Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 41–50 of 123

41

۞ وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ ۚ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And [Noah] said, "Embark therein; in the name of Allah is its course and its anchorage. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها﴾ [هود: ٤٠] أيْ قُلْنا لَهُ ذَلِكَ. وقالَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِمَن أُمِرَ بِحَمْلِهِ (ارْكَبُوا)

وضَمِيرُ (فِيها) لَمَفْهُومٍ مِنَ المَقامِ، أيِ السَّفِينَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] أيْ سَفِينَةٍ.

وعُدِّيَ فِعْلُ (ارْكَبُوا) بِـ (في) جَرْيًا عَلى الفَصِيحِ فَإنَّهُ يُقالُ: رَكِبَ الدّابَّةَ إذا عَلاها. وأمّا رُكُوبُ الفُلْكِ فَيُعَدّى بِفي لِأنَّ إطْلاقَ الرُّكُوبِ عَلَيْهِ مَجازٌ، وإنَّما هو جُلُوسٌ واسْتِقْرارٌ فَلا يُقالُ: رَكِبَ السَّفِينَةَ، فَأرادُوا التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الرُّكُوبِ الحَقِيقِيِّ والرُّكُوبِ المُشابِهِ لَهُ، وهي تَفْرِقَةٌ حَسَنَةٌ.

والباءُ في بِاسْمِ اللَّهِ لِلْمُلابَسَةِ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ البَسْمَلَةِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ارْكَبُوا أيْ مُلابِسِينَ لِاسْمِ اللَّهِ، وهي مُلابَسَةُ القَوْلِ لِقائِلِهِ، أيْ قائِلِينَ: بِاسْمِ اللَّهِ.

و﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ - بِضَمِّ المِيمَيْنِ فِيهِما - في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وهُما مَصْدَرا أجْرى السَّفِينَةَ إذا جَعَلَها جارِيَةً، أيْ سَيَّرَها بِسُرْعَةٍ، وأرْساها إذا جَعَلَها راسِيَةً أيْ واقِفَةً عَلى الشّاطِئِ. يُقالُ: رَسا إذا ثَبَتَ في المَكانِ.

صفحة ٧٤

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٍ مَجْراها فَقَطْ - بِفَتْحِ المِيمِ - عَلى أنَّهُ مَفْعَلٌ لِلْمَصْدَرِ أوِ الزَّمانِ أوِ المَكانِ. وأمّا (مُرْساها) - فَبِضَمِّ المِيمِ - مِثْلَ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: مَرْساها - بِفَتْحِ المِيمِ - . والعُدُولُ عَنِ الفَتْحِ في مَرْساها في كَلامِ العَرَبِ مَعَ أنَّهُ في القِياسِ مُماثِلُ مَجْراها وجْهُهُ دَفْعُ اللَّبْسِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِاسْمِ المَرْسى الَّذِي هو المَكانُ المُعَدُّ لِرُسُوِّ السُّفُنِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالنِّيابَةِ عَنْ ظَرْفِ الزَّمانِ، أيْ وقْتَ إجْرائِها ووَقْتَ إرْسائِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، وهو رَأْيُ نُحاةِ الكُوفَةِ، وما هو بِبَعِيدٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالرُّكُوبِ المُقَيَّدِ بِالمُلابَسَةِ لِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، فَفي التَّعْلِيلِ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ رَمْزٌ إلى أنَّ اللَّهَ وعَدَهُ بِنَجاتِهِمْ، وذَلِكَ مِن غُفْرانِهِ ورَحْمَتِهِ. وأكَّدَ بِـ إنَّ ولامِ الِابْتِداءِ تَحْقِيقًا لِأتْباعِهِ بِأنَّ اللَّهَ رَحِمَهم بِالإنْجاءِ مِنَ الغَرَقِ.

42

وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍۢ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍۢ يَٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَٰفِرِينَ

And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."

﴿وهْيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ﴾

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ دَعا إلى اعْتِراضِها هُنا ذِكْرُ (مُجْراها) إتْمامًا لِلْفائِدَةِ وصْفًا لِعِظَمِ اليَوْمِ وعَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ - تَعالى - في تَيْسِيرِ نَجاتِهِمْ.

وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِتَقَوِّي الحُكْمِ وتَحْقِيقِهِ.

وعَدَلَ عَنِ الفِعْلِ الماضِي إلى المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩]

والمَوْجُ: ما يَرْتَفِعُ مِنَ الماءِ عَلى سَطْحِهِ عِنْدَ اضْطِرابِهِ، وتَشْبِيهُهُ بِالجِبالِ في ضَخامَتِهِ. وذَلِكَ إمّا لِكَثْرَةِ الرِّياحِ الَّتِي تَعْلُو الماءَ وإمّا لِدَفْعِ دَفَقاتِ الماءِ

صفحة ٧٥

الوارِدَةِ مِنَ السُّيُولِ والتِقاءِ الأوْدِيَةِ الماءَ السّابِقَ لَها، فَإنَّ حادِثَ الطُّوفانِ ما كانَ إلّا عَنْ مِثْلِ زَلازِلَ تَفَجَّرَتْ بِها مِياهُ الأرْضِ وأمْطارٌ جَمَّةٌ تَلْتَقِي سُيُولُها مَعَ مِياهِ العُيُونِ فَتَخْتَلِطُ وتَجْتَمِعُ وتَصُبُّ في الماءِ الَّذِي كانَ قَبْلَها حَتّى عَمَّ الماءُ جَمِيعَ الأرْضِ الَّتِي أرادَ اللَّهُ إغْراقَ أهْلِها، كَما سَيَأْتِي.

