Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 41–50 of 123

41

۞ وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And [Noah] said, "Embark therein; in the name of Allah is its course and its anchorage. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

"وَقالَ " أيْ: نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولَوْ رَجَعَ الضَّمِيرُ إلى اللَّهِ تَعالى لَناسَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ رَبَّكُمْ، ولَعَلَّ ذَلِكَ بَعْدَ إدْخالِ ما أُمِرَ بِحَمْلِهِ في الفُلْكِ مِنَ الأزْواجِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَحَمَلَ الأزْواجَ، أوْ أدْخَلَها في الفُلْكِ، وقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ارْكَبُوا فِيها﴾ كَما سَيَأْتِي مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ)﴾ والرُّكُوبُ العُلُوُّ عَلى شَيْءٍ مُتَحَرِّكٍ ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، واسْتِعْمالُهُ هَهُنا بِكَلِمَةِ في لَيْسَ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ كَوْنُهم في جَوْفِها لا فَوْقَها - كَما ظُنَّ، فَإنْ أظْهَرَ الرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَعَلَ الوُحُوشَ ونَظائِرَها في البَطْنِ الأسْفَلِ، والأنْعامَ في الأوْسَطِ، ورَكِبَ هو ومَن مَعَهُ في الأعْلى - بَلْ لِرِعايَةِ جانِبِ المَحَلِّيَّةِ والمَكانِيَّةِ في الفُلْكِ، والسِّرُّ فِيهِ أنَّ مَعْنى الرُّكُوبِ العُلُوُّ عَلى شَيْءٍ لَهُ حَرَكَةٌ، إمّا إرادِيَّةٌ كالحَيَوانِ أوْ قَسْرِيَّةٌ كالسَّفِينَةِ والعَجَلَةِ ونَحْوِهِما، فَإذا اسْتُعْمِلَ في الأوَّلِ يُوَفِّرُ لَهُ حَظَّ الأصْلِ، فَيُقالُ: رَكِبْتُ الفَرَسَ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ وإنِ اسْتُعْمِلَ في الثّانِي يُلَوِّحُ بِمَحَلِّيَّةِ المَفْعُولِ بِكَلِمَةِ في فَيُقالُ: رَكِبْتُ في السَّفِينَةِ، وعَلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ قائِلًا: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ .

" بِسْمِ اللَّهِ "مُتَعَلِّقٌ بِارْكَبُوا حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيِ: ارْكَبُوا مُسَمِّينَ اللَّهَ تَعالى، أوْ قائِلِينَ بِسْمِ اللَّهِ ﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، أيْ: وقْتَ إجْرائِها وإرْسائِها عَلى أنَّهُما اسْما زَمانٍ، أوْ مَصْدَرانِ كالإجْراءِ والإرْساءِ بِحَذْفِ الوَقْتِ، كَقَوْلِكَ: آتِيكَ حُقُوقَ النَّجْمِ، أوِ اسْما مَكانٍ انْتَصَبا بِما في بِسْمِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ إرادَةِ القَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ(بِسْمِ اللَّهِ مَجْرِيها ومُرْساها) مُسْتَقِلَّةً، مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الفُلْكِ، أيِ: ارْكَبُوا فِيها مُجْراةً ومُرْساةً بِاسْمِ اللَّهِ، بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: "ادْخُلُوها خالِدِينَ" أوْ جُمْلَةٌ مُقْتَضَبَةٌ عَلى أنَّ نُوحًا أمَرَهم بِالرُّكُوبِ فِيها، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ إجْراءَها وإرْساءَها بِسْمِ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونانِ كَلامَيْنِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قِيلَ: كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا أرادَ أنْ يُجْرِيَها يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ فَتَجْرِي، وإذا أرادَ أنْ يُرْسِيَها يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ فَتَرْسُو، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ مُقْحَمًا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ (وَصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ)﴾ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما، ويُرادُ بِاللَّهِ إجْراؤُها وإرْساؤُها، أيْ: بِقدرته وأمْرِهِ، وقُرِئَ (مُجْرِيها ومُرْسِيها) عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ، مَجْرُورَيِ المَحَلِّ صِفَتَيْنِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَجْراها ومَرْساها بِفَتْحِ المِيمِ مَصْدَرَيْنِ، أوْ زَمانَيْنِ، أوْ مَكانَيْنِ مِن جَرى ورَسا.

﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ﴾ لِلذُّنُوبِ والخَطايا ﴿رَحِيمٌ﴾ لِعِبادِهِ، ولِذَلِكَ نَجّاكم مِن هَذِهِ الطّامَّةِ والدّاهِيَةِ العامَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما فَعَلَهُ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ نَجاتَهم لَيْسَتْ بِسَبَبِ اسْتِحْقاقِهِمْ …

42

وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍۢ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍۢ يَٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."

﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالرُّكُوبِ، أيْ: فَرَكِبُوا فِيها مُسَمِّينَ، وهي تَجْرِي مُلْتَبِسَةً لَهم ﴿فِي مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ وهو ما ارْتَفَعَ مِنَ الماءِ عِنْدَ اضْطِرابِهِ، كُلُّ مَوْجَةٍ مِن ذَلِكَ كَجَبَلٍ في ارْتِفاعِها وتَراكُمِها، وما قِيلَ مِن أنَّ الماءَ طَبَّقَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وكانَتِ السَّفِينَةُ تَجْرِي في جَوْفِهِ كالحُوتِ - فَغَيْرُ ثابِتٍ، والمَشْهُورُ أنَّهُ عَلا شَوامِخَ الجِبالِ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا، أوْ أرْبَعِينَ ذِراعًا، ولَئِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهَذا الجَرَيانُ إنَّما هو قَبْلَ أنْ يَتَفاقَمَ الخَطْبُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ قَبْلَ أنْ تَنْقَطِعَ العَلاقَةُ بَيْنَ السَّفِينَةِ والبَرِّ، إذْ حِينَئِذٍ يُمْكِنُ جَرَيانُ ما جَرى بَيْنَ نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وبَيْنَ ابْنِهِ مِنَ المُفاوَضَةِ بِالِاسْتِدْعاءِ إلى السَّفِينَةِ والجَوابِ بِالِاعْتِصامِ بِالجَبَلِ، وقُرِئَ (ابْنَها وابْنَهُ) بِحَذْفِ الألِفِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِامْرَأتِهِ وكانَ رَبِيبَهُ، وما يُقالُ مِن أنَّهُ كانَ لِغَيْرِ رَشْدَةٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخانَتاهُما﴾ فارْتِكابُ عَظِيمَةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها، فَإنَّ جَنابَ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وسَلامُهُ - أرْفَعُ مِن أنْ يُشارَ إلَيْهِ بِأُصْبَعِ الطَّعْنِ، وإنَّما المُرادُ بِالخِيانَةِ الخِيانَةُ في الدِّينِ، وقُرِئَ (ابْناهْ) عَلى النُّدْبَةِ، ولِكَوْنِها حِكايَةً سُوِّغَ حَذْفُ حَرْفِها، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا يُلائِمُهُ الِاسْتِدْعاءُ إلى السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَقَعْ في حَياتِهِ يَأْسٌ بَعْدُ ﴿وَكانَ في مَعْزِلٍ﴾ أيْ: مَكانٍ عَزَلَ فِيهِ نَفْسَهُ عَنْ أبِيهِ وإخْوَتِهِ وقَوْمِهِ، بِحَيْثُ لَمْ يَتَناوَلْهُ الخِطابُ بِارْكَبُوا، واحْتاجَ إلى النِّداءِ المَذْكُورِ، وقِيلَ: في مَعْزِلٍ عَنِ الكُفّارِ، قَدِ انْفَرَدَ عَنْهُمْ، وظَنَّ نُوحٌ أنَّهُ يُرِيدُ مُفارَقَتَهُمْ، ولِذَلِكَ دَعاهُ إلى السَّفِينَةِ، وقِيلَ: كانَ يُنافِقُ أباهُ فَظَنَّ أنَّهُ مُؤْمِنٌ، وقِيلَ: كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ كافِرٌ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، لَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظَنَّ أنَّهُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الأهْوالِ يَنْزَجِرُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، ويَقْبَلُ الإيمانَ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ نَصًّا في كَوْنِ ابْنِهِ داخِلًا تَحْتَهُ، بَلْ كانَ كالمُجْمَلِ فَحَمَلَتْهُ شَفَقَةُ الأُبُوَّةِ عَلى ذَلِكَ.

﴿يا بُنَيَّ﴾ بِفَتْحِ الياءِ اقْتِصارًا عَلَيْهِ مِنَ الألِفِ المُبْدَلَةِ مِن ياءِ الإضافَةِ في قَوْلِكَ: يا بَنِيًّا، وقُرِئَ بِكَسْرِ الياءِ اقْتِصارًا عَلَيْهِ مِن ياءِ الإضافَةِ، أوْ سَقَطَتِ الياءُ والألِفُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ؛ لِأنَّ الرّاءَ بَعْدَهُما ساكِنَةٌ.

﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ بِإدْغامِ الباءِ في المِيمِ لِتَقارُبِهِما في المَخْرِجِ، وإنَّما أُطْلِقَ الرُّكُوبُ عَنْ ذِكْرِ الفُلْكِ لِتُعِينَها ولِلْإيذانِ بِضِيقِ المَقامِ، حَيْثُ حالَ الجَرِيضُ دُونَ القَرِيضِ مَعَ إغْناءِ المَعِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ ﴿وَلا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: في المَكانِ، وهو وجْهُ الأرْضِ خارِجَ الفُلْكِ لا في الدِّينِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُهُ كَما يُوجِبُ رُكُوبُهُ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَوْنَهُ مَعَهُ في الإيمانِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِصَدَدِ التَّحْذِيرِ عَنِ الهَلَكَةِ فَلا …

43

قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍۢ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ

[But] he said, "I will take refuge on a mountain to protect me from the water." [Noah] said, "There is no protector today from the decree of Allah, except for whom He gives mercy." And the waves came between them, and he was among the drowned.

﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ﴾ مِنَ الجِبالِ ﴿يَعْصِمُنِي﴾ بِارْتِفاعِهِ مِنَ ﴿الماءِ﴾ زَعْمًا مِنهُ أنَّ ذَلِكَ كَسائِرِ المِياهِ في أزْمِنَةِ السُّيُولِ المُعْتادَةِ الَّتِي رُبَّما يُتَّقى مِنها بِالصُّعُودِ إلى الرُّبا وأنّى لَهُ ذَلِكَ، وقَدْ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى، وجَهْلًا بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِإهْلاكِ الكَفَرَةِ، وأنْ لا مَحِيصَ مِن ذَلِكَ سِوى الِالتِجاءِ إلى مَلْجَأِ المُؤْمِنِينَ، فَلِذَلِكَ أرادَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُبَيِّنَ لَهُ حَقِيقَةَ الحالِ ويَصْرِفَهُ عَنْ ذَلِكَ الفِكْرِ المُحالِ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَجِبَ بِما يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ كَلامُهُ ويَتَعَرَّضَ لِنَفْيِ ما أثْبَتَهُ لِلْجَبَلِ مِن كَوْنِهِ عاصِمًا لَهُ مِنَ الماءِ، بِأنْ يَقُولَ: لا يَعْصِمُكَ مِنهُ، مُفِيدًا لِنَفْيِ وصْفِ العِصْمَةِ عَنْهُ فَقَطْ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِهِ عَنْ غَيْرِهِ، ولا لِنَفْيِ المَوْصُوفِ أصْلًا، لَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ ﴿قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ سَلَكَ طَرِيقَةَ نَفْيِ الجِنْسِ المُنْتَظِمِ لِنَفْيِ جَمِيعِ أفْرادِ العاصِمِ ذاتًا وصِفَةً، كَما في قَوْلِهِمْ: لَيْسَ فِيهِ داعٍ ولا مُجِيبٌ، أيْ: أحَدٌ مِنَ النّاسِ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ كَوْنِ الجَبَلِ عاصِمًا بِالوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وزادَ اليَوْمَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَسائِرِ الأيّامِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الوَقائِعُ، وتُلِمُّ فِيها المُلِمّاتُ المُعْتادَةُ، الَّتِي رُبَّما يُتَخَلَّصُ مِن ذَلِكَ بِالِالتِجاءِ إلى بَعْضِ الأسْبابِ العادِيَّةِ، وعُبِّرَ عَنِ الماءِ في مَحَلِّ إضْمارِهِ بِأمْرِ اللَّهِ أيْ: عَذابِهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ، حَيْثُ قِيلَ: حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا؛ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، وتَهْوِيلًا لِأمْرِهِ، وتَنْبِيهًا لِابْنِهِ عَلى خَطَئِهِ في تَسْمِيَتِهِ ماءً، ويُوهِمُ أنَّهُ كَسائِرِ المِياهِ الَّتِي يُتَفَصّى مِنها بِالهَرَبِ إلى بَعْضِ المَهارِبِ المَعْهُودَةِ، وتَعْلِيلًا لِلنَّفْيِ المَذْكُورِ، فَإنَّ أمْرَ اللَّهِ لا يُغالَبُ، وعَذابَهُ لا يُرَدُّ، وتَمْهِيدًا لِحَصْرِ العِصْمَةِ في جَنابِ اللَّهِ عَزَّ جارُهُ بِالِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا عاصِمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا هُوَ، وإنَّما قِيلَ: ﴿إلا مَن رَحِمَ﴾ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ الجَلِيلِ بِالإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرِ، وبِالإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ، وإشْعارًا بِعِلِّيَّةِ رَحْمَتِهِ في ذَلِكَ بِمُوجِبِ سَبْقِها عَلى غَضَبِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ لِكَمالِ عِنايَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِتَحْقِيقِ ما يَتَوَخّاهُ مِن نَجاةِ ابْنِهِ، بِبَيانِ شَأْنِ الدّاهِيَةِ، وقَطْعِ أطْماعِهِ الفارِغَةِ، وصَرْفِهِ عَنِ التَّعَلُّلِ بِما لا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا، وإرْشادِهِ إلى العِياذِ بِالمُعاذِ الحَقِّ عَزَّ حِماهُ، وقِيلَ: لا مَكانَ يَعْصِمُ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَكانُ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ وهو الفُلْكُ، وقِيلَ: مَعْنى لا عاصِمَ لا ذا عِصْمَةٍ إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

﴿وَحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ أيْ: بَيْنَ نُوحٍ وبَيْنَ ابْنِهِ، فانْقَطَعَ ما بَيْنَهُما مِنَ المُجاوَبَةِ لا بَيْنَ ابْنِهِ وبَيْنَ الجَبَلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ إذْ هو إنَّما يَتَفَرَّعُ عَلى حَيْلُولَةِ المَوْجِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ ابْنِهِ لا بَيْنُهُ وبَيْنَ الجَبَلِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِن كَوْنِهِ عاصِمًا، وإنْ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُلْتَجِئِ إلَيْهِ مَوْجٌ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى هَلاكِ سائِرِ الكَفَرَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، فَكانَ ذَلِكَ أمْرًا مُقَرَّرُ الوُقُوعِ غَيْرُ …

44

وَقِيلَ يَٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And it was said, "O earth, swallow your water, and O sky, withhold [your rain]." And the water subsided, and the matter was accomplished, and the ship came to rest on the [mountain of] Judiyy. And it was said, "Away with the wrongdoing people."

