Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 31–40 of 123

31

وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌۭ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّىٓ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allah or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel, nor do I say of those upon whom your eyes look down that Allah will never grant them any good. Allah is most knowing of what is within their souls. Indeed, I would then be among the wrongdoers."

﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّيَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾

هَذا تَفْصِيلٌ لِما رَدَّ بِهِ مَقالَةَ قَوْمِهِ إجْمالًا، فَهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلى نَفْيِ نُبُوَّتِهِ بِأنَّهم لَمْ يَرَوْا لَهُ فَضْلًا عَلَيْهِمْ، فَجاءَ هو في جَوابِهِمْ بِالقَوْلِ بِالمُوجِبِ أنَّهُ لَمْ يَدَعْ فَضْلًا غَيْرِ الوَحْيِ إلَيْهِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْ أنْبِيائِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، ولِذَلِكَ نَفى أنْ يَكُونَ قَدْ ادَّعى غَيْرَ ذَلِكَ. واقْتَصَرَ عَلى بَعْضِ ما يَتَوَهَّمُونَهُ مِن لَوازِمِ النُّبُوَّةِ وهو أنْ يَكُونَ أغْنى مِنهم، أوْ أنْ يَعْلَمَ الأُمُورَ الغائِبَةَ. والقَوْلُ بِمَعْنى الدَّعْوى، وإنَّما نَفى ذَلِكَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُنْتَفٍ عَنْهُ ذَلِكَ في الحالِ، فَأمّا انْتِفاؤُهُ في الماضِي فَمَعْلُومٌ لَدَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَقُلْهُ، أيْ لا تَظُنُّوا أنِّي مُضْمِرٌ ادِّعاءَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ أقُلْهُ.

والخَزائِنُ: جَمْعُ خِزانَةٍ - بِكَسْرِ الخاءِ - وهي بَيْتٌ أوْ مِشْكاةٌ كَبِيرَةٌ يُجْعَلُ لَها بابٌ، وذَلِكَ لِخَزْنِ المالِ أوِ الطَّعامِ، أيْ حِفْظِهِ مِنَ الضَّياعِ. وذِكْرُ الخَزائِنِ هُنا اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ؛ شُبِّهَتِ النِّعَمُ والأشْياءُ النّافِعَةُ بِالأمْوالِ النَّفِيسَةِ الَّتِي تُدَّخَرُ في الخَزائِنِ، ورَمَزَ إلى ذَلِكَ بِذِكْرِ ما هو مِن رَوادِفِ المُشَبَّهِ بِهِ وهو الخَزائِنُ. وإضافَةُ خَزائِنُ إلى اللَّهِ لِاخْتِصاصِ اللَّهِ بِها.

صفحة ٥٨

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ فَنَفْيٌ لِشُبْهَةِ قَوْلِهِمْ ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هود: ٢٧] ولِذَلِكَ أعادَ مَعَهُ فِعْلَ القَوْلِ؛ لِأنَّهُ إبْطالُ دَعْوى أُخْرى ألْصَقُوها بِهِ، وتَأْكِيدُهُ بِـ إنَّ لِأنَّهُ قَوْلٌ لا يَقُولُهُ قائِلُهُ إلّا مُؤَكَّدًا لِشِدَّةِ إنْكارِهِ لَوِ ادَّعاهُ مُدَّعٍ، فَلَمّا نَفاهُ نَفى صِيغَةَ إثْباتِهِ. ولَمّا أرادَ إبْطالَ قَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] أبْطَلَهُ بِطَرِيقَةِ التَّغْلِيطِ لِأنَّهم جَعَلُوا ضَعْفَهم وفَقْرَهم سَبَبًا لِانْتِفاءِ فَضْلِهِمْ، فَأبْطَلَهُ بِأنَّ ضَعْفَهم لَيْسَ بِحائِلٍ بَيْنَهم وبَيْنَ الخَيْرِ مِنَ اللَّهِ إذْ لا ارْتِباطَ بَيْنَ الضَّعْفِ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِن فَقْرٍ وقِلَّةٍ وبَيْنَ الحِرْمانِ مَن نَوالِ الكِمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ والدِّينِيَّةِ، وأعادَ مَعَهُ فِعْلَ القَوْلِ لِأنَّهُ أرادَ مِنَ القَوْلِ مَعْنًى غَيْرَ المُرادِ مِنهُ فِيما قِيلَ، فالقَوْلُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الِاعْتِقادِ لِأنَّ المَرْءَ إنَّما يَقُولُ ما يَعْتَقِدُ، وهي تَعْرِيضِيَّةٌ بِالمُخاطَبِينَ لِأنَّهم يُضْمِرُونَ ذَلِكَ ويُقَدِّرُونَهُ.

والِازْدِراءُ: افْتِعالٌ مِنَ الزَّرْيِ وهو الِاحْتِقارُ وإلْصاقُ العَيْبِ، فَأصْلُهُ: ازْتِراءٌ، قُلِبَتْ تاءُ الِافْتِعالِ دالًا بَعْدَ الزّايِ كَما قُلِبَتْ في الِازْدِيادِ.