* * *

﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يا بُنَيِّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾

عُطِفَتْ جُمْلَةُ (ونادى) عَلى أعْلَقِ الجُمَلِ بِها اتِّصالًا وهي ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١] لِأنَّ نِداءَهُ ابْنَهُ كانَ قَبْلَ جَرَيانِ السَّفِينَةِ في مَوْجٍ كالجِبالِ، إذْ يَتَعَذَّرُ إيقافُها بَعْدَ جَرْيِها لِأنَّ الرّاكِبِينَ كُلُّهم كانُوا مُسْتَقِرِّينَ في جَوْفِ السَّفِينَةِ.

وابْنُ نُوحٍ هَذا هو ابْنٌ رابِعٌ في أبْنائِهِ مِن زَوْجٍ ثانِيَةٍ لِنُوحٍ كانَ اسْمُها واعِلَةَ غَرِقَتْ، وأنَّها المَذْكُورَةُ في آخِرِ سُورَةِ التَّحْرِيمِ. قِيلَ كانَ اسْمُ ابْنِهِ (ياما) وقِيلَ اسْمُهُ (كَنْعانُ) وهو غَيْرُ كَنْعانَ بْنِ حامٍ جَدِّ الكَنْعانِيِّينَ. وقَدْ أهْمَلَتِ التَّوْراةُ المَوْجُودَةُ الآنَ ذِكْرَ هَذا الِابْنِ وقَضِيَّةِ غَرَقِهِ وهَلْ كانَ ذا زَوْجَةٍ أوْ كانَ عَزَبًا.

وجُمْلَةُ ﴿وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ حالٌ مِنِ ابْنِهِ. والمَعْزِلُ: مَكانُ العُزْلَةِ أيِ الِانْفِرادِ، أيْ في مَعْزِلٍ عَنِ المُؤْمِنِينَ إمّا لِأنَّهُ كانَ لَمْ يُؤْمِن بِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ يُصَدِّقْ بِوُقُوعِ الطُّوفانِ، وإمّا لِأنَّهُ ارْتَدَّ فَأنْكَرَ وُقُوعَ الطُّوفانِ فَكَفَرَ بِذَلِكَ لِتَكْذِيبِهِ الرَّسُولَ.

صفحة ٧٦

وجُمْلَةُ ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ نادى وهي إرْشادٌ لَهُ ورِفْقٌ بِهِ.

وأمّا جُمْلَةُ ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ لِإعْلامِهِ بِأنَّ إعْراضَهُ عَنِ الرُّكُوبِ يَجْعَلُهُ في صَفِّ الكُفّارِ إذْ لا يَكُونُ إعْراضُهُ عَنِ الرُّكُوبِ إلّا أثَرًا لِتَكْذِيبِهِ بِوُقُوعِ الطُّوفانِ. فَقَوْلُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ كِنايَةٌ عَنْ دَعْوَتِهِ إلى الإيمانِ بِطَرِيقَةِ العَرْضِ والتَّحْذِيرِ. وقَدْ زادَ ابْنَهُ دَلالَةً عَلى عَدَمِ تَصْدِيقِهِ بِالطُّوفانِ قَوْلُهُ مُتَهَكِّمًا ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾

وبُنَيَّ تَصْغِيرُ (ابْنٍ) مُضافًا إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ. وتَصْغِيرُهُ هُنا تَصْغِيرُ شَفَقَةٍ بِحَيْثُ يُجْعَلُ كالصَّغِيرِ في كَوْنِهِ مَحَلَّ الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ. فَأصْلُهُ بُنَيْو؛ لِأنَّ أصْلَ (ابْنٍ) بَنْو، فَلَمّا …

43

قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍۢ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ

[But] he said, "I will take refuge on a mountain to protect me from the water." [Noah] said, "There is no protector today from the decree of Allah, except for whom He gives mercy." And the waves came between them, and he was among the drowned.

﴿وهْيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ﴾

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ دَعا إلى اعْتِراضِها هُنا ذِكْرُ (مُجْراها) إتْمامًا لِلْفائِدَةِ وصْفًا لِعِظَمِ اليَوْمِ وعَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ - تَعالى - في تَيْسِيرِ نَجاتِهِمْ.

وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِتَقَوِّي الحُكْمِ وتَحْقِيقِهِ.

وعَدَلَ عَنِ الفِعْلِ الماضِي إلى المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩]

والمَوْجُ: ما يَرْتَفِعُ مِنَ الماءِ عَلى سَطْحِهِ عِنْدَ اضْطِرابِهِ، وتَشْبِيهُهُ بِالجِبالِ في ضَخامَتِهِ. وذَلِكَ إمّا لِكَثْرَةِ الرِّياحِ الَّتِي تَعْلُو الماءَ وإمّا لِدَفْعِ دَفَقاتِ الماءِ

صفحة ٧٥

الوارِدَةِ مِنَ السُّيُولِ والتِقاءِ الأوْدِيَةِ الماءَ السّابِقَ لَها، فَإنَّ حادِثَ الطُّوفانِ ما كانَ إلّا عَنْ مِثْلِ زَلازِلَ تَفَجَّرَتْ بِها مِياهُ الأرْضِ وأمْطارٌ جَمَّةٌ تَلْتَقِي سُيُولُها مَعَ مِياهِ العُيُونِ فَتَخْتَلِطُ وتَجْتَمِعُ وتَصُبُّ في الماءِ الَّذِي كانَ قَبْلَها حَتّى عَمَّ الماءُ جَمِيعَ الأرْضِ الَّتِي أرادَ اللَّهُ إغْراقَ أهْلِها، كَما سَيَأْتِي.

* * *

﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يا بُنَيِّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾

عُطِفَتْ جُمْلَةُ (ونادى) عَلى أعْلَقِ الجُمَلِ بِها اتِّصالًا وهي ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١] لِأنَّ نِداءَهُ ابْنَهُ كانَ قَبْلَ جَرَيانِ السَّفِينَةِ في مَوْجٍ كالجِبالِ، إذْ يَتَعَذَّرُ إيقافُها بَعْدَ جَرْيِها لِأنَّ الرّاكِبِينَ كُلُّهم كانُوا مُسْتَقِرِّينَ في جَوْفِ السَّفِينَةِ.

