلِهِ: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكم. وهو مُسْتَعْمَلٌ في تَقْدِيرِ العِلْمِ وتَحْقِيقِهِ بِحَيْثُ لا يَقْبَلُ زِيادَةً ولا نُقْصانًا …

7

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ۗ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And it is He who created the heavens and the earth in six days - and His Throne had been upon water - that He might test you as to which of you is best in deed. But if you say, "Indeed, you are resurrected after death," those who disbelieve will surely say, "This is not but obvious magic."

صفحة ٧

﴿وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] . والمُناسَبَةُ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِن أكْبَرِ مَظاهِرِ عِلْمِ اللَّهِ وتَعَلُّقاتِ قُدْرَتِهِ وإتْقانِ الصُّنْعِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ لازَمُهُ وهو الِاعْتِبارُ بِسِعَةِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِها في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا وأنْ تَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ فِعْلِ خَلَقَ ولامِ التَّعْلِيلِ. وأمّا كَوْنُها مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] المَسُوقَةِ مَساقَ الدَّلِيلِ عَلى سَعَةِ عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ فَغَيْرُ رَشِيقٍ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ لَيْسَ مَحْسُوسًا ولا مُتَقَرِّرًا لَدى المُشْرِكِينَ إذْ هو مِنَ المُغَيَّباتِ وبَعْضُهُ طَرَأ عَلَيْهِ تَغْيِيرٌ بِخَلْقِ السَّماواتِ فَلا يَحْسُنُ جَعْلُهُ حُجَّةً عَلى المُشْرِكِينَ لِإثْباتِ سَعَةِ عِلْمِ اللَّهِ وقَدْرَتِهِ المَأْخُوذِ مِن جُمْلَةِ وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلَخْ. والمَعْنى أنَّ العَرْشَ كانَ مَخْلُوقًا قَبْلَ السَّماواتِ وكانَ مُحِيطًا بِالماءِ أوْ حاوِيًا لِلْماءِ. وحَمْلُ العَرْشِ عَلى أنَّهُ ذاتٌ مَخْلُوقَةٌ فَوْقَ السَّماواتِ هو ظاهِرُ الآيَةِ. وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ العَرْشَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ ذَلِكَ وأنَّ الماءَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ السَّماواتِ والأرْضِ. وتَفْصِيلُ ذَلِكَ وكَيْفِيَّتُهُ وكَيْفِيَّةُ الِاسْتِعْلاءِ مِمّا لا قِبَلَ لِلْأفْهامِ بِهِ إذِ التَّعْبِيرُ عَنْهُ تَقْرِيبٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العَرْشِ مُلْكَ اللَّهِ وحُكْمَهُ تَمْثِيلًا بِعَرْشِ السُّلْطانِ، أيْ كانَ مُلْكُ اللَّهِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مُلْكًا عَلى الماءِ.

وقَوْلُهُ: لِيَبْلُوَكم مُتَعَلِّقٌ بِـ خَلَقَ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ. والبَلْوُ: الِابْتِلاءُ، أيِ اخْتِبارُ شَيْءٍ لِتَحْصِيلِ عِلْمٍ بِأحْوالِهِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ ظُهُورِ آثارٍ خَلْقِهِ

صفحة ٨

- تَعالى - لِلْمَخْلُوقاتِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ البَلْوِ مُسْتَحِيلَةٌ عَلى اللَّهِ لِأنَّهُ العَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَلا يَحْتاجُ إلى اخْتِبارِهِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجَعْلُ البَلْوِ عِلَّةً لِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِكَوْنِهِ مِن حِكْمَةِ خَلْقِ الأرْضِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ الأرْضِ مِن مَجْمُوعِ هَذا الخَلْقِ، ثُمَّ إنَّ خَلْقَ الأرْضِ يَسْتَتْبِعُ خَلْقَ ما جُعِلَتِ الأرْضُ عامِرَةً بِهِ، واخْتِلافُ أعْمالِ المُخاطَبِينَ مِن جُمْلَةِ الأحْوالِ الَّتِي اقْتَضاها الخَلْقُ فَكانَتْ مِن حِكْمَةِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وكانَ التَّعْلِيلُ هُنا بِمَراتِبَ كَثِيرَةٍ، وعِلَّةُ العِلَّةِ عِلَّةٌ.

