Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 31–40 of 123

31

وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌۭ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allah or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel, nor do I say of those upon whom your eyes look down that Allah will never grant them any good. Allah is most knowing of what is within their souls. Indeed, I would then be among the wrongdoers."

﴿وَلا أقُولُ لَكُمْ﴾ حِينَ أدَّعِي النُّبُوَّةَ ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيْ: رِزْقُهُ وأمْوالُهُ حَتّى تَسْتَدِلُّوا بِعَدَمِها عَلى كَذِبِي بِقَوْلِكُمْ: "وَما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ" فَإنَّ النُّبُوَّةَ أعَزُّ مِن أنْ تُنالَ بِأسْبابٍ دُنْيَوِيَّةٍ، ودَعَواها بِمَعْزِلٍ عَنِ ادِّعاءِ المالِ والجاهِ ﴿وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ أيْ: لا أدَّعِي في قَوْلِي "إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ"، "إنّى أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ" عِلْمَ الغَيْبِ حَتّى تُسارِعُوا إلى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ ﴿وَلا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ حَتّى تَقُولُوا: ﴿ (ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا)﴾ فَإنَّ البَشَرِيَّةَ لَيْسَتْ مِن مَوانِعِ النُّبُوَّةِ، بَلْ مِن مَبادِئِها، يَعْنِي أنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ فُقْدانَ هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ ذَرِيعَةً إلى تَكْذِيبِي، والحالُ أنِّي لا أدَّعِي شَيْئًا مِن ذَلِكَ، ولا الَّذِي أدَّعِيهِ يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنها، وإنَّما يَتَعَلَّقُ بِالفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي بِها تَتَفاوَتُ مَقادِيرُ البَشَرِ ﴿وَلا أقُولُ﴾ مُساعَدَةً لَكم كَما تَقُولُونَ ﴿لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكُمْ﴾ أيْ: تَقْتَحِمُهم وتَحْتَقِرُهُمْ، مِن (زَراهُ إذا عابَهُ) وإسْنادُ الِازْدِراءِ إلى أعْيُنِهِمْ بِالنَّظَرِ إلى قَوْلِهِمْ "وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا" إمّا لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ، ولَوْ تَدَبَّرُوا في شَأْنِهِمْ ما فَعَلُوا ذَلِكَ، أيْ: لا أقُولُ في شَأْنِ الَّذِينَ اسْتَرْذَلْتُمُوهم لِفَقْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، فَعَسى اللَّهُ أنَّ يُؤْتِيَهم خَيْرَيِ الدّارَيْنِ.

إنْ قُلْتَ: هَذا القَوْلُ لَيْسَ مِمّا تَسْتَنْكِرُهُ الكَفَرَةُ، ولا مِمّا يَتَوَهَّمُونَ صُدُورَهُ عَنْهُ ﷺ أصالَةً أوِ اسْتِتْباعًا كادِّعاءِ المَلَكِيَّةِ وعِلْمِ الغَيْبِ وحِيازَةِ الخَزائِنِ مِمّا نَفاهُ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّؤِ والتَّنَزُّهِ عَنْهُ - فَمِن أيِّ وجْهٍ عُطِفَ نَفْيُهُ عَلى نَفْيِها؟ قُلْتُ: مِن جِهَةِ أنَّ كِلا النَّفْيَيْنِ رَدٌّ لِقِياسِهِمُ الباطِلِ الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ فِيما سَلَفَ، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ النُّبُوَّةَ تَسْتَتْبِعُ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ، وأنَّها لا تَتَسَنّى مِمَّنْ لَيْسَ عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ، فَإنَّ العُثُورَ عَلى مَكانِها واغْتِنامَ مَغانِهِما لَيْسَ مِن دَأْبِ الأراذِلِ، فَأجابَ ﷺ بِنَفْيِ ذَلِكَ جَمِيعًا، فَكَأنَّهُ قالَ: لا أقُولُ: وُجُودُ تِلْكَ الأشْياءِ مِن مَواجِبِ النُّبُوَّةِ ولا عَدَمُ المالِ والجاهِ مِن مَوانِعِ الخَيْرِ.

﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ الإيمانِ، وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى نَفْيِ القَوْلِ المَذْكُورِ مَعَ أنَّهُ ﷺ جازِمٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ سَيُؤْتِيهِمْ خَيْرًا عَظِيمًا في الدّارَيْنِ، وأنَّهم عَلى يَقِينٍ راسِخٍ في الإيمانِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الإنْصافِ مَعَ القَوْمِ، واكْتِفاءً بِمُخالَفَةِ كَلامِهِمْ، وإرْشادًا لَهم إلى مَسْلَكِ الهِدايَةِ بِأنَّ اللّائِقَ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ لا يَبُتَّ القَوْلَ إلّا فِيما يَعْلَمُهُ يَقِينًا، ويَبْنِي أُمُورَهُ عَلى الشَّواهِدِ الظّاهِرَةِ، ولا يُجازِفُ فِيما لَيْسَ فِيهِ عَلى بَيِّنَةٍ ظاهِرَةٍ.

﴿إنِّي إذًا﴾ أيْ: إذا قُلْتُ ذَلِكَ ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ لَهم بِحَطِّ مَرْتَبَتِهِمْ ونَقْصِ حُقُوقِهِمْ، أوْ مِنَ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، فَإنَّ وبالَهُ راجِعٌ إلى أنْفُسِهِمْ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم ظالِمُونَ في ازْدِرائِهِمْ واسْتِرْذالِهِمْ، وقِيلَ: إذا قُلْتُ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ …

32

قَالُوا۟ يَٰنُوحُ قَدْ جَٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

They said, "O Noah, you have disputed us and been frequent in dispute of us. So bring us what you threaten us, if you should be of the truthful."

﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ خاصَمَتْنا ﴿فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ أيْ: أطَلْتَهُ، أوْ أتَيْتَهُ بِأنْواعِهِ، فَإنَّ إكْثارَ الجِدالِ يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُقُوعِ أصْلِهِ، فَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالفاءِ، أوْ أرَدْتَ ذَلِكَ فَأكْثَرْتَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القرآن فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ ولَمّا حَجَّهم ﷺ وأبْرَزَ لَهم بَيِّناتٍ واضِحَةَ المَدْلُولِ وحُجَجًا تَتَلَقّاها العُقُولُ بِالقَبُولِ، وألْقَمَهُمُ الحَجَرَ بِرَدِّ شُبَهِهِمُ الباطِلَةِ ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ، وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ، وقالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: "إنّى أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ" عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا يَكُونَ المُرادُ بِـ"اليَوْمَ": يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما تَقُولُ.

33

قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

He said, "Allah will only bring it to you if He wills, and you will not cause [Him] failure.

﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَوْكُولًا إلَيَّ، ولا هو مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِي، وإنَّما يَتَوَلّاهُ اللَّهُ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ وعَصَيْتُمُوهُ يَأْتِيكم بِهِ عاجِلًا أوْ آجِلًا، إنْ تَعَلَّقَ بِهِ مَشِيئَتُهُ التّابِعَةُ لِلْحِكْمَةِ، وفِيهِ ما لا يَخْفي مِن تَهْوِيلِ المَوْعُودِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الإتْيانُ بِهِ أمْرٌ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ القُوى البَشَرِيَّةِ، وإنَّما يَفْعَلُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بِالهَرَبِ، أوْ بِالمُدافَعَةِ كَما تُدافِعُونَنِي في الكَلامِ.

34

وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

And my advice will not benefit you - although I wished to advise you - If Allah should intend to put you in error. He is your Lord, and to Him you will be returned."