وابْنُ نُوحٍ هَذا هو ابْنٌ رابِعٌ في أبْنائِهِ مِن زَوْجٍ ثانِيَةٍ لِنُوحٍ كانَ اسْمُها واعِلَةَ غَرِقَتْ، وأنَّها المَذْكُورَةُ في آخِرِ سُورَةِ التَّحْرِيمِ. قِيلَ كانَ اسْمُ ابْنِهِ (ياما) وقِيلَ اسْمُهُ (كَنْعانُ) وهو غَيْرُ كَنْعانَ بْنِ حامٍ جَدِّ الكَنْعانِيِّينَ. وقَدْ أهْمَلَتِ التَّوْراةُ المَوْجُودَةُ الآنَ ذِكْرَ هَذا الِابْنِ وقَضِيَّةِ غَرَقِهِ وهَلْ كانَ ذا زَوْجَةٍ أوْ كانَ عَزَبًا.

وجُمْلَةُ ﴿وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ حالٌ مِنِ ابْنِهِ. والمَعْزِلُ: مَكانُ العُزْلَةِ أيِ الِانْفِرادِ، أيْ في مَعْزِلٍ عَنِ المُؤْمِنِينَ إمّا لِأنَّهُ كانَ لَمْ يُؤْمِن بِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ يُصَدِّقْ بِوُقُوعِ الطُّوفانِ، وإمّا لِأنَّهُ ارْتَدَّ فَأنْكَرَ وُقُوعَ الطُّوفانِ فَكَفَرَ بِذَلِكَ لِتَكْذِيبِهِ الرَّسُولَ.

صفحة ٧٦

وجُمْلَةُ ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ نادى وهي إرْشادٌ لَهُ ورِفْقٌ بِهِ.

وأمّا جُمْلَةُ ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ لِإعْلامِهِ بِأنَّ إعْراضَهُ عَنِ الرُّكُوبِ يَجْعَلُهُ في صَفِّ الكُفّارِ إذْ لا يَكُونُ إعْراضُهُ عَنِ الرُّكُوبِ إلّا أثَرًا لِتَكْذِيبِهِ بِوُقُوعِ الطُّوفانِ. فَقَوْلُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ كِنايَةٌ عَنْ دَعْوَتِهِ إلى الإيمانِ بِطَرِيقَةِ العَرْضِ والتَّحْذِيرِ. وقَدْ زادَ ابْنَهُ دَلالَةً عَلى عَدَمِ تَصْدِيقِهِ بِالطُّوفانِ قَوْلُهُ مُتَهَكِّمًا ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾

وبُنَيَّ تَصْغِيرُ (ابْنٍ) مُضافًا إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ. وتَصْغِيرُهُ هُنا تَصْغِيرُ شَفَقَةٍ بِحَيْثُ يُجْعَلُ كالصَّغِيرِ في كَوْنِهِ مَحَلَّ الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ. فَأصْلُهُ بُنَيْو؛ لِأنَّ أصْلَ (ابْنٍ) بَنْو، فَلَمّا …

44

وَقِيلَ يَٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًۭا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And it was said, "O earth, swallow your water, and O sky, withhold [your rain]." And the water subsided, and the matter was accomplished, and the ship came to rest on the [mountain of] Judiyy. And it was said, "Away with the wrongdoing people."

صفحة ٧٨

﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾

لَمّا أفادَ قَوْلُهُ: ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣] وُقُوعَ الغَرَقِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى وجْهِ الإيجازِ كَما عَلِمْتَ انْتَقَلَ الكَلامُ إلى انْتِهاءِ الطُّوفانِ.

وبِناءُ فِعْلِ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ هُنا اخْتِصارٌ لِظُهُورِ فاعِلِ القَوْلِ؛ لِأنَّ مِثْلَهُ لا يَصْدُرُ إلّا مِنَ اللَّهِ. والقَوْلُ هُنا أمْرُ التَّكْوِينِ. وخِطابُ الأرْضِ والسَّماءِ بِطَرِيقَةِ النِّداءِ وبِالأمْرِ اسْتِعارَةٌ لِتَعَلُّقِ أمْرِ التَّكْوِينِ بِكَيْفِيّاتِ أفْعالٍ في ذاتَيْهِما وانْفِعالِهِما بِذَلِكَ كَما يُخاطَبُ العاقِلُ بِعَمَلٍ يَعْمَلُهُ فَيَقْبَلُهُ امْتِثالًا وخَشْيَةً. فالِاسْتِعارَةُ هُنا في حَرْفِ النِّداءِ وهي تَبَعِيَّةٌ.

والبَلْعُ: حَقِيقَتُهُ اجْتِيازُ الطَّعامِ والشَّرابِ إلى الحَلْقِ بِدُونِ اسْتِقْرارٍ في الفَمِ. وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِإدْخالِ الشَّيْءِ في باطِنِ شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ، ومَعْنى بَلْعِ الأرْضِ ماءَها دُخُولُهُ في باطِنِها بِسُرْعَةٍ كَسُرْعَةِ ازْدِرادِ البالِعِ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ جَفافُ الأرْضِ بِحَرارَةِ شَمْسٍ أوْ رِياحٍ بَلْ كانَ بِعَمَلٍ أرْضِيٍّ عاجِلٍ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِإحْداثِ اللَّهِ زَلازِلَ وخَسْفًا انْشَقَّتْ بِهِ طَبَقَةُ الأرْضِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ حَتّى غارَتِ المِياهُ الَّتِي كانَتْ عَلى سَطْحِ الأرْضِ.

وإضافَةُ الماءِ إلى الأرْضِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ لِكَوْنِهِ عَلى وجْهِها.

