Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 21–30 of 123

21

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

Those are the ones who will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

قوله عزّ وجلّ:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾

﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِوُجُوبِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ولا خُسْرانَ أعْظَمُ مِن خُسْرانِ النَفْسِ، و"وَضَلَّ" مَعْناهُ: تَلَفَ ولَمْ يَجِدُوهُ حَيْثُ أمَّلُوهُ. و"لا جَرَمَ" لَفْظَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن: "لا"، ومِن: "جَرَمَ" بُنِيَتا.

ومَعْنى لا جَرَمَ: حَقَّ. هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ. وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: مَعْناها: لا بُدَّ ولا شَكَّ ولا مَحالَةَ وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ. وقالَ الزَجّاجُ: "لا" رَدٌّ عَلَيْهِمْ، ولِما تَقَدَّمَ مِن كُلِّ ما قَبْلَها، و"جَرَمَ" مَعْناهُ: كَسَبَ، أيْ كَسَبَ فِعْلُهم ﴿أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾. فَمَوْضِعُ "أنْ" -عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ - رَفْعٌ: ومَوْضِعُها عَلى مَذْهَبِ الزَجّاجِ - نَصْبٌ. وقالَ الكِسائِيُّ مَعْناها لا صَدَّ ولا مَنعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَكَأنَّ جَرَمَ -عَلى هَذا- مِن مَعْنى القَطْعِ، تَقُولُ: جَرَمْتُ أيْ قَطَعْتُ: وهي عَلى مَنزَعِ الزَجّاجِ مِنَ الكَسْبِ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ جَرِيمَةُ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ ∗∗∗ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا

وجَرِيمَةُ القَوْمِ كاسِبُهم.

وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ

؎ ولِقَدْ طَعنتُ أبا أُمَيْمَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا

فَيَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ: ويَخْتَلِفُ مَعْنى البَيْتِ.

وفِي لا جَرَمَ لُغاتٌ: يَقُولُ بَعْضُ العَرَبِ: لا ذا جَرَمَ، وبَعْضُهُمْ: لا أنْ ذا جَرَمَ، وبَعْضُهُمْ: لا عن ذا جَرَمَ، وبَعْضُهُمْ: لا جَرَ، حَذَفُوا المِيمَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ.

وأخْبَتُوا قِيلَ: مَعْناهُ: خَشَعُوا، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: أنابُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: اطْمَأنُّوا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: خافُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، وهَذِهِ الأقْوالُ بَعْضُها قَرِيبٌ مِن بَعْضٍ، وأصْلُ اللَفْظِ مِنَ الخَبْتِ، وهو البَراحُ القَفْرُ المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ فَكَأنَّ المُخْبِتَ في القَفْرِ قَدِ انْكَشَفَ واسْتَسْلَمَ وبَقِيَ ذا مَنَعَةٍ، فَشُبِّهَ المُتَذَلِّلُ الخاشِعُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّما اشْتُقَّ مِنهُ لِاسْتِوائِهِ وطُمَأْنِينَتِهِ. وقَوْلُهُ: إلى رَبِّهِمْ قِيلَ: هي بِمَعْنى اللامِ أيْ أخْبَتُوا لِرَبِّهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى جَعَلُوا قَصْدَهم بِإخْباتِهِمْ إلى رَبِّهِمْ، و"الفَرِيقانِ" الكافِرُونَ والمُؤْمِنُونَ: شُبِّهَ الكافِرُ بِالأعْمى والأصَمِّ، وشُبِّهَ المُؤْمِنُ بِـ البَصِيرِ والسَمِيعِ فَهو -عَلى هَذا- تَمْثِيلٌ بِمِثالَيْنِ. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: التَقْدِيرُ كالأعْمى الأصَمِّ والبَصِيرِ السَمِيعِ ودَخَلَتْ واوُ العَطْفِ كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ العاقِلُ والكَرِيمُ، وأنْتَ تُرِيدُهُ بِعَيْنِهِ فَهو -عَلى هَذا- تَمْثِيلٌ بِمِثالٍ واحِدٍ.

ومَثَلًا نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا.

22

لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ

Assuredly, it is they in the Hereafter who will be the greatest losers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾

﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِوُجُوبِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ولا خُسْرانَ أعْظَمُ مِن خُسْرانِ النَفْسِ، و"وَضَلَّ" مَعْناهُ: تَلَفَ ولَمْ يَجِدُوهُ حَيْثُ أمَّلُوهُ. و"لا جَرَمَ" لَفْظَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن: "لا"، ومِن: "جَرَمَ" بُنِيَتا.

ومَعْنى لا جَرَمَ: حَقَّ. هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ. وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: مَعْناها: لا بُدَّ ولا شَكَّ ولا مَحالَةَ وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ. وقالَ الزَجّاجُ: "لا" رَدٌّ عَلَيْهِمْ، ولِما تَقَدَّمَ مِن كُلِّ ما قَبْلَها، و"جَرَمَ" مَعْناهُ: كَسَبَ، أيْ كَسَبَ فِعْلُهم ﴿أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾. فَمَوْضِعُ "أنْ" -عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ - رَفْعٌ: ومَوْضِعُها عَلى مَذْهَبِ الزَجّاجِ - نَصْبٌ. وقالَ الكِسائِيُّ مَعْناها لا صَدَّ ولا مَنعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَكَأنَّ جَرَمَ -عَلى هَذا- مِن مَعْنى القَطْعِ، تَقُولُ: جَرَمْتُ أيْ قَطَعْتُ: وهي عَلى مَنزَعِ الزَجّاجِ مِنَ الكَسْبِ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ جَرِيمَةُ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ ∗∗∗ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا

وجَرِيمَةُ القَوْمِ كاسِبُهم.

وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ

؎ ولِقَدْ طَعنتُ أبا أُمَيْمَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا

فَيَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ: ويَخْتَلِفُ مَعْنى البَيْتِ.

وفِي لا جَرَمَ لُغاتٌ: يَقُولُ بَعْضُ العَرَبِ: لا ذا جَرَمَ، وبَعْضُهُمْ: لا أنْ ذا جَرَمَ، وبَعْضُهُمْ: لا عن ذا جَرَمَ، وبَعْضُهُمْ: لا جَرَ، حَذَفُوا المِيمَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ.

وأخْبَتُوا قِيلَ: مَعْناهُ: خَشَعُوا، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: أنابُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: اطْمَأنُّوا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: خافُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، وهَذِهِ الأقْوالُ بَعْضُها قَرِيبٌ مِن بَعْضٍ، وأصْلُ اللَفْظِ مِنَ الخَبْتِ، وهو البَراحُ القَفْرُ المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ فَكَأنَّ المُخْبِتَ في القَفْرِ قَدِ انْكَشَفَ واسْتَسْلَمَ وبَقِيَ ذا مَنَعَةٍ، فَشُبِّهَ المُتَذَلِّلُ الخاشِعُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّما اشْتُقَّ مِنهُ لِاسْتِوائِهِ وطُمَأْنِينَتِهِ. وقَوْلُهُ: إلى رَبِّهِمْ قِيلَ: هي بِمَعْنى اللامِ أيْ أخْبَتُوا لِرَبِّهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى جَعَلُوا قَصْدَهم بِإخْباتِهِمْ إلى رَبِّهِمْ، و"الفَرِيقانِ" الكافِرُونَ والمُؤْمِنُونَ: شُبِّهَ الكافِرُ بِالأعْمى والأصَمِّ، وشُبِّهَ المُؤْمِنُ بِـ البَصِيرِ والسَمِيعِ فَهو -عَلى هَذا- تَمْثِيلٌ بِمِثالَيْنِ. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: التَقْدِيرُ كالأعْمى الأصَمِّ والبَصِيرِ السَمِيعِ ودَخَلَتْ واوُ العَطْفِ كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ العاقِلُ والكَرِيمُ، وأنْتَ تُرِيدُهُ بِعَيْنِهِ فَهو -عَلى هَذا- تَمْثِيلٌ بِمِثالٍ واحِدٍ.

ومَثَلًا نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا.

23

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Indeed, they who have believed and done righteous deeds and humbled themselves to their Lord - those are the companions of Paradise; they will abide eternally therein.

قوله عزّ وجلّ:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾

﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِوُجُوبِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ولا خُسْرانَ أعْظَمُ مِن خُسْرانِ النَفْسِ، و"وَضَلَّ" مَعْناهُ: تَلَفَ ولَمْ يَجِدُوهُ حَيْثُ أمَّلُوهُ. و"لا جَرَمَ" لَفْظَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن: "لا"، ومِن: "جَرَمَ" بُنِيَتا.

ومَعْنى لا جَرَمَ: حَقَّ. هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ. وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: مَعْناها: لا بُدَّ ولا شَكَّ ولا مَحالَةَ وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ. وقالَ الزَجّاجُ: "لا" رَدٌّ عَلَيْهِمْ، ولِما تَقَدَّمَ مِن كُلِّ ما قَبْلَها، و"جَرَمَ" مَعْناهُ: كَسَبَ، أيْ كَسَبَ فِعْلُهم ﴿أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾. فَمَوْضِعُ "أنْ" -عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ - رَفْعٌ: ومَوْضِعُها عَلى مَذْهَبِ الزَجّاجِ - نَصْبٌ. وقالَ الكِسائِيُّ مَعْناها لا صَدَّ ولا مَنعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَكَأنَّ جَرَمَ -عَلى هَذا- مِن مَعْنى القَطْعِ، تَقُولُ: جَرَمْتُ أيْ قَطَعْتُ: وهي عَلى مَنزَعِ الزَجّاجِ مِنَ الكَسْبِ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ جَرِيمَةُ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ ∗∗∗ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا

وجَرِيمَةُ القَوْمِ كاسِبُهم.

وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ

؎ ولِقَدْ طَعنتُ أبا أُمَيْمَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا

فَيَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ: ويَخْتَلِفُ مَعْنى البَيْتِ.

وفِي لا جَرَمَ لُغاتٌ: يَقُولُ بَعْضُ العَرَبِ: لا ذا جَرَمَ، وبَعْضُهُمْ: لا أنْ ذا جَرَمَ، وبَعْضُهُمْ: لا عن ذا جَرَمَ، وبَعْضُهُمْ: لا جَرَ، حَذَفُوا المِيمَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ.