﴿وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي﴾ أيِ: انْشَفِي، اسْتُعِيرَ لَهُ مِنِ ازْرِدادِ الحَيَوانِ ما يَأْكُلُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كالنَّشَفِ المُعْتادِ التَّدْرِيجِيِّ ﴿ماءَكِ﴾ أيْ: ما عَلى وجْهِكِ مِن ماءِ الطُّوفانِ دُونَ المِياهِ المَعْهُودَةِ فِيها مِنَ العُيُونِ والأنْهارِ، وعُبِّرَ عَنْهُ بِالماءِ بَعْدَما عُبِّرَ عَنْهُ فِيما سَلَفَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ النَّقْصِ والتَّقْلِيلِ لا مَقامُ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ ﴿وَيا سَماءُ أقْلِعِي﴾ أيْ: أمْسِكِي عَنْ إرْسالِ المَطَرِ، يُقالُ: أقْلَعَتِ السَّماءُ إذا انْقَطَعَ مَطَرُها، وأقْلَعَتِ الحُمّى أيْ: كَفَّتْ ﴿وَغِيضَ الماءُ﴾ أيْ: نَقَصَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِنَ الماءِ ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: أُنْجِزَ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى نُوحًا مِن إهْلاكِ قَوْمِهِ وإنْجائِهِ بِأهْلِهِ، أوْ أُتِمَّ الأمْرُ ﴿واسْتَوَتْ﴾ أيِ: اسْتَقَرَّتِ الفُلْكُ ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ هو جَبَلٌ بِالمَوْصِلِ، أوْ بِالشّامِ، أوْ بِآمُلَ.

رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَكِبَ في الفُلْكِ في عاشِرِ رَجَبٍ ونَزَلَ عَنْها في عاشِرِ المُحَرَّمِ فَصامَ ذَلِكَ اليَوْمَ شُكْرًا فَصارَ سُنَّةً.

﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: هَلاكًا لَهُمْ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الظُّلْمِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِلْهَلاكِ، ولِتَذْكِيرِهِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ولَقَدْ بَلَغَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن مَراتِبِ الإعْجازِ قاصِيَتَها، ومَلَكَتْ مِن غُرَرِ المَزايا ناصِيَتَها، وقَدْ تَصَدّى لِتَفْصِيلِها المَهَرَةُ المُتْقِنُونَ، ولَعَمْرِي إنَّ ذَلِكَ فَوْقَ ما يَصِفُهُ الواصِفُونَ، فَحَرِيٌّ بِنا أنْ نُوجِزَ الكَلامَ في هَذا البابِ، ونُفَوِّضَ الأمْرَ إلى تَأمُّلِ أُولِي الألباب، واللَّهُ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ.

45

وَنَادَىٰ نُوحٌۭ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَٰكِمِينَ

And Noah called to his Lord and said, "My Lord, indeed my son is of my family; and indeed, Your promise is true; and You are the most just of judges!"

﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ أيْ: أرادَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ وقَدْ وعَدْتَنِي إنْجاءَهم في ضِمْنِ الأمْرِ بِحَمْلِهِمْ في الفُلْكِ، أوِ النِّداءُ عَلى الحَقِيقَةِ، والفاءُ لِتَفْصِيلِ ما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ ﴿وَإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ أيْ: وعْدَكَ ذَلِكَ، أوْ إنَّ كُلَّ وعْدٍ تَعِدُهُ حَقٌّ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ خُلْفٌ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الوَعْدُ المَعْهُودُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿وَأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّكَ أعْلَمُهم وأعْدَلُهُمْ، أوْ أنْتَ أكْثَرُ حِكْمَةً مِن ذَوِي الحِكَمِ، عَلى أنَّ الحاكِمَ مِنَ الحِكْمَةِ كالدّارِعِ مِنَ الدِّرْعِ، وهَذا الدُّعاءُ مِنهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى طَرِيقَةِ دُعاءِ أيُّوبَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ .

46

قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَٰلِحٍۢ ۖ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

He said, "O Noah, indeed he is not of your family; indeed, he is [one whose] work was other than righteous, so ask Me not for that about which you have no knowledge. Indeed, I advise you, lest you be among the ignorant."

﴿قالَ يا نُوحُ﴾ لَمّا كانَ دُعاؤُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِتَذْكِيرِ وعْدِهِ - جَلَّ ذِكْرُهُ - مَبْنِيًّا عَلى كَوْنِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ نُفِيَ أوَّلًا كَوْنُهُ مِنهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ أيْ: لَيْسَ مِنهم أصْلًا؛ لِأنَّ مَدارَ الأهْلِيَّةِ هو القَرابَةُ الدِّينِيَّةُ ولا عَلاقَةَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، أوْ لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ أمَرْتُكَ بِحَمْلِهِمْ في الفُلْكِ لِخُرُوجِهِ عَنْهم بِالِاسْتِثْناءِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَيْسَ هو مِنَ الَّذِينَ وُعِدَ بِإنْجائِهِمْ، ثُمَّ عُلِّلَ عَدَمُ كَوْنِهِ مِنهم عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ أصْلُهُ إنَّهُ ذُو عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ، فَجُعِلَ نَفْسَ العَمَلِ مُبالَغَةً، كَما في قَوْلِ الخَنْساءِ:

