Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 21–30 of 123

21

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

Those are the ones who will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِاشْتِراءِ عِبادَةِ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الآلِهَةِ وشَفاعَتِها، أوْ خَسِرُوا ما بَذَلُوا، وضاعَ عَنْهم ما حَصَّلُوا فَلَمْ يَبْقَ مَعَهم سِوى الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ.

22

لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ

Assuredly, it is they in the Hereafter who will be the greatest losers.

﴿لا جَرَمَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ لا نافِيَةٌ لِما سَبَقَ، وجَرَمَ فِعْلٌ بِمَعْنى حَقَّ، و(أنَّ) مَعَ ما في حَيِّزِهِ فاعِلُهُ، والمَعْنى لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ الفِعْلُ، حَقَّ ﴿أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

والثّانِي: جَرَمَ بِمَعْنى كَسَبَ وما بَعْدَهُ مَفْعُولُهُ، وفاعِلُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: كَسَبَ ذَلِكَ خُسْرانَهُمْ، فالمَعْنى ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ إلّا ظُهُورُ خُسْرانِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّ لا جَرَمَ بِمَعْنى لا بُدَّ، أيْ: لا بُدَّ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ.

وَأيًّا ما كانَ فَمَعْناهُ أنَّهم أخْسَرُ مِن كُلِّ خاسِرٍ، فَتَبَيَّنَ أنَّهم أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، وهَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ - كَما تَرى - مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَ مِن إنْكارِ المُماثَلَةِ بَيْنَ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وبَيْنَ مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا أبْلَغَ تَقْرِيرٍ، فَإنَّهم حَيْثُ كانُوا أظْلَمَ مِن كُلِّ ظالِمٍ، وأخْسَرَ مِن كُلِّ خاسِرٍ، لَمْ يُتَصَوَّرْ مُماثَلَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ أحَدٍ مِنَ الظَّلَمَةِ الأخْسَرِينَ، فَما ظَنُّكَ بِالمُماثَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن هو في أعْلى مَدارِجِ الكَمالِ.

وَلَمّا ذُكِرَ فَرِيقُ الكُفّارِ وأعْمالُهم وبُيِّنَ مَصِيرُهم ومَآلُهم شُرِعَ في بَيانِ حالِ أضْدادِهِمْ، أعْنِي فَرِيقَ المُؤْمِنِينَ، وما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ العَواقِبِ الحَمِيدَةِ تَكْمِلَةً لِما سَلَفَ مِن مَحاسِنِهِمُ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: "أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ" الآيَةَ لِيَتَبَيَّنَ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ حالًا ومَآلًا، فَقِيلَ:

23

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Indeed, they who have believed and done righteous deeds and humbled themselves to their Lord - those are the companions of Paradise; they will abide eternally therein.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنَ الإيمان بالقرآن الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ بِالكَوْنِ عَلى بَيِّنَةٍ مِنَ اللَّهِ، وإنَّما يَحْصُلُ ذَلِكَ بِاسْتِماعِ الوَحْيِ والتَّدَبُّرِ فِيهِ، ومُشاهَدَةِ ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ في الأنْفُسِ والآفاقِ، أوْ فَعَلُوا الإيمانَ، كَما في يُعْطِي ويَمْنَعُ.

﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ أيِ: اطْمَأنُّوا إلَيْهِ وانْقَطَعُوا إلى عِبادَتِهِ بِالخُضُوعِ والتَّواضُعِ مِنَ الخَبْتِ، وهي الأرْضُ المُطَمْئِنَةُ، ومَعْنى أخْبَتَ دَخَلَ في الخَبْتِ، كَأتْهَمَ وأنْجَدَ دَخَلَ في تِهامَةَ ونَجْدٍ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ دائِمُونَ، وبَعْدَ بَيانِ تَبايُنِ حالَيْهِما عَقْلًا أُرِيدَ بَيانُ تَبايُنِهِما حِسًّا فَقِيلَ.

24

۞ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

The example of the two parties is like the blind and deaf, and the seeing and hearing. Are they equal in comparison? Then, will you not remember?

﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ﴾ المَذْكُورَيْنِ، أيْ: حالُهُما العَجِيبُ؛ لِأنَّ المَثَلُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى ما فِيهِ غَرابَةٌ مِنَ الأحْوالِ والصِّفاتِ ﴿كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ أيْ: كَحالِ هَؤُلاءِ، فَيَكُونُ ذَواتُهم كَذَواتِهِمْ، والكَلامُ وإنْ أمْكَنَ أنْ يُحْمَلَ عَلى تَشْبِيهِ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِالأعْمى وبِالأصَمِّ وتَشْبِيهِ الفَرِيقِ الثّانِي بِالبَصِيرِ وبِالسَّمِيعِ - لَكِنَّ الأدْخَلَ في المُبالَغَةِ والأقْرَبَ إلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ لَفْظُ المَثَلِ والأنْسَبَ بِما سَبَقَ مِن وصْفِ الكَفَرَةِ بِعَدَمِ اسْتِطاعَةِ السَّمْعِ وبِعَدَمِ الإبْصارِ - أنْ يُحْمَلَ عَلى تَشْبِيهِ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِمَن جَمَعَ بَيْنَ العَمى والصَّمَمِ، وتَشْبِيهِ الفَرِيقِ الثّانِي بِمَن جَمَعَ بَيْنَ البَصَرِ والسَّمْعِ، عَلى أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: "والأصَمِّ" وفي قَوْلِهِ: "والسَّمِيعِ" لِعَطْفِ الصِّفَةِ عَلى الصِّفَةِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ

وَأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالحالِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِلَفْظِ المَثَلِ - وهي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ التَّشْبِيهِ - ما يُلائِمُ الأحْوالَ المَذْكُورَةَ المُعْتَبَرَةَ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ مِن تَعامِي الفَرِيقِ الأوَّلِ عَنْ مُشاهَدَةِ آياتِ اللَّهِ المَنصُوبَةِ في العالَمِ، والنَّظَرِ إلَيْها بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ، وتَصامِّهِمْ عَنِ اسْتِماعِ آياتِ القرآن الكَرِيمِ وتَلَقِّيها بِالقَبُولِ، حَسْبَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾، وإنَّما لَمْ يُراعَ هَذا التَّرْتِيبُ هَهُنا لِكَوْنِ الأعْمى أظْهَرَ وأشْهَرَ في سُوءِ الحالِ مِنَ الأصَمِّ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الفَرِيقِ الثّانِي لِكُلٍّ مِن أبْصارِهِمْ وأسْماعِهِمْ، فِيما ذُكِرَ كَما يَنْبَغِي، المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما سَبَقَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ والإخْباتِ، حَسْبَما فُسِّرَ بِهِ فِيما مَرَّ، فَلا يَكُونُ التَّشْبِيهُ تَمْثِيلِيًّا لِجَمِيعِ الأحْوالِ المَعْدُودَةِ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مِمّا ذُكِرَ، وما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ العَذابِ المُضاعَفِ والخُسْرانِ البالِغِ في أحَدِهِما، ومِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ في الآخَرِ، فَإنَّ اعْتِبارَ ذَلِكَ يَنْزِعُ إلى كَوْنِ التَّشْبِيهِ تَمْثِيلِيًّا، بِأنْ يُنْتَزَعَ مِن حالِ الفَرِيقِ الأوَّلِ في تَصامِّهِمْ وتَعامِيهِمُ المَذْكُورَيْنِ ووُقُوعِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ في العَذابِ المُضاعَفِ والخُسْرانِ الَّذِي لا خُسْرانَ فَوْقَهُ هَيْئَةٌ فَتُشَبَّهُ بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِمَّنْ فَقَدَ مَشْعَرَيِ البَصَرِ والسَّمْعِ، فَتَخَبَّطَ في مَسْلَكِهِ فَوَقَعَ في مَهاوِي الرَّدى، ولَمْ يَجِدْ إلى مَقْصِدِهِ سَبِيلًا، ويُنْتَزَعَ مِن حالِ الفَرِيقِ الثّانِي في اسْتِعْمالِ مَشاعِرِهِمْ في آياتِ اللَّهِ تَعالى - حَسْبَما يَنْبَغِي - وفَوْزِهِمْ بِدارِ الخُلُودِ هَيْئَةٌ فَتُشَبَّهُ بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِمَّنْ لَهُ بَصَرٌ وسَمْعٌ يَسْتَعْمِلُهُما في مُهِمّاتِهِ، فَيَهْتَدِي إلى سَبِيلِهِ ويَنالُ مَرامَهُ.

﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ يَعْنِي الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ مُذَكِّرٌ لِما سَبَقَ مِن إنْكارِ المُماثَلَةِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ الآيَةَ (مَثَلًا) أيْ: حالًا وصِفَةً، وهو تَمْيِيزٌ مِن فاعِلِ (يَسْتَوِيانِ) ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: أتَشُكُّونَ في عَدَمِ الِاسْتِواءِ وما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ، أوْ أتَغْفُلُونَ عَنْهُ فَلا تَتَذَكَّرُونَهُ بِالتَّأمُّلِ فِيما …

25

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ

And We had certainly sent Noah to his people, [saying], "Indeed, I am to you a clear warner

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ الواوُ ابْتِدائِيَّةٌ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وحَرْفُهُ الباءُ لا الواوُ، كَما في سُورَةِ الأعْرافِ لِئَلّا يَجْتَمِعَ واوانِ، ولا يَكادُ تُطْلَقُ هَذِهِ اللّامُ إلّا مَعَ قَدْ؛ لِأنَّها مَظِنَّةُ التَّوَقُّعِ، وأنَّ المُخاطَبَ إذا سَمِعَها تَوَقَّعَ وُقُوعَ ما صُدِّرَ بِها، ونُوحٌ هو ابْنُ لَمْكَ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ إدْرِيسَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ بَعْدَهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: بُعِثَ ﷺ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ مِن عُمُرِهِ، ولَبِثَ يَدْعُو قَوْمَهُ تِسْعَمِائَةِ وخَمْسِينَ سَنَةً، وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً، وكانَ عُمُرُهُ ألْفًا وخَمْسِينَ سَنَةً.

وَقالَ مُقاتِلٌ: بُعِثَ وهو ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: وهو ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً، وقِيلَ: وهو ابْنُ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً، ومَكَثَ يَدْعُو قَوْمَهُ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً، فَكانَ عُمُرُهُ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً.

﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ﴾ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: فَقالَ، أوْ قائِلًا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِالفَتْحِ عَلى إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: أرْسَلْناهُ مُلْتَبِسًا بِذَلِكَ الكَلامِ، وهو إنِّي لَكم نَذِيرٌ بِالكَسْرِ، فَلَمّا اتَّصَلَ بِهِ الجارُّ فُتِحَ كَما فُتِحَ في كَأنَّ، والمَعْنى عَلى الكَسْرِ، وهو قَوْلُكَ: إنَّ زَيْدًا كالأسَدِ، واقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ كَوْنِهِ ﷺ نَذِيرًا، لا لِأنَّ دَعْوَتَهُ ﷺ كانَتْ بِطَرِيقِ الإنْذارِ فَقَطْ، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ... إلَخْ، بَلْ لِأنَّهم لَمْ يَغْتَنِمُوا مَغانِمَ إبْشارِهِ ﷺ ﴿مُبِينٌ﴾ أُبَيِّنُ لَكم مُوجِباتِ العَذابِ، ووَجْهَ الخَلاصِ مِنهُ؛ لِأنَّ الإنْذارَ إعْلامُ المَحْذُورِ لا لِمُجَرَّدِ التَّخْوِيفِ والإزْعاجِ، بَلْ لِلْحَذَرِ مِنهُ فَيَتَعَلَّقُ بِكِلا وصْفَيْهِ.

26

أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍۢ

That you not worship except Allah. Indeed, I fear for you the punishment of a painful day."

