Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 31–40 of 123

31

وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌۭ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allah or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel, nor do I say of those upon whom your eyes look down that Allah will never grant them any good. Allah is most knowing of what is within their souls. Indeed, I would then be among the wrongdoers."

(ولا أقول لكم عندي خزائن الله) أعطيكم منها، بين لهم أنه كما لا يطلب منهم شيئاً من أموالهم على تبليغ الرسالة، كذلك لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى تستدلوا بعدمها على كذبه كما قالوا (وما نرى لكم علينا من فضل) والمراد بخزائن الله خزائن رزقه، وقال ابن الأنباري: الخزائن هنا بمعنى غيوب الله وما هو منطو عن الخلق والأول أولى لقوله (ولا أعلم الغيب) أي ولا أدعي أني أعلم بغيب الله بل لم أقل لكم إلا إني نذير مبين إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم وهذا رد لقولهم (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي) أي في ظاهر حالهم وأول فكرهم، وفي الباطن لم يتبعوك، فقال لهم إني إنما أعوّل على الظاهر لأني لا أعلم الغيب فأحكم به.

(ولا أقول) لكم (إني ملك) حتى تقولوا ما نراك إلا بشراً مثلنا، فإن البشرية ليست من موانع النبوة بل من مباديها، وقد استدل بهذا من قال إن الملائكة أفضل من الأنبياء، والأدلة نفي هذه المسألة مختلفة وليس لطالب الحق إلى تحقيقها حاجة، فليست هي مما كلفنا الله بعلمه

(ولا أقول للذين) أي في شأن الذين (تزدري أعينكم) أي تحتقر وتستصغر، والإزدراء مأخوذ من أزرى عليه إذا عابه وزرى عليه إذا احتقره، والمعنى أني لا أقول لهؤلاء المتبعين لي المؤمنين بالله الذين تعيبونهم وتحتقرونهم (لن يؤتيهم الله خيراً) أي توفيقاً وهداية وإيماناً وأجراً بل قد آتاهم الخير العظيم بالإيمان به واتباع نبيه، فهو مجازيهم بالجزاء العظيم في الآخرة ورافعهم في الدنيا إلى أعلى محل، ولا يضرهم احتقاركم لهم شيئاً.

(الله أعلم بما في أنفسهم) من الإيمان به والإخلاص له فمجازيهم على ذلك ليس لي ولا لكم من أمرهم شيء (إني إذاً لمن الظالمين) لهم أن فعلت ما تريدونه بهم أو من الظالمين لأنفسهم إن فعلت ذلك بهم

ثم جاوبوه بغير ما تقدم من كلامهم وكلامه

32

قَالُوا۟ يَٰنُوحُ قَدْ جَٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

They said, "O Noah, you have disputed us and been frequent in dispute of us. So bring us what you threaten us, if you should be of the truthful."

(قالوا) عجزاً عن القيام بالحجة وقصوراً عن رتبة المناظرة وانقطاعاً عن المباراة بقولهم (يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) أي خاصمتنا بأنواع الخصام ودفعتنا بكل حجة لها مدخل في المقام، ولم يبق لنا في هذا الباب مجال فقد ضاقت علينا المسالك وانسدت أبواب الحيل (فائتنا بما تعدنا) من العذاب الذي تخوفنا منه وتخافه علينا (إن كنت من الصادقين) فيما تقوله لنا.

قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)

فأجاب بأن ذلك ليس إليه وإنما هو بمشيئة الله وإرادته و

33

قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

He said, "Allah will only bring it to you if He wills, and you will not cause [Him] failure.

(قال إنما يأتيكم به الله إن شاء) فإن قضت مشيئته وحكمته بتعجيله عجله لكم، وإن قضت مشيئته وحكمته بتأخيره أخره (وما أنتم بمعجزين) بفائتين عما أراده الله بكم بهرب أو مدافعة

34

وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

And my advice will not benefit you - although I wished to advise you - If Allah should intend to put you in error. He is your Lord, and to Him you will be returned."