﴿وَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ النُّصْحُ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يَدُورُ عَلَيْهِ الخَيْرُ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وحَقِيقَتُهُ إمْحاضُ إرادَةِ الخَيْرِ والدَّلالَةُ عَلَيْهِ، ونَقِيضُهُ الغِشُّ، وقِيلَ: هو إعْلامُ مَوْقِعِ الغَيِّ لِيُتَّقى ومَوْضِعِ الرُّشْدِ لِيُقْتَفي ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم لا يَنْفَعُكم نُصْحِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ دَلِيلٌ عَلى ما حُذِفَ مِن جَوابِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَإنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم لا يَنْفَعُكم نُصْحِي، هَذا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ مِن عَدَمِ تَقْدِيمِ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ، وأمّا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكُوفِيُّونَ مِن جَوازِهِ فَقَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿وَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ الأوَّلِ، والجُمْلَةُ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ الثّانِي، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالجَزاءُ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّرْطِ الأوَّلِ، وتَعَلُّقُهُ بِهِ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ الثّانِي، وهَذا الكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِمْ: "قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا" صَدَرَ عَنْهُ ﷺ إظْهارًا لِلْعَجْزِ عَنْ إلْزامِهِمْ بِالحُجَجِ والبَيِّناتِ لِتَمادِيهِمْ في العِنادِ، وإيذانًا بِأنَّ ما سَبَقَ مِنهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الجِدالِ والخِصامِ، بَلْ بِطَرِيقِ النَّصِيحَةِ لَهم والشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وبِأنَّهُ لَمْ يَأْلُ جُهْدًا في إرْشادِهِمْ إلى الحَقِّ وهِدايَتِهِمْ إلى سَبِيلِهِ المُسْتَبِينِ وإمْحاضِ النُّصْحِ لَهُمْ، ولَكِنْ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ عِنْدَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى لِإغْوائِهِمْ، وتَقْيِيدُ عَدَمِ نَفْعِ النُّصْحِ بِإرادَتِهِ - مَعَ أنَّهُ مُحَقَّقٌ لا مَحالَةَ - لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ النُّصْحَ مِنهُ مُقارِنٌ لِلْإرادَةِ والِاهْتِمامِ بِهِ، ولِتَحْقِيقِ المُقابَلَةِ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ ما وقَعَ بِإزائِهِ مِن إرادَتِهِ تَعالى لِإغْوائِهِمْ، وإنَّما اقْتُصِرَ في ذَلِكَ عَلى مُجَرَّدِ إرادَةِ الإغْواءِ دُونَ نَفْسِهِ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: إنْ كانَ اللَّهُ يُغْوِيكم - مُبالَغَةً في بَيانِ غَلَبَةِ جَنابِهِ عَزَّ وعَلا، حَيْثُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ نُصْحَهُ المُقارِنَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لا يُجْدِيهِمْ عِنْدَ مُجَرَّدِ إرادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِإغْوائِهِمْ، فَكَيْفَ عِنْدَ تَحْقِيقِ ذَلِكَ وخَلْقِهِ فِيهِمْ، وزِيادَةُ (كانَ) لِلْإشْعارِ بِتَقَدُّمِ إرادَتِهِ تَعالى زَمانًا كَتَقَدُّمِها رُتْبَةً، ولِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِها واسْتِمْرارِها، وإنَّما قُدِّمَ عَلى هَذا الكَلامِ ما يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِمْ: "فَأْتِنا بِما تَعِدُنا" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ" رَدًّا عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِحُلُولِ العَذابِ مَعَ ما فِيهِ مِنِ اتِّصالِ الجَوابِ بِالسُّؤالِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إرادَتَهُ تَعالى يَصِحُّ تَعَلُّقُها بِالإغْواءِ، وأنَّ خِلافَ مُرادِهِ غَيْرُ واقِعٍ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿ (أنْ يُغْوِيَكُمْ)﴾ أنْ يُهْلِكَكم مِن غَوى الفَصِيلُ غَوًى إذا بَشِمَ وهَلَكَ ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ خالِقُكم ومالِكُ أمْرِكم ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم لا مَحالَةَ.

35

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُجْرِمُونَ

Or do they say [about Prophet Muhammad], "He invented it"? Say, "If I have invented it, then upon me is [the consequence of] my crime; but I am innocent of what [crimes] you commit."

