Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 21–30 of 123

21

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

Those are the ones who will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

صفحة ٣٨

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ، واسْمُ الإشارَةِ هُنا تَأْكِيدٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨]

والمَوْصُولُ في ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٠] مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ المَعْرُوفُ بِهَذِهِ الصِّلَةِ، أيْ أنْ بَلَغَكم أنَّ قَوْمًا خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهُمُ المُفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وخَسارَةُ أنْفُسِهِمْ عَدَمُ الِانْتِفاعِ بِها في الِاهْتِداءِ، فَلَمّا ضَلُّوا فَقَدْ خَسِرُوها.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى خَسِرُوا أنْفُسَهم عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والضَّلالُ: خَطَأُ الطَّرِيقِ المَقْصُودِ.

و﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤] ما كانُوا يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم وتَدْفَعُ عَنْهُمُ الضُّرَّ عِنْدَ الشَّدائِدِ، قالَ - تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨]

وفِي إسْنادِ الضَّلالِ إلى الأصْنامِ تَهَكُّمٌ عَلى أصْحابِها. شُبِّهَتْ أصْنامُهم بِمَن سَلَكَ طَرِيقًا لِيَلْحَقَ بِمَنِ اسْتَنْجَدَ بِهِ فَضَلَّ في طَرِيقِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ فَذْلَكَةٌ ونَتِيجَةٌ لِلْجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] لِأنَّ ما جُمِعَ لَهم مِنَ الزَّجِّ لِلْعُقُوبَةِ ومِنِ افْتِضاحِ أمْرِهِمْ ومِن إعْراضِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ النُّذُرِ وعَنِ النَّظَرِ في دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ يُوجِبُ اليَقِينَ بِأنَّهُمُ الأخْسَرُونَ في الآخِرَةِ.

ولا جَرَمَ كَلِمَةُ جَزْمٍ ويَقِينٍ جَرَتْ مَجْرى المَثَلِ، وأحْسَبُ أنَّ جَرَمَ مُشْتَقٌّ مِمّا تُنُوسِيَ، وقَدِ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ العَرَبِيَّةِ في تَرْكِيبِها، وأظْهَرُ أقْوالِهِمْ أنْ

صفحة ٣٩

تَكُونَ (لا) مِن أوَّلِ الجُمْلَةِ و(جَرَمَ) اسْمٌ بِمَعْنى مَحالَةَ أيْ لا مَحالَةَ أوْ بِمَعْنى بُدَّ أيْ لا بُدَّ. ثُمَّ يَجِيءُ بَعْدَها أنَّ واسْمُها وخَبَرُها فَتَكُونُ (أنَّ) مَعْمُولَةً لِحَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: لا جَرَمَ مِن أنَّ الأمْرَ كَذا. ولِما فِيها مِن مَعْنى التَّحْقِيقِ والتَّوْثِيقِ وتُعامَلُ مُعامَلَةَ القَسَمِ فَيَجِيءُ بَعْدَها في ما يَصْلُحُ لِجَوابِ قَسَمٍ نَحْوَ: لا جَرَمَ لَأفْعَلَنَّ. قالَهُ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ لِأبِي بَكْرٍ.

وعَبَّرَ عَمّا لَحِقَهم مِنَ الضُّرِّ بِالخَسارَةِ اسْتِعارَةً لِأنَّهُ ضُرٌّ أصابَهم مِن حَيْثُ كانُوا يَرْجُونَ المَنفَعَةَ فَهم مِثْلُ التُّجّارِ الَّذِينَ أصابَتْهُمُ الخَسارَةُ مِن حَيْثُ أرادُوا الرِّبْحَ.

وإنَّما كانُوا أخْسَرِينَ، أيْ شَدِيدِي الخَسارَةِ لِأنَّهم قَدْ اجْتَمَعَ لَهم مِن أسْبابِ الشَّقاءِ والعَذابِ ما افْتَرَقَ بَيْنَ الأُمَمِ الضّالَّةِ. ولِأنَّهم شَقَوْا مِن حَيْثُ كانُوا يَحْسَبُونَهُ سَعادَةً قالَ - تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] فَكانُوا أخْسَرِينَ لِأنَّهُمُ اجْتَمَعَتْ لَهم خَسارَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وضَمِيرُ هُمُ الأخْسَرُونَ ضَمِيرُ فَصْلٍ يُفِيدُ القَصْرَ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ؛ لِأنَّهم بَلَغُوا الحَدَّ الأقْصى في الخَسارَةِ، فَكَأنَّهُمُ انْفَرَدُوا بِالأخْسَرِيَّةِ.

22

لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ

Assuredly, it is they in the Hereafter who will be the greatest losers.

صفحة ٣٨

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ، واسْمُ الإشارَةِ هُنا تَأْكِيدٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨]

والمَوْصُولُ في ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٠] مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ المَعْرُوفُ بِهَذِهِ الصِّلَةِ، أيْ أنْ بَلَغَكم أنَّ قَوْمًا خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهُمُ المُفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وخَسارَةُ أنْفُسِهِمْ عَدَمُ الِانْتِفاعِ بِها في الِاهْتِداءِ، فَلَمّا ضَلُّوا فَقَدْ خَسِرُوها.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى خَسِرُوا أنْفُسَهم عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والضَّلالُ: خَطَأُ الطَّرِيقِ المَقْصُودِ.

و﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤] ما كانُوا يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم وتَدْفَعُ عَنْهُمُ الضُّرَّ عِنْدَ الشَّدائِدِ، قالَ - تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨]

وفِي إسْنادِ الضَّلالِ إلى الأصْنامِ تَهَكُّمٌ عَلى أصْحابِها. شُبِّهَتْ أصْنامُهم بِمَن سَلَكَ طَرِيقًا لِيَلْحَقَ بِمَنِ اسْتَنْجَدَ بِهِ فَضَلَّ في طَرِيقِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ فَذْلَكَةٌ ونَتِيجَةٌ لِلْجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] لِأنَّ ما جُمِعَ لَهم مِنَ الزَّجِّ لِلْعُقُوبَةِ ومِنِ افْتِضاحِ أمْرِهِمْ ومِن إعْراضِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ النُّذُرِ وعَنِ النَّظَرِ في دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ يُوجِبُ اليَقِينَ بِأنَّهُمُ الأخْسَرُونَ في الآخِرَةِ.

ولا جَرَمَ كَلِمَةُ جَزْمٍ ويَقِينٍ جَرَتْ مَجْرى المَثَلِ، وأحْسَبُ أنَّ جَرَمَ مُشْتَقٌّ مِمّا تُنُوسِيَ، وقَدِ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ العَرَبِيَّةِ في تَرْكِيبِها، وأظْهَرُ أقْوالِهِمْ أنْ

صفحة ٣٩

تَكُونَ (لا) مِن أوَّلِ الجُمْلَةِ و(جَرَمَ) اسْمٌ بِمَعْنى مَحالَةَ أيْ لا مَحالَةَ أوْ بِمَعْنى بُدَّ أيْ لا بُدَّ. ثُمَّ يَجِيءُ بَعْدَها أنَّ واسْمُها وخَبَرُها فَتَكُونُ (أنَّ) مَعْمُولَةً لِحَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: لا جَرَمَ مِن أنَّ الأمْرَ كَذا. ولِما فِيها مِن مَعْنى التَّحْقِيقِ والتَّوْثِيقِ وتُعامَلُ مُعامَلَةَ القَسَمِ فَيَجِيءُ بَعْدَها في ما يَصْلُحُ لِجَوابِ قَسَمٍ نَحْوَ: لا جَرَمَ لَأفْعَلَنَّ. قالَهُ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ لِأبِي بَكْرٍ.

وعَبَّرَ عَمّا لَحِقَهم مِنَ الضُّرِّ بِالخَسارَةِ اسْتِعارَةً لِأنَّهُ ضُرٌّ أصابَهم مِن حَيْثُ كانُوا يَرْجُونَ المَنفَعَةَ فَهم مِثْلُ التُّجّارِ الَّذِينَ أصابَتْهُمُ الخَسارَةُ مِن حَيْثُ أرادُوا الرِّبْحَ.

وإنَّما كانُوا أخْسَرِينَ، أيْ شَدِيدِي الخَسارَةِ لِأنَّهم قَدْ اجْتَمَعَ لَهم مِن أسْبابِ الشَّقاءِ والعَذابِ ما افْتَرَقَ بَيْنَ الأُمَمِ الضّالَّةِ. ولِأنَّهم شَقَوْا مِن حَيْثُ كانُوا يَحْسَبُونَهُ سَعادَةً قالَ - تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] فَكانُوا أخْسَرِينَ لِأنَّهُمُ اجْتَمَعَتْ لَهم خَسارَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وضَمِيرُ هُمُ الأخْسَرُونَ ضَمِيرُ فَصْلٍ يُفِيدُ القَصْرَ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ؛ لِأنَّهم بَلَغُوا الحَدَّ الأقْصى في الخَسارَةِ، فَكَأنَّهُمُ انْفَرَدُوا بِالأخْسَرِيَّةِ.

23

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Indeed, they who have believed and done righteous deeds and humbled themselves to their Lord - those are the companions of Paradise; they will abide eternally therein.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ البالِغِينَ أقْصى غاياتِ الخَسارَةِ ذَكَرَ مُقابِلَهم الَّذِينَ بَلَغُوا أعْلى دَرَجاتِ السَّعادَةِ. فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ النُّفُوسَ تَشْرَئِبُّ عِنْدَ سَماعِ حُكْمِ الشَّيْءِ إلى مَعْرِفَةِ حُكْمِ ضِدِّهِ.

والإخْباتُ: الخُضُوعُ والتَّواضُعُ، أيْ أطاعُوا رَبَّهم أحْسَنَ طاعَةٍ.

ومُوقِعُ أُولَئِكَ هُنا مِثْلُ مَوْقِعِهِ في الآيَةِ قَبْلَها.