(ولا ينفعكم نصحي) الذي أبذله لكم وأستكثر منه قياماً مني بحق النصيحة لله بإبلاغ رسالته لكم بإيضاح الحق؛ وبيان بطلان ما أنتم عليه (إن أردت أن أنصح لكم) وجواب هذا الشرط محذوف والتقدير لا ينفعكم نصحي كما يدل عليه ما قبله

(إن كان الله يريد أن يغويكم) أي إغواءكم فلا ينفعكم النصح مني، وكان جواب هذا الشرط محذوفاً كالأول وتقديره ما ذكرنا، وهذا التقدير إنما هو على مذهب من يمنع من تقدم الجزاء على الشرط، وأما على مذهب من يجيزه فجزاء الشرط الأول ولا ينفعكم نصحي، والجملة جزاء للشرط الثاني.

قال ابن جرير: معنى يغويكم يهلككم بعذابه؛ وظاهر لغة العرب أن الإغواء الإضلال، فمعنى الآية لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يضلكم عن سبيل الرشاد، ويخذلكم عن طريق الحق. وحكى عن طي أصبح فلان غاوياً أي مريضاً وليس هذا العنى هو المراد في الآية، وقد ورد الأغواء بمعنى الإهلاك، ومنه فسوف يلقون غياً، وهو غير ما في الآية هذه.

(هو ربكم) فإليه الإغواء وإليه الهداية (وإليه ترجعون) فيجازيكم بأعمالكم إن خيراً فخير، وأن شراً فشر أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38)

35

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُجْرِمُونَ

Or do they say [about Prophet Muhammad], "He invented it"? Say, "If I have invented it, then upon me is [the consequence of] my crime; but I am innocent of what [crimes] you commit."

(أم يقولون افتراه) أنكر سبحانه عليهم قولهم إن ما أوحى إلى نوح مفترى ثم أمره أن يجيب بكلام منصف فقال (قل إن افتريته فعليَّ إجرامي) بكسر الهمزة مصدر أجرم أي فعل ما يوجب الإثم وجرم وأجرم بمعنى، قاله النحاس أي اكتسب الذنب وافتعله، والمعنى فعلّي إثمي أو جزاء كسبي، ومن قرأ بفتح الهمزة قال هو جمع جرم ذكره النحاس أيضاً.

قال قتادة: إجرامي أي عملي، والإجرام اكتساب السيئة واقترافها، يقال جرم جرماً أذنب والاسم منه الجرم بالضم والجريمة مثله، وأجرم هو الفاشي في الاستعمال، ويجوز جرم ثلاثياً، والمعنى إن كنت افتريته فعليّ عقاب جرمي، وإن كنت صادقاً وكذبتموني فعليكم عقاب ذلك التكذيب إلا أنه حذفت هذه البقية لدلالة الكلام عليها، ولا يدل ذلك على أنه كان شاكاً لأنه قول يقال على وجه الإنكار عند اليأس من القبول (وأنا بريء مما تجرمون) أي من إجرامكم بسبب ما تنسبون إلى من الافتراء، قيل وفي الكلام حذف والتقدير لكن ما افتريته فالإجرام وعقابه ليس إلا عليكم وأنا بريء منه.

وقد اختلف المفسرون في هذه الآية فقيل أنها حكاية عن نوح وما قاله لقومه، وقيل هي حكاية عن المحاورة الواقعة بين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وكفار مكة قاله مقاتل، فعلى هذا تكون الآية معترضة في قصة نوح والأول أولى، لأن الكلام قبلها وبعدها مع نوح عليه السلام.

36

وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

And it was revealed to Noah that, "No one will believe from your people except those who have already believed, so do not be distressed by what they have been doing.

(وأوحي إلى نوح أنه) في محل رفع على أنه نائب الفاعل الذي لم يسم، ويجوز أن يكون في محل نصب بتقدير الباء أي بأنة (لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) وفي الكلام تأييس له من إيمانهم وإنهم مستمرون على كفرهم مصممون عليه لا يؤمن أحد منهم إلا من قد سبق إيمانه، أو المراد إلا من استعد للإيمان وتوقع منه ولا يراد ظاهره، وإلا كان المعنى إلا من آمن فإنه يؤمن

وقيل أن الاستثناء منقطع وهو على طريقة قوله (إلا ما قد سلف) قال قتادة: وذلك حين دعا عليهم نوح قال (لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً) وعن الحسن قال: إن نوحاً لم يدع على قومه حتى نزلت الآية هذه فانقطع عند ذلك رجاؤه منهم فدعا عليهم (فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) البؤس الحزن أي فلا تحزن عليهم، قاله ابن عباس والبائس المستكين، فنهاه الله سبحانه عن أن يحزن حزن مستكين لأن الابتئاس حزن في استكانة، يقال ابتأس فلان إذا بلغه ما يكره والمبتئس الكاره الحزين.

