Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 31–40 of 123

31

وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌۭ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allah or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel, nor do I say of those upon whom your eyes look down that Allah will never grant them any good. Allah is most knowing of what is within their souls. Indeed, I would then be among the wrongdoers."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهِ خَيْرًا اللهِ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾

قَوْلُهُ: ﴿وَلا أقُولُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالا﴾ [هود: ٢٩]، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنِّي لا أُمَوِّهُ عَلَيْكم ولا أتَعاطى غَيْرَ ما أهَّلَنِي اللهُ لَهُ، فَلَسْتُ أقُولُ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ، يُرِيدُ القُدْرَةَ الَّتِي يُوجَدُ بِها الشَيْءُ بَعْدَ حالِ عَدَمِهِ، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَوْجُوداتِ كالرِياحِ والماءِ، ونَحْوُهُ كَثِيرٌ بِإبْداعِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَإنَّ سُمِّي ذَلِكَ- عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ- مُخْتَزَنًا فَيُشْبِهُ. ألا تَرى المَرْوِيَّ في في أمْرِ رِيحِ عادٍ أنَّهُ فَتَحَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِيحِ قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوْ كانَ عَلى قَدْرِ مِنخَرِ الثَوْرِ لِأهْلَكَ الأرْضَ. ورُوِيَ أنَّ الرِيحَ عَتَتْ عَلى المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِتَقْدِيرِها فَلِذَلِكَ وصَفَها اللهُ تَعالى بِالعُتُوِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: عَتَتْ عَلى الخَزّانِ. فَهَذا ونَحْوُهُ يَقْتَضِي أنَّ ثَمَّ خَزائِنَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾، ثُمَّ انْحَطَّ عَلى هاتَيْنِ فَقالَ: ﴿وَلا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ فَضْلُ المَلَكِ عَلى البَشَرِ وعَلى النَبِيِّ ﷺ وهي مَسْألَةُ اخْتِلافٍ. وظَواهِرُ القُرْآنِ عَلى ما قُلْناهُ. وإنْ أخَذْنا قَوْلَهُ: ﴿وَلا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ عَلى حَدِّ أنْ لَوْ قالَ: "وَلا أقُولُ إنِّي كَوْكَبٌ أو نَحْوُهُ" زالَتْ طَرِيقَةُ التَفْضِيلِ، ولَكِنَّ الظاهِرَ هو ما ذَكَرْنا.

و"تَزْدَرِي" أصْلُهُ: تَزْتَرِي "تَفْتَعِلُ" مَن زَرى يَزْرِي ومَعْنى "تَزْدَرِي": تَحْتَقِرُ. و"الخَيْرُ" هُنا يَظْهَرُ فِيهِ أنَّهُ خَيْرُ الآخِرَةِ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ازْدِراؤُهم مِن جِهَةِ الفَقْرِ، فَيَكُونُ الخَيْرُ المالَ وقَدْ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: حَيْثُما ذَكَرَ اللهُ الخَيْرَ في القُرْآنِ فَهو المالُ. وفي هَذا الكَلامِ تَحامُلٌ، والَّذِي يُشْبِهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَيْثُما ذُكِرَ الخَيْرُ فَإنَّ المالَ يَدْخُلُ فِيهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿اللهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ تَسْلِيمٌ لِلَّهِ تَعالى، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِن هَذا وإنَّما يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ويَخْرُجُ حُكْمُهُ إلى حَيِّزِ الوُجُودِ اللهُ تَعالى الَّذِي يَعْلَمُ ما في نُفُوسِهِمْ ويُجازِيهِمْ بِذَلِكَ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمُ:اتَّبَعَكَ أراذِلُنا عَلى ما يَظْهَرُ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

حَسَبَما تَقَدَّمَ في بَعْضِ تَأْوِيلاتِ تِلْكَ الآيَةِ آنِفًا، فالمَعْنى لَسْتُ أنا أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِألّا يَكُونَ لَهم خَيْرٌ بِظَنِّكم بِهِمْ أنَّ بَواطِنَهم لَيْسَتْ كَظَواهِرِهِمْ، اللهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِما في نُفُوسِهِمْ، ثُمَّ قالَ: "إنِّي إذًا" لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ "لَمِنَ الظالِمِينَ" الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ الآيَةُ مَعْناهُ: قَدْ طالَ مِنكَ هَذا الجِدالُ، وهو المُراجَعَةُ في الحُجَّةِ والمُخاصَمَةُ والمُقابَلَةُ بِالأقْوالِ حَتّى تَقَعَ الغَلَبَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الجَدْلِ وهو شِدَّةُ الفَتْلِ ومِنهُ: حَبْلٌ مَجْدُولٌ، أيْ مُمَرٍّ، ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّقْرِ أجْدَلُ لِشِدَّةِ …

32

قَالُوا۟ يَٰنُوحُ قَدْ جَٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

They said, "O Noah, you have disputed us and been frequent in dispute of us. So bring us what you threaten us, if you should be of the truthful."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهِ خَيْرًا اللهِ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾

قَوْلُهُ: ﴿وَلا أقُولُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالا﴾ [هود: ٢٩]، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنِّي لا أُمَوِّهُ عَلَيْكم ولا أتَعاطى غَيْرَ ما أهَّلَنِي اللهُ لَهُ، فَلَسْتُ أقُولُ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ، يُرِيدُ القُدْرَةَ الَّتِي يُوجَدُ بِها الشَيْءُ بَعْدَ حالِ عَدَمِهِ، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَوْجُوداتِ كالرِياحِ والماءِ، ونَحْوُهُ كَثِيرٌ بِإبْداعِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَإنَّ سُمِّي ذَلِكَ- عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ- مُخْتَزَنًا فَيُشْبِهُ. ألا تَرى المَرْوِيَّ في في أمْرِ رِيحِ عادٍ أنَّهُ فَتَحَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِيحِ قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ، ولَوْ كانَ عَلى قَدْرِ مِنخَرِ الثَوْرِ لِأهْلَكَ الأرْضَ. ورُوِيَ أنَّ الرِيحَ عَتَتْ عَلى المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِتَقْدِيرِها فَلِذَلِكَ وصَفَها اللهُ تَعالى بِالعُتُوِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: عَتَتْ عَلى الخَزّانِ. فَهَذا ونَحْوُهُ يَقْتَضِي أنَّ ثَمَّ خَزائِنَ. ثُمَّ قالَ: ﴿وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾، ثُمَّ انْحَطَّ عَلى هاتَيْنِ فَقالَ: ﴿وَلا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾، ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ فَضْلُ المَلَكِ عَلى البَشَرِ وعَلى النَبِيِّ ﷺ وهي مَسْألَةُ اخْتِلافٍ. وظَواهِرُ القُرْآنِ عَلى ما قُلْناهُ. وإنْ أخَذْنا قَوْلَهُ: ﴿وَلا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ عَلى حَدِّ أنْ لَوْ قالَ: "وَلا أقُولُ إنِّي كَوْكَبٌ أو نَحْوُهُ" زالَتْ طَرِيقَةُ التَفْضِيلِ، ولَكِنَّ الظاهِرَ هو ما ذَكَرْنا.

و"تَزْدَرِي" أصْلُهُ: تَزْتَرِي "تَفْتَعِلُ" مَن زَرى يَزْرِي ومَعْنى "تَزْدَرِي": تَحْتَقِرُ. و"الخَيْرُ" هُنا يَظْهَرُ فِيهِ أنَّهُ خَيْرُ الآخِرَةِ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ازْدِراؤُهم مِن جِهَةِ الفَقْرِ، فَيَكُونُ الخَيْرُ المالَ وقَدْ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: حَيْثُما ذَكَرَ اللهُ الخَيْرَ في القُرْآنِ فَهو المالُ. وفي هَذا الكَلامِ تَحامُلٌ، والَّذِي يُشْبِهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حَيْثُما ذُكِرَ الخَيْرُ فَإنَّ المالَ يَدْخُلُ فِيهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿اللهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ تَسْلِيمٌ لِلَّهِ تَعالى، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِن هَذا وإنَّما يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ويَخْرُجُ حُكْمُهُ إلى حَيِّزِ الوُجُودِ اللهُ تَعالى الَّذِي يَعْلَمُ ما في نُفُوسِهِمْ ويُجازِيهِمْ بِذَلِكَ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمُ:اتَّبَعَكَ أراذِلُنا عَلى ما يَظْهَرُ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

حَسَبَما تَقَدَّمَ في بَعْضِ تَأْوِيلاتِ تِلْكَ الآيَةِ آنِفًا، فالمَعْنى لَسْتُ أنا أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِألّا يَكُونَ لَهم خَيْرٌ بِظَنِّكم بِهِمْ أنَّ بَواطِنَهم لَيْسَتْ كَظَواهِرِهِمْ، اللهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِما في نُفُوسِهِمْ، ثُمَّ قالَ: "إنِّي إذًا" لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ "لَمِنَ الظالِمِينَ" الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ الآيَةُ مَعْناهُ: قَدْ طالَ مِنكَ هَذا الجِدالُ، وهو المُراجَعَةُ في الحُجَّةِ والمُخاصَمَةُ والمُقابَلَةُ بِالأقْوالِ حَتّى تَقَعَ الغَلَبَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الجَدْلِ وهو شِدَّةُ الفَتْلِ ومِنهُ: حَبْلٌ مَجْدُولٌ، أيْ مُمَرٍّ، ومِنهُ قِيلَ: لِلصَّقْرِ أجْدَلُ لِشِدَّةِ …

33

قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

He said, "Allah will only bring it to you if He wills, and you will not cause [Him] failure.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿وَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾

المَعْنى: لَيْسَ ذَلِكَ بِيَدِي ولا إلَيَّ تَوْفِيَتُهُ، وإنَّما ذَلِكَ بِيَدِ اللهِ وهو الآتِي بِهِ إنْ شاءَ وإذا شاءَ، ولَسْتُمْ مِنَ المَنَعَةِ بِحالِ مَن يُفْلِتُ أو يَعْتَصِمُ بِمُنْجٍ، وإنَّما في قَبْضَةِ القُدْرَةِ وتَحْتَ ذِلَّةِ المُتَمَلِّكِ، ولَيْسَ نُصْحِي بِنافِعٍ ولا إرادَتِي الخَيْرَ لَكم مُغْنِيَةٌ إذا كانَ اللهُ تَعالى قَدْ أرادَ بِكُمُ الإغْواءَ والإضْلالَ والإهْلاكَ. والشَرْطُ الثانِي اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامِ، وفِيهِ بَلاغَةٌ في اقْتِرانِ الإرادَتَيْنِ. وأنَّ إرادَةَ البَشَرِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ، وتَعَلُّقُ هَذا الشَرْطِ هو بِـ "نُصْحِي"، وتَعَلُّقُ الآخَرِ هو بِـ "لا يَنْفَعُ". والنُصْحُ هو سَدُّ ثَلْمِ الرَأْيِ لِلْمَنصُوحِ وتَرْقِيعُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن نَصَحَ الثَوْبَ إذا خاطَهُ، والمِنصَحُ الإبْرَةُ، والمَخِيطُ يُقالُ لَهُ مِنصَحٌ ونَصاحٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: "يُغْوِيَكُمْ": يُضِلَّكُمْ، مِن قَوْلِهِمْ غَوى الرَجُلُ يَغْوى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ الناسُ أمْرَهُ ∗∗∗ ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما

وإذا كانَ هَذا مَعْنى اللَفْظَةِ، فَفي الآيَةِ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ إنَّ الضَلالَ إنَّما هو مِنَ العَبْدِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: يُغْوِيَكُمْ: يُهْلِكُكُمْ، والغَوى المَرَضُ والهَلاكُ وفي لُغَةِ طَيِّئٍ: أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا، أيْ: مَرِيضًا، والغَوى: بَشَمُ الفَصِيلِ، قالَهُ يَعْقُوبُ في الإصْلاحِ. وقِيلَ: فَقْدُهُ اللَبَنَ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا، قالَهُ الفَرّاءُ وحَكاهُ الطَبَرِيُّ. يُقالُ غَوى يَغْوى، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهُ الَّذِي قُطِعَ عنهُ اللَبَنُ حَتّى كادَ يَهْلَكُ ولَمّا يَهْلَكْ بَعْدُ، فَإذا كانَ هَذا مَعْنى اللَفْظَةِ زالَ مَوْضِعُ النَظَرِ بَيْنَ أهْلِ السُنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ، وبَقِيَ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِما هو أبْيَنُ مِن هَذِهِ الآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] ونَحْوِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأعْتَقِد مكي أنَّ لِلْمُعْتَزِلَةِ تَعَلُّقًا وحُجَّةً بالِغَةً بِهَذا التَأْوِيلِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ وأفْرَطَ حَتّى أنْكَرَ أنْ يَكُونَ الغَوى بِمَعْنى الهَلاكِ مَوْجُودًا في لِسانِ العَرَبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾، تَنْبِيهٌ عَلى المَعْرِفَةِ بِالخالِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إخْبارٌ في ضِمْنِهِ وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الآيَةُ، قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُتَأوِّلِينَ والمُؤَلِّفِينَ في التَفْسِيرِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ اعْتَرَضَتْ في قِصَّةِ نُوحٍ وهي شَأْنُ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ كُفّارِ قُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: افْتَرى القُرْآنُ وافْتَرى هَذِهِ القِصَّةَ عَلى نُوحٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا لَوْ صَحَّ بِسَنَدٍ وجَبَ الوُقُوفُ عِنْدَهُ، وإلّا فَهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في شَأْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، ويَبْقى اتِّساقُ الآيَةَ مُطَّرِدًا، ويَكُونُ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: افْتَراهُ عائِدًا إلى العَذابِ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ أو عَلى جَمِيعِ أخْبارِهِ، وأوقَعَ الِافْتِراءَ عَلى العَذابِ …

34

وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

And my advice will not benefit you - although I wished to advise you - If Allah should intend to put you in error. He is your Lord, and to Him you will be returned."

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿وَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾

المَعْنى: لَيْسَ ذَلِكَ بِيَدِي ولا إلَيَّ تَوْفِيَتُهُ، وإنَّما ذَلِكَ بِيَدِ اللهِ وهو الآتِي بِهِ إنْ شاءَ وإذا شاءَ، ولَسْتُمْ مِنَ المَنَعَةِ بِحالِ مَن يُفْلِتُ أو يَعْتَصِمُ بِمُنْجٍ، وإنَّما في قَبْضَةِ القُدْرَةِ وتَحْتَ ذِلَّةِ المُتَمَلِّكِ، ولَيْسَ نُصْحِي بِنافِعٍ ولا إرادَتِي الخَيْرَ لَكم مُغْنِيَةٌ إذا كانَ اللهُ تَعالى قَدْ أرادَ بِكُمُ الإغْواءَ والإضْلالَ والإهْلاكَ. والشَرْطُ الثانِي اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامِ، وفِيهِ بَلاغَةٌ في اقْتِرانِ الإرادَتَيْنِ. وأنَّ إرادَةَ البَشَرِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ، وتَعَلُّقُ هَذا الشَرْطِ هو بِـ "نُصْحِي"، وتَعَلُّقُ الآخَرِ هو بِـ "لا يَنْفَعُ". والنُصْحُ هو سَدُّ ثَلْمِ الرَأْيِ لِلْمَنصُوحِ وتَرْقِيعُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن نَصَحَ الثَوْبَ إذا خاطَهُ، والمِنصَحُ الإبْرَةُ، والمَخِيطُ يُقالُ لَهُ مِنصَحٌ ونَصاحٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: "يُغْوِيَكُمْ": يُضِلَّكُمْ، مِن قَوْلِهِمْ غَوى الرَجُلُ يَغْوى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ الناسُ أمْرَهُ ∗∗∗ ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما

وإذا كانَ هَذا مَعْنى اللَفْظَةِ، فَفي الآيَةِ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ إنَّ الضَلالَ إنَّما هو مِنَ العَبْدِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: يُغْوِيَكُمْ: يُهْلِكُكُمْ، والغَوى المَرَضُ والهَلاكُ وفي لُغَةِ طَيِّئٍ: أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا، أيْ: مَرِيضًا، والغَوى: بَشَمُ الفَصِيلِ، قالَهُ يَعْقُوبُ في الإصْلاحِ. وقِيلَ: فَقْدُهُ اللَبَنَ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا، قالَهُ الفَرّاءُ وحَكاهُ الطَبَرِيُّ. يُقالُ غَوى يَغْوى، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهُ الَّذِي قُطِعَ عنهُ اللَبَنُ حَتّى كادَ يَهْلَكُ ولَمّا يَهْلَكْ بَعْدُ، فَإذا كانَ هَذا مَعْنى اللَفْظَةِ زالَ مَوْضِعُ النَظَرِ بَيْنَ أهْلِ السُنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ، وبَقِيَ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِما هو أبْيَنُ مِن هَذِهِ الآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] ونَحْوِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأعْتَقِد مكي أنَّ لِلْمُعْتَزِلَةِ تَعَلُّقًا وحُجَّةً بالِغَةً بِهَذا التَأْوِيلِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ وأفْرَطَ حَتّى أنْكَرَ أنْ يَكُونَ الغَوى بِمَعْنى الهَلاكِ مَوْجُودًا في لِسانِ العَرَبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾، تَنْبِيهٌ عَلى المَعْرِفَةِ بِالخالِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إخْبارٌ في ضِمْنِهِ وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الآيَةُ، قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُتَأوِّلِينَ والمُؤَلِّفِينَ في التَفْسِيرِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ اعْتَرَضَتْ في قِصَّةِ نُوحٍ وهي شَأْنُ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ كُفّارِ قُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: افْتَرى القُرْآنُ وافْتَرى هَذِهِ القِصَّةَ عَلى نُوحٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا لَوْ صَحَّ بِسَنَدٍ وجَبَ الوُقُوفُ عِنْدَهُ، وإلّا فَهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في شَأْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، ويَبْقى اتِّساقُ الآيَةَ مُطَّرِدًا، ويَكُونُ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: افْتَراهُ عائِدًا إلى العَذابِ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ أو عَلى جَمِيعِ أخْبارِهِ، وأوقَعَ الِافْتِراءَ عَلى العَذابِ …