وإسْنادُ الِازْدِراءِ إلى الأعْيُنِ وإنَّما هو مِن أفْعالِ النَّفْسِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الأعْيُنَ سَبَبُ الِازْدِراءِ غالِبًا؛ لِأنَّ الِازْدِراءَ يَنْشَأُ عَنْ مُشاهَدَةِ الصِّفاتِ الحَقِيرَةِ عِنْدَ النّاظِرِ. ونَظِيرُهُ إسْنادُ الفَرَقِ إلى الأعْيُنِ في قَوْلِ الأعْشى:

كَذَلِكَ فافْعَلْ ما حَيِيتَ إذا شَتَوْا وأقْدِمْ إذا ما …

32

قَالُوا۟ يَٰنُوحُ قَدْ جَٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

They said, "O Noah, you have disputed us and been frequent in dispute of us. So bring us what you threaten us, if you should be of the truthful."

صفحة ٦٠

﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾

فُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ فَصْلًا عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ الأقْوالِ في المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمُجادَلَةُ: المُخاصَمَةُ بِالقَوْلِ وإيرادُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَتَكُونُ في الخَيْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]، ويَكُونُ في الشَّرِّ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] . وإنَّما أرادُوا أنَّهُ جادَلَهم فِيما هو شَرٌّ فَعَبَّرَ عَنْ مُرادِهِمْ بِلَفْظِ الجِدالِ المُوَجَّهِ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ.

وهَذا قَوْلٌ وقَعَ عَقِبَ مُجادَلَتِهِ المَحْكِيَّةِ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ تِلْكَ المُجادَلَةَ كانَتْ آخِرَ مُجادَلَةٍ جادَلَها قَوْمَهُ، وأنَّ ضَجَرَهم وسَآمَتَهم مِن تَكْرارِ مُجادَلَتِهِ حَصَلَ ساعَتَئِذٍ فَقالُوا قَوْلَهم هَذا، فَكانَتْ كُلُّها مُجادَلاتٍ مَضَتْ. وكانَتِ المُجادَلَةُ الأخِيرَةُ هي الَّتِي اسْتَفَزَّتِ امْتِعاضِهِمْ مِن قَوارِعِ جَدَلِهِ حَتّى سَئِمُوا مِن تَزْيِيفِ مُعارَضَتِهِمْ وآرائِهِمْ شَأْنَ المُبْطِلِ إذا دَمَغَتْهُ الحُجَّةُ، ولِذَلِكَ أرادُوا طَيَّ بِساطِ الجِدالِ، وأرادُوا إفْحامَهُ بِأنْ طَلَبُوا تَعْجِيلَ ما تَوَعَّدَهم مِن عَذابٍ يَنْزِلُ بِهِمْ كَقَوْلِهِ آنِفًا ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [هود: ٢٦]

وقَوْلُهم ﴿فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذَمُّرِ والتَّضْجِيرِ والتَّأْيِيسِ مِن الِاقْتِناعِ أجابَهم بِالمُبادَرَةِ لِبَيانِ العَذابِ لِأنَّ ذَلِكَ أدْخَلُ في المَوْعِظَةِ فَبادَرَ بِهِ ثُمَّ عادَ إلى بَيانِ مُجادَلَتِهِ.

والإتْيانُ بِالشَّيْءِ: إحْضارُهُ. وأرادُوا بِهِ تَعْجِيلَهُ وعَدَمَ إنْظارِهِ.

صفحة ٦١

) ما تَعِدُنا ) مِصْداقُهُ عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ

والقَصْرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ قَصْرُ قَلْبٍ بِناءً عَلى ظاهِرِ طَلَبِهِمْ، حَمَلا لِكَلامِهِمْ عَلى ظاهِرِهِ عَلى طَرِيقَةِ مُجاراةِ الَخَصْمِ في المُناظَرَةِ، وإلّا فَإنَّهم جازِمُونَ بِتَعَذُّرِ أنْ يَأْتِيَهم بِما وعَدَهم لِأنَّهم يَحْسَبُونَهُ كاذِبًا وهم جازِمُونَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَوَعَّدْهم، ولَعَلَّهم كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: إنْ شاءَ احْتِراسٌ راجِعٌ إلى حَمْلِ العَذابِ عَلى عَذابِ الدُّنْيا.

ومَعْنى ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ما أنْتُمْ بِناجِينَ وفالِتِينَ مِنَ الوَعِيدِ، يُرِيدُ أنَّ العَذابَ واقِعٌ لا مَحالَةَ. ولَعَلَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ لَهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يَحُلَّ بِهِمْ عَذابُ الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ فَوَّضَهُ إلى المَشِيئَةِ؛ أوْ لَعَلَّهُ كانَ يُوقِنُ بِنُزُولِهِ بِهِمْ فَيَكُونُ التَّعْلِيقُ بِـ إنْ شاءَ مَنظُورًا فِيهِ إلى كَوْنِ العَذابِ مُعَجَّلًا أوْ مُؤَخَّرًا.

33

قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

He said, "Allah will only bring it to you if He wills, and you will not cause [Him] failure.

صفحة ٦٠

﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾

فُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ فَصْلًا عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ الأقْوالِ في المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمُجادَلَةُ: المُخاصَمَةُ بِالقَوْلِ وإيرادُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَتَكُونُ في الخَيْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]، ويَكُونُ في الشَّرِّ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] . وإنَّما أرادُوا أنَّهُ جادَلَهم فِيما هو شَرٌّ فَعَبَّرَ عَنْ مُرادِهِمْ بِلَفْظِ الجِدالِ المُوَجَّهِ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ.