وأيِّكم: اسْمُ اسْتِفْهامٍ، فَهو مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ سادَّةٌ مَسَدَّ الحالِ اللّازِمِ ذِكْرُها بَعْدَ ضَمِيرِ الخِطابِ في يَبْلُوَكم، نَظَرًا إلى أنَّ الِابْتِلاءَ لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فَتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَبْلُوَ إلى ضَمِيرِ الذَّواتِ لَيْسَ فِيهِ تَمامُ الفائِدَةِ فَكانَ مُحْتاجًا إلى ذِكْرِ حالِ تَقَيُّدِ مُتَعَلِّقِ الِابْتِلاءِ، وهَذا ضَرْبٌ مِنَ التَّعْلِيقِ ولَيْسَ عَيْنُهُ. …

8

وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍۢ مَّعْدُودَةٍۢ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And if We hold back from them the punishment for a limited time, they will surely say, "What detains it?" Unquestionably, on the Day it comes to them, it will not be averted from them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

صفحة ١٠

﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾

مُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ أنَّ في كِلَيْهِما وصْفُ فَنٍّ مِن أفانِينِ عِنادِ المُشْرِكِينَ وتَهَكُّمِهِمْ بِالدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ، فَإذا خَبَّرَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالبَعْثِ وأنَّ شِرْكَهم سَبَبٌ لِتَعْذِيبِهِمْ جَعَلُوا كَلامَهُ سِحْرًا، وإذا أنْذَرَهم بِعُقُوبَةِ العَذابِ عَلى الإشْراكِ اسْتَعْجَلُوهُ، فَإذا تَأخَّرَ عَنْهم إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الرَّبّانِيَّةُ اسْتَفْهَمُوا عَنْ سَبَبِ حَبْسِهِ عَنْهُمُ اسْتِفْهامَ تَهَكُّمٍ ظَنًّا أنَّ تَأخُّرَهُ عَجْزٌ.

واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. وجُمْلَةُ لِيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ جَوابُ القَسَمِ مُغْنِيَةٌ عَنْ جَوابِ الشَّرْطِ.

والأُمَّةُ: حَقِيقَتُها الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ أمْرُهم واحِدٌ، وتُطْلَقُ عَلى المُدَّةِ كَأنَّهم راعَوْا أنَّها الأمَدُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ جِيلٌ فَأُطْلِقَتْ عَلى مُطْلَقِ المُدَّةِ، أيْ بَعْدَ مُدَّةٍ.

ومَعْدُودَةٍ مَعْناهُ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مُؤَجَّلَةٌ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّها لَيْسَتْ مَدِيدَةً لِأنَّهُ شاعَ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ العَدِّ والحِسابِ ونَحْوِهِما عَلى التَّقْلِيلِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ القَلِيلَ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالعَدَدِ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ في عَكْسِهِ: بِغَيْرِ حِسابٍ، مِثْلُ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]

والحَبْسُ: إلْزامُ الشَّيْءِ مَكانًا لا يَتَجاوَزُهُ. ولِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنى المَنعِ كَما هُنا، أيْ ما يَمْنَعُ أنْ يَصِلَ إلَيْنا ويَحِلَّ بِنا وهم يُرِيدُونَ التَّهَكُّمَ.

* * *

صفحة ١١

﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الجَوابِ عَنْ كَلامِهِمْ إذْ يَقُولُونَ ما يَحْبِسُ عَنّا العَذابَ، فَلِذَلِكَ فُصِّلَتْ كَما تُفَصَّلُ المُحاوَرَةُ. وهَذا تَهْدِيدٌ وتَخْوِيفٌ بِأنَّهُ لا يُصْرَفُ عَنْهم ولَكِنَّهُ مُؤَخَّرٌ.

وافْتُتِحَ الكَلامُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِتَحْقِيقِهِ وإدْخالِ الرَّوْعِ في ضَمائِرِهِمْ.

وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْإيماءِ بِأنَّ إتْيانَ العَذابِ لا شَكَّ فِيهِ حَتّى أنَّهُ يُوَقَّتُ بِوَقْتٍ.

والصَّرْفُ: الدَّفْعُ والإقْصاءُ.

والحَوْقُ: الإحاطَةُ.

والمَعْنى أنَّهُ حالٌّ بِهِمْ حُلُولًا لا مُخَلِّصَ مِنهُ بِحالٍ.

وجُمْلَةُ وحاقَ بِهِمْ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ لَيْسَ

وصِيغَةُ المُضِيِّ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى التَّحَقُّقِ، وهَذا عَذابُ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ.

وماصَدَقَ ”﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾“ هو العَذابُ، وباءُ بِهِ سَبَبِيَّةٌ أيْ بِسَبَبِ ذِكْرِهِ فَإنَّ ذِكْرَ العَذابِ كانَ سَبَبًا لِاسْتِهْزائِهِمْ حِينَ تَوَعَّدَهم بِهِ النَّبِيءُ ﷺ .

والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ اسْتِهْزاءَهم كانَ مِن أسِبابِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وتَقْدِيرُهُ إحاطَةُ العَذابِ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَجِدُونَ مِنهُ مُخَلِّصًا.