صفحة ٤٠

وجُمْلَةُ هم فِيها خالِدُونَ في مَوْقِعِ البَيانِ لِجُمْلَةِ أصْحابِ الجَنَّةِ لِأنَّ الخُلُودَ في المَكانِ هو أحَقُّ الأحْوالِ بِإطْلاقِ وصْفِ الصّاحِبِ عَلى الحالِ بِذَلِكَ المَكانِ إذِ الأمْكِنَةُ لا تُقْصَدُ إلّا لِأجْلِ الحُلُولِ فِيها فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما قَبْلَها فَمَنزِلَتُها مَنزِلَةُ عَطْفِ البَيانِ، ولا تُعْرَبُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ ثانٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢] . فَعُدْ إلَيْهِ وزِدْ إلَيْهِ ما هُنا.

24

۞ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

The example of the two parties is like the blind and deaf, and the seeing and hearing. Are they equal in comparison? Then, will you not remember?

﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾

بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِينَ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا وبَيْنَ حالِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في مَنازِلِ الآخِرَةِ أُعْقِبَ بِبَيانِ التَّنْظِيرِ بَيْنَ حالَيْ الفَرِيقَيْنِ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ بِطَرِيقَةِ تَمْثِيلِ ما تَسْتَحِقُّهُ مِن ذَمٍّ ومَدْحٍ.

فالجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِلْكَلامِ وتَحْصِيلٌ لَهُ ولِلتَّحْذِيرِ مِن مُواقَعَةِ سَبَبِهِ.

والمَثَلُ، بِالتَّحْرِيكِ: الحالَةُ والصِّفَةُ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥] الآيَةَ مِن سُورَةِ الرَّعْدِ، أيْ حالَةُ الفَرِيقَيْنِ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ تُشْبِهُ حالَ الأعْمى الأصَمِّ مِن جِهَةٍ وحالَ البَصِيرِ السَّمِيعِ مِنَ الجِهَةِ الأُخْرى، فالكَلامُ تَشْبِيهٌ ولَيْسَ اسْتِعارَةً لِوُجُودِ كافِ التَّشْبِيهِ وهو أيْضًا تَشْبِيهٌ مُفْرَدٌ لا مُرَكَّبٌ.

والفَرِيقانِ هُما المَعْهُودانِ في الذِّكْرِ في هَذا الكَلامِ، وهَما فَرِيقُ المُشْرِكِينَ وفَرِيقُ المُؤْمِنِينَ، إذْ قَدْ سَبَقَ ما يُؤْذِنُ بِهَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] . ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣] الآيَةَ.

صفحة ٤١

والفَرِيقُ: الجَماعَةُ الَّتِي تُفارِقُ، أيْ يُخالِفُ حالُها حالَ جَماعَةٍ أُخْرى في عَمَلٍ أوْ نِحْلَةٍ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى:﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١] في سُورَةِ الأنْعامِ.

شَبَّهَ حالَ فَرِيقِ الكُفّارِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالنَّظَرِ في دَلائِلِ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ الواضِحَةِ مِن مَخْلُوقاتِهِ بِحالِ الأعْمى، وشُبِّهُوا في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِأدِلَّةِ القُرْآنِ بِحالِ مَن هو أصَمُّ.

وشَبَّهَ حالَ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ في ضِدِّ ذَلِكَ بِحالِ مَن كانَ سَلِيمَ البَصَرِ، سَلِيمَ السَّمْعِ فَهو في هُدًى ويَقِينٍ مِن مُدْرَكاتِهِ.

وتَرْتِيبُ الحالَيْنِ المُشَبَّهِ بِهِما في الذِّكْرِ عَلى تَرْتِيبِ ذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ فِيما تَقَدَّمَ يُنْبِئُ بِالمُرادِ مِن كُلِّ فَرِيقٍ عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ المُرَتَّبِ. والتَّرْتِيبُ في اللَّفِّ والنَّشْرِ هو الأصْلُ والغالِبُ.

وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُشَبَّهِينَ بِالأعْمى والأصَمِّ هُمُ الفَرِيقُ المَقُولُ فِيهِمْ ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]

والواوُ في قَوْلِهِ: والأصَمِّ لِلْعَطْفِ عَلى الأعْمى عَطَفَ أحَدَ المُشَبَّهَيْنِ عَلى الآخَرِ. وكَذَلِكَ الواوُ في قَوْلِهِ: والسَّمِيعِ لِلْعَطْفِ عَلى البَصِيرِ

وأمّا الواوُ في قَوْلِهِ: والبَصِيرُ فَهي لِعِطْفِ التَّشْبِيهِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ، وهو النَّشْرُ بَعْدَ اللَّفِّ. فَهي لِعَطْفِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ، والعَطْفُ بِها لِلتَّقْسِيمِ والقَرِينَةُ واضِحَةٌ.