وهَذا قَوْلٌ وقَعَ عَقِبَ مُجادَلَتِهِ المَحْكِيَّةِ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ تِلْكَ المُجادَلَةَ كانَتْ آخِرَ مُجادَلَةٍ جادَلَها قَوْمَهُ، وأنَّ ضَجَرَهم وسَآمَتَهم مِن تَكْرارِ مُجادَلَتِهِ حَصَلَ ساعَتَئِذٍ فَقالُوا قَوْلَهم هَذا، فَكانَتْ كُلُّها مُجادَلاتٍ مَضَتْ. وكانَتِ المُجادَلَةُ الأخِيرَةُ هي الَّتِي اسْتَفَزَّتِ امْتِعاضِهِمْ مِن قَوارِعِ جَدَلِهِ حَتّى سَئِمُوا مِن تَزْيِيفِ مُعارَضَتِهِمْ وآرائِهِمْ شَأْنَ المُبْطِلِ إذا دَمَغَتْهُ الحُجَّةُ، ولِذَلِكَ أرادُوا طَيَّ بِساطِ الجِدالِ، وأرادُوا إفْحامَهُ بِأنْ طَلَبُوا تَعْجِيلَ ما تَوَعَّدَهم مِن عَذابٍ يَنْزِلُ بِهِمْ كَقَوْلِهِ آنِفًا ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [هود: ٢٦]

وقَوْلُهم ﴿فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذَمُّرِ والتَّضْجِيرِ والتَّأْيِيسِ مِن الِاقْتِناعِ أجابَهم بِالمُبادَرَةِ لِبَيانِ العَذابِ لِأنَّ ذَلِكَ أدْخَلُ في المَوْعِظَةِ فَبادَرَ بِهِ ثُمَّ عادَ إلى بَيانِ مُجادَلَتِهِ.

والإتْيانُ بِالشَّيْءِ: إحْضارُهُ. وأرادُوا بِهِ تَعْجِيلَهُ وعَدَمَ إنْظارِهِ.

صفحة ٦١

) ما تَعِدُنا ) مِصْداقُهُ عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ

والقَصْرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ قَصْرُ قَلْبٍ بِناءً عَلى ظاهِرِ طَلَبِهِمْ، حَمَلا لِكَلامِهِمْ عَلى ظاهِرِهِ عَلى طَرِيقَةِ مُجاراةِ الَخَصْمِ في المُناظَرَةِ، وإلّا فَإنَّهم جازِمُونَ بِتَعَذُّرِ أنْ يَأْتِيَهم بِما وعَدَهم لِأنَّهم يَحْسَبُونَهُ كاذِبًا وهم جازِمُونَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَوَعَّدْهم، ولَعَلَّهم كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: إنْ شاءَ احْتِراسٌ راجِعٌ إلى حَمْلِ العَذابِ عَلى عَذابِ الدُّنْيا.

ومَعْنى ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ما أنْتُمْ بِناجِينَ وفالِتِينَ مِنَ الوَعِيدِ، يُرِيدُ أنَّ العَذابَ واقِعٌ لا مَحالَةَ. ولَعَلَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ لَهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يَحُلَّ بِهِمْ عَذابُ الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ فَوَّضَهُ إلى المَشِيئَةِ؛ أوْ لَعَلَّهُ كانَ يُوقِنُ بِنُزُولِهِ بِهِمْ فَيَكُونُ التَّعْلِيقُ بِـ إنْ شاءَ مَنظُورًا فِيهِ إلى كَوْنِ العَذابِ مُعَجَّلًا أوْ مُؤَخَّرًا.

34

وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

And my advice will not benefit you - although I wished to advise you - If Allah should intend to put you in error. He is your Lord, and to Him you will be returned."

﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِيَ إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى وعْظِهِمْ بِحُلُولِ العَذابِ وتَوَقُّعِهِ بَيانَ حالِ مُجادَلَتِهِ إيّاهُمُ الَّتِي امْتَعَضُوا مِنها بِأنَّها مُجادَلَةٌ لِنَفْعِهِمْ وصَلاحِهِمْ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِتَحْمِيقِهِمْ وتَسْفِيهِ آرائِهِمْ حَيْثُ كَرِهُوا ما هو نَفْعٌ لَهم.

والنُّصْحُ: قَوْلٌ أوْ عَمَلٌ يُرِيدُ صاحِبُهُ صَلاحَ المَعْمُولِ لِأجْلِهِ. وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ عَلى الأقْوالِ النّافِعَةِ المُنْقِذَةِ مِنَ الأضْرارِ. ويَكُونُ بِالعَمَلِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] في سُورَةِ التَّوْبَةِ. وفي الحَدِيثِ ”«الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ» “ أيِ الإخْلاصُ في العَمَلِ لَهُما لِأنَّ اللَّهَ لا يُنَبَّأُ بِشَيْءٍ لا يَعْلَمُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩] في سُورَةِ الأعْرافِ. فالمُرادُ بِالنُّصْحِ هُنا هو ما سَمّاهُ قَوْمُهُ بِالجِدالِ، أيْ هو أوْلى بِأنْ يُسَمّى نُصْحًا لِأنَّ الجِدالَ يَكُونُ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ كَما تَقَدَّمَ.