﴿أنْ لا تَعْبُدُواْ إلا اللَّهَ﴾ أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا عَلى أنَّ "أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(أرْسَلْنا) و"لا" ناهِيَةٌ، أيْ: أرْسَلْناهُ مُتَلَبِّسًا بِنَهْيِهِمْ عَنِ الشِّرْكِ إلّا أنَّهُ وُسِّطَ بَيْنَهُما بَيانُ بَعْضِ أوْصافِهِ وأحْوالِهِ ﷺ وهو كَوْنُهُ نَذِيرًا مُبِينًا؛ لِيَكُونَ أدْخَلَ في القَبُولِ، ولَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ في صَدْرِ السُّورَةِ؛ لِئَلّا يُفَرَّقَ بَيْنَ الكِتابِ ومَضْمُونِهِ بِما لَيْسَ مِن أوْصافِهِ وأحْوالِهِ، أوْ مُفَسِّرَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، أوْ بِـ(نَذِيرٌ)، أوْ مَفْعُولٌ لِـ(مُبِينٌ)، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ بَدَلٌ مِن (إنّى لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ)، وتَعْيِينٌ لِما يُوجِبُ وُقُوعَ المَحْذُورِ، وتَبْيِينٌ لِوَجْهِ الخَلاصِ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجِبِ النَّهْيِ، وتَصْرِيحٌ بِالمَحْذُورِ، وتَحْقِيقٌ لِلْإنْذارِ، والمُرادُ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ الطُّوفانِ، ووَصْفُهُ بِالألِيمِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ لِلْمُبالَغَةِ، كَما في (نَهارُهُ صائِمٌ) وهَذِهِ المَقالَةُ وما في مَعْناها مِمّا قالَهُ ﷺ في أثْناءِ الدَّعْوَةِ - عَلى ما عُزِيَ إلَيْهِ في سائِرِ السُّوَرِ - لَمّا لَمْ تَصْدُرْ عَنْهُ ﷺ مَرَّةً واحِدَةً، بَلْ كانَ يُكَرِّرُها عَلَيْهِمْ في تِلْكَ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ - عَلى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا ونَهارًا﴾ الآياتِ - عُطِفَ عَلى فِعْلِ الإرْسالِ المُقارِنِ لَها، أوِ القَوْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَهُ جَوابُهُمُ المُتَعَرِّضُ لِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ﷺ بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي بِالفاءِ التَّعْقِيبِيَّةِ، فَقِيلَ:

27

فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًۭا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَٰذِبِينَ

So the eminent among those who disbelieved from his people said, "We do not see you but as a man like ourselves, and we do not see you followed except by those who are the lowest of us [and] at first suggestion. And we do not see in you over us any merit; rather, we think you are liars."

﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيِ: الأشْرافُ مِنهُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مَلِيءٌ بِكَذا، أيْ: مُطِيقٌ لَهُ؛ لِأنَّهم مُلِئُوا بِكِفاياتِ الأُمُورِ، أوْ لِأنَّهم مَلَئُوا القُلُوبَ هَيْبَةً والمَجالِسَ أُبَّهَةً، أوْ لِأنَّهم مُلِئُوا بِالأحْلامِ والآراءِ الصّائِبَةِ، ووَصْفُهم بِالكُفْرِ لِذَمِّهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ، لا لِأنَّ بَعْضَ أشْرافِهِمْ لَيْسُوا بِكَفَرَةٍ.

﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ مُرادُهم ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلَنا، لَيْسَ فِيكَ مَزِيَّةٌ تَخُصُّكَ مِن دُونِنا بِما تَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَرَأيْناهُ لا أنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ ولَكِنْ لا نَراهُ، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِمْ: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ فالفِعْلانِ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿اتَّبَعَكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ، إمّا عَلى حالِهِ، أوْ بِتَقْدِيرِ قَدْ عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وهو الظّاهِرُ، فَهُما المَفْعُولُ الثّانِي، وتَعَلُّقُ الرَّأْيِ في الأوَّلِ بِالمِثْلِيَّةِ لا بِالبَشَرِيَّةِ فَقَطْ.

