Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali

Ayahs 41–50 of 123

41

۞ وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And [Noah] said, "Embark therein; in the name of Allah is its course and its anchorage. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ﴾ الجمهور على «أوحِيَ» مبنياً للمفعول، والقائمُ مقام الفاعل ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ﴾ أي: أوحِيَ إليه عدمُ غيمان بعض القوم.

وقرأ أبو البرهسم «أوْحَى» مبنياً للفاعل وهو الله - سبحانه وتعالى -، «إنَّهُ» بكسر الهمزة وفيها وجهان:

أحدهما: - وهو أصلٌ للبصريين - أنَّهُ على إضمار القول.

والثاني: - وهو أصلُ للكوفيين - أنَّهُ على إجراء الإيحاء مُجْرَى القول.

قوله «فَلاَ تَبْتَئِسْ» هو تفتعل من البُؤسِ، ومعناه الحزنُ في استكانة، ويقال: ابتأسَ فلانٌ، أي: بلغه ما يكرهه؛ قال: [البسيط]

2968 - مَا يَقْسِمِ اللهُ أقْبَلَ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ ... مِنْهُ وأقْعُدْ كَرِيماً نَاعِمَ البَالِ وقال آخر: [البسيط]

2969 - وكَمْ مِنْ خَليلٍ أوْ حَميمٍ رُزِئْتُهُ ... فَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلِ

فصل

دلَّت هذه الآية على صحة القول بالقضاءِ والقدرِ؛ لأنَّه تعالى أخبر بأنهم لا يؤمنون بعد ذلك، فلو حصل إيمانهم؛ لكان إمَّا مع بقاءِ هذا الخبر صدقاً، ومع بقاء هذا العلم علماً، أو مع انقلاب هذا الخبر كذباً ومع انقلابِ هذا العلم جهلاً.

والأولُ باطلٌ؛ لأنَّ وجود الإيمان مع أن يكون الإخبار عن عدمِ الإيمانِ صدقاً، ومع كون العلم بعد الإيمان حاصلاً حال وجود الإيمان جمعٌ بين النَّقيضين.

والثاني أيضاً باطلٌ؛ لأنَّ انقلاب علم الله - تعالى - جهلاً وخبره كذباً محال، ولما كان صدور الإيمان منهم لا بدَّ وأن يكون على أحد هذين القسمين، وثبت أنَّ كلَّ واحدٍ منهما محالٌ كان صدور الإيمان منهم محالاً، مع أنَّهم كانوا مأمورين به، وأيضاً: فالقومُ كانُوا مأمورين بالإيمان، ومن الإيمان تصديق الله تعالى - في كُلِّ ما أخبر عنه، وقد أخبر أنَّهُ ﴿ ... لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ فينبغي أن يقال: إنَّهم كانُوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنَّهم لا يؤمنون ألبتة، وذلك تكليفٌ بالجمع بين النَّقيضين.

قوله تعالى: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ .

«بأعْينِنَا» حالٌ من فاعل «اصْنَع» أي: محفُوظاً بأعيننا، وهو مجازٌ عن كلاء الله له بالحفظ.

وقيل: المراد بهم الملائكة تشبيهاً لهم بعيون النَّاس، أي: الذين يتفقَّدُونَ الأخبارَ، والجمع حينئذٍ حقيقةٌ. وقرأ طلحةُ بنُ مصرف «بأعْيُنَّا» مدغمة.

فصل

قوله تعالى: ﴿واصنع الفلك﴾ الظَّاهر أنه أمر إيجاب؛ لأنَّه لا سبيل إلى صون روح نفسه، وأرواح غيره من الهلاكِ إلا بهذا الطريق، وصون النَّفْسِ من الهلاك واجب، وما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجبٌ، ويحتملُ أن يكون أمر إباحةٍ، وهو بمنزلة أن يتخذ الإنسانُ لنفسه داراً يسكنها، أو يكون ذلك تعليماً له ولمن بعده كيفية عمل السفينة، ولا يكونُ ذلك من باب ما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به، فإنَّ الله - تبارك وتعالى - خلَّص موسى وقومه من الطُّوفان من غير سفينةٍ، وكان ذلك معجزة له.

وأما قوله: «بأعْيُنِنَا» فلا يمكنُ إجراؤه على ظاهره لوجوهٍ: أحدها: أنه يقتضي أن يكون لله أعين كثيرة، وهذا يناقض قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ [طه: 39] .

وثانيها: أنَّهُ يقتضي أن يصنع الفلك بتلك الأعين، كقولك: قطعت بالسكين، وكتبت بالقلم، ومعلوم أن ذلك باطل.

وثالثها: أنَّه - تعالى - مُنَزَّه عن الأعضاء، والأبعاض؛ فوجب المصيرُ إلى التأويل، وهو من وجوه:

الأول: معنى «بِأعْيُنِنَا» أي: بنزول الملك؛ فيعرفه بخبر السفينة، يقال: فلان عين فلان أي: ناظر عليه.

والثاني: أنَّ من كان عظيمَ العنايةِ بالشيء فإنه يضع عينه عليه؛ فلمَّا كان وضع العين على الشَّيء سبباً لمبالغة الحفظ جعل العين كناية عن الاحتفاظ، فلهذا قال المفسِّرون: معناه: بحفظنا إيَّاك حفظ من يراك، ويملك دفع السُّوء عنك.

وحاصل الكلام أن عمل السَّفينة مشروط بأمرين:

أحدهما: أن لا يمنعه أعداؤه من ذلك العمل.

والثاني: أن يكون عالماً بكيفيَّة تأليف …

42

وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍۢ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍۢ يَٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."

قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ﴾ الجمهور على «أوحِيَ» مبنياً للمفعول، والقائمُ مقام الفاعل ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ﴾ أي: أوحِيَ إليه عدمُ غيمان بعض القوم.

وقرأ أبو البرهسم «أوْحَى» مبنياً للفاعل وهو الله - سبحانه وتعالى -، «إنَّهُ» بكسر الهمزة وفيها وجهان:

أحدهما: - وهو أصلٌ للبصريين - أنَّهُ على إضمار القول.

والثاني: - وهو أصلُ للكوفيين - أنَّهُ على إجراء الإيحاء مُجْرَى القول.

قوله «فَلاَ تَبْتَئِسْ» هو تفتعل من البُؤسِ، ومعناه الحزنُ في استكانة، ويقال: ابتأسَ فلانٌ، أي: بلغه ما يكرهه؛ قال: [البسيط]

2968 - مَا يَقْسِمِ اللهُ أقْبَلَ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ ... مِنْهُ وأقْعُدْ كَرِيماً نَاعِمَ البَالِ وقال آخر: [البسيط]

2969 - وكَمْ مِنْ خَليلٍ أوْ حَميمٍ رُزِئْتُهُ ... فَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلِ

فصل

دلَّت هذه الآية على صحة القول بالقضاءِ والقدرِ؛ لأنَّه تعالى أخبر بأنهم لا يؤمنون بعد ذلك، فلو حصل إيمانهم؛ لكان إمَّا مع بقاءِ هذا الخبر صدقاً، ومع بقاء هذا العلم علماً، أو مع انقلاب هذا الخبر كذباً ومع انقلابِ هذا العلم جهلاً.