وإقْلاعُ السَّماءِ مُسْتَعارٌ لِكَفِّ نُزُولِ المَطَرِ مِنها لِأنَّهُ إذا كَفَّ نُزُولُ المَطَرِ لَمْ يُخَلِّفِ الماءَ الَّذِي غارَ في الأرْضِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ الأمْرَ بِالبَلْعِ لِأنَّهُ السَّبَبُ الأعْظَمُ لِغَيْضِ الماءِ.

وفِي قِرانِ الأرْضِ والسَّماءِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ، وفي مُقابَلَةِ ابْلَعِي بِـ أقْلِعِي مُحَسِّنُ الجِناسِ.

صفحة ٧٩

﴿وغِيضَ الماءُ﴾ مُغْنٍ عَنِ التَّعَرُّضِ إلى كَوْنِ السَّماءِ أقْلَعَتْ والأرْضِ بَلَعَتْ، وبُنِيَ فِعْلُ غِيضَ الماءُ لِلنّائِبِ لِمِثْلِ ما بُنِيَ فُعِلَ وقِيلَ بِاعْتِبارِ سَبَبِ الغَيْضِ، أوْ لِأنَّهُ لا فاعِلَ لَهُ حَقِيقَةً لِأنَّ حُصُولَهُ مُسَبَّبٌ عَنْ سَبَبٍ والغَيْضُ: نُضُوبُهُ في الأرْضِ. والمُرادُ: الماءُ الَّذِي نَشَأ بِالطُّوفانِ زائِدًا عَلى بِحارِ الأرْضِ وأوْدِيَتِها. وقَضاءُ الأمْرِ: إتْمامُهُ. وبِناءُ الفِعْلِ لِلنّائِبِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ فاعِلَهُ لَيْسَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى.

والِاسْتِواءُ: الِاسْتِقْرارُ.

والجُودِيُّ: اسْمُ جَبَلٍ بَيْنَ العِراقِ وأرْمِينا، يُقالُ لَهُ اليَوْمَ (أراراطُ) . وحِكْمَةُ إرْسائِها عَلى جَبَلٍ أنَّ جانِبَ الجَبَلِ أمْكَنُ لِاسْتِقْرارِ السَّفِينَةِ عِنْدَ نُزُولِ الرّاكِبِينَ لِأنَّها تَخِفُّ عِنْدَما يَنْزِلُ مُعْظَمُهم فَإذا مالَتِ اسْتَنَدَتْ إلى جانِبِ الجَبَلِ.

و(بُعْدًا) مَصْدَرُ (بَعُدَ) عَلى مِثالِ كَرُمَ وفَرِحَ، مَنصُوبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ. وهو نائِبٌ عَنِ الفِعْلِ كَما هو الِاسْتِعْمالُ في مَقامِ الدُّعاءِ ونَحْوِهِ، كالمَدْحِ والذَّمِّ مِثْلَ: تَبًّا لَهُ، وسُحْقًا، وسُقْيًا، ورَعْيًا، وشُكْرًا. والبُعْدُ كِنايَةٌ عَنِ التَّحْقِيرِ بِلازِمِ كَراهِيَةِ الشَّيْءِ، فَلِذَلِكَ يُقالُ: بَعُدَ أوْ نَحْوُهُ لِمَن فُقِدَ، إذا كانَ مَكْرُوهًا كَما هُنا. ويُقالُ نَفْيُ البُعْدِ لِلْمَرْغُوبِ فِيهِ وإنْ كانَ قَدْ بَعُدَ، فَيُقالُ لِلْمَيِّتِ العَزِيزِ كَما قالَ مالِكُ بْنُ الرَّيْبِ:

يَقُولُونَ لا تَبْعُدْ وهم يَدْفِنُونِي وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا …

45

وَنَادَىٰ نُوحٌۭ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَٰكِمِينَ

And Noah called to his Lord and said, "My Lord, indeed my son is of my family; and indeed, Your promise is true; and You are the most just of judges!"

﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلَنِّ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّيَ أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّيَ أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

مَوْقِعُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ نِداءَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا كانَ بَعْدَ اسْتِواءِ السَّفِينَةِ عَلى الجُودِيِّ نِداءً دَعاهُ إلَيْهِ داعِيَ الشَّفَقَةِ فَأرادَ بِهِ نَفْعَ ابْنِهِ في الآخِرَةِ بَعْدَ اليَأْسِ مِن نَجاتِهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ أنَّهُ لا نَجاةَ إلّا لِلَّذِينَ يَرْكَبُونَ السَّفِينَةَ، ولِأنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَعا ابْنَهُ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فَأبى وجَرَتِ السَّفِينَةُ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا وسِيلَةَ إلى نَجاتِهِ فَكَيْفَ يَسْألُها مِنَ اللَّهِ فَتَعَيَّنَ أنَّهُ سَألَ لَهُ المَغْفِرَةَ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ كَما سَيَأْتِي.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُعاءُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا وقَعَ قَبْلَ غَرَقِ النّاسِ، أيْ نادى رَبَّهُ أنْ يُنَجِّيَ ابْنَهُ مِنَ الغَرَقِ.

صفحة ٨٤

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ غَرَقِ مَن غَرِقُوا، أيْ نادى رَبَّهُ أنْ يَغْفِرَ لِابْنِهِ وأنْ لا يُعامِلَهُ مُعامَلَةَ الكافِرِينَ في الآخِرَةِ.

والنِّداءُ هَنا نِداءُ دُعاءٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ودَعا نُوحٌ رَبَّهُ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَصْدُرُ بِالنِّداءِ غالِبًا، والتَّعْبِيرُ عَنِ الجَلالَةِ بِوَصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَشْرِيفٌ لِنُوحٍ وإيماءٌ إلى رَأْفَةِ اللَّهِ بِهِ وأنَّ نَهْيَهُ الوارِدَ بَعْدَهُ نَهْيُ عِتابٍ.