صفحة ٦٢

وجُمْلَةُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ هي المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ، فَجَوابُها في مَعْنى قَوْلِهِ: لا يَنْفَعُكم نُصْحِيَ، ولَكِنَّ نَظْمَ الكَلامِ بُنِيَ عَلى الإخْبارِ بِعَدَمِ نَفْعِ النُّصْحِ اهْتِمامًا بِذَلِكَ فَجُعِلَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ وأُتِيَ بِالشَّرْطِ قَيْدًا لَهُ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ فَهو شَرْطٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وبَيْنَ دَلِيلِ جَوابِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ هو المَقْصُودُ مِنَ التَّعْلِيقِ ولَكِنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلى تَعْلِيقٍ، وغَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ التَّقْيِيدُ أصْلًا، فَلَيْسَ هَذا مِنَ الشَّرْطِ في الشُّرُوطِ المَفْرُوضَةِ في مَسائِلِ الفِقْهِ وأُصُولِهِ في نَحْوِ قَوْلِ القائِلِ: إنْ أكَلْتِ إنْ شَرِبْتِ فَأنْتِ طالِقٌ؛ لِأنَّها مَفْرُوضَةٌ في شَرْطٍ مُقَيِّدٍ لِشَرْطٍ آخَرَ. عَلى أنَّ المَقْصُودَ إذا اجْتَمَعَ فِعْلا الشَّرْطَيْنِ حَصَلَ مَضْمُونُ جَوابِهِما. ومَثَّلُوهُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:

إنْ تَسْتَغِيثُوا بِنا إنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا مِنّا مَعاقِلَ عِزٍّ زانَهَـا كَـرَمُ

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ فَكُلٌّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ مَقْصُودٌ التَّعْلِيقِ بِهِ. وقَدْ حُذِفَ جَوابُ أحَدِهِما لِدَلالَةِ جَوابِ الآخَرِ عَلَيْهِ.

والتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ مُؤْذِنٌ بِعَزْمِهِ عَلى تَجْدِيدِ النُّصْحِ في المُسْتَقْبَلِ لِأنَّ واجِبَهُ هو البَلاغُ وإنْ كَرِهُوا ذَلِكَ.

وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ إلى ما هم فِيهِ مِن كَراهِيَةِ دَعْوَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَبَبُهُ خِذْلانُ اللَّهِ إيّاهم ولَوْلاهُ لَنَفَعَهم نُصْحُهُ، ولَكِنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يَعْلَمُ مُرادَ اللَّهِ مِن إغْوائِهِمْ ولا مَدى اسْتِمْرارِ غَوايَتِهِمْ فَلِذَلِكَ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَنْصَحَ لَهم إلى نِهايَةِ الأمْرِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ اللّامِ عَلى مَفْعُولِ نَصَحَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] في بَراءَةَ.

صفحة ٦٣

والإغْواءُ: جَعْلُ الشَّخْصِ ذا غِوايَةٍ، وهي الضَّلالُ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ.

وجُمْلَةُ ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ لِتَعْلِيمِهِمْ أنَّ اللَّهَ رَبُّهم إنْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ …

35

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُجْرِمُونَ

Or do they say [about Prophet Muhammad], "He invented it"? Say, "If I have invented it, then upon me is [the consequence of] my crime; but I am innocent of what [crimes] you commit."

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ أجْزاءِ القِصَّةِ ولَيْسَتْ مِنَ القِصَّةِ، ومَن جَعَلَها مِنها فَقَدْ أبْعَدَ، وهي تَأْكِيدٌ لِنَظِيرِها السّابِقِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ومُناسَبَةُ هَذا الِاعْتِراضِ أنَّ تَفاصِيلَ القِصَّةِ الَّتِي لا يَعْلَمُها المُخاطَبُونَ تَفاصِيلٌ عَجِيبَةٌ تَدْعُو المُنْكِرِينَ إلى أنْ يَتَذَكَّرُوا إنْكارَهم ويُعِيدُوا ذِكْرَهُ.

صفحة ٦٤

وكَوْنُ ذَلِكَ مُطابِقًا لِما حَصَلَ في زَمَنِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وشاهِدَةٌ بِهِ كُتُبُ بَنِي إسْرائِيلَ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ مَعَ أُمِّيَّتِهِ وبُعْدِ قَوْمِهِ عَنْ أهْلِ الكِتابِ آيَةٌ عَلى أنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مَن خَلْفِهِ.

فالِاسْتِفْهامُ الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ حَرْفُ (أمِ) المُخْتَصُّ بِعَطْفِ الِاسْتِفْهامِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ. ومَوْقِعُ الإنْكارِ بَدِيعٌ لِتَضَمُّنِهِ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ.

وأمْ هُنا لِلْإضْرابِ لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضٍ لِغَرَضٍ.

وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ.

وجُمْلَةُ قُلْ مَفْصُولَةٌ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِوُقُوعِها في سِياقِ المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وأُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يُعْرَضَ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ بِالدَّلِيلِ لِأنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِذَلِكَ إذْ قَدْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ تُغْنِ فِيهِمْ شَيْئًا، فَلِذَلِكَ أُجِيبُوا بِأنَّهُ لَوْ فُرِضَ ذَلِكَ لَكانَتْ تَبِعَةُ افْتِرائِهِ عَلى نَفْسِهِ لا يَنالُهم مِنها شَيْءٌ.

وتَقْدِيُمُ عَلَيَّ مُؤْذِنٌ بِالقَصْرِ، أيْ إجْرامِي عَلَيَّ لا عَلَيْكم فَلِماذا تُكْثِرُونَ ادِّعاءَ الِافْتِراءِ كَأنَّكم سَتُؤاخَذُونَ بِتَبِعَتِهِ. وهَذا جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْراجِ لَهم والكَلامِ المُنْصِفِ.