والأولُ باطلٌ؛ لأنَّ وجود الإيمان مع أن يكون الإخبار عن عدمِ الإيمانِ صدقاً، ومع كون العلم بعد الإيمان حاصلاً حال وجود الإيمان جمعٌ بين النَّقيضين.

والثاني أيضاً باطلٌ؛ لأنَّ انقلاب علم الله - تعالى - جهلاً وخبره كذباً محال، ولما كان صدور الإيمان منهم لا بدَّ وأن يكون على أحد هذين القسمين، وثبت أنَّ كلَّ واحدٍ منهما محالٌ كان صدور الإيمان منهم محالاً، مع أنَّهم كانوا مأمورين به، وأيضاً: فالقومُ كانُوا مأمورين بالإيمان، ومن الإيمان تصديق الله تعالى - في كُلِّ ما أخبر عنه، وقد أخبر أنَّهُ ﴿ ... لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ فينبغي أن يقال: إنَّهم كانُوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنَّهم لا يؤمنون ألبتة، وذلك تكليفٌ بالجمع بين النَّقيضين.

قوله تعالى: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ .

«بأعْينِنَا» حالٌ من فاعل «اصْنَع» أي: محفُوظاً بأعيننا، وهو مجازٌ عن كلاء الله له بالحفظ.

وقيل: المراد بهم الملائكة تشبيهاً لهم بعيون النَّاس، أي: الذين يتفقَّدُونَ الأخبارَ، والجمع حينئذٍ حقيقةٌ. وقرأ طلحةُ بنُ مصرف «بأعْيُنَّا» مدغمة.

فصل

قوله تعالى: ﴿واصنع الفلك﴾ الظَّاهر أنه أمر إيجاب؛ لأنَّه لا سبيل إلى صون روح نفسه، وأرواح غيره من الهلاكِ إلا بهذا الطريق، وصون النَّفْسِ من الهلاك واجب، وما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجبٌ، ويحتملُ أن يكون أمر إباحةٍ، وهو بمنزلة أن يتخذ الإنسانُ لنفسه داراً يسكنها، أو يكون ذلك تعليماً له ولمن بعده كيفية عمل السفينة، ولا يكونُ ذلك من باب ما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به، فإنَّ الله - تبارك وتعالى - خلَّص موسى وقومه من الطُّوفان من غير سفينةٍ، وكان ذلك معجزة له.

وأما قوله: «بأعْيُنِنَا» فلا يمكنُ إجراؤه على ظاهره لوجوهٍ: أحدها: أنه يقتضي أن يكون لله أعين كثيرة، وهذا يناقض قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ [طه: 39] .

وثانيها: أنَّهُ يقتضي أن يصنع الفلك بتلك الأعين، كقولك: قطعت بالسكين، وكتبت بالقلم، ومعلوم أن ذلك باطل.

وثالثها: أنَّه - تعالى - مُنَزَّه عن الأعضاء، والأبعاض؛ فوجب المصيرُ إلى التأويل، وهو من وجوه:

الأول: معنى «بِأعْيُنِنَا» أي: بنزول الملك؛ فيعرفه بخبر السفينة، يقال: فلان عين فلان أي: ناظر عليه.

والثاني: أنَّ من كان عظيمَ العنايةِ بالشيء فإنه يضع عينه عليه؛ فلمَّا كان وضع العين على الشَّيء سبباً لمبالغة الحفظ جعل العين كناية عن الاحتفاظ، فلهذا قال المفسِّرون: معناه: بحفظنا إيَّاك حفظ من يراك، ويملك دفع السُّوء عنك.

وحاصل الكلام أن عمل السَّفينة مشروط بأمرين:

أحدهما: أن لا يمنعه أعداؤه من ذلك العمل.

والثاني: أن يكون عالماً بكيفيَّة تأليف …

43

قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍۢ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ

[But] he said, "I will take refuge on a mountain to protect me from the water." [Noah] said, "There is no protector today from the decree of Allah, except for whom He gives mercy." And the waves came between them, and he was among the drowned.

قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ﴾ الجمهور على «أوحِيَ» مبنياً للمفعول، والقائمُ مقام الفاعل ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ﴾ أي: أوحِيَ إليه عدمُ غيمان بعض القوم.

وقرأ أبو البرهسم «أوْحَى» مبنياً للفاعل وهو الله - سبحانه وتعالى -، «إنَّهُ» بكسر الهمزة وفيها وجهان:

أحدهما: - وهو أصلٌ للبصريين - أنَّهُ على إضمار القول.

والثاني: - وهو أصلُ للكوفيين - أنَّهُ على إجراء الإيحاء مُجْرَى القول.

قوله «فَلاَ تَبْتَئِسْ» هو تفتعل من البُؤسِ، ومعناه الحزنُ في استكانة، ويقال: ابتأسَ فلانٌ، أي: بلغه ما يكرهه؛ قال: [البسيط]

2968 - مَا يَقْسِمِ اللهُ أقْبَلَ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ ... مِنْهُ وأقْعُدْ كَرِيماً نَاعِمَ البَالِ وقال آخر: [البسيط]

2969 - وكَمْ مِنْ خَليلٍ أوْ حَميمٍ رُزِئْتُهُ ... فَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلِ

فصل

دلَّت هذه الآية على صحة القول بالقضاءِ والقدرِ؛ لأنَّه تعالى أخبر بأنهم لا يؤمنون بعد ذلك، فلو حصل إيمانهم؛ لكان إمَّا مع بقاءِ هذا الخبر صدقاً، ومع بقاء هذا العلم علماً، أو مع انقلاب هذا الخبر كذباً ومع انقلابِ هذا العلم جهلاً.

والأولُ باطلٌ؛ لأنَّ وجود الإيمان مع أن يكون الإخبار عن عدمِ الإيمانِ صدقاً، ومع كون العلم بعد الإيمان حاصلاً حال وجود الإيمان جمعٌ بين النَّقيضين.

والثاني أيضاً باطلٌ؛ لأنَّ انقلاب علم الله - تعالى - جهلاً وخبره كذباً محال، ولما كان صدور الإيمان منهم لا بدَّ وأن يكون على أحد هذين القسمين، وثبت أنَّ كلَّ واحدٍ منهما محالٌ كان صدور الإيمان منهم محالاً، مع أنَّهم كانوا مأمورين به، وأيضاً: فالقومُ كانُوا مأمورين بالإيمان، ومن الإيمان تصديق الله تعالى - في كُلِّ ما أخبر عنه، وقد أخبر أنَّهُ ﴿ ... لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ فينبغي أن يقال: إنَّهم كانُوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنَّهم لا يؤمنون ألبتة، وذلك تكليفٌ بالجمع بين النَّقيضين.