وقَدْ يَظُنُّ النّاظِرُ أنَّ المُناسِبَ تَرْكُ عَطْفِ صِفَةِ الأصَمِّ عَلى صِفَةِ الأعْمى كَما لَمْ يُعْطَفْ نَظِيراهُما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ ظَنًّا بِأنَّ مَوْرِدَ الآيَتَيْنِ سَواءٌ في أنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ مَن جَمَعُوا بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ. وذَلِكَ أحَدُ وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما صاحِبُ الكَشّافِ. وقَدْ أجابَ أصْحابُ حَواشِي الكَشّافِ بِأنَّ

صفحة ٤٢

العَطْفَ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ …

25

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ

And We had certainly sent Noah to his people, [saying], "Indeed, I am to you a clear warner

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾

انْتِقالٌ مِن إنْذارِ المُشْرِكِينَ ووَصْفِ أحْوالِهِمْ وما ناسَبَ ذَلِكَ إلى مَوْعِظَتِهِمْ بِما أصابَ المُكَذِّبِينَ قَبْلَهم مِنَ المَصائِبِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِما لاقاهُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَهُ مِن أقْوامِهِمْ.

فالعَطْفُ مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وهي الَّتِي تُسَمّى الواوَ الِابْتِدائِيَّةُ.

وأُكِّدَتِ الجُمْلَةُ بِلامِ القَسَمِ وقَدْ لِأنَّ المُخاطَبِينَ لِما غَفَلُوا عَنِ الحَذَرِ مِمّا بِقَوْمِ نُوحٍ مَعَ مُماثَلَةِ حالِهِمْ نَزَلُوا مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِوُقُوعِ رِسالَتِهِ.

صفحة ٤٤

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ إنِّي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَحْكِيٌّ بِفِعْلِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ في مَحَلِّ حالٍ، أيْ قائِلًا.

وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفُ - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ وهو الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أرْسَلْناهُ مُتَلَبِّسًا بِذَلِكَ، أيْ بِمَعْنى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنِّي نَذِيرٌ، أيْ مُتَلَبِّسًا بِالنِّذارَةِ البَيِّنَةِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في آلِ عِمْرانَ. وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِجُمْلَةِ أرْسَلْنا لِأنَّ الإرْسالَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، ويَجُوزُ كَوْنُها تَفْسِيرًا لِـ نَذِيرٌ لِما في ”نَذِيرٌ“ مِن مَعْنى القَوْلِ، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ نُوحٍ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [نوح: ٢] ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ﴾ [نوح: ٣] . وهَذا الوَجْهُ مُتَعَيِّنٌ عَلى قِراءَةِ فَتْحِ هَمْزَةِ أنِّي إذا اعْتُبِرَتْ أنْ تَفْسِيرِيَّةً. ويَجُوزُ جَعْلُ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ فَيَكُونُ بَدَلًا مِن (أنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ) عَلى قِراءَةِ - فَتْحِ الهَمْزَةِ - واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، أيْ أنَّهُ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِـ ”نَذِيرٌ“ لِأنَّ شَأْنَ النِّذارَةِ أنْ تَثْقُلَ عَلى النُّفُوسِ وتُخْزِهِمْ فَكانَتْ جَدِيرَةً بِالتَّعْلِيلِ لِدَفْعِ حَرَجِ ما يُلاقُونَهُ.

ووَصْفُ اليَوْمِ بِالألِيمِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُوصَفَ العَذابُ بِالألِيمِ؛ لِأنَّ شِدَّةَ العَذابِ لَمّا بَلَغَتِ الغايَةَ جُعِلَ زَمانُهُ ألِيمًا، أيْ مُؤْلِمًا.

وجُمْلَةُ أخافُ عَلَيْكم ونَحْوُها مِثْلُ أخْشى عَلَيْكَ، تُسْتَعْمَلُ لِلتَّوَقُّعِ في الأمْرِ المَظْنُونِ أوِ المَقْطُوعِ بِهِ بِاعْتِبارِ إمْكانِ الِانْفِلاتِ مِنَ المَقْطُوعِ بِهِ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:

أخْشى عَلى أرْبَدَ الحُتُوفَ ولا أخْشى عَلَيْهِ الرِّياحَ والمَطَرا

فَيَتَعَدّى الفِعْلُ بِنَفْسِهِ إلى الخَوْفِ مِنهُ ويَتَعَدّى إلى المَخُوفِ عَلَيْهِ بِحَرْفِ عَلى كَما في الآيَةِ وبَيْتِ لَبِيَدٍ.

صفحة ٤٥

والعَذابُ هُنا نَكِرَةٌ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى نَكِرَةٍ فَكانَ مُحْتَمِلًا لِعَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ. فَأمّا عَذابُ الدُّنْيا فَلَيْسَ مَقْطُوعًا بِنُزُولِهِ بِهِمْ ولَكِنَّهُ مَظْنُونٌ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِناءً عَلى ما عَلِمَهُ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِإيمانِ قَوْمِهِ وما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الحِرْصِ في …

26

أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍۢ

That you not worship except Allah. Indeed, I fear for you the punishment of a painful day."

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾

انْتِقالٌ مِن إنْذارِ المُشْرِكِينَ ووَصْفِ أحْوالِهِمْ وما ناسَبَ ذَلِكَ إلى مَوْعِظَتِهِمْ بِما أصابَ المُكَذِّبِينَ قَبْلَهم مِنَ المَصائِبِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِما لاقاهُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَهُ مِن أقْوامِهِمْ.

فالعَطْفُ مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وهي الَّتِي تُسَمّى الواوَ الِابْتِدائِيَّةُ.