؎ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ

وَإيثارُ غَيْرُ صالِحٍ عَلى فاسِدٍ إمّا لِأنَّ الفاسِدَ رُبَّما يُطْلَقُ عَلى ما فَسَدَ ومِن شَأْنِهِ الصَّلاحُ، فَلا يَكُونُ نَصًّا فِيما هو مِن قَبِيلِ الفاسِدِ المَحْضِ كالقَتْلِ والمَظالِمِ، وإمّا لِلتَّلْوِيحِ بِأنَّ نَجاةَ مَن نَجا إنَّما هي لِصَلاحِهِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: (إنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صالِحٍ) أيْ: عَمَلًا غَيْرَ صالِحٍ، ولَمّا كانَ دُعاؤُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَبْنِيًّا عَلى ما ذُكِرَ مِنِ اعْتِقادِ كَوْنِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ - وقَدْ نُفِيَ ذَلِكَ وحُقِّقَ بِبَيانِ عِلَّتِهِ - فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ سُؤال إنْجائِهِ، إلّا أنَّهُ جِيءَ بِالنَّهْيِ عَلى وجْهٍ عامٍّ يَنْدَرِجُ فِيهِ ذَلِكَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، فَقِيلَ: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ أيْ: إذا وقَفْتَ عَلى جَلِيَّةِ الحالِ فَلا تَطْلُبْ مِنِّي ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: مَطْلَبًا لا تَعْلَمُ يَقِينًا أنَّ حُصُولَهُ صَوابٌ ومُوافِقٌ لِلْحِكْمَةِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ (ما) عِبارَةً عَنِ المَسْؤُولِ الَّذِي هو مَفْعُولٌ لِلسُّؤالِ، أوْ طَلَبًا لا تَعْلَمُ أنَّهُ صَوابٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ المَصْدَرِ الَّذِي هو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، فَيَكُونُ النَّهْيُ وارِدًا بِصَرِيحِهِ في كُلٍّ مِن مَعْلُومِ الفَسادِ ومُشْتَبَهِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما لَيْسَ لَكَ عِلْمٌ بِأنَّهُ صَوابٌ أوْ غَيْرُ صَوابٍ، فَيَكُونُ النَّهْيُ وارِدًا في مُشْتَبَهِ الحالِ، ويُفْهَمُ مِنهُ حالُ مَعْلُومِ الفَسادِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهو عامٌّ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ما نَحْنُ فِيهِ كَما ذَكَرْناهُ، وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ نِداءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَبَّهُ - عَزَّ وعَلا - لَيْسَ اسْتِفْسارًا عَنْ سَبَبِ عَدَمِ إنْجاءِ ابْنِهِ مَعَ سَبْقِ وعْدِهِ بِإنْجاءِ أهْلِهِ وهو مِنهم - كَما قِيلَ - فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ اسْتِفْسارِ ما لَمْ يُعْلَمْ غَيْرُ مُوافِقٍ لِلْحِكْمَةِ، إذْ عَدَمُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ داعٍ إلى الِاسْتِفْسارِ عَنْهُ لا إلى تَرْكِهِ، بَلْ هو دُعاءٌ مِنهُ لِإنْجاءِ ابْنِهِ حِينَ حالَ المَوْجُ بَيْنَهُما، ولَمْ يَعْلَمْ بِهَلاكِهِ بَعْدُ إمّا بِتَقْرِيبِهِ إلى الفُلْكِ بِتَلاطُمِ الأمْواجِ، أوْ بِتَقْرِيبِها إلَيْهِ، وقِيلَ: أوْ بِإنْجائِهِ في قُلَّةِ الجَبَلِ، ويَأْباهُ تَذْكِيرُ الوَعْدِ في الدُّعاءِ فَإنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالإنْجاءِ في الفُلْكِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مِن رَحِمَ﴾ ومُجَرَّدُ حَيْلُولَةِ المَوْجِ بَيْنَهُما لا يَسْتَوْجِبُ هَلاكَهُ فَضْلًا عَنِ العِلْمِ بِهِ لِظُهُورِ إمْكانِ عِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِرَحْمَتِهِ، وقَدْ وُعِدَ بِإنْجاءِ أهْلِهِ …

47

قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

[Noah] said, "My Lord, I seek refuge in You from asking that of which I have no knowledge. And unless You forgive me and have mercy upon me, I will be among the losers."

﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ﴾ أيْ: أطْلُبُ مِنكَ مِن بَعْدُ ﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: مَطْلُوبًا لا أعْلَمُ أنَّ حُصُولَهُ مُقْتَضِي الحِكْمَةَ، أوْ طَلَبًا لا أعْلَمُ أنَّهُ صَوابٌ سَواءٌ كانَ مَعْلُومَ الفَسادِ أوْ مُشْتَبَهَ الحالِ، أوْ لا أعْلَمُ أنَّهُ صَوابٌ أوْ غَيْرُ صَوابٍ عَلى ما مَرَّ.