قوله تعالى: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ .

«بأعْينِنَا» حالٌ من فاعل «اصْنَع» أي: محفُوظاً بأعيننا، وهو مجازٌ عن كلاء الله له بالحفظ.

وقيل: المراد بهم الملائكة تشبيهاً لهم بعيون النَّاس، أي: الذين يتفقَّدُونَ الأخبارَ، والجمع حينئذٍ حقيقةٌ. وقرأ طلحةُ بنُ مصرف «بأعْيُنَّا» مدغمة.

فصل

قوله تعالى: ﴿واصنع الفلك﴾ الظَّاهر أنه أمر إيجاب؛ لأنَّه لا سبيل إلى صون روح نفسه، وأرواح غيره من الهلاكِ إلا بهذا الطريق، وصون النَّفْسِ من الهلاك واجب، وما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجبٌ، ويحتملُ أن يكون أمر إباحةٍ، وهو بمنزلة أن يتخذ الإنسانُ لنفسه داراً يسكنها، أو يكون ذلك تعليماً له ولمن بعده كيفية عمل السفينة، ولا يكونُ ذلك من باب ما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به، فإنَّ الله - تبارك وتعالى - خلَّص موسى وقومه من الطُّوفان من غير سفينةٍ، وكان ذلك معجزة له.

وأما قوله: «بأعْيُنِنَا» فلا يمكنُ إجراؤه على ظاهره لوجوهٍ: أحدها: أنه يقتضي أن يكون لله أعين كثيرة، وهذا يناقض قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ [طه: 39] .

وثانيها: أنَّهُ يقتضي أن يصنع الفلك بتلك الأعين، كقولك: قطعت بالسكين، وكتبت بالقلم، ومعلوم أن ذلك باطل.

وثالثها: أنَّه - تعالى - مُنَزَّه عن الأعضاء، والأبعاض؛ فوجب المصيرُ إلى التأويل، وهو من وجوه:

الأول: معنى «بِأعْيُنِنَا» أي: بنزول الملك؛ فيعرفه بخبر السفينة، يقال: فلان عين فلان أي: ناظر عليه.

والثاني: أنَّ من كان عظيمَ العنايةِ بالشيء فإنه يضع عينه عليه؛ فلمَّا كان وضع العين على الشَّيء سبباً لمبالغة الحفظ جعل العين كناية عن الاحتفاظ، فلهذا قال المفسِّرون: معناه: بحفظنا إيَّاك حفظ من يراك، ويملك دفع السُّوء عنك.

وحاصل الكلام أن عمل السَّفينة مشروط بأمرين:

أحدهما: أن لا يمنعه أعداؤه من ذلك العمل.

والثاني: أن يكون عالماً بكيفيَّة تأليف …

44

وَقِيلَ يَٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And it was said, "O earth, swallow your water, and O sky, withhold [your rain]." And the water subsided, and the matter was accomplished, and the ship came to rest on the [mountain of] Judiyy. And it was said, "Away with the wrongdoing people."

قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ﴾ الجمهور على «أوحِيَ» مبنياً للمفعول، والقائمُ مقام الفاعل ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ﴾ أي: أوحِيَ إليه عدمُ غيمان بعض القوم.

وقرأ أبو البرهسم «أوْحَى» مبنياً للفاعل وهو الله - سبحانه وتعالى -، «إنَّهُ» بكسر الهمزة وفيها وجهان:

أحدهما: - وهو أصلٌ للبصريين - أنَّهُ على إضمار القول.

والثاني: - وهو أصلُ للكوفيين - أنَّهُ على إجراء الإيحاء مُجْرَى القول.

قوله «فَلاَ تَبْتَئِسْ» هو تفتعل من البُؤسِ، ومعناه الحزنُ في استكانة، ويقال: ابتأسَ فلانٌ، أي: بلغه ما يكرهه؛ قال: [البسيط]

2968 - مَا يَقْسِمِ اللهُ أقْبَلَ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ ... مِنْهُ وأقْعُدْ كَرِيماً نَاعِمَ البَالِ وقال آخر: [البسيط]

2969 - وكَمْ مِنْ خَليلٍ أوْ حَميمٍ رُزِئْتُهُ ... فَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلِ

فصل

دلَّت هذه الآية على صحة القول بالقضاءِ والقدرِ؛ لأنَّه تعالى أخبر بأنهم لا يؤمنون بعد ذلك، فلو حصل إيمانهم؛ لكان إمَّا مع بقاءِ هذا الخبر صدقاً، ومع بقاء هذا العلم علماً، أو مع انقلاب هذا الخبر كذباً ومع انقلابِ هذا العلم جهلاً.

والأولُ باطلٌ؛ لأنَّ وجود الإيمان مع أن يكون الإخبار عن عدمِ الإيمانِ صدقاً، ومع كون العلم بعد الإيمان حاصلاً حال وجود الإيمان جمعٌ بين النَّقيضين.

والثاني أيضاً باطلٌ؛ لأنَّ انقلاب علم الله - تعالى - جهلاً وخبره كذباً محال، ولما كان صدور الإيمان منهم لا بدَّ وأن يكون على أحد هذين القسمين، وثبت أنَّ كلَّ واحدٍ منهما محالٌ كان صدور الإيمان منهم محالاً، مع أنَّهم كانوا مأمورين به، وأيضاً: فالقومُ كانُوا مأمورين بالإيمان، ومن الإيمان تصديق الله تعالى - في كُلِّ ما أخبر عنه، وقد أخبر أنَّهُ ﴿ ... لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ فينبغي أن يقال: إنَّهم كانُوا مأمورين بأن يؤمنوا بأنَّهم لا يؤمنون ألبتة، وذلك تكليفٌ بالجمع بين النَّقيضين.

قوله تعالى: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ .

«بأعْينِنَا» حالٌ من فاعل «اصْنَع» أي: محفُوظاً بأعيننا، وهو مجازٌ عن كلاء الله له بالحفظ.

وقيل: المراد بهم الملائكة تشبيهاً لهم بعيون النَّاس، أي: الذين يتفقَّدُونَ الأخبارَ، والجمع حينئذٍ حقيقةٌ. وقرأ طلحةُ بنُ مصرف «بأعْيُنَّا» مدغمة.

فصل

قوله تعالى: ﴿واصنع الفلك﴾ الظَّاهر أنه أمر إيجاب؛ لأنَّه لا سبيل إلى صون روح نفسه، وأرواح غيره من الهلاكِ إلا بهذا الطريق، وصون النَّفْسِ من الهلاك واجب، وما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجبٌ، ويحتملُ أن يكون أمر إباحةٍ، وهو بمنزلة أن يتخذ الإنسانُ لنفسه داراً يسكنها، أو يكون ذلك تعليماً له ولمن بعده كيفية عمل السفينة، ولا يكونُ ذلك من باب ما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به، فإنَّ الله - تبارك وتعالى - خلَّص موسى وقومه من الطُّوفان من غير سفينةٍ، وكان ذلك معجزة له.