ثم إن الله سبحانه لما أخبره أنهم لا يؤمنون البتة عرفه الله هلاكهم وألهمه الأمر الذي يكون به خلاصة وخلاص من آمن معه فقال

37

وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ

And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."

(واصنع الفلك) الظاهر أنه أمر إيجاب لأنه لا سبيل إلى صون روح نفسه وأرواح غيره من الهلاك إلا بهذا الطريق وصون النفس من الهلاك واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أي اعمل السفينة متلبساً (بأعيننا) أي بمرأى منا وبأبصارنا لك وهو مجاز عن كلاء الله له بالحفظ وعبر بالأعين عن ذلك لأنها آلة الرؤية وهي التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب.

وقيل بعلمنا لك وجمع الأعين للمبالغة والتعظيم لا للتكثير، وقيل معناها بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيوناً على حفظك، وقيل بأمرنا، والحق أن العين صفة من صفاته لا ندري كيفيتها فيجب إمرارها على ظاهرها من دون تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تقدير.

ومعنى (ووحينا) بما أوحينا إليك من كيفية صنعتها، وقال ابن عباس: بعين الله ووجهه ولم يعلم نوح كيف يصنع الفلك فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر.

(ولا تخاطبني في الذين ظلموا) قيل هم امرأته وابنه أي لا تطلب إمهالهم وترك إهلاكهم أي لا تراجعني ولا تدني باستدفاع العذاب عنهم فقد حان وقت الانتقام منهم (إنهم مغرقون) تعليل لما قبله أي فإنهم محكوم منا عليهم بالغرق وقد مضى به القضاء فلا سبيل إلى دفعه ولا تأخيره، وقيل العنى ولا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم مغرقون في الوقت الضروب لذلك لا يتأخر إغراقهم عنه.

38

وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ

And he constructed the ship, and whenever an assembly of the eminent of his people passed by him, they ridiculed him. He said, "If you ridicule us, then we will ridicule you just as you ridicule.

(و) طفق (يصنع الفلك) أو أخذ أو أقبل يصنعها فاقتصر على يصنع وقيل هو حكاية حال ماضية لاستحضار صورتها العجيبة، وأياً ما كان ففيه ملاءمة للاستمرار المفهوم من الجملة الآتية الواقعة حالاً من ضميره، ومكث في صنع السفينة مائتي سنة ذكره الصاوي وقيل أربعمائة سنة ذكره أبو السعود، وقال ابن عباس: اتخذ نوح السفينة في سنتين وقيل ثلاثين سنة.

وكان طولها ثلثمائة ذراع وسمكها في السماء ثلاثين ذراعاً وعرضها خمسين ذراعاً والذراع إلى المنكب، وكانت من خشب الساج لها ثلاثة بطون وأطباق سفلى ووسطى وعليا، وكان بابها في عرضها فحمل في أسفلها الدواب والوحش، وفي أوسطها الإنس وفي أعلاها الطير، وقيل السفلى للوحش والوسطى للطعام والعليا له ولمن آمن، قال الخفاجي: والساج شجر عظيم يكثر بالهند، وقيل إنه ورد في التوراة أنها من الصنوبر وقيل غير ذلك ليس على ما أورده المفسر من دليل صريح عن المعصوم فلا داعي إلى مثله..

(وكلما مر عليه ملأ) أي جماعة (من قومه سخروا منه) كل ظرفية وما مصدرية ظرفية أي كل وقت مرور قوم استهزؤوا به لعمله السفينة، والجملة في محل نصب على الحال، قال الأخفش والكسائي: يقال سخرت به ومنه.