وأُكِّدَتِ الجُمْلَةُ بِلامِ القَسَمِ وقَدْ لِأنَّ المُخاطَبِينَ لِما غَفَلُوا عَنِ الحَذَرِ مِمّا بِقَوْمِ نُوحٍ مَعَ مُماثَلَةِ حالِهِمْ نَزَلُوا مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِوُقُوعِ رِسالَتِهِ.

صفحة ٤٤

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ إنِّي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَحْكِيٌّ بِفِعْلِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ في مَحَلِّ حالٍ، أيْ قائِلًا.

وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفُ - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ وهو الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أرْسَلْناهُ مُتَلَبِّسًا بِذَلِكَ، أيْ بِمَعْنى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنِّي نَذِيرٌ، أيْ مُتَلَبِّسًا بِالنِّذارَةِ البَيِّنَةِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في آلِ عِمْرانَ. وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِجُمْلَةِ أرْسَلْنا لِأنَّ الإرْسالَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، ويَجُوزُ كَوْنُها تَفْسِيرًا لِـ نَذِيرٌ لِما في ”نَذِيرٌ“ مِن مَعْنى القَوْلِ، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ نُوحٍ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [نوح: ٢] ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ﴾ [نوح: ٣] . وهَذا الوَجْهُ مُتَعَيِّنٌ عَلى قِراءَةِ فَتْحِ هَمْزَةِ أنِّي إذا اعْتُبِرَتْ أنْ تَفْسِيرِيَّةً. ويَجُوزُ جَعْلُ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ فَيَكُونُ بَدَلًا مِن (أنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ) عَلى قِراءَةِ - فَتْحِ الهَمْزَةِ - واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، أيْ أنَّهُ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِـ ”نَذِيرٌ“ لِأنَّ شَأْنَ النِّذارَةِ أنْ تَثْقُلَ عَلى النُّفُوسِ وتُخْزِهِمْ فَكانَتْ جَدِيرَةً بِالتَّعْلِيلِ لِدَفْعِ حَرَجِ ما يُلاقُونَهُ.

ووَصْفُ اليَوْمِ بِالألِيمِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُوصَفَ العَذابُ بِالألِيمِ؛ لِأنَّ شِدَّةَ العَذابِ لَمّا بَلَغَتِ الغايَةَ جُعِلَ زَمانُهُ ألِيمًا، أيْ مُؤْلِمًا.

وجُمْلَةُ أخافُ عَلَيْكم ونَحْوُها مِثْلُ أخْشى عَلَيْكَ، تُسْتَعْمَلُ لِلتَّوَقُّعِ في الأمْرِ المَظْنُونِ أوِ المَقْطُوعِ بِهِ بِاعْتِبارِ إمْكانِ الِانْفِلاتِ مِنَ المَقْطُوعِ بِهِ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:

أخْشى عَلى أرْبَدَ الحُتُوفَ ولا أخْشى عَلَيْهِ الرِّياحَ والمَطَرا

فَيَتَعَدّى الفِعْلُ بِنَفْسِهِ إلى الخَوْفِ مِنهُ ويَتَعَدّى إلى المَخُوفِ عَلَيْهِ بِحَرْفِ عَلى كَما في الآيَةِ وبَيْتِ لَبِيَدٍ.

صفحة ٤٥

والعَذابُ هُنا نَكِرَةٌ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى نَكِرَةٍ فَكانَ مُحْتَمِلًا لِعَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ. فَأمّا عَذابُ الدُّنْيا فَلَيْسَ مَقْطُوعًا بِنُزُولِهِ بِهِمْ ولَكِنَّهُ مَظْنُونٌ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِناءً عَلى ما عَلِمَهُ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِإيمانِ قَوْمِهِ وما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الحِرْصِ في …

27

فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًۭا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَٰذِبِينَ

So the eminent among those who disbelieved from his people said, "We do not see you but as a man like ourselves, and we do not see you followed except by those who are the lowest of us [and] at first suggestion. And we do not see in you over us any merit; rather, we think you are liars."

﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾

عَطَفَ قَوْلَ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ بِالفاءِ عَلى فِعْلِ أرْسَلْنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم بادَرُوهُ بِالتَّكْذِيبِ والمُجادَلَةِ الباطِلَةِ لَمّا قالَ لَهم ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] إلى آخِرِهِ. ولَمْ تَقَعْ حِكايَةُ ابْتِداءِ مُحاوَرَتِهِمْ إيّاهُ بِـ قالَ مُجَرَّدًا عَنِ الفاءِ كَما وقَعَ في الأعْرافِ لِأنَّ ابْتِداءَ مُحاوَرَتِهِ إيّاهم هُنا لَمْ يَقَعْ بِلَفْظِ القَوْلِ فَلَمْ يُحْكَ جَوابُهم بِطَرِيقَةِ المُحاوَراتِ بِخِلافِ آيَةِ الأعْرافِ.

والمَلَأُ: سادَةُ القَوْمِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] في سُورَةِ الأعْرافِ.