وأما قوله: «بأعْيُنِنَا» فلا يمكنُ إجراؤه على ظاهره لوجوهٍ: أحدها: أنه يقتضي أن يكون لله أعين كثيرة، وهذا يناقض قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ [طه: 39] .

وثانيها: أنَّهُ يقتضي أن يصنع الفلك بتلك الأعين، كقولك: قطعت بالسكين، وكتبت بالقلم، ومعلوم أن ذلك باطل.

وثالثها: أنَّه - تعالى - مُنَزَّه عن الأعضاء، والأبعاض؛ فوجب المصيرُ إلى التأويل، وهو من وجوه:

الأول: معنى «بِأعْيُنِنَا» أي: بنزول الملك؛ فيعرفه بخبر السفينة، يقال: فلان عين فلان أي: ناظر عليه.

والثاني: أنَّ من كان عظيمَ العنايةِ بالشيء فإنه يضع عينه عليه؛ فلمَّا كان وضع العين على الشَّيء سبباً لمبالغة الحفظ جعل العين كناية عن الاحتفاظ، فلهذا قال المفسِّرون: معناه: بحفظنا إيَّاك حفظ من يراك، ويملك دفع السُّوء عنك.

وحاصل الكلام أن عمل السَّفينة مشروط بأمرين:

أحدهما: أن لا يمنعه أعداؤه من ذلك العمل.

والثاني: أن يكون عالماً بكيفيَّة تأليف …

45

وَنَادَىٰ نُوحٌۭ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَٰكِمِينَ

And Noah called to his Lord and said, "My Lord, indeed my son is of my family; and indeed, Your promise is true; and You are the most just of judges!"

قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ﴾ الآية.

قوله: «فَقَالَ» عطفٌ على «نَادَى» . قال الزمخشريُّ: فإن قلت: وإن كان النداءُ هو قوله «رَبّ» فكيف عطف «فقال رَبّ» على «نَادَى» بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادةُ النداء، ولو أريد النداء نفسه لجاء - كما جاء في قوله ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً﴾ [مريم: 3]- ﴿قَالَ رَبِّ﴾ [مريم: 4] بغير فاء.

فصل

تقدَّم الكلامُ في أنَّهُ هل كان ابناً له أم لا؟ فقوله: ﴿رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي﴾ وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق﴾ لا خلف فيه ﴿وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين﴾ حكمت على قوم بالنَّجاةِ وعلى قوم بالكُفْر والهلاك؛ قال الله: ﴿يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ واعلم أنَّه لمَّا ثبت بالدليل، أنه كان ابناً له، وجب أن يكون المراد: ليس من أهل دينك. وقيل: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك.

قوله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ : قرأ الكسائيُّ «عَمِلَط فعلاً ماضياً، و» غيرَ» نَصْباً.

والباقون: «عَمَلٌ» بفتح الميمِ وتنوينه على أنه اسمٌ، و «غَيْرُ» بالرَّفع.

فقراءةُ الكسائي: الضميرُ فيها يتعيَّنُ عودهُ على ابنِ نوحٍ، وفاعل» عَمِلَ «ضميرٌ يعودُ عليه أيضاً، و» غَيْرَ» مفعولٌ به. ويجوزُ أن يكون نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: عمل عملاً غير صالح كقوله ﴿واعملوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون: 51] . وقيل: إنه ذو عمل باطل فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه.

وأمَّا قراءةُ الباقين، ففي الضَّمير أربعة أوجهٍ:

أظهرها: أنَّه عائدٌ على ابن نوح، ويكونُ في الإخبار عنه بالمصدر المذاهب الثلاثة في «رجل عدل» ، و «زيْدٌ كرمٌ وجُودٌ» .

والثاني: أنه يعودُ على النداء المفهوم منق وله: «ونَادَى» أي: نداؤك وسؤالك.

وإلى هذا ذهب أبو البقاء ومكيٌّ والزمخشريُّ. وهذا فيه خطرٌ عظيمٌ، كيف يقال ذلك في حقِّ نبي من الأنبياءِ، فضلاً عن أول رسول أرسل إلى أهل الأرض بعد آدم - عليهما الصلاة والسلام -؟ ولمَّا حكاه الزمخشريُّ قال: «ليسَ بذاك» ولقد أصاب. واستدلَّ من قال بذلك أنَّ في حرف عبد الله بن مسعود إنَّه عملٌ غيرُ صالحٍ أن تسألني ما لَيْسَ لك به علمٌ وهذا مخالفٌ للسَّواد.

الثالث: أنَّهُ يعودُ على ركوب ابن نوح المدلول عليه بقوله: «اركب مَعَنَا» .

الرابع: أنَّهُ يعودُ على تركه الرُّكُب، وكونه مع المؤمنين، أي: إنَّ تركه الركوبَ مع المؤمنين وكونه مع الكافرين عملٌ غير صالح، وعلى الأوجه لا يحتاج في الإخبار بالمصدر إلى تأويلٍ؛ لأنَّ كليهما معنى من المعاني، وعلى الوجه الرابع يكون من كلام نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، أي: إنَّ نوحاً قال: إنَّ كونك مع الكافرين وتركك الركوبَ معنا عمل غيرُ صالح، بخلاف ما تقدَّم فإنَّه من قول الله تعالى فقط، هكذا قال مكيٌّ وفيه نظرٌ، بل الظَّاهرُ أنَّ الكلَّ من كلام الله تعالى.

وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلاَّ قيل: إنَّه عملٌ فاسدٌ. قلت: لما نفاه عن أهله نفى عنه صفتهم بلفظ النفي التي يستبقى معها لفظ المنفي، وآذن بذلك أنَّه إنَّما أنْجَى من أنْجَى لصلاحهم لا لأنَّهم أهلك.

قوله: ﴿فَلاَ تَسْأَلْنِي﴾ قرأ نافع وابن عامرٍ «فلا تَسْألنِّ» بتشديدِ النون مكسورة من غير ياء. وابن كثير بتشديدها مع الفتح، وأبو عمرو والكوفيون بنونٍ مكسورةٍ خفيفة، وياءٍ وصلاً لأبي عمرو، ودون ياء في الحالين للكوفيين. وفي الكهف ﴿فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ﴾ [الكهف: 70] قرأه أبو عمرو والكوفيون كقراءتهم هنا، وافقهم ابنُ كثير في الكهف، وأما نافعٌ وابنُ عامر فكقراءتهما هنا ولابن ذكوان خلافٌ في ثبوتِ الياءِ وحذفها، وإنَّما قرأ ابن كثير التي في هود بالفتح دون التي في الكهفِ؛ لأنَّ الياء في هود ساقطة في الرسم؛ فكانت قراءته بفتح النون محتملةً بخلاف الكهف فإنَّ الياء ثابتةٌ في الرَّسْمِ، فلا يوافق فيها فتحها. وقد تقدَّم خلافُ ابن ذكوان في ثبوت الياء …

46

قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَٰلِحٍۢ ۖ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

He said, "O Noah, indeed he is not of your family; indeed, he is [one whose] work was other than righteous, so ask Me not for that about which you have no knowledge. Indeed, I advise you, lest you be among the ignorant."

قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ﴾ الآية.

قوله: «فَقَالَ» عطفٌ على «نَادَى» . قال الزمخشريُّ: فإن قلت: وإن كان النداءُ هو قوله «رَبّ» فكيف عطف «فقال رَبّ» على «نَادَى» بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادةُ النداء، ولو أريد النداء نفسه لجاء - كما جاء في قوله ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً﴾ [مريم: 3]- ﴿قَالَ رَبِّ﴾ [مريم: 4] بغير فاء.

فصل

تقدَّم الكلامُ في أنَّهُ هل كان ابناً له أم لا؟ فقوله: ﴿رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي﴾ وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق﴾ لا خلف فيه ﴿وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين﴾ حكمت على قوم بالنَّجاةِ وعلى قوم بالكُفْر والهلاك؛ قال الله: ﴿يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ واعلم أنَّه لمَّا ثبت بالدليل، أنه كان ابناً له، وجب أن يكون المراد: ليس من أهل دينك. وقيل: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك.

قوله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ : قرأ الكسائيُّ «عَمِلَط فعلاً ماضياً، و» غيرَ» نَصْباً.

والباقون: «عَمَلٌ» بفتح الميمِ وتنوينه على أنه اسمٌ، و «غَيْرُ» بالرَّفع.

فقراءةُ الكسائي: الضميرُ فيها يتعيَّنُ عودهُ على ابنِ نوحٍ، وفاعل» عَمِلَ «ضميرٌ يعودُ عليه أيضاً، و» غَيْرَ» مفعولٌ به. ويجوزُ أن يكون نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: عمل عملاً غير صالح كقوله ﴿واعملوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون: 51] . وقيل: إنه ذو عمل باطل فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه.

وأمَّا قراءةُ الباقين، ففي الضَّمير أربعة أوجهٍ:

أظهرها: أنَّه عائدٌ على ابن نوح، ويكونُ في الإخبار عنه بالمصدر المذاهب الثلاثة في «رجل عدل» ، و «زيْدٌ كرمٌ وجُودٌ» .

والثاني: أنه يعودُ على النداء المفهوم منق وله: «ونَادَى» أي: نداؤك وسؤالك.

وإلى هذا ذهب أبو البقاء ومكيٌّ والزمخشريُّ. وهذا فيه خطرٌ عظيمٌ، كيف يقال ذلك في حقِّ نبي من الأنبياءِ، فضلاً عن أول رسول أرسل إلى أهل الأرض بعد آدم - عليهما الصلاة والسلام -؟ ولمَّا حكاه الزمخشريُّ قال: «ليسَ بذاك» ولقد أصاب. واستدلَّ من قال بذلك أنَّ في حرف عبد الله بن مسعود إنَّه عملٌ غيرُ صالحٍ أن تسألني ما لَيْسَ لك به علمٌ وهذا مخالفٌ للسَّواد.

الثالث: أنَّهُ يعودُ على ركوب ابن نوح المدلول عليه بقوله: «اركب مَعَنَا» .

الرابع: أنَّهُ يعودُ على تركه الرُّكُب، وكونه مع المؤمنين، أي: إنَّ تركه الركوبَ مع المؤمنين وكونه مع الكافرين عملٌ غير صالح، وعلى الأوجه لا يحتاج في الإخبار بالمصدر إلى تأويلٍ؛ لأنَّ كليهما معنى من المعاني، وعلى الوجه الرابع يكون من كلام نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، أي: إنَّ نوحاً قال: إنَّ كونك مع الكافرين وتركك الركوبَ معنا عمل غيرُ صالح، بخلاف ما تقدَّم فإنَّه من قول الله تعالى فقط، هكذا قال مكيٌّ وفيه نظرٌ، بل الظَّاهرُ أنَّ الكلَّ من كلام الله تعالى.

وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلاَّ قيل: إنَّه عملٌ فاسدٌ. قلت: لما نفاه عن أهله نفى عنه صفتهم بلفظ النفي التي يستبقى معها لفظ المنفي، وآذن بذلك أنَّه إنَّما أنْجَى من أنْجَى لصلاحهم لا لأنَّهم أهلك.

قوله: ﴿فَلاَ تَسْأَلْنِي﴾ قرأ نافع وابن عامرٍ «فلا تَسْألنِّ» بتشديدِ النون مكسورة من غير ياء. وابن كثير بتشديدها مع الفتح، وأبو عمرو والكوفيون بنونٍ مكسورةٍ خفيفة، وياءٍ وصلاً لأبي عمرو، ودون ياء في الحالين للكوفيين. وفي الكهف ﴿فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ﴾ [الكهف: 70] قرأه أبو عمرو والكوفيون كقراءتهم هنا، وافقهم ابنُ كثير في الكهف، وأما نافعٌ وابنُ عامر فكقراءتهما هنا ولابن ذكوان خلافٌ في ثبوتِ الياءِ وحذفها، وإنَّما قرأ ابن كثير التي في هود بالفتح دون التي في الكهفِ؛ لأنَّ الياء في هود ساقطة في الرسم؛ فكانت قراءته بفتح النون محتملةً بخلاف الكهف فإنَّ الياء ثابتةٌ في الرَّسْمِ، فلا يوافق فيها فتحها. وقد تقدَّم خلافُ ابن ذكوان في ثبوت الياء …

47

قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

[Noah] said, "My Lord, I seek refuge in You from asking that of which I have no knowledge. And unless You forgive me and have mercy upon me, I will be among the losers."

قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ﴾ الآية.

قوله: «فَقَالَ» عطفٌ على «نَادَى» . قال الزمخشريُّ: فإن قلت: وإن كان النداءُ هو قوله «رَبّ» فكيف عطف «فقال رَبّ» على «نَادَى» بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادةُ النداء، ولو أريد النداء نفسه لجاء - كما جاء في قوله ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً﴾ [مريم: 3]- ﴿قَالَ رَبِّ﴾ [مريم: 4] بغير فاء.

فصل

تقدَّم الكلامُ في أنَّهُ هل كان ابناً له أم لا؟ فقوله: ﴿رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي﴾ وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق﴾ لا خلف فيه ﴿وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين﴾ حكمت على قوم بالنَّجاةِ وعلى قوم بالكُفْر والهلاك؛ قال الله: ﴿يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ واعلم أنَّه لمَّا ثبت بالدليل، أنه كان ابناً له، وجب أن يكون المراد: ليس من أهل دينك. وقيل: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك.