وجُمْلَةُ ﴿فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ بَيانٌ لِلنِّداءِ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ لا تُعْطَفَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ كَما لَمْ يُعْطَفِ البَيانُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]، وخُولِفَ ذَلِكَ هُنا. ووَجَّهَ في الكَشّافِ اقْتِرانَهُ بِالفاءِ بِأنَّ فِعْلَ (نادى) مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةِ النِّداءِ، أيْ مِثْلَ فِعْلِ (قُمْتُمْ) في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ إخْراجٌ لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ فَإنَّ وُجُودَ الفاءِ في الجُمْلَةِ الَّتِي هي بَيانٌ لِلنِّداءِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ فِعْلَ نادى مُسْتَعارٌ لِمَعْنى إرادَةِ النِّداءِ، أيْ أرادَ نِداءَ رَبِّهِ فَأعْقَبَ إرادَتَهُ بِإصْدارِ النِّداءِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ أرادَ النِّداءَ فَتَرَدَّدَ في الإقْدامِ عَلَيْهِ لِما عَلِمَ مِن قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٧] فَلَمْ يَطُلْ تَرَدُّدُهُ لَمّا غَلَبَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلى ابْنِهِ فَأقْدَمَ عَلى نِداءِ رَبِّهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ الِاعْتِذارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ . فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِاعْتِذارِ والتَّمْهِيدِ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَسْألَ سُؤالًا لا يَدْرِي قَبُولَهُ ولَكِنَّهُ اقْتَحَمَهُ لِأنَّ المَسْئُولَ لَهُ مِن أهْلِهِ فَلَهُ عُذْرُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.

وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ. وهو أنَّهُ …

46

قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَٰلِحٍۢ ۖ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۖ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

He said, "O Noah, indeed he is not of your family; indeed, he is [one whose] work was other than righteous, so ask Me not for that about which you have no knowledge. Indeed, I advise you, lest you be among the ignorant."

﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلَنِّ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّيَ أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّيَ أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

مَوْقِعُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ نِداءَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا كانَ بَعْدَ اسْتِواءِ السَّفِينَةِ عَلى الجُودِيِّ نِداءً دَعاهُ إلَيْهِ داعِيَ الشَّفَقَةِ فَأرادَ بِهِ نَفْعَ ابْنِهِ في الآخِرَةِ بَعْدَ اليَأْسِ مِن نَجاتِهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ أنَّهُ لا نَجاةَ إلّا لِلَّذِينَ يَرْكَبُونَ السَّفِينَةَ، ولِأنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَعا ابْنَهُ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فَأبى وجَرَتِ السَّفِينَةُ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا وسِيلَةَ إلى نَجاتِهِ فَكَيْفَ يَسْألُها مِنَ اللَّهِ فَتَعَيَّنَ أنَّهُ سَألَ لَهُ المَغْفِرَةَ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ كَما سَيَأْتِي.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُعاءُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا وقَعَ قَبْلَ غَرَقِ النّاسِ، أيْ نادى رَبَّهُ أنْ يُنَجِّيَ ابْنَهُ مِنَ الغَرَقِ.

صفحة ٨٤

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ غَرَقِ مَن غَرِقُوا، أيْ نادى رَبَّهُ أنْ يَغْفِرَ لِابْنِهِ وأنْ لا يُعامِلَهُ مُعامَلَةَ الكافِرِينَ في الآخِرَةِ.

والنِّداءُ هَنا نِداءُ دُعاءٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ودَعا نُوحٌ رَبَّهُ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَصْدُرُ بِالنِّداءِ غالِبًا، والتَّعْبِيرُ عَنِ الجَلالَةِ بِوَصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَشْرِيفٌ لِنُوحٍ وإيماءٌ إلى رَأْفَةِ اللَّهِ بِهِ وأنَّ نَهْيَهُ الوارِدَ بَعْدَهُ نَهْيُ عِتابٍ.

وجُمْلَةُ ﴿فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ بَيانٌ لِلنِّداءِ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ لا تُعْطَفَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ كَما لَمْ يُعْطَفِ البَيانُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]، وخُولِفَ ذَلِكَ هُنا. ووَجَّهَ في الكَشّافِ اقْتِرانَهُ بِالفاءِ بِأنَّ فِعْلَ (نادى) مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةِ النِّداءِ، أيْ مِثْلَ فِعْلِ (قُمْتُمْ) في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ إخْراجٌ لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ فَإنَّ وُجُودَ الفاءِ في الجُمْلَةِ الَّتِي هي بَيانٌ لِلنِّداءِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ فِعْلَ نادى مُسْتَعارٌ لِمَعْنى إرادَةِ النِّداءِ، أيْ أرادَ نِداءَ رَبِّهِ فَأعْقَبَ إرادَتَهُ بِإصْدارِ النِّداءِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ أرادَ النِّداءَ فَتَرَدَّدَ في الإقْدامِ عَلَيْهِ لِما عَلِمَ مِن قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٧] فَلَمْ يَطُلْ تَرَدُّدُهُ لَمّا غَلَبَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلى ابْنِهِ فَأقْدَمَ عَلى نِداءِ رَبِّهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ الِاعْتِذارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ . فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِاعْتِذارِ والتَّمْهِيدِ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَسْألَ سُؤالًا لا يَدْرِي قَبُولَهُ ولَكِنَّهُ اقْتَحَمَهُ لِأنَّ المَسْئُولَ لَهُ مِن أهْلِهِ فَلَهُ عُذْرُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.

وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ. وهو أنَّهُ …

47

قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌۭ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

[Noah] said, "My Lord, I seek refuge in You from asking that of which I have no knowledge. And unless You forgive me and have mercy upon me, I will be among the losers."

﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلَنِّ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّيَ أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّيَ أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

مَوْقِعُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ نِداءَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا كانَ بَعْدَ اسْتِواءِ السَّفِينَةِ عَلى الجُودِيِّ نِداءً دَعاهُ إلَيْهِ داعِيَ الشَّفَقَةِ فَأرادَ بِهِ نَفْعَ ابْنِهِ في الآخِرَةِ بَعْدَ اليَأْسِ مِن نَجاتِهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ أنَّهُ لا نَجاةَ إلّا لِلَّذِينَ يَرْكَبُونَ السَّفِينَةَ، ولِأنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَعا ابْنَهُ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فَأبى وجَرَتِ السَّفِينَةُ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا وسِيلَةَ إلى نَجاتِهِ فَكَيْفَ يَسْألُها مِنَ اللَّهِ فَتَعَيَّنَ أنَّهُ سَألَ لَهُ المَغْفِرَةَ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ كَما سَيَأْتِي.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُعاءُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا وقَعَ قَبْلَ غَرَقِ النّاسِ، أيْ نادى رَبَّهُ أنْ يُنَجِّيَ ابْنَهُ مِنَ الغَرَقِ.

صفحة ٨٤

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ غَرَقِ مَن غَرِقُوا، أيْ نادى رَبَّهُ أنْ يَغْفِرَ لِابْنِهِ وأنْ لا يُعامِلَهُ مُعامَلَةَ الكافِرِينَ في الآخِرَةِ.

والنِّداءُ هَنا نِداءُ دُعاءٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ودَعا نُوحٌ رَبَّهُ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَصْدُرُ بِالنِّداءِ غالِبًا، والتَّعْبِيرُ عَنِ الجَلالَةِ بِوَصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَشْرِيفٌ لِنُوحٍ وإيماءٌ إلى رَأْفَةِ اللَّهِ بِهِ وأنَّ نَهْيَهُ الوارِدَ بَعْدَهُ نَهْيُ عِتابٍ.

وجُمْلَةُ ﴿فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ بَيانٌ لِلنِّداءِ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ لا تُعْطَفَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ كَما لَمْ يُعْطَفِ البَيانُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]، وخُولِفَ ذَلِكَ هُنا. ووَجَّهَ في الكَشّافِ اقْتِرانَهُ بِالفاءِ بِأنَّ فِعْلَ (نادى) مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةِ النِّداءِ، أيْ مِثْلَ فِعْلِ (قُمْتُمْ) في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ إخْراجٌ لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ فَإنَّ وُجُودَ الفاءِ في الجُمْلَةِ الَّتِي هي بَيانٌ لِلنِّداءِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ فِعْلَ نادى مُسْتَعارٌ لِمَعْنى إرادَةِ النِّداءِ، أيْ أرادَ نِداءَ رَبِّهِ فَأعْقَبَ إرادَتَهُ بِإصْدارِ النِّداءِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ أرادَ النِّداءَ فَتَرَدَّدَ في الإقْدامِ عَلَيْهِ لِما عَلِمَ مِن قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٧] فَلَمْ يَطُلْ تَرَدُّدُهُ لَمّا غَلَبَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلى ابْنِهِ فَأقْدَمَ عَلى نِداءِ رَبِّهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ الِاعْتِذارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ . فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِاعْتِذارِ والتَّمْهِيدِ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَسْألَ سُؤالًا لا يَدْرِي قَبُولَهُ ولَكِنَّهُ اقْتَحَمَهُ لِأنَّ المَسْئُولَ لَهُ مِن أهْلِهِ فَلَهُ عُذْرُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.

وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ. وهو أنَّهُ …

48

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَٰمٍۢ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌۭ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

It was said, "O Noah, disembark in security from Us and blessings upon you and upon nations [descending] from those with you. But other nations [of them] We will grant enjoyment; then there will touch them from Us a painful punishment."

﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾

فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ لِوُقُوعِها في سِياقِ المُحاوَرَةِ بَيْنَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَبِّهُ، فَإنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] إلى آخِرِهِ خاطَبَهُ رَبُّهُ إتْمامًا لِلْمُحاوَرَةِ بِما يُسَكِّنُ جَأْشَهُ.

وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: قالَ يا نُوحُ اهْبِطْ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى بِناءِ الفِعْلِ لِلنّائِبِ لِيَجِيءَ عَلى وتِيرَةِ حِكايَةِ أجْزاءِ القِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي﴾ [هود: ٤٤] . . . ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] فَحَصَلَ بِذَلِكَ البِناءِ قَضاءُ حَقِّ الإشارَةِ إلى جُزْءِ القِصَّةِ، كَما حَصَلَ بِالفَصْلِ قَضاءُ حَقِّ الإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ جُزْءُ المُحاوَرَةِ.

صفحة ٨٩

ونِداءُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلتَّنْوِيهِ بِهِ بَيْنَ المَلَأِ.

والهُبُوطُ: النُّزُولُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ: النُّزُولُ مِنَ السَّفِينَةِ لِأنَّها كانَتْ أعْلى مِنَ الأرْضِ.

والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ، وهو مِمّا يُخاطَبُ بِها عِنْدَ الوَداعِ أيْضًا، يَقُولُونَ: اذْهَبْ بِسَلامٍ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:

إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمِ السَّلامِ عَلَيْكُما

وخِطابُهُ بِالسَّلامِ حِينَئِذٍ إيماءٌ إلى أنَّهُ كانَ في ضِيافَةِ اللَّهِ - تَعالى - لِأنَّهُ كانَ كافِلًا لَهُ النَّجاةَ، كَما قالَ - تَعالى: ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القمر: ١٤]

وأصْلُ السَّلامِ السَّلامَةُ، فاسْتُعْمِلَ عِنْدَ اللِّقاءِ إيذانًا بِتَأْمِينِ المَرْءِ مُلاقِيَهُ وأنَّهُ لا يُضْمِرُ لَهُ سُوءًا، ثُمَّ شاعَ فَصارَ قَوْلًا عِنْدَ اللِّقاءِ لِلْإكْرامِ. وبِذَلِكَ نَهى النَّبِيُّ ﷺ الَّذِينَ قالُوا: السَّلامُ عَلى اللَّهِ، فَقَوْلُهُ هُنا ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] فَإنَّ السَّلامَ ظاهِرٌ في التَّحِيَّةِ لِتَقْيِيدِهِ بِـ (آمِنِينَ) . ولَوْ كانَ السَّلامُ مُرادًا بِهِ السَّلامَةُ لَكانَ التَّقْيِيدُ بِـ (آمَنِينَ) تَوْكِيدًا وهو خِلافُ الأصْلِ.