ومَعْنى جَعْلِ الِافْتِراءِ فِعْلًا لِلشَّرْطِ: أنَّهُ إنْ كانَ وقَعَ الِافْتِراءُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]

ولَمّا كانَ الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ إجْرامًا عَدَلَ في الجَوابِ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالِافْتِراءِ مَعَ أنَّهُ المُدَّعِي إلى التَّعْبِيرِ بِالإجْرامِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ: فَعَلَيَّ إجْرامُ افْتِرائِي.

وذِكْرُ حَرْفِ عَلى مَعَ الإجْرامِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ الإجْرامَ مُؤاخَذٌ بِهِ كَما تَقْتَضِيهِ مادَّةُ الإجْرامِ.

صفحة ٦٥

والإجْرامُ: اكْتِسابُ الجُرْمِ وهو الذَّنْبُ، فَهو يَقْتَضِي المُؤاخَذَةَ لا مَحالَةَ.

وجُمْلَةُ ﴿وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، فَهي ابْتِدائِيَّةٌ. وظاهِرُها أنَّها تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ وتَأْيِيدُهُ بِمُقابِلِهِ، أيْ فَإجْرامِي عَلَيَّ لا عَلَيْكم كَما أنَّ إجْرامَكم لا تَنالُنِي مِنهُ تَبِعَةٌ. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أيْ تَبِعَتِهِ وإنَّما هو تَقْدِيرُ مَعْنى لا تَقْدِيرَ إعْرابٍ، والشَّيْءُ يُؤَكَّدُ بِضِدِّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣]

وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَوْجِيهٌ بَدِيعٌ وهو إفادَةُ تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ مِن أنْ يَفْتَرِيَ القُرْآنَ فَإنَّ افْتِراءَ القُرْآنِ دَعْوًى باطِلَةً ادَّعَوْها عَلَيْهِ فَهي إجْرامٌ مِنهم عَلَيْهِ، فَيَكُونُ المَعْنى وأنا بَرِيءٌ مِن قَوْلِكُمُ الَّذِي تُجْرِمُونَهُ عَلَيَّ باطِلًا.

36

وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

And it was revealed to Noah that, "No one will believe from your people except those who have already believed, so do not be distressed by what they have been doing.

﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ [هود: ٣٢] أيْ بَعْدَ ذَلِكَ أُوحِيَ إلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾

واسْمُ (أنَّ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ دالٌّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ بَعْدَهُ أمْرُهم خَطِيرٌ لِأنَّها تَأْيِيسٌ لَهُ مِن إيمانِ بَقِيَّةِ قَوْمِهِ كَما دَلَّ حَرْفُ لَنِ المُفِيدُ تَأْبِيدَ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ، وذَلِكَ شَدِيدٌ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِتَسْلِيَتِهِ بِجُمْلَةِ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فالفاءُ لِتَفْرِيعِ التَّسْلِيَةِ عَلى الخَبَرِ المُحْزِنِ.

والِابْتِئاسُ افْتِعالٌ مِنَ البُؤْسِ وهو الهَمُّ والحَزَنُ، أيْ لا تَحْزَنْ.

ومَعْنى الِافْتِعالِ هُنا التَّأثُّرِ بِالبُؤْسِ الَّذِي أحْدَثَهُ الخَبَرُ المَذْكُورُ. و(ما كانُوا يَفْعَلُونَ) هو إصْرارُهم عَلى الكُفْرِ واعْتِراضُهم عَنِ النَّظَرِ في الدَّعْوَةِ إلى وقْتِ أنْ

صفحة ٦٦

أُوحِيَ إلَيْهِ هَذا. قالَ اللَّهُ - تَعالى - حِكايَةً عَنْهُ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٧]

وتَأْكِيدُ الفِعْلِ بِـ قَدْ في قَوْلِهِ: ﴿مَن قَدْ آمَنَ﴾ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ المُرادَ مَن حَصَلَ مِنهُمُ الإيمانُ يَقِينًا دُونَ الَّذِينَ تَرَدَّدُوا.

37

وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ

And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."

﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾

لَمّا كانَ نَهْيُهُ عَنِ الِابْتِئاسِ بِفِعْلِهِمْ مَعَ شِدَّةِ جُرْمِهِمْ مُؤْذِنًا بِأنَّ اللَّهَ يَنْتَصِرُ لَهُ أعْقَبَهُ بِالأمْرِ بِصُنْعِ الفُلْكِ لِتَهْيِئَةِ نَجاتِهِ ونَجاةِ مَن قَدْ آمَنَ بِهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِقَوْمِهِ. كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١] الآيَةَ. فَجُمْلَةُ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ [هود: ٣٦] وهي بِذَلِكَ داخِلَةٌ في المُوحى بِهِ فَتَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ كَيْفِيَّةَ صُنْعِ الفُلْكِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ووَحْيِنا، ولِذَلِكَ فَنُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلُ مَن صَنَعَ الفُلْكَ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْرُوفًا لِلْبَشَرِ، وكانَ ذَلِكَ مُنْذُ قُرُونٍ لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ تَعالى، ولا يُعْتَدُّ بِما يُوجَدُ في الإسْرائِيلِيّاتِ مِن إحْصاءِ قُرُونِها.

والفُلْكُ اسْمٌ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والباءُ في بِأعْيُنِنا لِلْمُلابَسَةِ وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ اصْنَعِ

والأعْيُنُ اسْتِعارَةٌ لِلْمُراقَبَةِ والمُلاحَظَةِ. وصِيغَةُ الجَمْعِ في (أعْيُنِنا) بِمَعْنى المُثَنّى، أيْ بِعَيْنَيْنا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] . والمُرادُ الكِنايَةُ بِالمَعْنى المَجازِيِّ عَنْ لازِمِهِ وهو الحِفْظُ مِنَ الخَلَلِ والخَطَأِ في الصُّنْعِ.