وَهَذِهِ تَوْبَةٌ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا وقَعَ مِنهُ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: أعُوذُ بِكَ مِنهُ أوْ مِن ذَلِكَ مُبالَغَةً في التَّوْبَةِ، وإظْهارًا لِلرَّغْبَةِ والنَّشاطِ فِيها، وتَبَرُّكًا بِذِكْرِ ما لَقَّنَهُ اللَّهُ تَعالى، وهو أبْلَغُ مِن أنْ يَقُولَ: أتُوبُ إلَيْكَ أنْ أسْألَكَ؛ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ أمْرًا هائِلًا مَحْذُورًا، لا مَحِيصَ مِنهُ إلّا بِالعَوْذِ بِاللَّهِ تَعالى، وأنَّ قدرته قاصِرَةٌ عَنِ النَّجاةِ مِنَ المَكارِهِ إلّا بِذَلِكَ ﴿وَإلا تَغْفِرْ لِي﴾ ما صَدَرَ عَنِّي مِنَ السُّؤالِ المَذْكُورِ ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ بِقَبُولِ تَوْبَتِي ﴿أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أعْمالًا بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَإنَّ الذُّهُولَ عَنْ شُكْرِ اللَّهِ تَعالى - لا سِيَّما عِنْدَ وُصُولِ مِثْلِ هَذِهِ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ الَّتِي هي النَّجاةُ وهَلاكُ الأعْداءِ - والِاشْتِغالَ بِما لا يَعْنِي - خُصُوصًا بِمَبادِئِ خَلاصِ مَن قِيلَ في شَأْنِهِ: (إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) - والتَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ تَعالى في أمْرِهِ مُعامَلَةٌ غَيْرُ رابِحَةٍ، وخُسْرانٌ مُبِينٌ، وتَأْخِيرُ ذِكْرِ هَذا النِّداءِ عَنْ حِكايَةِ الأمْرِ الوارِدِ عَلى الأرْضِ والسَّماءِ وما يَتْلُوهُ مِن زَوالِ الطُّوفانِ وقَضاءِ الأمْرِ واسْتِواءِ الفُلْكِ عَلى الجُودِيِّ والدُّعاءِ بِالهَلاكِ عَلى الظّالِمِينَ - مَعَ أنَّ حَقَّهُ أنْ يُذْكَرَ عَقِيبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ حَسْبَما وقَعَ في الخارِجِ إذْ حِينَئِذٍ يُتَصَوَّرُ الدُّعاءُ بِالإنْجاءِ لا بَعْدَ العِلْمِ بِالهَلاكِ - لَيْسَ لِما قِيلَ مِنِ اسْتِقْلالِهِ بِغَرَضٍ مُهِمٍّ هو جَعْلُ قَرابَةِ الدِّينِ غامِرَةً لِقَرابَةِ النَّسَبِ، وأنْ لا يُقَدَّمُ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ الأُصُولِيَّةِ إلّا بَعْدَ اليَقِينِ قِياسًا عَلى ما وقَعَ في قِصَّةِ البَقَرَةِ مِن تَقْدِيمِ ذِكْرِ الأمْرِ بِذَبْحِها عَلى ذِكْرِ القَتِيلِ الَّذِي هو أوَّلُ القِصَّةِ، وكانَ حَقُّها أنْ يُقالَ: وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها فَقُلْنا اذْبَحُوا بَقَرَةً فاضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَما قُرِّرَ في مَوْضِعِهِ، فَإنَّ تَغْيِيرَ التَّرْتِيبِ هُناكَ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ سُوءِ حالِ اليَهُودِ بِتَعْدِيدِ جِناياتِهِمُ المُتَنَوِّعَةِ، وتَثْنِيَةِ التَّقْرِيعِ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ نَوْعٍ عَلى حِدَةٍ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ... إلَخْ، لِتَقْرِيعِهِمْ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، وتَرْكِ المُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ، وما يَتْبَعُ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ ... إلَخْ، لِلتَّقْرِيعِ عَلى قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ، ولَوْ قُصَّتِ القِصَّةُ عَلى تَرْتِيبِها لَفاتَ الغَرَضُ الَّذِي هو تَثْنِيَةُ التَّقْرِيعِ، ولَظُنَّ أنَّ المَجْمُوعَ تَقْرِيعٌ واحِدٌ.

وَأمّا ما نَحْنُ فِيهِ فَلَيْسَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يُراعى فِيهِ مِثْلُ تِلْكَ النُّكْتَةِ أصْلًا، وما ذُكِرَ مِن جَعْلِ القَرابَةِ الدِّينِيَّةِ غامِرَةً لِلْقَرابَةِ النَّسَبِيَّةِ... إلَخْ، لا يُفَوِّتُ عَلى تَقْدِيرِ سَوْقِ الكَلامِ عَلى تَرْتِيبِ الوُقُوعِ أيْضًا، بَلْ لِأنَّ ذِكْرَ هَذا النِّداءِ - كَما تَرى …

48

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَٰمٍۢ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌۭ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

It was said, "O Noah, disembark in security from Us and blessings upon you and upon nations [descending] from those with you. But other nations [of them] We will grant enjoyment; then there will touch them from Us a painful punishment."

﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ﴾ أيِ: انْزِلْ مِنَ الفُلْكِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ ﴿بِسَلامٍ﴾ مُلْتَبِسًا بِسَلامَةٍ مِنَ المَكارِهِ كائِنَةٍ ﴿مِنّا﴾ أوْ بِسَلامٍ وتَحِيَّةٍ مِنّا عَلَيْكَ، كَما قالَ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ ﴿وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ أيْ: خَيْراتٍ نامِيَةٍ في نَسْلِكَ وما يَقُومُ بِهِ مَعاشُكَ ومَعاشُهم مِن أنْواعِ الأرْزاقِ، وقُرِئَ (بَرَكَةٍ) وهَذا إعْلانٌ وبِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ وخَلاصِهِ مِنَ الخُسْرانِ بِفَيَضانِ أنْواعِ الخَيْراتِ عَلَيْهِ في كُلِّ ما يَأْتِي وما يَذَرُ ﴿وَعَلى أُمَمٍ﴾ ناشِئَةٍ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مُتَشَعِّبَةٍ مِنهم فَـ"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ، والمُرادُ: الأُمَمُ المُؤْمِنَةُ المُتَناسِلَةُ مِمَّنْ مَعَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أيْ: ومِنهُمْ، عَلى أنَّهُ خَبَرٌ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ، فَإنَّ إيرادَ الأُمَمِ المُبارَكِ عَلَيْهِمُ المُتَشَعِّبَةِ مِنهم نَكِرَةٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ مَن يَتَشَعَّبُ مِنهم لَيْسُوا عَلى صِفَتِهِمْ، يَعْنِي: لَيْسَ جَمِيعُ مَن تَشَعَّبَ مِنهم مُسْلِمًا ومُبارَكًا عَلَيْهِ، بَلْ مِنهم أُمَمٌ مُمَتَّعُونَ في الدُّنْيا مُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ، وعَلى هَذا لا يَكُونُ الكائِنُونَ مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُسْلِمًا ومُبارَكًا عَلَيْهِمْ صَرِيحًا، وإنَّما يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن كَوْنِهِمْ مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ومِن كَوْنِ ذُرِّيّاتِهِمْ كَذَلِكَ بِدَلالَةِ النَّصِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن بَيانِيَّةً، أيْ: وعَلى أُمَمٍ هُمُ الَّذِينَ مَعَكَ، وإنَّما سُمُّوا أُمَمًا؛ لِأنَّهم أُمَمٌ مُتَحَزِّبَةٌ وجَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، أوْ لِأنَّ جَمِيعَ الأُمَمِ إنَّما تَشَعَّبَتْ مِنهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ المُرادُ بِالأُمَمِ المُشارِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ" بَعْضَ الأُمَمِ المُتَشَعِّبَةِ مِنهُمْ، وهي الأُمَمُ الكافِرَةُ المُتَناسِلَةُ مِنهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويَبْقى أمْرُ الأُمَمِ المُؤْمِنَةِ النّاشِئَةِ مِنهم مُبْهَمًا غَيْرَ مُتَعَرَّضٍ لَهُ ولا مَدْلُولٍ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ، فَفي دَلالَةِ المَذْكُورِ عَلى خَبَرِهِ المَحْذُوفِ خَفاءٌ؛ لِأنَّ (مِنَ) المَذْكُورَةَ بَيانِيَّةٌ والمَحْذُوفَةَ تَبْعِيضِيَّةٌ أوِ ابْتِدائِيَّةٌ، فَتَأمَّلْ.

﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ﴾ إمّا في الآخِرَةِ، أوْ في الدُّنْيا أيْضًا ﴿مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ: دَخَلَ في ذَلِكَ السَّلامِ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وفِيما بَعْدَهُ مِنَ المَتاعِ والعَذابِ كُلُّ كافِرٍ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: هَبَطُوا واللَّهُ عَنْهم راضٍ، ثُمَّ أخْرَجَ مِنهم نَسْلًا مِنهم مَن رَحِمَ ومِنهم مَن عَذَّبَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمَمِ المُمَتَّعَةِ قَوْمُ هُودٍ، وصالِحٍ، ولُوطٍ، وشُعَيْبٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وبِالعَذابِ ما نَزَلْ بِهِمْ.

49

تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muhammad]. You knew it not, neither you nor your people, before this. So be patient; indeed, the [best] outcome is for the righteous.

﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما قُصَّ مِن قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إمّا لِكَوْنِها بِتَقَضِّيها في حُكْمِ البَعِيدِ، أوِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِها، وهي مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ: مِن جِنْسِها، أيْ: لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ سائِرِ الأنْباءِ، بَلْ هي نَسِيجٌ وحْدَها مُنْفَرِدَةٌ عَمّا عَداها، أوْ بَعْضُها ﴿نُوحِيها إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، والضَّمِيرُ لَها أيْ مُوَحاةٌ إلَيْكَ، أوْ هو الخَبَرُ و(مِن أنْباءِ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ فالتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، أوْ حالٌ مِن (أنْباءِ الغَيْبِ) أيْ: مُوَحاةً إلَيْكَ ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أيْ: مَجْهُولَةٌ عِنْدَكَ وعِنْدَ قَوْمِكَ ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ أيْ: مِن قَبْلِ إيحائِنا إلَيْكَ وإخْبارِكَ بِها، أوْ مِن قَبْلِ هَذا العِلْمِ الَّذِي كَسَبْتَهُ بِالوَحْيِ، أوْ مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ، أوْ حالٌ مِنَ الهاءِ في (نُوحِيها) أوِ الكافِ في (إلَيْكَ) أيْ: جاهِلًا أنْتَ وقَوْمُكَ بِها، وفي ذِكْرِ جَهْلِهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ يَتَعَلَّمْهُ إذْ لَمْ يُخالِطْ غَيْرَهُمْ، وأنَّهم - مَعَ كَثْرَتِهِمْ - لَمّا لَمْ يَعْلَمُوهُ فَكَيْفَ بِواحِدٍ مِنهُمْ؟ ﴿فاصْبِرْ﴾ مُتَفَرِّعٌ عَلى الإيحاءِ، أوِ العِلْمِ المُسْتَفادِ مِنهُ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا" أيْ: وإذْ قَدْ أوْحَيْناها إلَيْكَ، أوْ عَلِمْتَها بِذَلِكَ فاصْبِرْ عَلى مَشاقِّ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وأذِيَّةِ قَوْمِكَ، كَما صَبَرَ نُوحٌ - عَلى ما سَمِعْتَهُ - مِن أنْواعِ البَلايا في هَذِهِ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ، وهَذا ناظِرٌ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ ... إلَخْ، ﴿إنَّ العاقِبَةَ﴾ بِالظَّفَرِ في الدُّنْيا وبِالفَوْزِ في الآخِرَةِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ كَما شاهَدْتَهُ في نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – وقَوْمِهِ، ولَكَ فِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، فَهي تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ، فَإنَّ كَوْنَ العاقِبَةِ الحَمِيدَةِ لِلْمُتَّقِينَ - وهو في أقْصى دَرَجاتِ التَّقْوى والمُؤْمِنُونَ كُلُّهم مُتَّقُونَ - مِمّا يُسَلِّيهِ ﷺ ويُهَوِّنُ عَلَيْهِ الخُطُوبَ، ويُذْهِبُ عَنْهُ ما عَسى يَعْتَرِيهِ مِن ضِيقِ صَدْرِهِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالتَّقْوى الدَّرَجَةُ الأُولى مِنهُ، أعْنِي التَّوَقِّيَ مِنَ العَذابِ المُخَلِّدِ بِالتَّبَرُّؤِ مِنَ الشِّرْكِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ مِنهُ، وهي أنْ يَتَنَزَّهَ عَمّا يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنِ الحَقِّ، ويَتَبَتَّلَ إلَيْهِ بِشَراشِرِهِ، وهو التَّقْوى الحَقِيقِيُّ المَطْلُوبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ فَإنَّ التَّقْوى بِهَذا المَعْنى مُنْطَوٍ عَلى الصَّبْرِ المَذْكُورِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاصْبِرْ فَإنَّ العاقِبَةَ لِلصّابِرِينَ.

50

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ

And to 'Aad [We sent] their brother Hud. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. You are not but inventors [of falsehood].

﴿وَإلى عادٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (أرْسَلْنا) في قِصَّةِ نُوحٍ، وهو النّاصِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أخاهُمْ﴾ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهُمْ، أيْ: واحِدًا مِنهم في النَّسَبِ، كَقَوْلِهِمْ: يا أخا العَرَبِ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ هَهُنا لِلْحِذارِ عَنِ الإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المَذْكُورِ فِيما سَبَقَ، وأخاهم مَعْطُوفٌ عَلى (نُوحًا) وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُودًا﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِـ(أخاهُمْ) وكانَ ﷺ مِن جُمْلَتِهِمْ، فَإنَّهُ هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحِ بْنِ الخُلُودِ بْنِ العَوْصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: هُودُ بْنُ شالِحِ بْنِ أرْفَخَشْذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ ابْنُ عَمِّ أبِي عادٍ، وإنَّما جُعِلَ مِنهُمْ؛ لِأنَّهم أفْهَمُ لِكَلامِهِ وأعْرَفُ بِحالِهِ وأرْغَبُ في اقْتِفائِهِ قالَ لَمّا كانَ ذِكْرُ إرْسالِهِ ﷺ إلَيْهِمْ مَظِنَّةً لِلسُّؤالِ عَمّا قالَ لَهم ودَعاهم إلَيْهِ أُجِيبَ عَنْهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، فَقِيلَ قالَ: ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: وحِّدُوهُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ يَجْرِي مَجْرى البَيانِ لِلْعِبادَةِ المَأْمُورِ بِها، والتَّعْلِيلُ لِلْأمْرِ بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: خُصُّوهُ بِالعِبادَةِ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا إذْ لَيْسَ لَكم مِن إلَهٍ سِواهُ، و(غَيْرُهُ) بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِـ(إلَهٍ) بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ حَمْلًا لَهُ عَلى لَفْظِهِ.

﴿إنْ أنْتُمْ﴾ ما أنْتُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الأصْنامَ شُرَكاءَ لَهُ، أوْ بِقَوْلِكُمْ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنا بِعِبادَتِها ﴿إلا مُفْتَرُونَ﴾ عَلَيْهِ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.