35

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُجْرِمُونَ

Or do they say [about Prophet Muhammad], "He invented it"? Say, "If I have invented it, then upon me is [the consequence of] my crime; but I am innocent of what [crimes] you commit."

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿وَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾

المَعْنى: لَيْسَ ذَلِكَ بِيَدِي ولا إلَيَّ تَوْفِيَتُهُ، وإنَّما ذَلِكَ بِيَدِ اللهِ وهو الآتِي بِهِ إنْ شاءَ وإذا شاءَ، ولَسْتُمْ مِنَ المَنَعَةِ بِحالِ مَن يُفْلِتُ أو يَعْتَصِمُ بِمُنْجٍ، وإنَّما في قَبْضَةِ القُدْرَةِ وتَحْتَ ذِلَّةِ المُتَمَلِّكِ، ولَيْسَ نُصْحِي بِنافِعٍ ولا إرادَتِي الخَيْرَ لَكم مُغْنِيَةٌ إذا كانَ اللهُ تَعالى قَدْ أرادَ بِكُمُ الإغْواءَ والإضْلالَ والإهْلاكَ. والشَرْطُ الثانِي اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامِ، وفِيهِ بَلاغَةٌ في اقْتِرانِ الإرادَتَيْنِ. وأنَّ إرادَةَ البَشَرِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ، وتَعَلُّقُ هَذا الشَرْطِ هو بِـ "نُصْحِي"، وتَعَلُّقُ الآخَرِ هو بِـ "لا يَنْفَعُ". والنُصْحُ هو سَدُّ ثَلْمِ الرَأْيِ لِلْمَنصُوحِ وتَرْقِيعُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن نَصَحَ الثَوْبَ إذا خاطَهُ، والمِنصَحُ الإبْرَةُ، والمَخِيطُ يُقالُ لَهُ مِنصَحٌ ونَصاحٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: "يُغْوِيَكُمْ": يُضِلَّكُمْ، مِن قَوْلِهِمْ غَوى الرَجُلُ يَغْوى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ الناسُ أمْرَهُ ∗∗∗ ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما

وإذا كانَ هَذا مَعْنى اللَفْظَةِ، فَفي الآيَةِ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ إنَّ الضَلالَ إنَّما هو مِنَ العَبْدِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: يُغْوِيَكُمْ: يُهْلِكُكُمْ، والغَوى المَرَضُ والهَلاكُ وفي لُغَةِ طَيِّئٍ: أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا، أيْ: مَرِيضًا، والغَوى: بَشَمُ الفَصِيلِ، قالَهُ يَعْقُوبُ في الإصْلاحِ. وقِيلَ: فَقْدُهُ اللَبَنَ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا، قالَهُ الفَرّاءُ وحَكاهُ الطَبَرِيُّ. يُقالُ غَوى يَغْوى، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهُ الَّذِي قُطِعَ عنهُ اللَبَنُ حَتّى كادَ يَهْلَكُ ولَمّا يَهْلَكْ بَعْدُ، فَإذا كانَ هَذا مَعْنى اللَفْظَةِ زالَ مَوْضِعُ النَظَرِ بَيْنَ أهْلِ السُنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ، وبَقِيَ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِما هو أبْيَنُ مِن هَذِهِ الآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] ونَحْوِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأعْتَقِد مكي أنَّ لِلْمُعْتَزِلَةِ تَعَلُّقًا وحُجَّةً بالِغَةً بِهَذا التَأْوِيلِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ وأفْرَطَ حَتّى أنْكَرَ أنْ يَكُونَ الغَوى بِمَعْنى الهَلاكِ مَوْجُودًا في لِسانِ العَرَبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾، تَنْبِيهٌ عَلى المَعْرِفَةِ بِالخالِقِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إخْبارٌ في ضِمْنِهِ وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الآيَةُ، قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُتَأوِّلِينَ والمُؤَلِّفِينَ في التَفْسِيرِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ اعْتَرَضَتْ في قِصَّةِ نُوحٍ وهي شَأْنُ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ كُفّارِ قُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: افْتَرى القُرْآنُ وافْتَرى هَذِهِ القِصَّةَ عَلى نُوحٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا لَوْ صَحَّ بِسَنَدٍ وجَبَ الوُقُوفُ عِنْدَهُ، وإلّا فَهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في شَأْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، ويَبْقى اتِّساقُ الآيَةَ مُطَّرِدًا، ويَكُونُ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: افْتَراهُ عائِدًا إلى العَذابِ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ أو عَلى جَمِيعِ أخْبارِهِ، وأوقَعَ الِافْتِراءَ عَلى العَذابِ …

36

وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

And it was revealed to Noah that, "No one will believe from your people except those who have already believed, so do not be distressed by what they have been doing.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾

قَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: "وَأوحى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، "إنَّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقِيلَ: لِنُوحٍ هَذا بَعْدَ أنْ طالَ عَلَيْهِ كُفْرُ القَرْنِ بَعْدَ القَرْنِ بِهِ، وكانَ يَأْتِيهِ الرَجُلُ بِابْنِهِ فَيَقُولُ: يا بُنَيَّ لا تُصَدِّقْ هَذا الشَيْخَ فَهَكَذا عَهِدَهُ أبِي وجَدِّي كَذّابًا مَجْنُونًا رَواهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وغَيْرُهُ، وهَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي أيْأسَتْ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ مِن قَوْمِهِ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُوحِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ دَعا فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦].