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - يَعْنِي نُوحًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – ومَعْناهُ: بَلْ أيَقُولُ قَوْمُ نُوحٍ: إنَّ نُوحًا افْتَرى ما جاءَ بِهِ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قُلْ يا نُوحُ ﴿إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ بِالفَرْضِ البَحْتِ ﴿فَعَلَيَّ إجْرامِي﴾ إثْمِي ووَبالُ إجْرامِي، وهو كَسْبُ الذَّنْبِ، وقُرِئَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، ويَنْصُرُهُ أنْ فَسَّرَهُ الأوَّلُونَ بِآثامِي ﴿وَأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ مِن إجْرامِكم في إسْنادِ الِافْتِراءِ إلَيَّ، فَلا وجْهَ لِإعْراضِكم عَنِّي ومُعاداتِكم لِي، وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ ومَعْناهُ: بَلْ أيَقُولُ مُشْرِكُو مَكَّةَ: افْتَرى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ نُوحٍ، فَكَأنَّهُ إنَّما جِيءَ بِهِ في تَضاعِيفِ القِصَّةِ عِنْدَ سَوْقِ طَرَفٍ مِنها تَحْقِيقًا لِحَقِّيَّتِها، وتَأْكِيدًا لِوُقُوعِها، وتَشْوِيقًا لِلسّامِعِينَ إلى اسْتِماعِها، لا سِيَّما وقَدْ قُصَّ مِنها طائِفَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِما جَرى بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ المُحاجَّةِ، وبَقِيَتْ طائِفَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِعَذابِهِمْ.

36

وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

And it was revealed to Noah that, "No one will believe from your people except those who have already believed, so do not be distressed by what they have been doing.

﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ﴾ أيِ: المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، وهو إقْناطٌ لَهُ ﷺ مِن إيمانِهِمْ، وإعْلامٌ لِكَوْنِهِ كالمُحالِ الَّذِي لا يَصِحُّ تَوَقُّعُهُ ﴿إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ إلّا مَن قَدْ وُجِدَ مِنهُ ما كانَ يُتَوَقَّعُ مِن إيمانِهِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾، ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: لا تَحْزَنْ حُزْنَ بائِسٍ مُسْتَكِينٍ، ولا تَغْتَمَّ بِما كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ والإيذاءِ في هَذِهِ المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، فَقَدِ انْتَهى أفْعالُهم وحانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِنهم.

37

وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ

And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."

﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ مُلْتَبِسًا ﴿بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِحِفْظِنا وكَلاءَتِنا، كَأنَّ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - حُفّاظًا وحُرّاسًا يَكْلَئُونَهُ بِأعْيُنِهِمْ مِنَ التَّعَدِّي مِنَ الكَفَرَةِ، ومِنَ الزَّيْغِ في الصَّنْعَةِ ﴿وَوَحْيِنا﴾ إلَيْكَ كَيْفَ تَصْنَعُها، وتَعْلِيمِنا وإلْهامِنا.

عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الفُلْكِ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ يَصْنَعَها مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، إذْ لا سَبِيلَ إلى صِيانَةِ الرُّوحِ مِنَ الغَرَقِ إلّا بِهِ فَيَجِبُ كَوُجُوبِها، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّ هَذا مَسُوقٌ بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ سَيُهْلِكُهم بِالغَرَقِ، ويُنَجِّيهِ ومَن مَعَهُ بِشَيْءٍ سَيَصْنَعُهُ بِأمْرِهِ تَعالى ووَحْيِهِ مِن شَأْنِهِ كَيْتَ وكَيْتَ واسْمُهُ كَذا، وإمّا لِلْجِنْسِ.