و(مِنّا) تَأْكِيدٌ لِتَوْجِيهِ السَّلامِ إلَيْهِ لِأنَّ (مِنِ) ابْتِدائِيَّةٌ، فالمَعْنى: بِسَلامٍ ناشِئٍ مِن عِنْدِنا، كَقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] . وذَلِكَ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ. وهَذا التَّأْكِيدُ يُرادُ بِهِ زِيادَةُ الصِّلَةِ والإكْرامِ فَهو أشَدُّ مُبالَغَةً مِنَ الَّذِي لا تُذْكَرُ مَعَهُ (مِن) .

والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيِ اهْبِطْ مَصْحُوبًا بِسَلامٍ مِنّا. ومُصاحَبَةُ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ مُصاحِبَةٌ مَجازِيَّةٌ.

صفحة ٩٠

والبَرَكاتُ: الخَيْراتُ النّامِيَةُ، واحِدَتُها بَرَكَةٌ، وهي مِن كَلِماتِ التَّحِيَّةِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الدُّعاءِ.

ولَمّا كانَ الدّاعُونَ بِلَفْظِ التَّحِيَّةِ إنَّما يَسْألُونَ اللَّهَ بِدُعاءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَصُدُورُ هَذا الدُّعاءِ مِن لَدُنْهِ قائِمٌ مَقامَ إجابَةِ الدُّعاءِ فَهو إفاضَةُ بَرَكاتٍ عَلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ، فَحَصَلَ بِذَلِكَ تَكْرِيمُهم وتَأْمِينُهم والإنْعامُ عَلَيْهِمْ.

و(عَلَيْكَ) يَتَعَلَّقُ (بِسَلامٍ) و(بَرَكاتٍ) وكَذَلِكَ ﴿وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾

والأُمَمُ: جَمْعُ أُمَّةٍ. والأُمَّةُ: الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ مِنَ …

49

تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muhammad]. You knew it not, neither you nor your people, before this. So be patient; indeed, the [best] outcome is for the righteous.

صفحة ٩٢

﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ أُرِيدَ مِنهُ الِامْتِنانُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ والمَوْعِظَةُ والتَّسْلِيَةُ.

فالِامْتِنانُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها﴾

والمَوْعِظَةُ مِن قَوْلِهِ: فاصْبِرْ إلَخْ.

والتَّسْلِيَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾

والإشارَةُ بِـ (تِلْكَ) إلى ما تَقَدَّمَ مِن خَبَرِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ بِتَأْوِيلِ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ القِصَّةُ.

والأنْباءُ: جَمْعُ نَبَأٍ، وهو الخَبَرُ. وأنْباءُ الغَيْبِ الأخْبارُ المُغَيَّبَةُ عَنِ النّاسِ أوْ عَنْ فَرِيقٍ مِنهم. فَهَذِهِ الأنْباءُ مُغَيَّبَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى العَرَبِ كُلِّهِمْ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِأكْثَرَ مِن مُجْمَلاتِها، وهي أنَّهُ قَدْ كانَ في الزَّمَنِ الغابِرِ نَبِيٌّ يُقالُ لَهُ: نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أصابَ قَوْمَهُ طُوفانٌ، وما عَدا ذَلِكَ فَهو غَيْبٌ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا﴾، فَإنَّهم لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ ولَمْ يَدَّعُوا عِلْمَهُ. عَلى أنَّ فِيها ما هو غَيْبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ الأُمَمِ مِثْلَ قِصَّةِ ابْنِ نُوحٍ الرّابِعِ وعِصْيانِهِ أباهُ وإصابَتِهِ بِالغَرَقِ، ومِثْلَ كَلامِ الرَّبِّ مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ هُبُوطِهِ مِنَ السَّفِينَةِ، ومِثْلَ سُخْرِيَةِ قَوْمِهِ بِهِ وهو يَصْنَعُ الفُلْكَ، وما دارَ بَيْنَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ مِنَ المُحاوَرَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمّا لَمْ يُذْكَرْ في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ.

وجُمَلُ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ ونُوحِيها و﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها﴾ أخْبارٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، أوْ بَعْضُها خَبَرٌ وبَعْضُها حالٌ. وضَمِيرُ أنْتَ تَصْرِيحٌ بِالضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: تَعْلَمُها لِتَصْحِيحِ العَطْفِ عَلَيْهِ.

صفحة ٩٣

وعَطْفُ ﴿ولا قَوْمُكَ﴾ مِنَ التَّرَقِّي؛ لِأنَّ في قَوْمِهِ مَن خالَطَ أهْلَ الكِتابِ ومَن كانَ يَقْرَأُ ويَكْتُبُ ولا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنهم كَثِيرًا مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ إمّا إلى القُرْآنِ، وإمّا إلى الوَقْتِ بِاعْتِبارِ ما في هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى ما ذُكِرَ في أمْثالِها مِمّا تَقَدَّمَ نُزُولُهُ عَلَيْها، وإمّا إلى تِلْكَ بِتَأْوِيلِ النَّبَأِ، فَيَكُونُ التَّذْكِيرُ بَعْدَ التَّأْنِيثِ شَبِيهًا بِالِالتِفاتِ.