وفي وجه سخريتهم منه قولان (أحدهما) أنهم كانوا يرونه يعمل السفينة فيقولون: يا نوح صرت بعد النبوة نجاراً، وكان يصنعها في برية في أبعد موضع من الماء وفي وقت عزته عزة شديدة (والثاني) أنهم لما شاهدوه يعمل السفينة وكانوا لا يعرفونها قبل ذلك ولا كيفية استعمالها والانتفاع بها فتعجبوا من ذلك وقالوا: يا نوح ما تصنع بها.

(قال) أمشي بها على الماء فعجبوا من قوله وسخروا به ثم أجاب عليهم بقوله (إن تسخروا منا) وهذا الكلام مستأنف على تقدير سؤال كأنه قيل فماذا قال لهم فقيل قال والمعنى أن تسخروا منا بسبب عملنا السفينة اليوم.

(فإنا نسخر منكم) غداً عند الغرق، ومعنى السخرية هنا الاستجهال أي إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم، وهذا على سبيل المشاكلة إذ السخرية لا تليق بمقام الأنبياء، وقيل أنه لجزائهم من جنس صنيعهم فلا يقبح (كما تسخرون) أي تستجهلون واستجهاله لهم باعتبار إظهاره لهم ومشافهتهم وإلا فهم عنده جهال قبل هذا وبعده والتشبيه لمجرد التحقيق والوقوع أو التجدد والتكرر.

والمعنى إنا نسخر منكم سخرية متحققة واقعة كما تسخرون منا كذلك أو متجددة متكررة كما تسخرون منا كذلك، وقيل معناه نسخر منكم في المستقبل سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق وفيه نظر فإن حالهم إذ ذاك لا تناسبه السخرية إذ هم في شغل شاغل عنها ثم هددهم بقوله.

39

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ

And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39)

(فسوف تعلمون من) موصولة في محل نصب أو استفهامية في محل رفع أي أينا (يأتيه عذاب يخزيه) أي يهينه وهو عذاب الغرق في الدنيا، قاله ابن عباس: والمراد بعذاب الخزي العذاب الذي يخزي صاحبه ويحل عليه العار (ويحل) التلاوة بكسر الحاء ويجوز لغة ضمها كما في المصباح أي ينزل (عليه عذاب مقيم) في الآخرة وهو عذاب النار الدائم والخلود فيها.

وقيل معنى يحل يجعل المؤجل حالاً مأخوذ من حلول الدين المؤجل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم قطعها ثم جعل يعمل منها سفينة ويمرون فيسألونه فيقول اعملها سفينة فيسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر وكيف تجري، قال سوف تعلمون، فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حباً شديداً فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء رقبته رفعته بين يديها حتى ذهب الماء بها، فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أم الصبي المستدرك كتاب التفسير/هود 21/ 342.، وقد ضعفه الذهبي في مستدركه على مستدرك الحاكم، وقد روي في صفة السفينة وقدرها أحاديث وآثار ليس في ذكرها هنا كثير فائدة.

حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)

40

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ

[So it was], until when Our command came and the oven overflowed, We said, "Load upon the ship of each [creature] two mates and your family, except those about whom the word has preceded, and [include] whoever has believed." But none had believed with him, except a few.

(حتى إذا جاء أمرنا) حتى هي الابتدائية دخلت على الجملة الشرطية وجعلت غاية لقوله (واصنع الفلك بأعيننا) وما بينهما اعتراض والمراد بالأمر العذاب أو وقته وهو واحد الأمور لا الأوامر ويصح أن يراد الثاني على معنى جاء أمرنا بركوب السفينة.

(وفار التنور) أي غلى، واختلف في تفسير التنور على أقوال (الأول) أنه وجه الأرض والعرب تسمي وجه الأرض تنوراً أو اشرف موضع فيها؛ روى ذلك عن ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة.