قِيلَ: صَنَعَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في سَنَتَيْنِ، وقِيلَ: في أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَتْ مِن خَشَبِ السّاجِ، وجُعِلَتْ ثَلاثَةَ بُطُونٍ، حُمِلَ في البَطْنِ الأوَّلِ الوُحُوشُ والسِّباعُ والهَوامُّ، وفي البَطْنِ الأوْسَطِ الدَّوابُّ والأنْعامُ، وفي البَطْنِ الأعْلى جِنْسُ البَشَرِ هو ومَن مَعَهُ مَعَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الزّادِ، وحَمَلَ مَعَهُ جَسَدَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: جَعَلَ في الأوَّلِ الدَّوابَّ والوُحُوشَ، وفي الثّانِي الإنْسَ، وفي الأعْلى الطَّيْرَ، قِيلَ: كانَ طُولُها ثَلاثُمِائَةِ ذِراعٍ وعَرْضُها خَمْسِينَ ذِراعًا وسَمْكُها ثَلاثِينَ ذِراعًا، وقالَ الحَسَنُ: كانَ طُولُها ألْفًا ومِائَتَيْ ذِراعٍ، وعَرْضُها سِتَّمِائَةِ ذِراعٍ.

وَقِيلَ: إنَّ الحَوارِيِّينَ قالُوا لِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَوْ بَعَثْتَ لَنا رَجُلًا شَهِدَ السَّفِينَةَ يُحَدِّثُنا عَنْها، فانْطَلَقَ بِهِمْ حَتّى انْتَهى إلى كَثِيبٍ مِن تُرابٍ، فَأخَذَ كَفًّا مِن ذَلِكَ التَّرْبِ، فَقالَ: أتَدْرُونَ مَن هَذا؟ قالُوا اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: هَذا كَعْبُ بْنُ حامٍ، قالَ: فَضَرَبَ بِعَصاهُ، فَقالَ: قُمْ بِإذْنِ اللَّهِ فَإذا هو قائِمٌ يَنْفُضُ التُّرابَ عَنْ رَأْسِهِ، وقَدْ شابَ، فَقالَ لَهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أهَكَذا هَلَكْتَ؟ قالَ: لا مُتُّ وأنا شابٌّ، ولَكِنِّي ظَنَنْتُ أنَّها السّاعَةُ فَمِن ثَمَّةَ شِبْتُ، فَقالَ: حَدِّثْنا عَنْ سَفِينَةِ نُوحٍ، قالَ: كانَ طُولُها ألْفًا ومِائَتَيْ ذِراعِ وعَرْضُها سِتَّمِائَةِ ذِراعٍ، وكانَتْ ثَلاثَ طَبَقاتٍ، طَبَقَةٌ لِلدَّوابِّ والوَحْشِ، وطَبَقَةٌ لِلْإنْسِ، وطَبَقَةٌ لِلطَّيْرِ، ثُمَّ قالَ: عُدْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى كَما كُنْتَ، فَعادَ تُرابًا.

﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: لا تُراجِعْنِي فِيهِمْ، ولا تَدْعُنِي بِاسْتِدْفاعِ العَذابِ عَنْهُمْ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ فِيما لَوْ قِيلَ: ولا تَدْعُنِي فِيهِمْ، وحَيْثُ كانَ فِيهِ ما يُلَوِّحُ بِالسَّبَبِيَّةِ أُكِّدَ التَّعْلِيلُ، فَقِيلَ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ أيْ: مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِالإغْراقِ، قَدْ مَضى بِهِ القَضاءُ وجَفَّ القَلَمُ، فَلا سَبِيلَ إلى كَفِّهِ، ولَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُجْعَلُوا عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، ومَثَلًا لِلْآخَرِينَ.

38

وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ

And he constructed the ship, and whenever an assembly of the eminent of his people passed by him, they ridiculed him. He said, "If you ridicule us, then we will ridicule you just as you ridicule.

﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ: وأخَذَ يَصْنَعُ الفُلْكَ، أوْ أقْبَلَ يَصْنَعُها، فاقْتُصِرَ عَلى (يَصْنَعُ) وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ مُلائَمَةٌ لِلِاسْتِمْرارِ المَفْهُومِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ حالًا مِن ضَمِيرِهِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ اسْتَهْزَءُوا بِهِ لِعَلَمِهِ السَّفِينَةَ، إمّا لِأنَّهم ما كانُوا يَعْرِفُونَها ولا كَيْفِيَّةَ اسْتِعْمالِها والِانْتِفاعِ بِها، فَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ وسَخِرُوا مِنهُ، وإمّا لِأنَّهُ كانَ يَصْنَعُها في بَرِّيَّةٍ بَهْماءَ في أبْعَدِ مَوْضِعٍ مِنَ الماءِ وفي وقْتِ عِزَّتِهِ عِزَةً شَدِيدَةً، وكانُوا يَتَضاحَكُونَ ويَقُولُونَ: يا نُوحُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَما كُنْتَ نَبِيًّا، وقِيلَ: لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُنْذِرُهُمُ الغَرَقَ، فَلَمّا طالَ مُكْثُهُ فِيهِمْ ولَمْ يُشاهِدُوا مِنهُ عَيْنًا ولا أثَرًا عَدُّوهُ مِن بابِ المُحالِ، ثُمَّ لَمّا رَأوُا اشْتِغالَهُ بِأسْبابِ الخَلاصِ مِن ذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا، ومَدارُ الجَمِيعِ إنْكارُ أنْ يَكُونَ لِعَمَلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ، مَعَ ما فِيهِ مِن تَحَمُّلِ المَشاقِّ العَظِيمَةِ الَّتِي لا تَكادُ تُطاقُ، واسْتِجْهالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ.

﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ مُسْتَجْهِلِينَ لَنا فِيما نَحْنُ فِيهِ ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ أيْ: نَسْتَجْهِلُكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ، وإطْلاقُ السُّخْرِيَةِ عَلَيْهِ لِلْمُشاكَلَةِ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في (مِنّا) إمّا لِأنَّ سُخْرِيَتَهم مِنهُ ﷺ سُخْرِيَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ أيْضًا، أوْ لِأنَّهم كانُوا يَسْخَرُونَ مِنهم أيْضًا، إلّا أنَّهُ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ سُخْرِيَتِهِمْ مِنهُ ﷺ ولِذَلِكَ تَعَرَّضَ الجَمِيعُ لِلْمُجازاةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ ... إلَخْ، فَتَكافَأ الكَلامُ مِنَ الجانِبَيْنِ، وتَعْلِيقُ اسْتِجْهالِهِ ﷺ إيّاهم بِما فَعَلُوا مِنَ السُّخْرِيَةِ بِاعْتِبارِ إظْهارِهِ ومُشافَهَتِهِ ﷺ إيّاهم جاهِلِينَ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ أمْرٌ مُطَّرِدٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِسُخْرِيَتِهِمْ مِنهُمْ، لَكِنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتَصَدّى لِإظْهارِهِ؛ جَرْيًا عَلى نَهْجِ الأخْلاقِ الحَمِيدَةِ، وإنَّما أظْهَرُهُ جَزاءً بِما صَنَعُوا بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي، فَإنَّ سُخْرِيَتَهم كانَتْ مُسْتَمِرَّةً ومُتَجَدِّدَةً حَسَبَ تَجَدُّدِ مُرُورِهِمْ عَلَيْهِ، ولَمْ يَكُنْ يُجِيبُهم في كُلِّ مَرَّةٍ، وإلّا لَقِيلَ: ويَقُولُ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا... إلَخْ، بَلْ إنَّما أجابَهم بَعْدَ بُلُوغِ أذاهُمُ الغايَةَ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ الِاسْتِئْنافُ، فَكَأنَّ سائِلًا سَألَ فَقالَ: فَما صَنَعَ نُوحٌ عِنْدَ بُلُوغِهِمْ مِنهُ هَذا المَبْلَغَ، فَقِيلَ: قالَ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا إنْ تَنْسُبُونا فِيما نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنَ التَّأهُّبِ والمُباشِرَةِ لِأسْبابِ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ إلى الجَهْلِ، وتَسْخَرُوا مِنّا لِأجْلِهِ، فَإنّا نَنْسُبُكم إلَيْهِ فِيما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الإعْراضِ عِنْدَ اسْتِدْفاعِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، ومِنَ الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، والتَّعَرُّضِ لِأسْبابِ حُلُولِ سَخَطِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي مِن جُمْلَتِها اسْتِجْهالُكم إيّانا وسُخْرِيَتُكم مِنّا، والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ إمّا في مُجَرَّدِ التَّحَقُّقِ والوُقُوعِ، أوْ في التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ حَسْبَما صَدَرَ عَنْ مَلَإٍ غِبَّ مَلَإٍ، لا في الكَيْفِيّاتِ والأحْوالِ الَّتِي تَلِيقُ بِشَأْنِ النَّبِيِّ …