و"تَبْتَئِسْ" مِنَ البُؤْسِ تَفْتَعِلُ، ومَعْناهُ: لا تُحْزِنْ نَفْسَكَ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ- وهو لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ-:

؎ في مَأْتَمٍ كَنِعاجٍ صا ∗∗∗ رَةَ يَبْتَئِسْنَ بِما لَقِينا

صارَةُ: مَوْضِعٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي أمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ تَدافُعٌ في ظاهِرِ الآياتِ والأحادِيثِ يَنْبَغِي أنْ نُخَلِّصَ القَوْلَ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّ ظاهِرَ أمْرِهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ دَعا عَلى الكافِرِينَ عامَّةً مِن جَمِيعِ الأُمَمِ ولَمْ يَخُصَّ قَوْمَهُ دُونَ غَيْرِهِمْ، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ وكُتُبُ التَفاسِيرِ بِأنَّ الغَرَقَ نالَ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ وعَمَّ الماءُ جَمِيعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، ويُوجِبُ ذَلِكَ أمْرَ نُوحٍ بِحَمْلِ الأزْواجِ مِنَ الحَيَوانِ، ولَوْلا خَوْفُ إفْناءِ أجْناسِها مِن جَمِيعِ الأرْضِ، ما كانَ ذَلِكَ، فَلا يَتَّفِقُ لَنا أنْ نَقُولَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ غَيْرُ قَوْمِ نُوحٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، لِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ نُوحٌ بُعِثَ إلى جَمِيعِ الناسِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ هَذِهِ الفَضِيلَةَ خاصَّةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِقَوْلِهِ: « "أُوتِيتُ خَمْسًا لَمْ يُؤْتَهُنَّ أحَدٌ قَبَلِي"». فَلا بُدَّ أنْ نُقَرِّرَ كَثِيرًا مِنَ الأُمَمِ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإذا كانَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ اسْتَحَقُّوا العُقُوبَةَ في جَمْعِهِمْ ونُوحٌ لَمْ يُبْعَثْ إلى كُلِّهِمْ؟ وكُنّا نُقَدِّرُ هُنا أنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ إلَيْهِمْ رُسُلًا قَبْلَ نُوحٍ فَكَفَرُوا بِهِمْ واسْتَمَرَّ كُفْرُهُمْ، لَوْلا أنّا نَجْدُ الحَدِيثَ يَنْطِقُ بِأنَّ نُوحًا هو أوَّلُ الرُسُلِ إلى أهْلِ الأرْضِ ولا يُمْكِنُ أيْضًا أنْ نَقُولَ: عُذِّبُوا دُونَ رِسالَةٍ ونَحْنُ نَجِدُ في القُرْآنِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥].

والتَأْوِيلُ المُخَلِّصُ مِن هَذا كُلِّهِ هو أنْ نَقُولَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ إلى كُفّارٍ مِن أهْلِ الأرْضِ لِيُصْلِحَ الخَلْقَ ويُبالِغَ في التَبْلِيغِ ويَحْتَمِلَ المَشَقَّةَ مِنَ الناسِ- بِحَسَبِ ما ثَبَتَ في الحَدِيثِ- ثُمَّ نَقُولُ: إنَّهُ بُعِثَ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً بِالتَبْلِيغِ والدُعاءِ والتَنْبِيهِ، وبَقِيَ أُمَمٌ في الأرْضِ لَمْ يُكَلَّفِ القَوْلَ لَهُمْ، فَتَصِحُّ الخاصَّةُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ الأُمَمَ الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ لِيُخاطِبَها إذا كانَتْ بِحالِ كَفْرٍ وعِبادَةِ أوثانٍ، وكانَتِ الأدِلَّةُ عَلى اللهِ تَعالى مَنصُوبَةً مُعَرَّضَةً لِلنَّظَرِ، وكانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ النَظَرِ مِن جِهَةِ إدْراكِهِمْ، وكانَ الشَرْعُ- بِبَعْثِ نُوحٍ- مَوْجُودًا مُسْتَقِرًّا.

فَقَدْ وجَبَ عَلَيْهِمُ …

37

وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ

And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مِن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾

قَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: "وَأوحى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، "إنَّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقِيلَ: لِنُوحٍ هَذا بَعْدَ أنْ طالَ عَلَيْهِ كُفْرُ القَرْنِ بَعْدَ القَرْنِ بِهِ، وكانَ يَأْتِيهِ الرَجُلُ بِابْنِهِ فَيَقُولُ: يا بُنَيَّ لا تُصَدِّقْ هَذا الشَيْخَ فَهَكَذا عَهِدَهُ أبِي وجَدِّي كَذّابًا مَجْنُونًا رَواهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وغَيْرُهُ، وهَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي أيْأسَتْ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ مِن قَوْمِهِ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُوحِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ دَعا فَقالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦].