وَإنَّما لَمْ يَبُتُّوا القَوْلَ بِذَلِكَ مَعَ جَزْمِهِمْ بِهِ وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِ إراءَةً بِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم جُزافًا، بَلْ بَعْدَ التَّأمُّلِ في الأمْرِ والتَّدَبُّرِ فِيهِ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرُوا عَلى ذَلِكَ الظَّنِّ فِيما سَيَأْتِي وتَعْرِيضًا - مِن أوَّلِ الأمْرِ - بِرَأْيِ المُتَبَيِّنِ فَكَأنَّ قَوْلَهُمْ: ﴿ (وَما نَراكَ)﴾ جَوابٌ عَمّا يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَيْلُهُ وسَلَّمَ لَيْسَ مِثْلَهُمْ، حَيْثُ عايَنَ دَلائِلَ نُبُوَّتِهِ واغْتَنَمَ اتِّباعُهُ مَن لَهُ عَيْنٌ تُبْصِرُ وقَلْبٌ يُدْرِكُ، فَزَعَمُوا أنَّ هَؤُلاءِ أراذِلُنا، أيْ: أخِسّاؤُنا وأدانِينا جَمْعُ أرْذَلٍ، فَإنَّهُ صارَ بِالغَلَبَةِ جارِيًا مَجْرى الِاسْمِ كالأكْبَرِ والأكابِرِ، أوْ جَمْعُ أرْذُلٍ جَمْعِ رَذْلٍ كَأكالِبٍ، وأكْلُبٍ، وكَلْبٍ، يَعْنُونَ أنَّهُ لا عِبْرَةَ بِاتِّباعِهِمْ لَكَ إذْ لَيْسَ لَهم رَزانَةُ عَقْلٍ، ولا أصالَةُ رَأْيٍ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ مِنهم في بادِي الرَّأْيِ أيْ: ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ تَعَمُّقٍ مِنَ (البَدْوِ) أوْ في أوَّلِهِ مِنَ البَدْءِ، والياءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، وقَدْ قَرَأهُ أبُو عَمْرٍو بِها، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: وقْتَ حُدُوثِ بادِي الرَّأْيِ، والعامِلُ فِيهِ (اتَّبَعَكَ) وإنَّما اسْتَرْذَلُوهم مَعَ كَوْنِهِمْ أُولِي الألباب الرّاجِحَةِ لِفَقْرِهِمْ، فَإنَّهم لَمّا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ظاهِرَ الحَياةِ الدُّنْيا كانَ الأشْرَفُ عِنْدَهُمُ الأكْثَرَ مِنها حَظًّا والأرْذَلُ مَن حُرِمَها، ولَمْ يَفْقَهُوا أنَّ ذَلِكَ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وأنَّ النَّعِيمَ إنَّما هو نَعِيمُ الآخِرَةِ، والأشْرَفَ مَن فازَ بِهِ والأرْذَلَ مِن حُرِمَهُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ.

﴿وَما نَرى لَكُمْ﴾ أيْ: لَكَ ولِمُتَّبِعِيكَ، فَغُلِّبَ المُخاطَبُ عَلى الغائِبِينَ ﴿عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ يَعْنُونَ أنَّ اتِّباعَهم لَكَ لا يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِكَ ولا يُجِدِيهِمْ فَضِيلَةً تَسْتَتْبِعُ اتِّباعَنا لَكُمْ، واقْتِصارُهم هَهُنا عَلى ذِكْرِ عَدَمِ رُؤْيَةِ الفَضْلِ - بَعْدَ تَصْرِيحِهِمْ بِرَذالَتِهِمْ فِيما سَبَقَ - بِاعْتِبارِ حالِهِمُ السّابِقِ واللّاحِقِ، ومُرادُهم أنَّهم كانُوا أراذِلَ قَبْلَ اتِّباعِهِمْ لَكَ، …

28

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَٰرِهُونَ

He said, "O my people have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord while He has given me mercy from Himself but it has been made unapparent to you, should we force it upon you while you are averse to it?

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي، وفِيهِ إيماءٌ إلى رَكاكَةِ رَأْيِهِمُ المَذْكُورِ ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ بُرْهانٍ ظاهِرٍ ﴿مِن رَبِّي﴾ وشاهِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ دَعْوايَ ﴿وَآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ﴾ هي النُّبُوَّةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي البَيِّنَةَ نَفْسَها جِيءَ بِها إيذانًا بِأنَّها مَعَ كَوْنِها بَيِّنَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى رَحْمَةٌ ونِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِن عِنْدِهِ، فَوَجْهُ إفْرادِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها النُّبُوَّةُ وبِالبَيِّنَةِ البُرْهانُ الدّالُّ عَلى صِحَّتِها، فالإفْرادُ لِإرادَةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما، أوْ لِكَوْنِ الضَّمِيرِ لِلْبَيِّنَةِ والِاكْتِفاءِ بِذَلِكَ لِاسْتِلْزامِ خَفائِها خَفاءَ النُّبُوَّةِ، أوْ لِتَقْدِيرِ فِعْلٍ آخَرَ بَعْدَ البَيِّنَةِ، ومَعْنى: عُمِّيَتْ أُخْفِيَتْ، وقُرِئَ (عَمِيَتْ) ومَعْناهُ: خَفِيَتْ، وحَقِيقَتُهُ أنَّ الحُجَّةَ كَما تُجْعَلُ مُبْصِرَةً وبَصِيرَةً تُجْعَلُ عَمْياءَ؛ لِأنَّ الأعْمى لا يَهْتَدِي ولا يَهْدِي غَيْرَهُ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: (فَعَمّاها عَلَيْكُمْ) عَلى الإسْنادِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ:

﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ أيْ: أنُكْرِهُكم عَلى الِاهْتِداءِ بِها، وهو جَوابُ (أرَأيْتُمْ) وسادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإخْفاءِ حَرَكَةِ المِيمِ، وحَيْثُ اجْتَمَعَ ضَمِيرانِ مَنصُوبانِ - وقَدْ قُدِّمَ أعْرَفُهُما - جازَ في الثّانِي الوَصْلُ والفَصْلُ، فَوُصِلَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، ﴿وَأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ تَخْتارُونَها ولا تَتَأمَّلُونَ فِيها، ومَحْصُولُ الجَوابِ: أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ دَعْوايَ، إلّا أنَّها خافِيَةٌ عَلَيْكُمْ، مُسَلَّمَةٌ عِنْدَكُمْ، أيُمْكِنُنا أنْ نُكْرِهَكم عَلى قَبُولِها وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ عَنْها غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ فِيها، أيْ: لا يَكُونُ ذَلِكَ، وظاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِصُدُورِهِ عَنْهُ ﷺ بِطَرِيقِ إظْهارِ اليَأْسِ عَنْ إلْزامِهِمْ والقُعُودِ عَنْ مُحاجَّتِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ ... إلَخْ، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مُرادَهُ ﷺ رَدُّهم عَنِ الإعْراضِ عَنْها، وحَثُّهم عَلى التَّدَبُّرِ فِيها بِصَرْفِ الإنْكارِ إلى الإلْزامِ حالَ كَراهَتِهِمْ لَها لا إلى الإلْزامِ مُطْلَقًا.

هَذا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ دَلِيلَ العَقْلِ الَّذِي هو مَلاكُ الفَضْلِ، وبِحَسَبِهِ يَمْتازُ أفْرادُ البَشَرِ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، وبِهِ يُناطُ الكَرامَةُ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والِاجْتِباءُ لِلرِّسالَةِ، وبِالكَوْنِ عَلَيْها التَّمَسُّكُ بِهِ والثَّباتُ عَلَيْهِ، وبِخَفائِها عَلى الكَفَرَةِ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْبَيِّنَةِ عَدَمُ إدْراكِهِمْ لِكَوْنِهِ ﷺ عَلَيْها، وبِالرَّحْمَةِ النُّبُوَّةُ الَّتِي أنْكَرُوا اخْتِصاصَهُ ﷺ بِها بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، والمَعْنى أنَّكم زَعَمْتُمْ أنَّ عَهْدَ النُّبُوَّةِ لا يَنالُهُ إلّا مِن لَهُ فَضِيلَةٌ عَلى سائِرِ النّاسِ مُسْتَتْبِعَةٌ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ دُونَهُمْ، أخْبِرُونِي إنِ امْتَزْتُ عَنْكم بِزِيادَةِ مَزِيَّةٍ وحِيازَةِ فَضِيلَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي بِحَسَبِها نُبُوَّةً مِن عِنْدِهِ فَخَفِيَتْ عَلَيْكم تِلْكَ البَيِّنَةُ، ولَمْ تُصِيبُوها، ولَمْ تَنالُوها، ولَمْ تَعْلَمُوا حِيازَتِي لَها وكَوْنِي عَلَيْها إلى الآنِ، حَتّى زَعَمْتُمْ أنِّي مِثْلُكُمْ، وهي مُتَحَقِّقَةٌ في نَفْسِها أنُلْزِمُكم قَبُولَ نُبُوَّتِي التّابِعَةِ لَها، والحالُ أنَّكم كارِهُونَ لِذَلِكَ، فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ لِلْحَمْلِ …

29

وَيَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ

And O my people, I ask not of you for it any wealth. My reward is not but from Allah. And I am not one to drive away those who have believed. Indeed, they will meet their Lord, but I see that you are a people behaving ignorantly.