وأخْبَتُوا قِيلَ: مَعْناهُ: خَشَعُوا، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: أنابُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: اطْمَأنُّوا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: خافُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، وهَذِهِ الأقْوالُ بَعْضُها قَرِيبٌ مِن بَعْضٍ، وأصْلُ اللَفْظِ مِنَ الخَبْتِ، وهو البَراحُ القَفْرُ المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ فَكَأنَّ المُخْبِتَ في القَفْرِ قَدِ انْكَشَفَ واسْتَسْلَمَ وبَقِيَ ذا مَنَعَةٍ، فَشُبِّهَ المُتَذَلِّلُ الخاشِعُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّما اشْتُقَّ مِنهُ لِاسْتِوائِهِ وطُمَأْنِينَتِهِ. وقَوْلُهُ: إلى رَبِّهِمْ قِيلَ: هي بِمَعْنى اللامِ أيْ أخْبَتُوا لِرَبِّهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى جَعَلُوا قَصْدَهم بِإخْباتِهِمْ إلى رَبِّهِمْ، و"الفَرِيقانِ" الكافِرُونَ والمُؤْمِنُونَ: شُبِّهَ الكافِرُ بِالأعْمى والأصَمِّ، وشُبِّهَ المُؤْمِنُ بِـ البَصِيرِ والسَمِيعِ فَهو -عَلى هَذا- تَمْثِيلٌ بِمِثالَيْنِ. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: التَقْدِيرُ كالأعْمى الأصَمِّ والبَصِيرِ السَمِيعِ ودَخَلَتْ واوُ العَطْفِ كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ العاقِلُ والكَرِيمُ، وأنْتَ تُرِيدُهُ بِعَيْنِهِ فَهو -عَلى هَذا- تَمْثِيلٌ بِمِثالٍ واحِدٍ.

ومَثَلًا نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا.

24

۞ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

The example of the two parties is like the blind and deaf, and the seeing and hearing. Are they equal in comparison? Then, will you not remember?

قوله عزّ وجلّ:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾

﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِوُجُوبِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ولا خُسْرانَ أعْظَمُ مِن خُسْرانِ النَفْسِ، و"وَضَلَّ" مَعْناهُ: تَلَفَ ولَمْ يَجِدُوهُ حَيْثُ أمَّلُوهُ. و"لا جَرَمَ" لَفْظَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن: "لا"، ومِن: "جَرَمَ" بُنِيَتا.

ومَعْنى لا جَرَمَ: حَقَّ. هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ. وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: مَعْناها: لا بُدَّ ولا شَكَّ ولا مَحالَةَ وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ الخَلِيلِ. وقالَ الزَجّاجُ: "لا" رَدٌّ عَلَيْهِمْ، ولِما تَقَدَّمَ مِن كُلِّ ما قَبْلَها، و"جَرَمَ" مَعْناهُ: كَسَبَ، أيْ كَسَبَ فِعْلُهم ﴿أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾. فَمَوْضِعُ "أنْ" -عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ - رَفْعٌ: ومَوْضِعُها عَلى مَذْهَبِ الزَجّاجِ - نَصْبٌ. وقالَ الكِسائِيُّ مَعْناها لا صَدَّ ولا مَنعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَكَأنَّ جَرَمَ -عَلى هَذا- مِن مَعْنى القَطْعِ، تَقُولُ: جَرَمْتُ أيْ قَطَعْتُ: وهي عَلى مَنزَعِ الزَجّاجِ مِنَ الكَسْبِ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ جَرِيمَةُ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ ∗∗∗ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا

وجَرِيمَةُ القَوْمِ كاسِبُهم.

وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ

؎ ولِقَدْ طَعنتُ أبا أُمَيْمَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةُ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا

فَيَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ: ويَخْتَلِفُ مَعْنى البَيْتِ.

وفِي لا جَرَمَ لُغاتٌ: يَقُولُ بَعْضُ العَرَبِ: لا ذا جَرَمَ، وبَعْضُهُمْ: لا أنْ ذا جَرَمَ، وبَعْضُهُمْ: لا عن ذا جَرَمَ، وبَعْضُهُمْ: لا جَرَ، حَذَفُوا المِيمَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ.

وأخْبَتُوا قِيلَ: مَعْناهُ: خَشَعُوا، قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: أنابُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: اطْمَأنُّوا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: خافُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، وهَذِهِ الأقْوالُ بَعْضُها قَرِيبٌ مِن بَعْضٍ، وأصْلُ اللَفْظِ مِنَ الخَبْتِ، وهو البَراحُ القَفْرُ المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ فَكَأنَّ المُخْبِتَ في القَفْرِ قَدِ انْكَشَفَ واسْتَسْلَمَ وبَقِيَ ذا مَنَعَةٍ، فَشُبِّهَ المُتَذَلِّلُ الخاشِعُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّما اشْتُقَّ مِنهُ لِاسْتِوائِهِ وطُمَأْنِينَتِهِ. وقَوْلُهُ: إلى رَبِّهِمْ قِيلَ: هي بِمَعْنى اللامِ أيْ أخْبَتُوا لِرَبِّهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى جَعَلُوا قَصْدَهم بِإخْباتِهِمْ إلى رَبِّهِمْ، و"الفَرِيقانِ" الكافِرُونَ والمُؤْمِنُونَ: شُبِّهَ الكافِرُ بِالأعْمى والأصَمِّ، وشُبِّهَ المُؤْمِنُ بِـ البَصِيرِ والسَمِيعِ فَهو -عَلى هَذا- تَمْثِيلٌ بِمِثالَيْنِ. وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: التَقْدِيرُ كالأعْمى الأصَمِّ والبَصِيرِ السَمِيعِ ودَخَلَتْ واوُ العَطْفِ كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ العاقِلُ والكَرِيمُ، وأنْتَ تُرِيدُهُ بِعَيْنِهِ فَهو -عَلى هَذا- تَمْثِيلٌ بِمِثالٍ واحِدٍ.