39

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ

And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."

﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ وهو عَذابُ الغَرَقِ ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ حُلُولَ الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ هو عَذابُ النّارِ الدّائِمُ، وهو تَهْدِيدٌ بَلِيغٌ، ومَن عِبارَةٌ عَنْهُمْ، وهي إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ في حَيِّزِ الرَّفْعِ، أوْ مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِتَعْلَمُونَ، وما في حَيِّزِها سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ، أوْ مَفْعُولٍ واحِدٍ إنْ جُعِلَ العِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، ولَمّا كانَ مَدارُ سُخْرِيَتِهِمُ اسْتِجْهالَهم إيّاهُ ﷺ في مُكابَدَةِ المَشاقِّ الفادِحَةِ لِدَفْعِ ما لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ عَلى زَعْمِهِمْ مِنَ الطُّوفانِ ومُقاساةِ الشَّدائِدِ في بِناءِ السَّفِينَةِ، وكانُوا يُعِدُّونَهُ عَذابًا، قِيلَ: بَعْدَ اسْتِجْهالِهِمْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ العَذابُ، يَعْنِي أنَّ ما أُباشِرُهُ لَيْسَ فِيهِ عَذابٌ لاحِقٌ بِي فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنِ المُعَذَّبُ، ولَقَدْ أصابَ العِلْمُ بَعْدَ اسْتِجْهالِهِمْ مَحَزَّهُ، ووَصْفُ العَذابِ بِالإخْزاءِ لِما في الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ مِن لُحُوقِ الخِزْيِ والعارِ عادَةً، والتَّعَرُّضُ لِحُلُولِ العَذابِ المُقِيمِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّهْدِيدِ، وتَخْصِيصُهُ بِالمُؤَجَّلِ وإيرادُ الأوَّلِ بِالإتْيانِ في غايَةِ الجَزالَةِ.

40

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ

[So it was], until when Our command came and the oven overflowed, We said, "Load upon the ship of each [creature] two mates and your family, except those about whom the word has preceded, and [include] whoever has believed." But none had believed with him, except a few.

﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ حَتّى هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ، دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، وهي مَعَ ذَلِكَ غايَةٌ لِقَوْلِهِ: "وَيَصْنَعُ" وما بَيْنَهُما حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ "وَسَخِرُوا مِنهُ" جَوابٌ لِكُلَّما، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ، كَما ذَكَرْناهُ، وقِيلَ: هو الجَوابُ و(سَخِرُوا مِنهُ) بَدَلٌ مِن (مَرَّ) أوْ صِفَةٌ لِـ(مَلَأٌ) وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الحَقَّ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ تَناهِيهِمْ في إيذائِهِ ﷺ وتَحَمُّلِهِ لِأذِيَّتِهِمْ لا مُسارَعَتُهُ ﷺ إلى جَوابِهِمْ كُلَّما وقَعَ مِنهم ما يُؤْذِيهِ مِنَ الكَلامِ.

﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ نَبَعَ مِنهُ الماءُ وارْتَفَعَ بِشِدَّةٍ، كَما تَفُورُ القِدْرُ بِغَلَيانِها، والتَّنُّورُ تَنُّورُ الخُبْزِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إذا رَأيْتَ الماءَ يَفُورُ مِنَ التَّنُّورِ فارْكَبْ ومَن مَعَكَ في السَّفِينَةِ، فَلَمّا نَبَعَ الماءُ أخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ فَرَكِبَ، وقِيلَ: كانَ تَنُّورَ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وكانَ مِن حِجارَةٍ، فَصارَ إلى نُوحٍ، وإنَّما نُبِعَ مِنهُ - وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ الماءِ - عَلى خَرْقِ العادَةِ، وكانَ في الكُوفَةِ في مَوْضِعِ مَسْجِدِها عَنْ يَمِينِ الدّاخِلِ مِمّا يَلِي بابِ كِنْدَةَ، وكانَ عَمَلُ السَّفِينَةِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ، أوْ في الهِنْدِ، أوْ في مَوْضِعٍ بِالشّامِ يُقالُ لَهُ عَيْنُ ورْدَةَ.

وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وعِكْرِمَةَ، والزُّهْرِيَّ أنَّ التَّنُّورَ وجْهُ الأرْضِ.

وَعَنْ قَتادَةَ أشْرَفُ مَوْضِعٍ في الأرْضِ، أيْ: أعْلاهُ.

وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فارَ التَّنُّورُ طَلَعَ الفَجْرُ.

﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها﴾ أيْ: في السَّفِينَةِ، وهو جَوابٌ (إذا) ﴿مِن كُلٍّ﴾ أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ لا بُدَّ مِنهُ في الأرْضِ ﴿زَوْجَيْنِ﴾ الزَّوْجُ ما لَهُ مُشاكِلٌ مِن نَوْعِهِ، فالذَّكَرُ زَوْجٌ لِلْأُنْثى كَما هي زَوْجٌ لَهُ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى مَجْمُوعِهِما فَيُقابِلُ الفَرْدَ، ولِإزالَةِ ذَلِكَ الِاحْتِمالِ قِيلَ: ﴿اثْنَيْنِ﴾ كُلٌّ مِنهُما زَوْجٌ لِلْآخَرِ، وقُرِئَ عَلى الإضافَةِ، وإنَّما قُدِّمَ ذَلِكَ عَلى أهْلِهِ، وسائِرِ المُؤْمِنِينَ لِكَوْنِهِ عَرِيقًا فِيما أُمِرَ بِهِ مِنَ الحَمْلِ؛ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى مُزاوَلَةِ الأعْمالِ مِنهُ ﷺ في تَمْيِيزِ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ وتَعْيِينِ الأزْواجِ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: "يا رَبِّ كَيْفَ أحْمِلُ مَن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ؟" فَحَشَرَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ السِّباعَ والطَّيْرَ وغَيْرَهُما، فَجَعَلَ يَضْرِبُ بِيَدَيْهِ في كُلِّ جِنْسٍ فَيَقَعُ الذَّكَرُ في يَدِهِ اليُمْنى والأُنْثى في اليُسْرى، فَيَجْعَلُهُما في السَّفِينَةِ، وأمّا البَشَرُ فَإنَّما يَدْخُلُ الفُلْكَ بِاخْتِيارِهِ فَيَخِفُّ فِيهِ مَعْنى الحَمْلِ، أوْ لِأنَّها إنَّما تُحْمَلُ بِمُباشَرَةِ البَشَرِ، وهم إنَّما يَدْخُلُونَها بَعْدَ حَمْلِهِمْ إيّاها.

﴿وَأهْلَكَ﴾ عَطْفٌ عَلى زَوْجَيْنِ، أوْ عَلى اثْنَيْنِ والمُرادُ: امْرَأتُهُ وبَنُوهُ ونِساؤُهم ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ بِأنَّهُ مِنَ المُغْرَقِينَ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ... الآيَةَ، والمُرادُ بِهِ ابْنُهُ كَنْعانُ وأُمُّهُ واعِلَةُ، فَإنَّهُما كانا كافِرَيْنِ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ إنْ أُرِيدَ بِالأهْلِ الأهْلُ إيمانًا، وهو الظّاهِرُ - كَما سَتَعْرِفُهُ - أوْ مُتَّصِلٌ إنْ أُرِيدَ بِهِ الأهْلُ قَرابَةً، ويَكْتَفِي في صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ …

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.