9

وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِنَّا رَحْمَةًۭ ثُمَّ نَزَعْنَٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌۭ كَفُورٌۭ

And if We give man a taste of mercy from Us and then We withdraw it from him, indeed, he is despairing and ungrateful.

صفحة ١٢

﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ. فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ ما هم فِيهِ مَتاعٌ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ. وأنَّهم بَطِرُوا نِعْمَةَ التَّمْتِيعِ فَسَخِرُوا بِتَأْخِيرِ العَذابِ، بَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ أهْلَ الضَّلالَةِ راسِخُونَ في ذَلِكَ لِأنَّهم لا يُفَكِّرُونَ في غَيْرِ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَتَجْرِي انْفِعالاتُهم عَلى حَسْبِ ذَلِكَ دُونَ رَجاءٍ لِتَغَيُّرِ الحالِ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في أسْبابِ النَّعِيمِ والبُؤْسِ وتَصَرُّفاتِ خالِقِ النّاسَ ومُقَدِّرِ أحْوالِهِمْ، ولا يَتَّعِظُونَ بِتَقَلُّباتِ أحْوالِ الأُمَمِ، فَشَأْنُ أهْلِ الضَّلالَةِ أنَّهم إنْ حَلَّتْ بِهِمُ الضَّرّاءُ بَعْدَ النِّعْمَةِ مَلَكَهُمُ اليَأْسُ مِنَ الَخَيْرِ ونَسُوا النِّعْمَةَ فَجَحَدُوها وكَفَرُوا مُنْعِمَها، فَإنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ رَحْمَةٌ وإتْيانُ العَذابِ نَزْعٌ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ. فَتَعْرِيفُ الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِغْراقُ، وبِذَلِكَ اكْتَسَبَتِ الجُمْلَةُ قُوَّةَ التَّذْيِيلِ. فَمِعْيارُ العُمُومِ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [هود: ١١] كَما يَأْتِي، فَيَكُونُ الِاسْتِغْراقُ عُرْفِيًّا جارِيًا عَلى اصْطِلاحِ القُرْآنِ مِن إطْلاقِ لَفْظِ الإنْسانِ أوِ النّاسِ، ولِأنَّ وصْفَيْ ”يَئُوسٌ كَفُورٌ“ يُناسِبانِ المُشْرِكِينَ فَيَتَخَصَّصُ العامُّ بِهِمْ.

وقِيلَ التَّعْرِيفُ في الإنْسانِ لِلْعَهْدِ مُرادٌ مِنهُ إنْسانٌ خاصٌّ، فَرَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. وعَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ إنْسانٍ إذا حَلَّ بِهِ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى تَفاوُتٍ في النّاسِ في هَذا اليَأْسِ.

واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ.

والإذاقَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في إيصالِ الإدْراكِ عَلى وجْهِ المَجازِ، واخْتِيرَتْ مادَّةُ الإذاقَةِ لِما تُشْعِرُ بِهِ مِن إدْراكِ أمْرٍ مَحْبُوبٍ لِأنَّ المَرْءَ لا يَذُوقُ إلّا ما يَشْتَهِيهِ.

صفحة ١٣

والرَّحْمَةُ أُرِيدَ بِها رَحْمَةُ الدُّنْيا. وأُطْلِقَتْ عَلى أثَرِها وهو النِّعْمَةُ كالصِّحَّةِ والأمْنِ والعافِيَةِ، والمُرادُ النِّعْمَةُ السّابِقَةُ قَبْلَ نُزُولِ الضُّرِّ.

والنَّزْعُ حَقِيقَتُهُ خَلْعُ الثَّوْبِ عَنِ الجَسَدِ. واسْتُعْمِلَ هُنا في سَلْبِ النِّعْمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ مِن دُونَ عَنْ لِأنَّ المَعْنى عَلى السَّلْبِ والِافْتِكاكِ، فَذِكْرُ مِن تَجْرِيدٌ لِلْمَجازِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وجُرِّدَتْ مِنَ الِافْتِتاحِ بِاللّامِ اسْتِغْناءً عَنْها بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ وبِلامِ الِابْتِداءِ في خَبَرِ إنَّ. واسْتُغْنِيَ بِجَوابِ القَسَمِ عَنْ جَوابِ الشَّرْطِ المُقارِنِ لَهُ كَما هو شَأْنُ الكَلامِ المُشْتَمِلِ عَلى شَرْطٍ وقَسَمٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ﴾ [هود: ٨] إلى آخِرِهِ.