و"تَبْتَئِسْ" مِنَ البُؤْسِ تَفْتَعِلُ، ومَعْناهُ: لا تُحْزِنْ نَفْسَكَ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ- وهو لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ-:

؎ في مَأْتَمٍ كَنِعاجٍ صا ∗∗∗ رَةَ يَبْتَئِسْنَ بِما لَقِينا

صارَةُ: مَوْضِعٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي أمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ تَدافُعٌ في ظاهِرِ الآياتِ والأحادِيثِ يَنْبَغِي أنْ نُخَلِّصَ القَوْلَ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّ ظاهِرَ أمْرِهِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ دَعا عَلى الكافِرِينَ عامَّةً مِن جَمِيعِ الأُمَمِ ولَمْ يَخُصَّ قَوْمَهُ دُونَ غَيْرِهِمْ، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ وكُتُبُ التَفاسِيرِ بِأنَّ الغَرَقَ نالَ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ وعَمَّ الماءُ جَمِيعَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، ويُوجِبُ ذَلِكَ أمْرَ نُوحٍ بِحَمْلِ الأزْواجِ مِنَ الحَيَوانِ، ولَوْلا خَوْفُ إفْناءِ أجْناسِها مِن جَمِيعِ الأرْضِ، ما كانَ ذَلِكَ، فَلا يَتَّفِقُ لَنا أنْ نَقُولَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ غَيْرُ قَوْمِ نُوحٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، لِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ نُوحٌ بُعِثَ إلى جَمِيعِ الناسِ، وقَدْ صَحَّ أنَّ هَذِهِ الفَضِيلَةَ خاصَّةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِقَوْلِهِ: « "أُوتِيتُ خَمْسًا لَمْ يُؤْتَهُنَّ أحَدٌ قَبَلِي"». فَلا بُدَّ أنْ نُقَرِّرَ كَثِيرًا مِنَ الأُمَمِ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإذا كانَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ اسْتَحَقُّوا العُقُوبَةَ في جَمْعِهِمْ ونُوحٌ لَمْ يُبْعَثْ إلى كُلِّهِمْ؟ وكُنّا نُقَدِّرُ هُنا أنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ إلَيْهِمْ رُسُلًا قَبْلَ نُوحٍ فَكَفَرُوا بِهِمْ واسْتَمَرَّ كُفْرُهُمْ، لَوْلا أنّا نَجْدُ الحَدِيثَ يَنْطِقُ بِأنَّ نُوحًا هو أوَّلُ الرُسُلِ إلى أهْلِ الأرْضِ ولا يُمْكِنُ أيْضًا أنْ نَقُولَ: عُذِّبُوا دُونَ رِسالَةٍ ونَحْنُ نَجِدُ في القُرْآنِ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥].

والتَأْوِيلُ المُخَلِّصُ مِن هَذا كُلِّهِ هو أنْ نَقُولَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ رَسُولٍ بُعِثَ إلى كُفّارٍ مِن أهْلِ الأرْضِ لِيُصْلِحَ الخَلْقَ ويُبالِغَ في التَبْلِيغِ ويَحْتَمِلَ المَشَقَّةَ مِنَ الناسِ- بِحَسَبِ ما ثَبَتَ في الحَدِيثِ- ثُمَّ نَقُولُ: إنَّهُ بُعِثَ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً بِالتَبْلِيغِ والدُعاءِ والتَنْبِيهِ، وبَقِيَ أُمَمٌ في الأرْضِ لَمْ يُكَلَّفِ القَوْلَ لَهُمْ، فَتَصِحُّ الخاصَّةُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ الأُمَمَ الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ لِيُخاطِبَها إذا كانَتْ بِحالِ كَفْرٍ وعِبادَةِ أوثانٍ، وكانَتِ الأدِلَّةُ عَلى اللهِ تَعالى مَنصُوبَةً مُعَرَّضَةً لِلنَّظَرِ، وكانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ النَظَرِ مِن جِهَةِ إدْراكِهِمْ، وكانَ الشَرْعُ- بِبَعْثِ نُوحٍ- مَوْجُودًا مُسْتَقِرًّا.

فَقَدْ وجَبَ عَلَيْهِمُ …

38

وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ

And he constructed the ship, and whenever an assembly of the eminent of his people passed by him, they ridiculed him. He said, "If you ridicule us, then we will ridicule you just as you ridicule.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مِن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾

التَقْدِيرُ: فَشَرَعَ يَصْنَعُ فَحُكِيَتْ حالُ الِاسْتِقْبالِ، إذْ في خِلالِها وقَعَ مُرُورُهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَنَعَ نُوحٌ الفُلْكَ بِبِقاعِ دِمَشْقَ وأخَذَ عُودَها مِن لُبْنانَ وعُودَها مِنَ الشَمْشادِ وهو البَقْصُ. ورُوِيَ أنَّ عُودَها مِنَ الساجِ، وأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ اغْتَرَسَهُ حَتّى كَبُرَ في أرْبَعِينَ سَنَةً ورُوِيَ أنَّ طُولَ السَفِينَةِ ألْفُ ذِراعٍ ومِائَتانِ، وعَرَضَها سِتُّمِائَةِ ذِراعٍ، ذَكَرَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وقِيلَ: طُولُها ثَلاثُمِائَةِ ذِراعٍ وعَرْضُها خَمْسُونَ ذِراعًا، وطُولُها في السَماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا، ذَكَرَهُ قَتادَةُ، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا لَمْ يَثْبُتْ، فاخْتَصَرْتُ ذِكْرَهُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ حَدِيثَ إحْياءِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ لِسامِ بْنِ نُوحٍ وسُؤالِهِ إيّاهُ عن أمْرِ السَفِينَةِ فَذَكَرَ أنَّها ثَلاثُ طَبَقاتٍ: طَبَقَةٌ لِلنّاسِ، وطَبَقَةٌ لِلْبَهائِمِ، وطَبَقَةٌ لِلطَّيْرِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.