صفحة ٦٧

والمُرادُ بِالوَحْيِ هُنا الوَحْيُ الَّذِي بِهِ وصَفَ كَيْفِيَّةَ صُنْعِ الفُلْكِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ عَطْفُهُ عَلى المَجْرُورِ بِباءِ المُلابَسَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأمْرِ بِالصُّنْعِ.

ودَلَّ النَّهْيُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ . عَلى أنَّ كُفّارَ قَوْمِهِ سَيَنْزِلُ بِهِمْ عِقابٌ عَظِيمٌ لِأنَّ المُرادَ بِالمُخاطَبَةِ المَنهِيِّ عَنْها المُخاطَبَةُ الَّتِي تَرْفَعُ عِقابَهم فَتَكُونُ لِنَفْعِهِمْ كالشَّفاعَةِ، وطَلَبِ تَخْفِيفِ العِقابِ لا مُطْلَقَ المُخاطَبَةِ. ولَعَلَّ هَذا تَوْطِئَةٌ لِنَهْيِهِ عَنْ مُخاطَبَتِهِ في شَأْنِ ابْنِهِ الكافِرِ قَبْلَ أنْ يَخْطُرَ بِبالِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالُ نَجاتِهِ حَتّى يَكُونَ الرَّدُّ عَلَيْهِ حِينَ السُّؤالِ ألْطَفَ.

وجُمْلَةُ إنَّهم مُغْرَقُونَ إخْبارٌ بِما سَيَقَعُ وبَيانٌ لِسَبَبِ الأمْرِ بِصُنْعِ الفُلْكِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ في هَذِهِ الآيَةِ مِثالٌ لِتَخْرِيجِ الكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِتَنْزِيلِ غَيْرِ السّائِلِ المُتَرَدِّدِ مَنزِلَةَ السّائِلِ إذا قَدَّمَ إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ مِمّا يُلَوِّحُ إلى جِنْسِ الخَبَرِ فَيَسْتَشْرِفُهُ لِتَعْيِينِهِ اسْتِشْرافًا يُشْبِهُ اسْتِشْرافَ السّائِلِ عَنْ عَيْنِ الخَبَرِ.

38

وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ

And he constructed the ship, and whenever an assembly of the eminent of his people passed by him, they ridiculed him. He said, "If you ridicule us, then we will ridicule you just as you ridicule.

﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٧] . أيْ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، وصَنَعَ الفُلْكَ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْ صُنْعِهِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ لِتَخْيِيلِ السّامِعِ أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِصَدَدِ العَمَلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] وقَوْلِهِ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]

وجُمْلَةُ ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَصْنَعُ

صفحة ٦٨

وكُلَّما كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن (كُلَّ) و(ما) الظَّرْفِيَّةِ المَصْدَرِيَّةِ. وانْتَصَبَتْ (كُلَّ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّها اكْتَسَبَتِ الظَّرْفِيَّةَ بِالإضافَةِ إلى الظَّرْفِ، وهو مُتَعَلِّقُ سَخِرُوا، وهو جَوابُهُ مِن جِهَةٍ أُخْرى. والمَعْنى: وسَخِرَ مِنهُ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ في كُلِّ زَمَنِ مُرُورِهِمْ عَلَيْهِ.

ولَمّا في كُلَّما مِنَ العُمُومِ مَعَ الظَّرْفِيَّةِ أُشْرِبَتْ مَعْنى الشَّرْطِ مِثْلُ إذا فاحْتاجَتْ إلى جَوابٍ وهو ﴿سَخِرُوا مِنهُ﴾

وجُمْلَةُ ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ حِكايَةٌ لِما يُجِيبُ بِهِ سُخْرِيَتَهم، أُجْرِيَتْ عَلى طَرِيقَةِ فِعْلِ القَوْلِ إذا وقَعَ في سِياقِ المُحاوَرَةِ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ سَخِرُوا تَتَضَمَّنُ أقْوالًا تَنْبَنِي عَنْ سُخْرِيَتِهِمْ أوْ تُبِينُ عَنْ كَلامٍ في نُفُوسِهِمْ.

وجَمْعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: مِنّا يُشِيرُ إلى أنَّهم يَسْخَرُونَ مِنهُ في عَمَلِ السَّفِينَةِ ومِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ إذْ كانُوا حَوْلَهُ واثِقِينَ بِأنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلًا عَظِيمًا، وكَذَلِكَ جَمْعُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾

والسُّخْرِيَةُ: الِاسْتِهْزاءُ. وهو تَعَجُّبٌ بِاحْتِقارٍ واسْتِحْماقٍ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠] في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ، وفِعْلُها يَتَعَدّى بِـ مِن

وسُخْرِيَتُهم مِنهُ حَمْلُ فِعْلِهِ عَلى العَبَثِ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّ ما يَصْنَعُهُ لا يَأْتِي بِتَصْدِيقِ مُدَّعاهُ.

وسُخْرِيَةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ. مِنَ الكافِرِينَ مِن سَفَهِ عُقُولِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ. فالسُّخْرِيَتانِ مُقْتَرِنَتانِ في الزَّمَنِ.

وبِذَلِكَ يَتَّضِحُ وجْهُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ فَهو تَشْبِيهٌ في السَّبَبِ الباعِثِ عَلى السُّخْرِيَةِ، وإنْ كانَ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ بَوْنٌ.