واليَئُوسُ والكَفُورُ مِثالا مُبالَغَةٍ في الآيِسِ وكافِرِ النِّعْمَةِ، أيْ جاحِدِها، والمُرادُ بِالكَفُورِ مُنْكِرُ نِعْمَةِ اللَّهِ لِأنَّهُ تَصْدُرُ مِنهُ أقْوالٌ وخَواطِرُ مِنَ السُّخْطِ عَلى ما انْتابَهُ كَأنَّهُ لَمْ يُنْعِمْ عَلَيْهِ قَطُّ.

وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِاللّامِ المُوطِئَةِ لِلْقِسْمِ وبِحَرْفِ التَّوْكِيدِ في جُمْلَةِ جَوابِ …

10

وَلَئِنْ أَذَقْنَٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌۭ فَخُورٌ

But if We give him a taste of favor after hardship has touched him, he will surely say, "Bad times have left me." Indeed, he is exultant and boastful -

﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّيَ إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتْمِيمٌ لِلَّتِي قَبْلَها لِأنَّها حَكَتْ حالَةً ضِدَّ الحالَةِ في الَّتِي قَبْلَها، وهي جُمْلَةُ قَسَمٍ وشَرْطٍ وجَوابُ قَسَمٍ كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِها.

وضَمِيرُ أذَقْناهُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى الإنْسانِ فَتَعْرِيفُهُ كَتَعْرِيفِ مَعادِهِ لِلِاسْتِغْراقِ بِالمَعْنى المُتَقَدِّمِ.

صفحة ١٤

والنَّعْماءُ - بِفَتْحِ النُّونِ وبِالمَدِّ - النَّعْمَةُ واخْتِيرَ هَذا اللَّفْظُ هُنا وإنْ كانَ لَفْظُ النَّعْمَةِ أشْهَرُ لِمُحَسِّنِ رَعْيِ النَّظِيرِ في زِنَةِ اللَّفْظَيْنِ النَّعْماءِ والضَّرّاءِ. والمُرادُ هُنا النِّعْمَةُ الحاصِلَةُ بَعْدَ الضَّرّاءِ.

والمَسُّ مُسْتَعْمَلٌ في مُطْلَقِ الإصابَةِ عَلى وجْهِ المَجازِ. واخْتِيارُ فِعْلِ الإذاقَةِ لِما تَقَدَّمَ، واخْتِيارُ فِعْلِ المَسِّ بِالنِّسْبَةِ إلى إدْراكِ الضَّرّاءِ إيماءً إلى أنَّ إصابَةَ الضَّرّاءِ أخَفُّ مِن إصابَةِ النَّعْماءِ، وأنَّ لُطْفَ اللَّهِ شامِلٌ لِعِبادِهِ في كُلِّ حالٍ.

وأُكِّدَتِ الجُمْلَةُ بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ وبِنُونِ التَّوْكِيدِ في جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ لِمِثْلِ الغَرَضِ الَّذِي بَيَّنّاهُ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ.

وجُعِلَ جَوابُ القَسَمِ القَوْلَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ تَبَجُّحٌ وتَفاخُرٌ، فالَخَبَرُ في قَوْلِهِ: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي مُسْتَعْمَلٌ في الِازْدِهاءِ والإعْجابِ، وذَلِكَ هو مُقْتَضى زِيادَةِ عَنِّي مُتَعَلِّقًا بِـ ذَهَبَ لِلْإشارَةِ إلى اعْتِقادِ كُلِّ واحِدٍ أنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ تَذْهَبَ عَنْهُ السَّيِّئاتُ غُرُورًا مِنهُ بِنَفْسِهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]

وجُمْلَةُ إنَّهُ لِفَرِحٌ فَخَوْرٌ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِ، و(فَرِحٌ وفَخُورٌ) مِثالا مُبالَغَةٍ، أيْ لِشَدِيدِ الفَرَحِ شَدِيدِ الفَخْرِ. وشِدَّةُ الفَرَحِ: تَجاوُزُهُ الحَدَّ وهو البَطَرُ والأشَرُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]

والفَخْرُ: تَباهِي المَرْءِ عَلى غَيْرِهِ بِما لَهُ مِنَ الأشْياءِ المَحْبُوبَةِ لِلنّاسِ.

والمَعْنى أنَّهُ لا يَشْكُرُ اللَّهَ عَلى النِّعْمَةِ بَعْدَ البَأْساءِ وما كانَ فِيهِ مِنَ الضَّرّاءِ فَلا يَتَفَكَّرُ في وُجُودِ خالِقِ الأسْبابِ وناقِلِ الأحْوالِ، والمُخالِفِ بَيْنَ أسْبابِها. وفي مَعْنى الآيَتَيْنِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الشُّورى ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: ٤٨]

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.