صفحة ٤٦

جَزَمُوا بِتَكْذِيبِهِ فَقَدَّمُوا لِذَلِكَ مُقْدِماتٍ اسْتَخْلَصُوا مِنها تَكْذِيبَهُ، وتِلْكَ مُقْدِماتٌ باطِلَةٌ أقامُوها عَلى ما شاعَ بَيْنَهم مِنَ المُغالَطاتِ الباطِلَةِ الَّتِي رَوَّجَها الإلْفُ والعادَةُ فَكانُوا يُعِدِّونَ التَّفاضُلَ بِالسُّؤْدُدِ وهو شَرَفٌ مُصْطَلَحٌ عَلَيْهِ قِوامُهُ الشَّجاعَةُ والكَرَمُ، وكانُوا يَجْعَلُونَ أسْبابَ السُّؤْدُدِ أسْبابًا مادِّيَّةً جَسَدِيَّةً، فَيُسَوِّدُونَ أصْحابَ الأجْسامِ البَهِجَةِ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ لِأنَّهم بِبَساطَةِ مَدارِكِهِمْ العَقْلِيَّةِ يُعَظِّمُونَ حُسْنَ الذَّواتِ، ويُسَوِّدُونَ أهْلَ الغِنى لِأنَّهم يَطْمَعُونَ في نَوالِهِمْ، ويُسَوِّدُونَ الأبْطالَ لِأنَّهم يُعِدُّونَهم لِدِفاعِ أعْدائِهِمْ. ثُمَّ هم يَعْرِفُونَ أصْحابَ تِلْكَ الخِلالِ إمّا بِمُخالَطَتِهِمْ وإمّا بِمُخالَطَةِ أتْباعِهِمْ فَإذا تَسامَعُوا بِسَيِّدِ قَوْمٍ ولَمْ يَعْرِفُوهُ تَعَرَّفُوا أتْباعَهُ وأنْصارَهُ، فَإنْ كانُوا مِنَ الأشْرافِ والسّادَةِ عَلِمُوا أنَّهم ما اتَّبَعُوهُ إلّا لَمّا رَأوْا فِيهِ مِن مُوجِباتِ السِّيادَةِ؛ وهَذِهِ أسْبابٌ مُلائِمَةٌ لِأحْوالِ أهْلِ الضَّلالَةِ إذْ لا عِنايَةَ لَهم بِالجانِبِ النَّفْسانِيِّ مِنَ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ.

فَلَمّا دَعاهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعْوَةً عَلِمُوا مِنها أنَّهُ يَقُودُهم إلى طاعَتِهِ فَفَكَّرُوا وقَدَّرُوا فَرَأوُا الأسْبابَ المَأْلُوفَةَ بَيْنَهم لِلسُّؤْدُدِ مَفْقُودَةً مَن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فَجَزَمُوا بِأنَّهُ غَيْرُ حَقِيقٍ بِالسِّيادَةِ عَلَيْهِمْ فَجَزَمُوا بِتَكْذِيبِهِ فِيما ادَّعاهُ مِنَ الرِّسالَةِ بِسِيادَةٍ لِلْأُمَّةِ وقِيادَةٍ لَها.

وهَؤُلاءِ لِقُصُورِ عُقُولِهِمْ وضَعْفِ مَدارِكِهِمْ لَمْ يَبْلُغُوا إدْراكَ أسْبابِ الكَمالِ الحَقِّ، فَذَهَبُوا يَتَطَلَّبُونَ الكَمالَ مِن أعْراضٍ تَعْرِضُ لِلنّاسِ بِالصُّدْفَةِ مِن سَعَةِ مالٍ، أوْ قُوَّةِ أتْباعٍ، أوْ عِزَّةِ قَبِيلَةٍ. وتِلْكَ أشْياءُ لا يَطَّرِدُ أثَرُها في جَلْبِ النَّفْعِ العامِّ ولا إشْعارٍ لَها بِكَمالِ صاحِبِها إذْ يُشارِكُهُ فِيها أقَلُّ النّاسِ عُقُولًا، والحَيَوانُ الأعْجَمُ مِثْلُ البَقَرَةِ بِما في ضَرْعِها مِن لَبَنٍ، والشّاةُ بِما عَلى ظَهْرِها مِن صُوفٍ، بَلْ غالِبُ حالِها أنَّها بِضِدِّ ذَلِكَ.

ورُبَّما تَطَلَّبُوا الكَمالَ في أجْناسٍ غَيْرِ مَأْلُوفَةٍ كالجِنِّ، أوْ زِيادَةِ خِلْقَةٍ لا أثَرَ لَها في عَمَلِ المُتَّصِفِ بِها مِثْلِ جَمالِ الصُّورَةِ وكَمالِ القامَةِ، وتِلْكَ وإنْ كانَتْ مُلازِمَةً لِمَوْصُوفاتِها لَكِنَّها لا تُفِيدُهم أنْ يَكُونُوا مَصادِرَ كَمالاتٍ،

صفحة ٤٧

فَقَدْ …

28

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَٰرِهُونَ

He said, "O my people have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord while He has given me mercy from Himself but it has been made unapparent to you, should we force it upon you while you are averse to it?