صفحة ٦٩

ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ كافَ التَّشْبِيهِ مُفِيدَةً مَعْنى التَّعْلِيلِ كالَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فَيُفِيدُ التَّفاوُتَ بَيْنَ السُّخْرِيَتَيْنِ؛ لِأنَّ السُّخْرِيَةَ المُعَلَّلَةَ أحَقُّ مِنَ الأُخْرى، فالكُفّارُ سَخِرُوا مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِعَمَلٍ يَجْهَلُونَ غايَتَهُ، ونُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعُهُ سَخِرُوا مِنَ الكُفّارِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم جاهِلُونَ في غُرُورٍ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ فَهو تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ أيْ سَيَظْهَرُ مَن هو الأحَقُّ بِأنْ يُسْخَرَ مِنهُ.

وفِي إسْنادِ العِلْمِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ دُونَ الضَّمِيرِ المُشارِكِ بِأنْ يُقالَ: فَسَوْفَ نَعْلَمُ، إيماءٌ إلى أنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ …

39

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌۭ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌ

And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."

﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٧] . أيْ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، وصَنَعَ الفُلْكَ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْ صُنْعِهِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ لِتَخْيِيلِ السّامِعِ أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِصَدَدِ العَمَلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] وقَوْلِهِ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]

وجُمْلَةُ ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَصْنَعُ

صفحة ٦٨

وكُلَّما كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن (كُلَّ) و(ما) الظَّرْفِيَّةِ المَصْدَرِيَّةِ. وانْتَصَبَتْ (كُلَّ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّها اكْتَسَبَتِ الظَّرْفِيَّةَ بِالإضافَةِ إلى الظَّرْفِ، وهو مُتَعَلِّقُ سَخِرُوا، وهو جَوابُهُ مِن جِهَةٍ أُخْرى. والمَعْنى: وسَخِرَ مِنهُ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ في كُلِّ زَمَنِ مُرُورِهِمْ عَلَيْهِ.

ولَمّا في كُلَّما مِنَ العُمُومِ مَعَ الظَّرْفِيَّةِ أُشْرِبَتْ مَعْنى الشَّرْطِ مِثْلُ إذا فاحْتاجَتْ إلى جَوابٍ وهو ﴿سَخِرُوا مِنهُ﴾

وجُمْلَةُ ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ حِكايَةٌ لِما يُجِيبُ بِهِ سُخْرِيَتَهم، أُجْرِيَتْ عَلى طَرِيقَةِ فِعْلِ القَوْلِ إذا وقَعَ في سِياقِ المُحاوَرَةِ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ سَخِرُوا تَتَضَمَّنُ أقْوالًا تَنْبَنِي عَنْ سُخْرِيَتِهِمْ أوْ تُبِينُ عَنْ كَلامٍ في نُفُوسِهِمْ.

وجَمْعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: مِنّا يُشِيرُ إلى أنَّهم يَسْخَرُونَ مِنهُ في عَمَلِ السَّفِينَةِ ومِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ إذْ كانُوا حَوْلَهُ واثِقِينَ بِأنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلًا عَظِيمًا، وكَذَلِكَ جَمْعُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾

والسُّخْرِيَةُ: الِاسْتِهْزاءُ. وهو تَعَجُّبٌ بِاحْتِقارٍ واسْتِحْماقٍ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠] في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ، وفِعْلُها يَتَعَدّى بِـ مِن

وسُخْرِيَتُهم مِنهُ حَمْلُ فِعْلِهِ عَلى العَبَثِ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّ ما يَصْنَعُهُ لا يَأْتِي بِتَصْدِيقِ مُدَّعاهُ.

وسُخْرِيَةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ. مِنَ الكافِرِينَ مِن سَفَهِ عُقُولِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ. فالسُّخْرِيَتانِ مُقْتَرِنَتانِ في الزَّمَنِ.

وبِذَلِكَ يَتَّضِحُ وجْهُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ فَهو تَشْبِيهٌ في السَّبَبِ الباعِثِ عَلى السُّخْرِيَةِ، وإنْ كانَ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ بَوْنٌ.

صفحة ٦٩

ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ كافَ التَّشْبِيهِ مُفِيدَةً مَعْنى التَّعْلِيلِ كالَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فَيُفِيدُ التَّفاوُتَ بَيْنَ السُّخْرِيَتَيْنِ؛ لِأنَّ السُّخْرِيَةَ المُعَلَّلَةَ أحَقُّ مِنَ الأُخْرى، فالكُفّارُ سَخِرُوا مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِعَمَلٍ يَجْهَلُونَ غايَتَهُ، ونُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعُهُ سَخِرُوا مِنَ الكُفّارِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم جاهِلُونَ في غُرُورٍ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ فَهو تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ أيْ سَيَظْهَرُ مَن هو الأحَقُّ بِأنْ يُسْخَرَ مِنهُ.

وفِي إسْنادِ العِلْمِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ دُونَ الضَّمِيرِ المُشارِكِ بِأنْ يُقالَ: فَسَوْفَ نَعْلَمُ، إيماءٌ إلى أنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ …

40

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّۢ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ ۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌۭ

[So it was], until when Our command came and the oven overflowed, We said, "Load upon the ship of each [creature] two mates and your family, except those about whom the word has preceded, and [include] whoever has believed." But none had believed with him, except a few.