قوله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ : قرأ الكسائيُّ «عَمِلَط فعلاً ماضياً، و» غيرَ» نَصْباً.

والباقون: «عَمَلٌ» بفتح الميمِ وتنوينه على أنه اسمٌ، و «غَيْرُ» بالرَّفع.

فقراءةُ الكسائي: الضميرُ فيها يتعيَّنُ عودهُ على ابنِ نوحٍ، وفاعل» عَمِلَ «ضميرٌ يعودُ عليه أيضاً، و» غَيْرَ» مفعولٌ به. ويجوزُ أن يكون نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: عمل عملاً غير صالح كقوله ﴿واعملوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون: 51] . وقيل: إنه ذو عمل باطل فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه.

وأمَّا قراءةُ الباقين، ففي الضَّمير أربعة أوجهٍ:

أظهرها: أنَّه عائدٌ على ابن نوح، ويكونُ في الإخبار عنه بالمصدر المذاهب الثلاثة في «رجل عدل» ، و «زيْدٌ كرمٌ وجُودٌ» .

والثاني: أنه يعودُ على النداء المفهوم منق وله: «ونَادَى» أي: نداؤك وسؤالك.

وإلى هذا ذهب أبو البقاء ومكيٌّ والزمخشريُّ. وهذا فيه خطرٌ عظيمٌ، كيف يقال ذلك في حقِّ نبي من الأنبياءِ، فضلاً عن أول رسول أرسل إلى أهل الأرض بعد آدم - عليهما الصلاة والسلام -؟ ولمَّا حكاه الزمخشريُّ قال: «ليسَ بذاك» ولقد أصاب. واستدلَّ من قال بذلك أنَّ في حرف عبد الله بن مسعود إنَّه عملٌ غيرُ صالحٍ أن تسألني ما لَيْسَ لك به علمٌ وهذا مخالفٌ للسَّواد.

الثالث: أنَّهُ يعودُ على ركوب ابن نوح المدلول عليه بقوله: «اركب مَعَنَا» .

الرابع: أنَّهُ يعودُ على تركه الرُّكُب، وكونه مع المؤمنين، أي: إنَّ تركه الركوبَ مع المؤمنين وكونه مع الكافرين عملٌ غير صالح، وعلى الأوجه لا يحتاج في الإخبار بالمصدر إلى تأويلٍ؛ لأنَّ كليهما معنى من المعاني، وعلى الوجه الرابع يكون من كلام نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، أي: إنَّ نوحاً قال: إنَّ كونك مع الكافرين وتركك الركوبَ معنا عمل غيرُ صالح، بخلاف ما تقدَّم فإنَّه من قول الله تعالى فقط، هكذا قال مكيٌّ وفيه نظرٌ، بل الظَّاهرُ أنَّ الكلَّ من كلام الله تعالى.

وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلاَّ قيل: إنَّه عملٌ فاسدٌ. قلت: لما نفاه عن أهله نفى عنه صفتهم بلفظ النفي التي يستبقى معها لفظ المنفي، وآذن بذلك أنَّه إنَّما أنْجَى من أنْجَى لصلاحهم لا لأنَّهم أهلك.

قوله: ﴿فَلاَ تَسْأَلْنِي﴾ قرأ نافع وابن عامرٍ «فلا تَسْألنِّ» بتشديدِ النون مكسورة من غير ياء. وابن كثير بتشديدها مع الفتح، وأبو عمرو والكوفيون بنونٍ مكسورةٍ خفيفة، وياءٍ وصلاً لأبي عمرو، ودون ياء في الحالين للكوفيين. وفي الكهف ﴿فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ﴾ [الكهف: 70] قرأه أبو عمرو والكوفيون كقراءتهم هنا، وافقهم ابنُ كثير في الكهف، وأما نافعٌ وابنُ عامر فكقراءتهما هنا ولابن ذكوان خلافٌ في ثبوتِ الياءِ وحذفها، وإنَّما قرأ ابن كثير التي في هود بالفتح دون التي في الكهفِ؛ لأنَّ الياء في هود ساقطة في الرسم؛ فكانت قراءته بفتح النون محتملةً بخلاف الكهف فإنَّ الياء ثابتةٌ في الرَّسْمِ، فلا يوافق فيها فتحها. وقد تقدَّم خلافُ ابن ذكوان في ثبوت الياء …

48

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَٰمٍۢ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌۭ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

It was said, "O Noah, disembark in security from Us and blessings upon you and upon nations [descending] from those with you. But other nations [of them] We will grant enjoyment; then there will touch them from Us a painful punishment."

قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ﴾ الآية.

قوله: «فَقَالَ» عطفٌ على «نَادَى» . قال الزمخشريُّ: فإن قلت: وإن كان النداءُ هو قوله «رَبّ» فكيف عطف «فقال رَبّ» على «نَادَى» بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادةُ النداء، ولو أريد النداء نفسه لجاء - كما جاء في قوله ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً﴾ [مريم: 3]- ﴿قَالَ رَبِّ﴾ [مريم: 4] بغير فاء.

فصل

تقدَّم الكلامُ في أنَّهُ هل كان ابناً له أم لا؟ فقوله: ﴿رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي﴾ وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق﴾ لا خلف فيه ﴿وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين﴾ حكمت على قوم بالنَّجاةِ وعلى قوم بالكُفْر والهلاك؛ قال الله: ﴿يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ واعلم أنَّه لمَّا ثبت بالدليل، أنه كان ابناً له، وجب أن يكون المراد: ليس من أهل دينك. وقيل: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك.

قوله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ : قرأ الكسائيُّ «عَمِلَط فعلاً ماضياً، و» غيرَ» نَصْباً.

والباقون: «عَمَلٌ» بفتح الميمِ وتنوينه على أنه اسمٌ، و «غَيْرُ» بالرَّفع.

فقراءةُ الكسائي: الضميرُ فيها يتعيَّنُ عودهُ على ابنِ نوحٍ، وفاعل» عَمِلَ «ضميرٌ يعودُ عليه أيضاً، و» غَيْرَ» مفعولٌ به. ويجوزُ أن يكون نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: عمل عملاً غير صالح كقوله ﴿واعملوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون: 51] . وقيل: إنه ذو عمل باطل فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه.

وأمَّا قراءةُ الباقين، ففي الضَّمير أربعة أوجهٍ:

أظهرها: أنَّه عائدٌ على ابن نوح، ويكونُ في الإخبار عنه بالمصدر المذاهب الثلاثة في «رجل عدل» ، و «زيْدٌ كرمٌ وجُودٌ» .

والثاني: أنه يعودُ على النداء المفهوم منق وله: «ونَادَى» أي: نداؤك وسؤالك.