و"المَلَأُ" هُنا الجَماعَةُ، و"سَخِرُوا" مَعْناهُ: اسْتَجْهَلُوهُ، وهَذا الِاسْتِجْهالُ إنْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا قَبْلُ رَأوا سَفِينَةً ولا كانَتْ- فَوَجْهُ الِاسْتِجْهالِ واضِحٌ. وبِذَلِكَ تَظاهَرَتِ التَفاسِيرُ وإنْ كانَتِ السَفائِنُ حِينَئِذٍ مَعْرُوفَةً فاسْتَجْهَلُوهُ في أنَّ صُنْعَها في مَوْضِعٍ لا قُرْبَ لَها مِنَ البَحْرِ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لَهُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ النُبُوَّةِ؟

وقَوْلُهُ: ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ: في الآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَحْتَمِلُ الكَلامُ -بَلْ هو الأرْجَحُ- أنْ يُرِيدَ: إنّا نَسْخَرُ مِنكُمُ الآنَ، أيْ نَسْتَجْهِلُكم لِعِلْمِنا بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الغَرَرِ مَعَ اللهِ تَعالى والكَوْنِ بِمُدْرَجِ عَذابِهِ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدًا، والسُخْرُ: الِاسْتِجْهالُ مَعَ اسْتِهْزاءٍ، ومَصْدَرُهُ: سُخْرى بِضَمِّ السِينِ، والمَصْدَرُ مِنَ السُخْرَةِ والتَسْخِيرِ سِخْرى بِكَسْرِها.

و"العَذابُ المُخْزِي" هو الغَرَقُ، و"المُقِيمُ" هو عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهُ يَقْرَأُ "وَيَحُلُّ" بِضَمِّ الحاءِ، ويَقْرَأُ "وَيَحِلُّ" بِكَسْرِها، بِمَعْنى ويَجِبُ. ومَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "تَعْلَمُونَ". وجازَ أنْ يَكُونَ "تَعْلَمُونَ" بِمَثابَةِ "تَعْرِفُونَ" في التَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ التَعْدِيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ واقْتُصِرَ عَلى الواحِدِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ الآيَةُ، الأمْرُ هاهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أمَرَ، فَمَعْناهُ أمْرُنا لِلْماءِ بِالفَوَرانِ، أو لِلسَّحابِ بِالإرْسالِ، أو لِلْمَلائِكَةِ بِالتَصَرُّفِ في ذَلِكَ، ونَحْوِ هَذا مِمّا يُقَدَّرُ في النازِلَةِ و"وَفارَ" مَعْناهُ: انْبَعَثَ بِقُوَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ في "التَنُّورُ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهِيَ الأكْثَرُ- مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هو تَنُّورُ الخُبْزِ الَّذِي يُوقَدُ فِيهِ، وقالَتْ …

39

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ

And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مِن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾

التَقْدِيرُ: فَشَرَعَ يَصْنَعُ فَحُكِيَتْ حالُ الِاسْتِقْبالِ، إذْ في خِلالِها وقَعَ مُرُورُهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَنَعَ نُوحٌ الفُلْكَ بِبِقاعِ دِمَشْقَ وأخَذَ عُودَها مِن لُبْنانَ وعُودَها مِنَ الشَمْشادِ وهو البَقْصُ. ورُوِيَ أنَّ عُودَها مِنَ الساجِ، وأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ اغْتَرَسَهُ حَتّى كَبُرَ في أرْبَعِينَ سَنَةً ورُوِيَ أنَّ طُولَ السَفِينَةِ ألْفُ ذِراعٍ ومِائَتانِ، وعَرَضَها سِتُّمِائَةِ ذِراعٍ، ذَكَرَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وقِيلَ: طُولُها ثَلاثُمِائَةِ ذِراعٍ وعَرْضُها خَمْسُونَ ذِراعًا، وطُولُها في السَماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا، ذَكَرَهُ قَتادَةُ، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا لَمْ يَثْبُتْ، فاخْتَصَرْتُ ذِكْرَهُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ حَدِيثَ إحْياءِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ لِسامِ بْنِ نُوحٍ وسُؤالِهِ إيّاهُ عن أمْرِ السَفِينَةِ فَذَكَرَ أنَّها ثَلاثُ طَبَقاتٍ: طَبَقَةٌ لِلنّاسِ، وطَبَقَةٌ لِلْبَهائِمِ، وطَبَقَةٌ لِلطَّيْرِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.

و"المَلَأُ" هُنا الجَماعَةُ، و"سَخِرُوا" مَعْناهُ: اسْتَجْهَلُوهُ، وهَذا الِاسْتِجْهالُ إنْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا قَبْلُ رَأوا سَفِينَةً ولا كانَتْ- فَوَجْهُ الِاسْتِجْهالِ واضِحٌ. وبِذَلِكَ تَظاهَرَتِ التَفاسِيرُ وإنْ كانَتِ السَفائِنُ حِينَئِذٍ مَعْرُوفَةً فاسْتَجْهَلُوهُ في أنَّ صُنْعَها في مَوْضِعٍ لا قُرْبَ لَها مِنَ البَحْرِ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لَهُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ النُبُوَّةِ؟

وقَوْلُهُ: ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ: في الآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَحْتَمِلُ الكَلامُ -بَلْ هو الأرْجَحُ- أنْ يُرِيدَ: إنّا نَسْخَرُ مِنكُمُ الآنَ، أيْ نَسْتَجْهِلُكم لِعِلْمِنا بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الغَرَرِ مَعَ اللهِ تَعالى والكَوْنِ بِمُدْرَجِ عَذابِهِ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدًا، والسُخْرُ: الِاسْتِجْهالُ مَعَ اسْتِهْزاءٍ، ومَصْدَرُهُ: سُخْرى بِضَمِّ السِينِ، والمَصْدَرُ مِنَ السُخْرَةِ والتَسْخِيرِ سِخْرى بِكَسْرِها.