ومَثَلًا نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا.

25

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ

And We had certainly sent Noah to his people, [saying], "Indeed, I am to you a clear warner

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾

هَذِهِ آيَةُ قَصَصٍ فِيهِ تَمْثِيلٌ لِقُرَيْشٍ وكُفّارِ العَرَبِ وإعْلامُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسَ بِبِدْعٍ مِنَ الرُسُلِ.

ورُوِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ رَسُولٍ إلى الناسِ. ورُوِيَ أنَّ إدْرِيسَ نَبِيٌّ مِن بَنِي آدَمَ إلّا أنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ، فَرِسالَةُ نُوحٍ إنَّما كانَتْ إلى قَوْمِهِ كَسائِرِ الأنْبِياءِ، وأمّا الرِسالَةُ العامَّةُ فَلَمْ تَكُنْ إلّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ. فالكَسْرُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، والمَعْنى: قالَ لَهُمْ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ( ألّا تَعْبُدُوا ) مَعْمُولًا لِـ "أرْسَلْنا"، أيْ: أرْسَلْنا نُوحًا بِألّا تَعْبُدُوا إلّا اللهَ، واعْتُرِضَ أثْناءَ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، والفَتْحُ عَلى إعْمالِ "أرْسَلْنا" في "أنِّي" أيْ: بِأنِّي لَكم نَذِيرٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي هَذا نَظَرٌ، وإنَّما هي حِكايَةُ مُخاطَبَتِهِ لِقَوْلِهِ، ولَيْسَ هَذا حَقِيقَةَ الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى مُخاطَبَةٍ، ولَوْ كانَ الكَلامُ: أنْ أنْذِرْهم ونَحْوَهُ لَصَحَّ ذَلِكَ.

و"النَذِيرُ" لِلتَّحَفُّظِ مِنَ المَكارِهِ بِأنْ يُعَرِّفَها ويُنَبِّهَ عَلَيْها ومُبِينٌ مِن أبانَ يُبِينُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ ) ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوثانَ ونَحْوَها، وذَلِكَ بَيِّنٌ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ. و"ألِيمٌ" مَعْناهُ: مُؤْلِمٌ، ووُصِفَ بِهِ اليَوْمُ وحَقُّهُ أنْ يُوصَفَ بِهِ العَذابُ تَجَوُّزًا إذِ العَذابُ في اليَوْمِ، فَهو كَقَوْلِهِمْ: نَهارٌ صائِمٌ ولَيْلٌ قائِمٌ.

و"المَلَأُ" الجَمْعُ والأكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ والمَدِينَةِ ونَحْوِهِ، ويُسَمّى الأشْرافُ مَلَأً إذْ هم عُمْدَةُ المَلَإ والسادُّونَ مَسَدَّهُ في الآراءِ والأُمُورِ، وكُلُّ جَماعَةٍ كَبِيرَةٍ مَلَأٌ.

ولَمّا قالَ لَهم نُوحٌ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ﴾ قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ أيْ واللهُ لا يَبْعَثُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، فَأحالُوا الجائِزَ عَلى اللهِ تَعالى.

و"الأراذِلُ" جَمْعُ أرْذَلَ، وقِيلَ: جَمْعُ أرْذَلُ وأرْذالٌ جَمْعُ رَذْلٍ وكانَ اللازِمُ -عَلى هَذا- أنْ يُقالَ: أراذِيلُ وإذا ثَبَتَتِ الياءُ في جَمْعِ "صَيْرَفٍ" فَأحْرى ألّا تُزالَ في مَوْضِعِ اسْتِحْقاقِها. وهم سَفِلَةُ الناسِ ومَن لا أخْلاقَ لَهُ، ولا يُبالى ما يَقُولُ ولا ما يُقالُ لَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "بادِيَ الرَأْيِ" بِياءٍ دُونَ هَمْزٍ، مِن بَدا يَبْدُو، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بَدَأ مُسَهَّلًا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعِيسى الثَقَفِيُّ "بادِئَ الرَأْيِ" بِالهَمْزِ مِن بَدَأ يَبْدَأُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وبَيْنَ القِراءَتَيْنِ اخْتِلافٌ في المَعْنى يُعْطِيهِ التَدَبُّرُ، فَتَرَكْتُ التَطْوِيلَ بِبَسْطِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أمّا بادِئَ بَدْءٍ فَإنِّي أحْمَدُ اللهَ"، "وَأمّا بادِيَ بَدْيٍ"، بِغَيْرِ هَمْزِ فِيهِما، وقالَ الراجِزُ:

؎ أضْحى لِخالِي شَبَهِي بادِيَ بَدِي ∗∗∗ …

26

أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍۢ

That you not worship except Allah. Indeed, I fear for you the punishment of a painful day."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾

هَذِهِ آيَةُ قَصَصٍ فِيهِ تَمْثِيلٌ لِقُرَيْشٍ وكُفّارِ العَرَبِ وإعْلامُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسَ بِبِدْعٍ مِنَ الرُسُلِ.

ورُوِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ رَسُولٍ إلى الناسِ. ورُوِيَ أنَّ إدْرِيسَ نَبِيٌّ مِن بَنِي آدَمَ إلّا أنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ، فَرِسالَةُ نُوحٍ إنَّما كانَتْ إلى قَوْمِهِ كَسائِرِ الأنْبِياءِ، وأمّا الرِسالَةُ العامَّةُ فَلَمْ تَكُنْ إلّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ. فالكَسْرُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، والمَعْنى: قالَ لَهُمْ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ( ألّا تَعْبُدُوا ) مَعْمُولًا لِـ "أرْسَلْنا"، أيْ: أرْسَلْنا نُوحًا بِألّا تَعْبُدُوا إلّا اللهَ، واعْتُرِضَ أثْناءَ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، والفَتْحُ عَلى إعْمالِ "أرْسَلْنا" في "أنِّي" أيْ: بِأنِّي لَكم نَذِيرٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي هَذا نَظَرٌ، وإنَّما هي حِكايَةُ مُخاطَبَتِهِ لِقَوْلِهِ، ولَيْسَ هَذا حَقِيقَةَ الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى مُخاطَبَةٍ، ولَوْ كانَ الكَلامُ: أنْ أنْذِرْهم ونَحْوَهُ لَصَحَّ ذَلِكَ.

و"النَذِيرُ" لِلتَّحَفُّظِ مِنَ المَكارِهِ بِأنْ يُعَرِّفَها ويُنَبِّهَ عَلَيْها ومُبِينٌ مِن أبانَ يُبِينُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ ) ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوثانَ ونَحْوَها، وذَلِكَ بَيِّنٌ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ. و"ألِيمٌ" مَعْناهُ: مُؤْلِمٌ، ووُصِفَ بِهِ اليَوْمُ وحَقُّهُ أنْ يُوصَفَ بِهِ العَذابُ تَجَوُّزًا إذِ العَذابُ في اليَوْمِ، فَهو كَقَوْلِهِمْ: نَهارٌ صائِمٌ ولَيْلٌ قائِمٌ.

و"المَلَأُ" الجَمْعُ والأكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ والمَدِينَةِ ونَحْوِهِ، ويُسَمّى الأشْرافُ مَلَأً إذْ هم عُمْدَةُ المَلَإ والسادُّونَ مَسَدَّهُ في الآراءِ والأُمُورِ، وكُلُّ جَماعَةٍ كَبِيرَةٍ مَلَأٌ.

ولَمّا قالَ لَهم نُوحٌ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ﴾ قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ أيْ واللهُ لا يَبْعَثُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، فَأحالُوا الجائِزَ عَلى اللهِ تَعالى.

و"الأراذِلُ" جَمْعُ أرْذَلَ، وقِيلَ: جَمْعُ أرْذَلُ وأرْذالٌ جَمْعُ رَذْلٍ وكانَ اللازِمُ -عَلى هَذا- أنْ يُقالَ: أراذِيلُ وإذا ثَبَتَتِ الياءُ في جَمْعِ "صَيْرَفٍ" فَأحْرى ألّا تُزالَ في مَوْضِعِ اسْتِحْقاقِها. وهم سَفِلَةُ الناسِ ومَن لا أخْلاقَ لَهُ، ولا يُبالى ما يَقُولُ ولا ما يُقالُ لَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "بادِيَ الرَأْيِ" بِياءٍ دُونَ هَمْزٍ، مِن بَدا يَبْدُو، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بَدَأ مُسَهَّلًا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعِيسى الثَقَفِيُّ "بادِئَ الرَأْيِ" بِالهَمْزِ مِن بَدَأ يَبْدَأُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وبَيْنَ القِراءَتَيْنِ اخْتِلافٌ في المَعْنى يُعْطِيهِ التَدَبُّرُ، فَتَرَكْتُ التَطْوِيلَ بِبَسْطِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أمّا بادِئَ بَدْءٍ فَإنِّي أحْمَدُ اللهَ"، "وَأمّا بادِيَ بَدْيٍ"، بِغَيْرِ هَمْزِ فِيهِما، وقالَ الراجِزُ:

؎ أضْحى لِخالِي شَبَهِي بادِيَ بَدِي ∗∗∗ …

27

فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًۭا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَٰذِبِينَ

So the eminent among those who disbelieved from his people said, "We do not see you but as a man like ourselves, and we do not see you followed except by those who are the lowest of us [and] at first suggestion. And we do not see in you over us any merit; rather, we think you are liars."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾

هَذِهِ آيَةُ قَصَصٍ فِيهِ تَمْثِيلٌ لِقُرَيْشٍ وكُفّارِ العَرَبِ وإعْلامُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسَ بِبِدْعٍ مِنَ الرُسُلِ.

ورُوِيَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ رَسُولٍ إلى الناسِ. ورُوِيَ أنَّ إدْرِيسَ نَبِيٌّ مِن بَنِي آدَمَ إلّا أنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ، فَرِسالَةُ نُوحٍ إنَّما كانَتْ إلى قَوْمِهِ كَسائِرِ الأنْبِياءِ، وأمّا الرِسالَةُ العامَّةُ فَلَمْ تَكُنْ إلّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ. فالكَسْرُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، والمَعْنى: قالَ لَهُمْ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ( ألّا تَعْبُدُوا ) مَعْمُولًا لِـ "أرْسَلْنا"، أيْ: أرْسَلْنا نُوحًا بِألّا تَعْبُدُوا إلّا اللهَ، واعْتُرِضَ أثْناءَ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، والفَتْحُ عَلى إعْمالِ "أرْسَلْنا" في "أنِّي" أيْ: بِأنِّي لَكم نَذِيرٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي هَذا نَظَرٌ، وإنَّما هي حِكايَةُ مُخاطَبَتِهِ لِقَوْلِهِ، ولَيْسَ هَذا حَقِيقَةَ الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى مُخاطَبَةٍ، ولَوْ كانَ الكَلامُ: أنْ أنْذِرْهم ونَحْوَهُ لَصَحَّ ذَلِكَ.

و"النَذِيرُ" لِلتَّحَفُّظِ مِنَ المَكارِهِ بِأنْ يُعَرِّفَها ويُنَبِّهَ عَلَيْها ومُبِينٌ مِن أبانَ يُبِينُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ( ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ ) ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوثانَ ونَحْوَها، وذَلِكَ بَيِّنٌ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ. و"ألِيمٌ" مَعْناهُ: مُؤْلِمٌ، ووُصِفَ بِهِ اليَوْمُ وحَقُّهُ أنْ يُوصَفَ بِهِ العَذابُ تَجَوُّزًا إذِ العَذابُ في اليَوْمِ، فَهو كَقَوْلِهِمْ: نَهارٌ صائِمٌ ولَيْلٌ قائِمٌ.

و"المَلَأُ" الجَمْعُ والأكْثَرُ مِنَ القَبِيلَةِ والمَدِينَةِ ونَحْوِهِ، ويُسَمّى الأشْرافُ مَلَأً إذْ هم عُمْدَةُ المَلَإ والسادُّونَ مَسَدَّهُ في الآراءِ والأُمُورِ، وكُلُّ جَماعَةٍ كَبِيرَةٍ مَلَأٌ.

ولَمّا قالَ لَهم نُوحٌ: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ﴾ قالُوا: ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ أيْ واللهُ لا يَبْعَثُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، فَأحالُوا الجائِزَ عَلى اللهِ تَعالى.

و"الأراذِلُ" جَمْعُ أرْذَلَ، وقِيلَ: جَمْعُ أرْذَلُ وأرْذالٌ جَمْعُ رَذْلٍ وكانَ اللازِمُ -عَلى هَذا- أنْ يُقالَ: أراذِيلُ وإذا ثَبَتَتِ الياءُ في جَمْعِ "صَيْرَفٍ" فَأحْرى ألّا تُزالَ في مَوْضِعِ اسْتِحْقاقِها. وهم سَفِلَةُ الناسِ ومَن لا أخْلاقَ لَهُ، ولا يُبالى ما يَقُولُ ولا ما يُقالُ لَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "بادِيَ الرَأْيِ" بِياءٍ دُونَ هَمْزٍ، مِن بَدا يَبْدُو، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بَدَأ مُسَهَّلًا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعِيسى الثَقَفِيُّ "بادِئَ الرَأْيِ" بِالهَمْزِ مِن بَدَأ يَبْدَأُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وبَيْنَ القِراءَتَيْنِ اخْتِلافٌ في المَعْنى يُعْطِيهِ التَدَبُّرُ، فَتَرَكْتُ التَطْوِيلَ بِبَسْطِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أمّا بادِئَ بَدْءٍ فَإنِّي أحْمَدُ اللهَ"، "وَأمّا بادِيَ بَدْيٍ"، بِغَيْرِ هَمْزِ فِيهِما، وقالَ الراجِزُ:

؎ أضْحى لِخالِي شَبَهِي بادِيَ بَدِي ∗∗∗ …

28

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَٰرِهُونَ

He said, "O my people have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord while He has given me mercy from Himself but it has been made unapparent to you, should we force it upon you while you are averse to it?

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مَن اللهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ كَأنَّهُ قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ هَدانِي اللهُ وأضَلَّكم أأُجْبِرُكم عَلى الهُدى وأنْتُمْ كارِهُونَ لَهُ مُعْرِضُونَ عنهُ، واسْتِفْهامُهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوَّلًا وثانِيًا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ. وعِبارَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ كانَتْ بِلُغَتِهِ دالَّةً عَلى المَعْنى القائِمِ بِنَفْسِهِ، وهَذا هو المَفْهُومُ مِن هَذِهِ العِبارَةِ العَرَبِيَّةِ، فَبِهَذا اسْتَقامَ أنْ يُقالَ كَذا وكَذا، إذِ القَوْلُ ما أفادَ المَعْنى القائِمَ بِنَفْسِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ جَلِيٍّ، والهاءُ في "بَيِّنَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، و"إيتاؤُهُ الرَحْمَةَ" هو هِدايَتُهُ لِلْبَيِّنَةِ، والمُشارُ إلَيْهِ بِهَذا كُلِّهِ النُبُوةُ والشَرْعُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن عِنْدِهِ﴾ تَأْكِيدٌ، كَما قالَ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وفائِدَتُهُ رَفْعُ الِاشْتِراكِ ولَوْ بِالِاسْتِعارَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَعُمِّيَتْ" ولِذَلِكَ وجْهانِ مِنَ المَعْنى:

أحَدُهُما: خَفِيَتْ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلسَّحابِ: العَماءُ لِأنَّهُ يُخْفِي ما فِيهِ، كَما يُقالُ لَهُ: الغَمامُ لِأنَّهُ يَغُمُّهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "كانَ اللهُ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأشْياءَ في عَماءٍ"». والمَعْنى الثانِي: أنْ تَكُونَ الإرادَةُ: "فَعَمِيتُمْ أنْتُمْ عنها"، لِكَنَّهُ قُلِبَ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ تَرى الثَوْرَ فِيها يُدْخِلُ الظِلَّ رَأْسَهُ ∗∗∗ وسائِرُهُ بادٍ إلى الشَمْسِ أجْمَعُ

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مِمّا يُقْلَبُ إذْ لَيْسَ فِيهِ إشْكالٌ وفي القُرْآنِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧].

وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَعُمِّيَتْ" بِضَمِّ العَيْنِ وشَدِّ المِيمِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ وهَذا إنَّما يَكُونُ مِنَ الإخْفاءِ ويُحْتَمَلُ القَلْبُ المَذْكُورُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وغَيْرُهُ "فَعَمّاها عَلَيْهِمْ". قالَ أبُو حاتِمٍ: رَوى الأعْمَشُ عَنِ ابْنِ وثّابٍ "وَعَمِيَتْ" بِالواوِ خَفِيفَةً.

وقَوْلُهُ: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ يُرِيدُ إلْزامَ جَبْرٍ كالقِتالِ ونَحْوِهِ، وأمّا إلْزامُ الإيجابِ فَهو حاصِلٌ، وقالَ النَحّاسُ: مَعْناهُ: أنُوجِبُها عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ: في ذَلِكَ خَطَأٌ. وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أنُلْزِمُكُمُوها مِن شَطْرِ أنْفُسِنا"، ومَعْناهُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قَرَأ ذَلِكَ "مِن شَطْرِ قُلُوبِنا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالا﴾ الآيَةُ الضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى التَبْلِيغِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَقْتَضِي أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ طَرْدَ الضُعَفاءِ الَّذِينَ بادَرُوا إلى الإيمانِ بِهِ نَظِيرَ ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِطَرْدِ أتْباعِهِ بِمَكَّةَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ نْبِيهٌ عَلى العَوْدَةِ إلى اللهِ ولِقاءِ جَزائِهِ المَعْنى" فَيُوَصِّلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَرْدِ. ثُمَّ وصَفَهم …

29

وَيَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ

And O my people, I ask not of you for it any wealth. My reward is not but from Allah. And I am not one to drive away those who have believed. Indeed, they will meet their Lord, but I see that you are a people behaving ignorantly.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مَن اللهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ كَأنَّهُ قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ هَدانِي اللهُ وأضَلَّكم أأُجْبِرُكم عَلى الهُدى وأنْتُمْ كارِهُونَ لَهُ مُعْرِضُونَ عنهُ، واسْتِفْهامُهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوَّلًا وثانِيًا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ. وعِبارَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ كانَتْ بِلُغَتِهِ دالَّةً عَلى المَعْنى القائِمِ بِنَفْسِهِ، وهَذا هو المَفْهُومُ مِن هَذِهِ العِبارَةِ العَرَبِيَّةِ، فَبِهَذا اسْتَقامَ أنْ يُقالَ كَذا وكَذا، إذِ القَوْلُ ما أفادَ المَعْنى القائِمَ بِنَفْسِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ جَلِيٍّ، والهاءُ في "بَيِّنَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، و"إيتاؤُهُ الرَحْمَةَ" هو هِدايَتُهُ لِلْبَيِّنَةِ، والمُشارُ إلَيْهِ بِهَذا كُلِّهِ النُبُوةُ والشَرْعُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن عِنْدِهِ﴾ تَأْكِيدٌ، كَما قالَ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وفائِدَتُهُ رَفْعُ الِاشْتِراكِ ولَوْ بِالِاسْتِعارَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَعُمِّيَتْ" ولِذَلِكَ وجْهانِ مِنَ المَعْنى:

أحَدُهُما: خَفِيَتْ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلسَّحابِ: العَماءُ لِأنَّهُ يُخْفِي ما فِيهِ، كَما يُقالُ لَهُ: الغَمامُ لِأنَّهُ يَغُمُّهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "كانَ اللهُ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأشْياءَ في عَماءٍ"». والمَعْنى الثانِي: أنْ تَكُونَ الإرادَةُ: "فَعَمِيتُمْ أنْتُمْ عنها"، لِكَنَّهُ قُلِبَ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ تَرى الثَوْرَ فِيها يُدْخِلُ الظِلَّ رَأْسَهُ ∗∗∗ وسائِرُهُ بادٍ إلى الشَمْسِ أجْمَعُ

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مِمّا يُقْلَبُ إذْ لَيْسَ فِيهِ إشْكالٌ وفي القُرْآنِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧].

وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَعُمِّيَتْ" بِضَمِّ العَيْنِ وشَدِّ المِيمِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ وهَذا إنَّما يَكُونُ مِنَ الإخْفاءِ ويُحْتَمَلُ القَلْبُ المَذْكُورُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وغَيْرُهُ "فَعَمّاها عَلَيْهِمْ". قالَ أبُو حاتِمٍ: رَوى الأعْمَشُ عَنِ ابْنِ وثّابٍ "وَعَمِيَتْ" بِالواوِ خَفِيفَةً.