وإلى هذا ذهب أبو البقاء ومكيٌّ والزمخشريُّ. وهذا فيه خطرٌ عظيمٌ، كيف يقال ذلك في حقِّ نبي من الأنبياءِ، فضلاً عن أول رسول أرسل إلى أهل الأرض بعد آدم - عليهما الصلاة والسلام -؟ ولمَّا حكاه الزمخشريُّ قال: «ليسَ بذاك» ولقد أصاب. واستدلَّ من قال بذلك أنَّ في حرف عبد الله بن مسعود إنَّه عملٌ غيرُ صالحٍ أن تسألني ما لَيْسَ لك به علمٌ وهذا مخالفٌ للسَّواد.

الثالث: أنَّهُ يعودُ على ركوب ابن نوح المدلول عليه بقوله: «اركب مَعَنَا» .

الرابع: أنَّهُ يعودُ على تركه الرُّكُب، وكونه مع المؤمنين، أي: إنَّ تركه الركوبَ مع المؤمنين وكونه مع الكافرين عملٌ غير صالح، وعلى الأوجه لا يحتاج في الإخبار بالمصدر إلى تأويلٍ؛ لأنَّ كليهما معنى من المعاني، وعلى الوجه الرابع يكون من كلام نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، أي: إنَّ نوحاً قال: إنَّ كونك مع الكافرين وتركك الركوبَ معنا عمل غيرُ صالح، بخلاف ما تقدَّم فإنَّه من قول الله تعالى فقط، هكذا قال مكيٌّ وفيه نظرٌ، بل الظَّاهرُ أنَّ الكلَّ من كلام الله تعالى.

وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلاَّ قيل: إنَّه عملٌ فاسدٌ. قلت: لما نفاه عن أهله نفى عنه صفتهم بلفظ النفي التي يستبقى معها لفظ المنفي، وآذن بذلك أنَّه إنَّما أنْجَى من أنْجَى لصلاحهم لا لأنَّهم أهلك.

قوله: ﴿فَلاَ تَسْأَلْنِي﴾ قرأ نافع وابن عامرٍ «فلا تَسْألنِّ» بتشديدِ النون مكسورة من غير ياء. وابن كثير بتشديدها مع الفتح، وأبو عمرو والكوفيون بنونٍ مكسورةٍ خفيفة، وياءٍ وصلاً لأبي عمرو، ودون ياء في الحالين للكوفيين. وفي الكهف ﴿فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ﴾ [الكهف: 70] قرأه أبو عمرو والكوفيون كقراءتهم هنا، وافقهم ابنُ كثير في الكهف، وأما نافعٌ وابنُ عامر فكقراءتهما هنا ولابن ذكوان خلافٌ في ثبوتِ الياءِ وحذفها، وإنَّما قرأ ابن كثير التي في هود بالفتح دون التي في الكهفِ؛ لأنَّ الياء في هود ساقطة في الرسم؛ فكانت قراءته بفتح النون محتملةً بخلاف الكهف فإنَّ الياء ثابتةٌ في الرَّسْمِ، فلا يوافق فيها فتحها. وقد تقدَّم خلافُ ابن ذكوان في ثبوت الياء …

49

تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muhammad]. You knew it not, neither you nor your people, before this. So be patient; indeed, the [best] outcome is for the righteous.

قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ﴾ الآية.

قوله: «فَقَالَ» عطفٌ على «نَادَى» . قال الزمخشريُّ: فإن قلت: وإن كان النداءُ هو قوله «رَبّ» فكيف عطف «فقال رَبّ» على «نَادَى» بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادةُ النداء، ولو أريد النداء نفسه لجاء - كما جاء في قوله ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً﴾ [مريم: 3]- ﴿قَالَ رَبِّ﴾ [مريم: 4] بغير فاء.

فصل

تقدَّم الكلامُ في أنَّهُ هل كان ابناً له أم لا؟ فقوله: ﴿رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي﴾ وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق﴾ لا خلف فيه ﴿وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين﴾ حكمت على قوم بالنَّجاةِ وعلى قوم بالكُفْر والهلاك؛ قال الله: ﴿يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ واعلم أنَّه لمَّا ثبت بالدليل، أنه كان ابناً له، وجب أن يكون المراد: ليس من أهل دينك. وقيل: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك.

قوله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ : قرأ الكسائيُّ «عَمِلَط فعلاً ماضياً، و» غيرَ» نَصْباً.

والباقون: «عَمَلٌ» بفتح الميمِ وتنوينه على أنه اسمٌ، و «غَيْرُ» بالرَّفع.

فقراءةُ الكسائي: الضميرُ فيها يتعيَّنُ عودهُ على ابنِ نوحٍ، وفاعل» عَمِلَ «ضميرٌ يعودُ عليه أيضاً، و» غَيْرَ» مفعولٌ به. ويجوزُ أن يكون نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: عمل عملاً غير صالح كقوله ﴿واعملوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون: 51] . وقيل: إنه ذو عمل باطل فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه.

وأمَّا قراءةُ الباقين، ففي الضَّمير أربعة أوجهٍ:

أظهرها: أنَّه عائدٌ على ابن نوح، ويكونُ في الإخبار عنه بالمصدر المذاهب الثلاثة في «رجل عدل» ، و «زيْدٌ كرمٌ وجُودٌ» .

والثاني: أنه يعودُ على النداء المفهوم منق وله: «ونَادَى» أي: نداؤك وسؤالك.

وإلى هذا ذهب أبو البقاء ومكيٌّ والزمخشريُّ. وهذا فيه خطرٌ عظيمٌ، كيف يقال ذلك في حقِّ نبي من الأنبياءِ، فضلاً عن أول رسول أرسل إلى أهل الأرض بعد آدم - عليهما الصلاة والسلام -؟ ولمَّا حكاه الزمخشريُّ قال: «ليسَ بذاك» ولقد أصاب. واستدلَّ من قال بذلك أنَّ في حرف عبد الله بن مسعود إنَّه عملٌ غيرُ صالحٍ أن تسألني ما لَيْسَ لك به علمٌ وهذا مخالفٌ للسَّواد.

الثالث: أنَّهُ يعودُ على ركوب ابن نوح المدلول عليه بقوله: «اركب مَعَنَا» .

الرابع: أنَّهُ يعودُ على تركه الرُّكُب، وكونه مع المؤمنين، أي: إنَّ تركه الركوبَ مع المؤمنين وكونه مع الكافرين عملٌ غير صالح، وعلى الأوجه لا يحتاج في الإخبار بالمصدر إلى تأويلٍ؛ لأنَّ كليهما معنى من المعاني، وعلى الوجه الرابع يكون من كلام نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، أي: إنَّ نوحاً قال: إنَّ كونك مع الكافرين وتركك الركوبَ معنا عمل غيرُ صالح، بخلاف ما تقدَّم فإنَّه من قول الله تعالى فقط، هكذا قال مكيٌّ وفيه نظرٌ، بل الظَّاهرُ أنَّ الكلَّ من كلام الله تعالى.

وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: هلاَّ قيل: إنَّه عملٌ فاسدٌ. قلت: لما نفاه عن أهله نفى عنه صفتهم بلفظ النفي التي يستبقى معها لفظ المنفي، وآذن بذلك أنَّه إنَّما أنْجَى من أنْجَى لصلاحهم لا لأنَّهم أهلك.

قوله: ﴿فَلاَ تَسْأَلْنِي﴾ قرأ نافع وابن عامرٍ «فلا تَسْألنِّ» بتشديدِ النون مكسورة من غير ياء. وابن كثير بتشديدها مع الفتح، وأبو عمرو والكوفيون بنونٍ مكسورةٍ خفيفة، وياءٍ وصلاً لأبي عمرو، ودون ياء في الحالين للكوفيين. وفي الكهف ﴿فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ﴾ [الكهف: 70] قرأه أبو عمرو والكوفيون كقراءتهم هنا، وافقهم ابنُ كثير في الكهف، وأما نافعٌ وابنُ عامر فكقراءتهما هنا ولابن ذكوان خلافٌ في ثبوتِ الياءِ وحذفها، وإنَّما قرأ ابن كثير التي في هود بالفتح دون التي في الكهفِ؛ لأنَّ الياء في هود ساقطة في الرسم؛ فكانت قراءته بفتح النون محتملةً بخلاف الكهف فإنَّ الياء ثابتةٌ في الرَّسْمِ، فلا يوافق فيها فتحها. وقد تقدَّم خلافُ ابن ذكوان في ثبوت الياء …

50

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ

And to 'Aad [We sent] their brother Hud. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. You are not but inventors [of falsehood].

قوله تعالى: ﴿وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ القصَّةُ: معطوفان على قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ} [هود: 25] في عطف مرفوع على مرفوع ومجرور، كقولك: ضرب زيدٌ عمراً، وبكرٌ خالداً وليس من باب ما فُصِل فيه بين حرفِ العطفِ والمعطوفِ بالجارِّ والمجرور نحو: «ضَرَبْتُ زيداً، وفي السُّوق عَمْراً» فيجيءُ الخلافُ المشهورُ.

وقيل: بل هو على إضمار فعلٍ، أي: وأرْسَلْنَا هوداً، وهذا أوفق لطولِ الفصلِ.

و «هوداً» بدلٌ أو عطفُ بيان لأخيهم.

وقرأ ابنُ محيصنٍ «يَا قَوْمُ» بضم الميم، وهي لغةُ بعضهم يبنُون المضاف للياء على الضَّم كقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احكم﴾ [الأنبياء: 112] بضمِّ الياء، ولا يجوز أن يكون غير مضافٍ للياءِ كما سيأتي في موضعه إن شاء الله.

وقوله: ﴿مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ تقدّضم في الأعراف.

فصل

كان هود أخاهم في النسب لا في الدِّين؛ لأنه كان من قبيلةِ عادٍ، وهم قبيلةٌ من العربِ بناحية اليمنِ، كما يقالُ للرَّجُلِ: يا أخا تميم، ويا أخا سليمٍ، والمرادُ رجلٌ منهم.

فإن قيل: إنَّه تعالى قال في ابن نُوح ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: 46] فبيَّن أنَّ قرابة النَّسبِ لا تفيدُ إذا لم تَحْصُلْ قرابةُ الدِّين، وههنا أثبت هذه الأخوة مع الاختلاف في الدِّين، فما الفرقُ بينهما؟ .

فالجوابُ: أنَّ المراد من هذا الكلام استمالة قوم محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ لأنَّ قومهُ كانُوا يستبعدُون في محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع أنَّهُ واحدٌ من قبيلتهم أن يكون رسولاً إليهم من عند الله، فذكر الله تعالى أنَّ هوداً كان واحداً من عاد، وأنَّ صالحاً كان واحداً من ثمود، لإزالة هذا الاستبعاد.

﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعبدوا الله﴾ [الأعراف: 65] وحدُوا الله، ولا تعبدُوا غيرهُ.

فإن قيل: كيف دعاهم إلى عبادةِ قبل إقامةِ الدَّلالة على ثبوت الإله تعالى؟ .

فالجواب: أنَّ دلائل ثُبوتِ وجود الله تعالى ظاهرة، وهي دلائلُ الآفاق والأنفس، وقلَّما تُوجد في الدنيا طائفة ينكرون وجود الإله؛ ولذلك قال تبارك وتعالى في صفة الكفار: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾ [لقمان: 25] .

ثم قال: «إنْ أنتُمْ» ما أنتم «إلاَّ مُفْتَرُونَ» كاذبُون في إشراككم.

ثم قال: ﴿ياقوم لاا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ أي: على تبليغ الرسالة جُعْلاً ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الذي فطرني﴾ وهذا عينُ ما ذكره نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -.

قرأ نافع، والبزي بفتح ياء «فَطَرني» ، وأبو عمرو وقنبل بإسكانها. ومعنى «فَطَرني» خلقني، ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ أني مصيبٌ في المنع من عبادة الأوثان.

ثم قال: ﴿وياقوم استغفروا رَبَّكُمْ﴾ آمنوا به، والاستغفارُ - ههنا - بمعنى الإيمان.

وقال الأصمُّ: ﴿استغفروا رَبَّكُمْ﴾ أي: سلُوه أن يغفر لكم ما تقدَّم من شرككم، ثم توبوا من بعده بالنَّدم على ما مضى، وبالعزمِ على أن لا تعودوا إلى مثله، فإذا فعلتُم ذلك فالله يكثرُ النّعْمَة عليكم.

قوله: ﴿يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً﴾ نصب «مِدْرَاراً» على الحالِ، ولم يُؤنِّثْهُ وإن كان من مُؤثَّث لثلاثةِ أوجهٍ:

أحدها: أنَّ المراد بالسَّماء السحاب، فذكَّر على المعنى.

الثاني: أنَّ مفعالاً للمبالغةِ فيستوي فيه المذكَّر والمؤنث ك: صَبُور، وشكُور، وفعيل.

الثالث: أنَّ الهاءَ حذفت من «مِفْعَال» على طريقِ النَّسَب قاله مكيٌّ، وقد تقدَّم إيضاحه في الأنعام.

والمعنى: يُرسل عليكم المطر متتابعاً مرةً بعد أخرى في أوقات الحاجةِ. ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ أي: شدة مع شدَّتكم. وقيل: المراد بالقوَّة: المال وذلك أنَّ الله تعالى لمَّا بعث هوداً إليهم، وكذَّبُوهُ حبس الله المطر عنهم ثلاث سنين، وأعقم أرحام نسائهم، فقال لهم هودٌ: إنْ آمنتم بالله أحْيَا اللهُ بلادَكم ورزقكم المالَ، …

Commentary: Al-Lubab fi 'Ulum al-Kitab by Ibn 'Adil al-Hanbali. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.