و"العَذابُ المُخْزِي" هو الغَرَقُ، و"المُقِيمُ" هو عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهُ يَقْرَأُ "وَيَحُلُّ" بِضَمِّ الحاءِ، ويَقْرَأُ "وَيَحِلُّ" بِكَسْرِها، بِمَعْنى ويَجِبُ. ومَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "تَعْلَمُونَ". وجازَ أنْ يَكُونَ "تَعْلَمُونَ" بِمَثابَةِ "تَعْرِفُونَ" في التَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ التَعْدِيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ واقْتُصِرَ عَلى الواحِدِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ الآيَةُ، الأمْرُ هاهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أمَرَ، فَمَعْناهُ أمْرُنا لِلْماءِ بِالفَوَرانِ، أو لِلسَّحابِ بِالإرْسالِ، أو لِلْمَلائِكَةِ بِالتَصَرُّفِ في ذَلِكَ، ونَحْوِ هَذا مِمّا يُقَدَّرُ في النازِلَةِ و"وَفارَ" مَعْناهُ: انْبَعَثَ بِقُوَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ في "التَنُّورُ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهِيَ الأكْثَرُ- مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هو تَنُّورُ الخُبْزِ الَّذِي يُوقَدُ فِيهِ، وقالَتْ …

40

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ

[So it was], until when Our command came and the oven overflowed, We said, "Load upon the ship of each [creature] two mates and your family, except those about whom the word has preceded, and [include] whoever has believed." But none had believed with him, except a few.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مِن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾

التَقْدِيرُ: فَشَرَعَ يَصْنَعُ فَحُكِيَتْ حالُ الِاسْتِقْبالِ، إذْ في خِلالِها وقَعَ مُرُورُهُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَنَعَ نُوحٌ الفُلْكَ بِبِقاعِ دِمَشْقَ وأخَذَ عُودَها مِن لُبْنانَ وعُودَها مِنَ الشَمْشادِ وهو البَقْصُ. ورُوِيَ أنَّ عُودَها مِنَ الساجِ، وأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ اغْتَرَسَهُ حَتّى كَبُرَ في أرْبَعِينَ سَنَةً ورُوِيَ أنَّ طُولَ السَفِينَةِ ألْفُ ذِراعٍ ومِائَتانِ، وعَرَضَها سِتُّمِائَةِ ذِراعٍ، ذَكَرَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وقِيلَ: طُولُها ثَلاثُمِائَةِ ذِراعٍ وعَرْضُها خَمْسُونَ ذِراعًا، وطُولُها في السَماءِ ثَلاثُونَ ذِراعًا، ذَكَرَهُ قَتادَةُ، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا لَمْ يَثْبُتْ، فاخْتَصَرْتُ ذِكْرَهُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ حَدِيثَ إحْياءِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ لِسامِ بْنِ نُوحٍ وسُؤالِهِ إيّاهُ عن أمْرِ السَفِينَةِ فَذَكَرَ أنَّها ثَلاثُ طَبَقاتٍ: طَبَقَةٌ لِلنّاسِ، وطَبَقَةٌ لِلْبَهائِمِ، وطَبَقَةٌ لِلطَّيْرِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.

و"المَلَأُ" هُنا الجَماعَةُ، و"سَخِرُوا" مَعْناهُ: اسْتَجْهَلُوهُ، وهَذا الِاسْتِجْهالُ إنْ كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا قَبْلُ رَأوا سَفِينَةً ولا كانَتْ- فَوَجْهُ الِاسْتِجْهالِ واضِحٌ. وبِذَلِكَ تَظاهَرَتِ التَفاسِيرُ وإنْ كانَتِ السَفائِنُ حِينَئِذٍ مَعْرُوفَةً فاسْتَجْهَلُوهُ في أنَّ صُنْعَها في مَوْضِعٍ لا قُرْبَ لَها مِنَ البَحْرِ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لَهُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ النُبُوَّةِ؟

وقَوْلُهُ: ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ: في الآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَحْتَمِلُ الكَلامُ -بَلْ هو الأرْجَحُ- أنْ يُرِيدَ: إنّا نَسْخَرُ مِنكُمُ الآنَ، أيْ نَسْتَجْهِلُكم لِعِلْمِنا بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الغَرَرِ مَعَ اللهِ تَعالى والكَوْنِ بِمُدْرَجِ عَذابِهِ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدًا، والسُخْرُ: الِاسْتِجْهالُ مَعَ اسْتِهْزاءٍ، ومَصْدَرُهُ: سُخْرى بِضَمِّ السِينِ، والمَصْدَرُ مِنَ السُخْرَةِ والتَسْخِيرِ سِخْرى بِكَسْرِها.

و"العَذابُ المُخْزِي" هو الغَرَقُ، و"المُقِيمُ" هو عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهُ يَقْرَأُ "وَيَحُلُّ" بِضَمِّ الحاءِ، ويَقْرَأُ "وَيَحِلُّ" بِكَسْرِها، بِمَعْنى ويَجِبُ. ومَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "تَعْلَمُونَ". وجازَ أنْ يَكُونَ "تَعْلَمُونَ" بِمَثابَةِ "تَعْرِفُونَ" في التَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ التَعْدِيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ واقْتُصِرَ عَلى الواحِدِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ الآيَةُ، الأمْرُ هاهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ أمَرَ، فَمَعْناهُ أمْرُنا لِلْماءِ بِالفَوَرانِ، أو لِلسَّحابِ بِالإرْسالِ، أو لِلْمَلائِكَةِ بِالتَصَرُّفِ في ذَلِكَ، ونَحْوِ هَذا مِمّا يُقَدَّرُ في النازِلَةِ و"وَفارَ" مَعْناهُ: انْبَعَثَ بِقُوَّةٍ واخْتَلَفَ الناسُ في "التَنُّورُ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهِيَ الأكْثَرُ- مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هو تَنُّورُ الخُبْزِ الَّذِي يُوقَدُ فِيهِ، وقالَتْ …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.