ووَجْهُ تَفْرِيعِ أمْرِ الرَّسُولِ بِالصَّبْرِ عَلى هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ فِيها قِياسَ حالِهِ مَعَ قَوْمِهِ عَلى حالِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ، فَكَما صَبَرَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكانَتِ العاقِبَةُ لَهُ كَذَلِكَ تَكُونُ العاقِبَةُ لَكَ عَلى قَوْمِكَ. وخَبَرُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُسْتَفادٌ مِمّا حُكِيَ مِن مُقاوَمَةِ قَوْمِهِ ومِن ثَباتِهِ عَلى دَعْوَتِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الثَّباتَ مَعَ تِلْكَ المُقاوَمَةِ مِن مُسَمّى الصَّبْرِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ عِلَّةٌ لِلصَّبْرِ المَأْمُورِ بِهِ، أيِ اصْبِرْ لِأنَّ داعِيَ الصَّبْرِ قائِمٌ وهو أنَّ العاقِبَةَ الحَسَنَةَ تَكُونُ لِلْمُتَّقِينَ، فَسَتَكُونُ لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ مَعَكَ.

والعاقِبَةُ: الحالَةُ الَّتِي تَعْقُبُ حالَةً أُخْرى. وقَدْ شاعَتْ عِنْدَ الإطْلاقِ في حالَةِ الخَيْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢]

والتَّعْرِيفُ في العاقِبَةِ لِلْجِنْسِ.

واللّامُ في لِلْمُتَّقِينَ لِلِاخْتِصاصِ والمِلْكِ، …

50

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۚ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ

And to 'Aad [We sent] their brother Hud. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. You are not but inventors [of falsehood].

صفحة ٩٤

﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِيَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، فَعَطَفَ و(إلى عادٍ) عَلى (إلى قَوْمِهِ) . وعَطَفَ (أخاهم) عَلى (نُوحًا)، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا. وهو مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَطْفَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ لا مِن عَطْفِ الجُمَلِ لِأنَّ الجارَّ لا بُدَّ لَهُ مِن مُتَعَلِّقٍ، وقَضاءً لِحَقِّ الإيجازِ لِيُحْضَرَ ذِكْرُ عادٍ مَرَّتَيْنِ بِلَفْظِهِ ثُمَّ بِضَمِيرِهِ.

ووَصْفُ هُودٍ بِأنَّهُ أخُو عادٍ لِأنَّهُ كانَ مِن نَسَبِهِمْ كَما يُقالُ: يا أخا العَرَبِ، أيْ يا عَرَبِيُّ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ وهُودٍ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ (قالَ) مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ المُقَدَّرَةِ وهي (أرْسَلْنا)

ووَجْهُ التَّصْرِيحِ بِفِعْلِ القَوْلِ لِأنَّ فِعْلَ (أرْسَلْنا) مَحْذُوفٌ، فَلَوْ بُيِّنَ بِجُمْلَةِ ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا﴾ كَما بُيِّنَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] لَكانَ بَيانًا لِمَعْدُومٍ وهو غَيْرُ جَلِيٍّ.

وافْتِتاحُ دَعْوَتِهِ بِنِداءِ قَوْمِهِ لِاسْتِرْعاءِ أسْماعِهِمْ إشارَةٌ إلى أهَمِّيَّةِ ما سَيُلْقِي إلَيْهِمْ.

صفحة ٩٥

وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ اعْبُدُوا أوْ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ. والإتْيانُ بِالحالِ لِاستِقْصادِ إبْطالِ شِرْكِهِمْ بِأنَّهم أشْرَكُوا غَيْرَهُ في عِبادَتِهِ في حالِ أنَّهم لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ، أوْ في حالِ أنَّهُ لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ. وذَلِكَ تَشْنِيعٌ لِلشِّرْكِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ تَوْبِيخٌ وإنْكارٌ. فَهي بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾، أيْ ما أنْتُمْ إلّا كاذِبُونَ في ادِّعاءِ إلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى.

وجُمْلَةُ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ إنْ كانَ قالَها مَعَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها فَإعادَةُ النِّداءِ في أثْناءِ الكَلامِ تَكْرِيرٌ لِلْأهَمِّيَّةِ يُقْصَدُ بِهِ تَهْوِيلُ الأمْرِ واسْتِرْعاءُ السَّمْعِ اهْتِمامًا بِما يَسْتَسْمِعُونَهُ، والنِّداءُ هو الرّابِطُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ وإنْ كانَتْ مَقُولَةً في وقْتٍ غَيْرِ الَّذِي قِيلَتْ فِيهِ الجُمْلَةُ الأُولى، فَكَوْنُها ابْتِداءَ كَلامٍ ظاهِرٌ.

وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أيْ لا أسْألُكم أجْرًا عَلى ما قُلْتُهُ لَكم.

والتَّعْبِيرُ بِالمَوْصُولِ ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ أنَّهُ لا يَسْألُهم عَلى الإرْشادِ أجْرًا بِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي خَلَقَهُ يَسُوقُ إلَيْهِ رِزْقَهُ؛ لِأنَّ إظْهارَ المُتَكَلِّمِ عِلْمَهُ بِالأسْبابِ يُكْسِبُ كَلامَهُ عَلى المُسَبِّباتِ قُوَّةً وتَحْقِيقًا.

ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عاطِفَةً اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَنْ عَدَمِ تَعَقُّلِهِمْ، أيْ تَأمُّلِهِمْ في دَلالَةِ حالِهِ عَلى صِدْقِهِ فِيما يُبَلِّغُ ونُصْحِهِ لَهم فِيما يَأْمُرُهم. والعَقْلُ: العِلْمُ.

وعَطْفُ جُمْلَةِ (ويا قَوْمِ) مِثْلَ نَظِيرِها في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.