صفحة ٥٠

﴿قالَ يا قَوْمِ أراَيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعَمِيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾

فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ يا قَوْمِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ الأقْوالِ في المُحاوَراتِ كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَهَذِهِ لَمّا وقَعَتْ مُقابِلًا لِكَلامٍ مَحْكِيٍّ يُقالُ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٧]

وافْتِتاحُ مُراجَعَتِهِ بِالنِّداءِ لِطَلَبِ إقْبالِ أذْهانِهِمْ لِوَعْيِ كَلامِهِ، كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِها في سُورَةِ الأعْرافِ، واخْتِيارِ اسْتِحْضارِهِمْ بِعُنْوانِ قَوْمِهِ لِاسْتِنْزالِ طائِرِ نُفُورِهِمْ تَذْكِيرًا لَهم بِأنَّهُ مِنهم فَلا يُرِيدُ لَهم إلّا خَيْرًا.

وإذْ قَدْ كانَ طَعْنُهم في رِسالَتِهِ مُدَلِّلًا بِأنَّهم ما رَأوْا لَهُ مَزِيَّةً وفَضْلًا، وما رَأوْا أتْباعَهُ إلّا ضُعَفاءَ قَوْمِهِمْ وإنَّ ذَلِكَ عَلامَةُ كَذِبِهِ وضَلالِ أتْباعِهِ، سَلَكَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مُجادَلَتِهِمْ مَسْلَكَ إجْمالٍ لِإبْطالِ شُبْهَتِهِمْ ثُمَّ مَسْلَكَ تَفْصِيلٍ لِرَدِّ أقْوالِهِمْ، فَأمّا مَسْلَكُ الإجْمالِ فَسَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ القَلْبِ بِأنَّهم إنْ لَمْ يَرَوْا فِيهِ وفي أتْباعِهِ ما يَحْمِلُ عَلى التَّصْدِيقِ بِرِسالَتِهِ، فَكَذَلِكَ هو لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَحْمِلَهم عَلى رُؤْيَةِ المَعانِي الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ ولا يَسْتَطِيعُ مَنعَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مِن مُتابَعَتِهِ والِاهْتِداءِ بِالهَدْيِ الَّذِي جاءَ بِهِ.

فَقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ إلى آخِرِهِ. مَعْناهُ إنْ كُنْتَ ذا بُرْهانٍ واضِحٍ، ومُتَّصِفًا بِرَحْمَةِ اللَّهِ بِالرِّسالَةِ بِالهُدى فَلَمْ تَظْهَرْ لَكُمُ الحُجَّةُ ولا دَلائِلُ الهُدى، فَهَلْ أُلْزِمُكم أنا وأتْباعِي بِها، أيْ بِالإذْعانِ إلَيْها والتَّصْدِيقِ

صفحة ٥١

بِها إنْ أنْتُمْ تَكْرَهُونَ قَبُولَها. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّهم لَوْ تَأمَّلُوا تَأمُّلًا بَرِيئًا مِنَ الكَراهِيَةِ والعَداوَةِ لَعَلِمُوا صِدْقَ دَعْوَتِهِ.

وأرَأيْتُمْ، اسْتِفْهامٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنى الِاعْتِقادِ. وهو اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ إذا كانَ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ غَيْرَ عامِلٍ في مُفْرَدٍ فَهو تَقْرِيرٌ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّادَّةِ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ رَأيْتُمْ، ولِذَلِكَ كانَ مَعْناهُ آيِلًا إلى مَعْنى أخْبِرُونِي، ولَكِنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في طَلَبِ مَن حالُهُ حالُ مَن يَجْحَدُ الخَبَرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً﴾ [الأنعام: ٤٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ إلى قَوْلِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ أرَأيْتُمْ وما سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ.

والِاسْتِفْهامُ في ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ إنْكارِيٌّ، أيْ لا نُكْرِهُكم عَلى قَبُولِها، فَعُلِّقَ الإلْزامُ بِضَمِيرِ البَيِّنَةِ أوِ الرَّحْمَةِ. والمُرادُ تَعْلِيقُهُ بِقَبُولِها بِدَلالَةِ القَرِينَةِ.

والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ، وتُطْلَقُ عَلى المُعْجِزَةِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَتُهُ الطُّوفانَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لَهُ مُعْجِزاتٌ أُخْرى لَمْ تُذْكَرْ، فَإنَّ بِعْثَةَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لا تَخْلُو مِن مُعْجِزاتٍ.

والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ نِعْمَةُ …

29

وَيَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ

And O my people, I ask not of you for it any wealth. My reward is not but from Allah. And I am not one to drive away those who have believed. Indeed, they will meet their Lord, but I see that you are a people behaving ignorantly.

﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾

إعادَةُ الخِطابِ بِـ يا قَوْمِ تَأْكِيدٌ لِما في الخِطابِ بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ مِنَ المَعانِي الَّتِي ذَكَرْناها، وأمّا عَطْفُ النِّداءِ بِالواوِ مَعَ أنَّ المُخاطَبَ بِهِ واحِدٌ وشَأْنُ عَطْفِ النِّداءِ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اخْتِلافِ المُنادى كَقَوْلِ المَعَرِّيِّ:

يا ساهِرَ البَرْقِ أيْقِظْ راقِدَ السَّمُرِ لَعَلَّ بِالجِزْعِ أعْوانًا عَلى السَّهَـرِ

ثُمَّ قالَ:

ويا أسِيرَةَ حِجْلَيْها أرى سَفَـهًـا ∗∗∗ حَمْلَ الحُلِيِّ بِمَن أعْيا عَنِ النَّظَرِ

فَأمّا إذا اتَّحَدَ المُنادى فالشَّأْنُ عَدَمُ العَطْفِ كَما في قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] إلى قَوْلِهِ: ولِيًّا فَقَدْ تَكَرَّرَ النِّداءُ أرْبَعَ مَرّاتٍ.

صفحة ٥٤

فَتَعَيَّنَ هُنا أنْ يَكُونَ العَطْفُ مِن مَقُولِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا مِن حِكايَةِ اللَّهِ عَنْهُ. ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَنْبِيهًا عَلى اتِّصالِ النِّداءاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وأنَّ أحَدَها لا يُغْنِي عَنِ الآخَرِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الوَصْلِ لِأنَّ النِّداءَ افْتِتاحُ كَلامٍ فَجُمْلَتُهُ ابْتِدائِيَّةٌ وعَطْفُها إذا عُطِفَتْ مُجَرَّدُ عَطْفٍ لَفْظِيٍّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَفَنُّنًا عَرَبِيًّا في الكَلامِ عِنْدَ تَكَرُّرِ النِّداءِ اسْتِحْسانًا لِلْمُخالَفَةِ بَيْنَ التَّأْكِيدِ والمُؤَكَّدِ. وسَيَجِيءُ نَظِيرُ هَذا قَرِيبًا في قِصَّةِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِصَّةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ.

ومِنهُ ما وقَعَ في سُورَةِ المُؤْمِنِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٣] ثُمَّ قالَ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ [غافر: ٣٩] ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافر: ٤٠] ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ [غافر: ٤١] . فَعَطَفَ ويا قَوْمِ تارَةً وتَرَكَ العَطْفَ أُخْرى.

وأمّا مَعَ اخْتِلافِ الوَصْفِ المُنادى بِهِ فَقَدْ جاءَ العَطْفُ وهو أظْهَرُ لِما في اخْتِلافِ وصْفِ المُنادى مِن شِبْهِ التَّغايُرِ كَقَوْلِ قَيْسٍ بْنِ عاصِمٍ، وقِيلَ حاتِمٍ الطّائِيِّ:

أيا ابْنَةَ عَبْدِ اللَّـهِ وابْـنَةَ مَـالِـكٍ ∗∗∗ ويا ابْنَةَ ذِي البُرْدَيْنِ والفَرَسِ الوَرْدِ

فَقَوْلُهُ: ”ويا بْنَةَ ذِي البُرْدَيْنِ“ عَطْفُ نِداءٍ عَلى نِداءٍ والمُنادى بِهِما واحِدٌ.

لَمّا أظْهَرَ لَهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ يُجْبِرُهم عَلى إيمانٍ يَكْرَهُونَهُ انْتَقَلَ إلى تَقْرِيبِهِمْ مِنَ النَّظَرِ في نَزاهَةِ ما جاءَهم بِهِ، وأنَّهُ لا يُرِيدُ نَفْعًا دُنْيَوِيًّا بِأنَّهُ لا يَسْألُهم عَلى ما جاءَ بِهِ ما لا يُعْطُونَهُ إيّاهُ فَماذا يَتَّهِمُونَهُ حَتّى يَقْطَعُونَ بِكَذِبِهِ.

صفحة ٥٥

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: عَلَيْهِ …

30

وَيَٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

And O my people, who would protect me from Allah if I drove them away? Then will you not be reminded?

﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾ .

إعادَةُ ويا قَوْمِ مِثْلُ إعادَتِهِ في الآيَةِ قَبْلَها.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. والنَّصْرُ: إعانَةُ المُقاوِمِ لِضِدٍّ أوْ عَدُوٍّ، وضُمِّنَ مَعْنى الإنْجاءِ فَعُدِّيَ بِـ مِن أيْ مَن يُخَلِّصُنِي، أيْ يُنْجِينِي مِنَ اللَّهِ، أيْ مِن عِقابِهِ؛ لِأنَّ طَرْدَهم إهانَةٌ تُؤْذِيهِمْ بِلا مُوجِبٍ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ اللَّهِ، واللَّهُ لا يُحِبُّ إهانَةَ أوْلِيائِهِ.

وفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ إنْكارًا عَلى قَوْمِهِ في إهْمالِهِمُ التَّذَكُّرِ، أيِ التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ ومَدْلُولاتِها، والأسْبابِ ومُسَبِّباتِها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ تَذَّكِّرُونَ - بِتَشْدِيدِ الذّالِ - .

صفحة ٥٧

وأصْلُ تَذَّكَّرُونَ، تَتَذَكَّرُونَ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ ذالًا وأُدْغِمَتْ في الذّالِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ تَذَكَّرُونَ بِتَخْفِيفِ الذّالِ وبِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ. والتَّذَكُّرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.