وقَوْلُهُ: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ يُرِيدُ إلْزامَ جَبْرٍ كالقِتالِ ونَحْوِهِ، وأمّا إلْزامُ الإيجابِ فَهو حاصِلٌ، وقالَ النَحّاسُ: مَعْناهُ: أنُوجِبُها عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ: في ذَلِكَ خَطَأٌ. وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أنُلْزِمُكُمُوها مِن شَطْرِ أنْفُسِنا"، ومَعْناهُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قَرَأ ذَلِكَ "مِن شَطْرِ قُلُوبِنا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالا﴾ الآيَةُ الضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى التَبْلِيغِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَقْتَضِي أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ طَرْدَ الضُعَفاءِ الَّذِينَ بادَرُوا إلى الإيمانِ بِهِ نَظِيرَ ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِطَرْدِ أتْباعِهِ بِمَكَّةَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ نْبِيهٌ عَلى العَوْدَةِ إلى اللهِ ولِقاءِ جَزائِهِ المَعْنى" فَيُوَصِّلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَرْدِ. ثُمَّ وصَفَهم …

30

وَيَٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

And O my people, who would protect me from Allah if I drove them away? Then will you not be reminded?

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالا إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مَن اللهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ كَأنَّهُ قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ هَدانِي اللهُ وأضَلَّكم أأُجْبِرُكم عَلى الهُدى وأنْتُمْ كارِهُونَ لَهُ مُعْرِضُونَ عنهُ، واسْتِفْهامُهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوَّلًا وثانِيًا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ. وعِبارَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ كانَتْ بِلُغَتِهِ دالَّةً عَلى المَعْنى القائِمِ بِنَفْسِهِ، وهَذا هو المَفْهُومُ مِن هَذِهِ العِبارَةِ العَرَبِيَّةِ، فَبِهَذا اسْتَقامَ أنْ يُقالَ كَذا وكَذا، إذِ القَوْلُ ما أفادَ المَعْنى القائِمَ بِنَفْسِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ جَلِيٍّ، والهاءُ في "بَيِّنَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، و"إيتاؤُهُ الرَحْمَةَ" هو هِدايَتُهُ لِلْبَيِّنَةِ، والمُشارُ إلَيْهِ بِهَذا كُلِّهِ النُبُوةُ والشَرْعُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن عِنْدِهِ﴾ تَأْكِيدٌ، كَما قالَ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وفائِدَتُهُ رَفْعُ الِاشْتِراكِ ولَوْ بِالِاسْتِعارَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَعُمِّيَتْ" ولِذَلِكَ وجْهانِ مِنَ المَعْنى:

أحَدُهُما: خَفِيَتْ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلسَّحابِ: العَماءُ لِأنَّهُ يُخْفِي ما فِيهِ، كَما يُقالُ لَهُ: الغَمامُ لِأنَّهُ يَغُمُّهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "كانَ اللهُ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأشْياءَ في عَماءٍ"». والمَعْنى الثانِي: أنْ تَكُونَ الإرادَةُ: "فَعَمِيتُمْ أنْتُمْ عنها"، لِكَنَّهُ قُلِبَ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ تَرى الثَوْرَ فِيها يُدْخِلُ الظِلَّ رَأْسَهُ ∗∗∗ وسائِرُهُ بادٍ إلى الشَمْسِ أجْمَعُ

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مِمّا يُقْلَبُ إذْ لَيْسَ فِيهِ إشْكالٌ وفي القُرْآنِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧].

وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَعُمِّيَتْ" بِضَمِّ العَيْنِ وشَدِّ المِيمِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ وهَذا إنَّما يَكُونُ مِنَ الإخْفاءِ ويُحْتَمَلُ القَلْبُ المَذْكُورُ. وقَرَأ الأعْمَشُ وغَيْرُهُ "فَعَمّاها عَلَيْهِمْ". قالَ أبُو حاتِمٍ: رَوى الأعْمَشُ عَنِ ابْنِ وثّابٍ "وَعَمِيَتْ" بِالواوِ خَفِيفَةً.

وقَوْلُهُ: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ يُرِيدُ إلْزامَ جَبْرٍ كالقِتالِ ونَحْوِهِ، وأمّا إلْزامُ الإيجابِ فَهو حاصِلٌ، وقالَ النَحّاسُ: مَعْناهُ: أنُوجِبُها عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ: في ذَلِكَ خَطَأٌ. وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أنُلْزِمُكُمُوها مِن شَطْرِ أنْفُسِنا"، ومَعْناهُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قَرَأ ذَلِكَ "مِن شَطْرِ قُلُوبِنا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالا﴾ الآيَةُ الضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى التَبْلِيغِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَقْتَضِي أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ طَرْدَ الضُعَفاءِ الَّذِينَ بادَرُوا إلى الإيمانِ بِهِ نَظِيرَ ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِطَرْدِ أتْباعِهِ بِمَكَّةَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ نْبِيهٌ عَلى العَوْدَةِ إلى اللهِ ولِقاءِ جَزائِهِ المَعْنى" فَيُوَصِّلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَرْدِ. ثُمَّ وصَفَهم …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.