﴿حَتّى إذا جا أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾

حَتّى غايَةٌ لِـ يَصْنَعُ الفُلْكَ أيْ يَصْنَعُهُ إلى زَمَنِ مَجِيءِ أمْرِنا، فَـ إذا ظَرْفٌ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ ولِذَلِكَ جِيءَ لَهُ بِجَوابٍ. وهو جُمْلَةُ ﴿قُلْنا احْمِلْ﴾ .

صفحة ٧٠

وجَعَلَ الشَّرْطَ وجَوابَهُ غايَةً بِاعْتِبارِ ما في حَرْفِ الشَّرْطِ مِن مَعْنى الزَّمانِ وإضافَتِهِ إلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ، فَحَصَلَ مَعْنى الغايَةِ عِنْدَ حُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ الجَزاءِ. وهو نَظْمٌ بَدِيعٌ بِإيجازِهِ.

وحَتّى ابْتِدائِيَّةٌ.

والأمْرُ هُنا يَحْتَمِلُ أمْرَ التَّكْوِينِ بِالطُّوفانِ، ويَحْتَمِلُ الشَّأْنَ وهو حادِثُ الغَرَقِ، وإضافَتُهُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِتَهْوِيلِهِ بِأنَّهُ فَوْقَ ما يَعْرِفُونَ.

ومَجِيءُ الأمْرِ: حُصُولُهُ.

والفَوَرانُ: غَلَيانُ القِدْرِ، ويُطْلِقُ عَلى نَبْعِ الماءِ بِشِدَّةٍ، تَشْبِيهًا بِفَوَرانِ ماءٍ في القِدْرِ إذا غَلِيَ، وحَمَلُوهُ عَلى ما جاءَ في آياتٍ أُخْرى مِن قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] . ولِذَلِكَ لَمْ يَتَّضِحْ لَهم إسْنادُهُ إلى التَّنُّورِ. فَإنَّ التَّنُّورَ هو المَوْقِدُ الَّذِي يَنْضَجُ فِيهِ الخُبْزُ، فَكَثُرَتِ الأقْوالُ في تَفْسِيرِ التَّنُّورِ بَلَغَتْ نِسْبَةُ أقْوالٍ مِنها ما لا يَنْبَغِي قَبُولُهُ. ومِنها ما لَهُ وجْهٌ وهو مُتَفاوِتٌ.

فَمِنَ المُفَسِّرِينَ مَن أبْقى التَّنُّورَ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَجَعَلَ الفَوَرانَ خُرُوجَ الماءِ مِن أحَدِ التَّنانِيرِ وأنَّهُ عَلامَةٌ جَعَلَها اللَّهُ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا فارَ الماءُ مِن تَنُّورِهِ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مَبْدَأ الطُّوفانِ فَرَكِبَ الفُلْكَ وأرْكَبَ مَن مَعَهُ.

ومِنهم مَن حَمَلَ التَّنُّورَ عَلى المَجازِ المُفْرَدِ فَفَسَّرَهُ بِسَطْحِ الأرْضِ. أيْ فارَ الماءُ مِن جَمِيعِ الأرْضِ حَتّى صارَ بِسَطْحِ الأرْضِ كَفُوَّهَةِ التَّنُّورِ.

ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِأعْلى الأرْضِ.

ومِنهم مَن حَمَلَ فارَ والتَّنُّورَ عَلى الحَقِيقَةِ، وأخْرَجَ الكَلامَ مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ لِاشْتِدادِ الحالِ، كَما يُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ. وقَعَ حِكايَةُ ذَلِكَ في

صفحة ٧١

تَفْسِيرُ ابْنِ عَطِيَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ وفي الكَشّافِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المُؤْمِنُونَ: وأنْشَدَ الطَّبَرْسِيُّ قَوْلَ الشّاعِرِ. وهو النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ:

تَفُورُ عَلَيْنا قِدْرُهم فَنُدِيمُهَـا ونَفْثَأُها عَنّا إذا قِدْرُها غَلى

يُرِيدُ بِالقِدْرِ الحَرْبَ، ونَفْثَأُها، أيْ نُسَكِّنُها، يُقالُ: فَثَأ القِدْرُ إذا سَكَنَ غَلَيانُها بِصَبِّ الماءِ فِيها. وهَذا أحْسَنُ ما حُكِيَ عَنِ المُفَسِّرِينَ.

والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ مَثَلٌ لِبُلُوغِ الشَّيْءِ إلى أقْصى ما يُتَحَمَّلُ مِثْلُهُ. كَما يُقالُ: بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى، وامْتَلَأ الصّاعُ، وفاضَتِ الكَأْسُ وتَفاقَمَ.

والتَّنُّورُ: مَحْفِلُ الوادِي، أيْ ضَفَّتُهُ، فَيَكُونُ مِثْلَ طَما الوادِي مِن قَبِيلِ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى. والمَعْنى: بِأنَّ نَفاذَ أمْرِنا فِيهِمْ وبَلَغُوا مِن طُولِ مُدَّةِ الكُفْرِ مَبْلَغًا لا يُغْتَفَرُ لَهم بَعْدُ كَما قالَ - تَعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]

والتَّنُّورُ: اسْمٌ لِمَوْقِدِ النّارِ لِلْخُبْزِ. وزَعَمَهُ اللَّيْثُ مِمّا اتَّفَقَتْ فِيهِ اللُّغاتُ، أيْ كالصّابُونِ والسَّمُّورِ. ونَسَبَ الخَفاجِيُّ في شِفاءِ الغَلِيلِ هَذا إلى ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو مَنصُورٍ: كَلامُ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.