(الثاني) أنه تنور الخبز الذي يخبزون فيه ابتدئ منه النبع على خلاف العادة وبه قال مجاهد وعطية والحسن وهو قول أكثر المفسرين، قيل وهذا أولى لأن اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز كان حمله على الحقيقة أولى، ولفظ التنور حقيقة في اسم الموضع الذي يخبز فيه (الثالث) أنه موضع اجتماع الماء في السفينة وروى هذا عن الحسن. (الرابع) أنه طلوع الفجر من قولهم تنور الفجر، روي ذلك عن علي بن أبي طالب (الخامس) أنه مسجد الكوفة، روي ذلك عن علي أيضاً ومجاهد، وقال مجاهد: كان ناحية التنور بالكوفة على يمين الداخل مما يلي باب كندة وكان الشعبي يحلف بالله أنه ما فار إلا من ناحية الكوفة. (السادس) أنه أعالي الأرض والمواضع المرتفعة قاله قتادة (السابع) أنه العين التي بالجزيرة المسماة عين الوردة وهي بالشام، روي ذلك عن عكرمة، وبه قال مقاتل (الثامن) أنه موضع بالهند، قال ابن عباس: كان تنور آدم بالهند وكانت حواء تخبز فيه وصار إلى نوح.

قال النحاس: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة لأن الله سبحانه قد أخبر بأن الماء قد جاء من السماء والأرض قال (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيوناً) فهذه الأقوال تجتمع في إن ذلك كان علامة هكذا، قال: وفيه نظر فإن القول الرابع ينافي هذا الجمع ولا يستقيم عليه التفسير بنبع الماء إلا إذا كان المراد مجرد العلامة كما ذكره آخراً.

وقد ذكر أهل اللغة أن الفوز الغليان، يقال فار الماء يفور فوراً نبع وجرى وفارت القدر فوراً من باب قال وفوراناً غلت، وعلى هذا لا تجوز في الآية إلا من حيث نسبة الفوران إلى التنور، وهو اسم أعجمي عربته العرب، وعلى هذا فلا اشتقاق له.

وقيل فارسي لا تعرف له العرب اسماً غير هذا فلذلك جاء في القرآن بهذا اللفظ فخوطبوا بما يعرفون، وقيل جاء هكذا بكل لفظ عربي وعجمي، وأنه مما اتفق عليه لغة العرب والعجم كالصابون ووزنه تفعول ويعزى هذا لثعلب، وقيل فعول ويعزى لأبي على الفارسي، وقيل معنى فار التنور التمثيل بحضور العذاب كقولهم حمي الوطيس إذا اشتد الحرب، وعلى هذا فهو كناية عن اشتداد الأمر.

وقيل كان من حجر لحواء فصار إلى نوح، وقد روى في تفسير التنور غير هذا. ذكر ابن جرير وغيره إن الطوفان كان في ثالث عشر من أبيب رجب في شدة القيظ وكان الفوران علامة لنوح على مجيئه وركوب السفينة.

(قلنا) يا نوح (احمل فيها) أي في السفينة (من كل زوجين) مما في الأرض من الحيوانات (اثنين) ذكراً وأنثى، وقرئ من كل بالتنوين أي من كل شيء زوجين، والزوجان للاثنين اللذين لا يستغني أحدهما عن الآخر، ويطلق على كل واحد منهما زوج كما تقول للرجل زوجٍ وللمرأة زوجٍ؛ وهو المراد هنا أي من كل فردين متزاوجين اثنين بأن تحمل من الطير ذكراً وأنثى ومن الغنم ذكراً وأنثى، وهكذا وتترك الباقي، والمراد من الحيوانات التي تنفع والتي تلد أو تبيض ليخرج المضرات، والتي تتوالد من العفونة والتراب كالدود والقمل والبق والبعوض فلم يحمل منه شيئاً.

ويطلق الزوج على الاثنين إذا استعمل مقابلاً للفرد، ويطلق الزوج على الضرب والصنف ومنه قوله تعالى (وأنبتت من كل زوج بهيج).

قال الرازي: وأما ما يروى أن إبليس دخل السفينة فبعيد لأنه من الجن، وهو جسم ناري أو هوائي فكيف يفر من الغرق، وأيضاً فإن كتاب الله لم يدل على ذلك ولم يرد فيه خبر صحيح، فالأولى ترك الخوض فيه اهـ.

(و) احمل (أهلك) والمراد امرأته المؤمنة وبنوه ونساؤهم (إلا من …

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.