﴿وَيا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى ما قُلْتُهُ في أثْناءِ دَعْوَتِكم ﴿مالا﴾ تُؤَدُّونَهُ إلَيَّ بَعْدِ إيمانِكم واتِّباعِكم لِي فَيَكُونَ ذَلِكَ أجْرًا لِي في مُقابَلَةِ اهْتِدائِكم ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ الَّذِي يُثِيبُنِي في الآخِرَةِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ حِينَ نُسِبَ إلَيْهِمْ بِالمالِ ما لا يَخْفي مِنَ المَزِيَّةِ ﴿وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ جَوابٌ عَمّا لَوَّحُوا بِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ مِن أنَّهُ لَوِ اتَّبَعَهُ الأشْرافُ لَوافَقُوهُمْ، وأنَّ اتِّباعَ الفُقَراءِ مانِعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ، كَما صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ (أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ)﴾ فَكانَ ذَلِكَ التِماسًا مِنهم لِطَرْدِهِمْ وتَعْلِيقًا لِإيمانِهِمْ بِهِ - ﷺ – بِذَلِكَ؛ أنَفَةً مِنَ الِانْتِظامِ مَعَهم في سِلْكٍ واحِدٍ.

﴿إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِامْتِناعِهِ ﷺ عَنْ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم فائِزُونَ في الآخِرَةِ بِلِقاءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا أطْرُدُهم ولا أُبْعِدُهم عَنْ مَجْلِسِي؛ لِأنَّهم مُقَرَّبُونَ في حَضْرَةِ القُدْسِ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية لِتَرْبِيَةِ وُجُوبِ رِعايَتِهِمْ، وتَحَتُّمِ الِامْتِناعِ عَنْ طَرْدِهِمْ، أوْ مُصَدِّقُونَ في الدُّنْيا بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، مُوقِنُونَ بِهِ، عالِمُونَ أنَّهم مَلاقُوهُ لا مَحالَةَ، فَكَيْفَ أطْرُدُهُمْ؟ وحَمْلُهُ عَلى مَعْنى أنَّهم يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ - كَما ظَهَرَ لِي - أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِي الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ وتَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ سِرَّ ذَلِكَ مِنهم حَتّى أطْرُدَهم إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ يَأْباهُ الجَزْمُ بِتَرَتُّبِ غَضَبِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى طَرْدِهِمْ كَما سَيَأْتِي.

وَأيْضًا، فَهم إنَّما قالُوا: إنَّ اتِّباعَهم لَكَ إنَّما هو بِحَسَبِ بادِي الرَّأْيِ بِلا تَأمُّلٍ وتَفَكُّرٍ، وهَذا لا يَكادُ يَصْلُحُ مَدارًا لِلطَّرْدِ في الدُّنْيا ولا لِلْمُؤاخَذَةِ في الآخِرَةِ، غايَتُهُ أنْ لا يَكُونُوا في مَرْتَبَةِ المُوقِنِينَ، وادِّعاءُ أنَّ بِناءَ الإيمانِ عَلى ظاهِرِ الرَّأْيِ يُؤَدِّي إلى الرُّجُوعِ عَنْهُ عِنْدَ التَّأمُّلِ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّهُمُ اتَّبَعُوكَ بِلا تَأمُّلٍ فَلا يَثْبُتُونَ عَلى دِينِكَ، بَلْ يَرْتَدُّونَ عَنْهُ - تَعَسُّفٌ لا يَخْفى.

﴿وَلَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ بِكُلِّ ما يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ، ويَدْخُلُ فِيهِ جَهْلُهم بِلِقاءِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وبِمَنزِلَتِهِمْ عِنْدَهُ، وبِاسْتِيجابِ طَرْدِهِمْ لِغَضَبِ اللَّهِ - كَما سَيَأْتِي - وبِرَكاكَةِ رَأْيِهِمْ في التِماسِ ذَلِكَ، وتَوْقِيفُ إيمانِهِمْ عَلَيْهِ أنَفَةً عَنِ الِانْتِظامِ مَعَهم في سِلْكٍ واحِدٍ، وزَعْمًا مِنهم أنَّ الرَّذالَةَ بِالفَقْرِ، والشَّرَفَ بِالغِنى، وإيثارُ صِيغَةِ الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، أوْ تَتَسافَهُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِنِسْبَتِهِمْ إلى الخَساسَةِ.

30

وَيَٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

And O my people, who would protect me from Allah if I drove them away? Then will you not be reminded?

﴿وَيا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مَن اللَّهِ﴾ يَدْفَعُ حُلُولَ سَخَطِهِ عَنِّي ﴿إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا مَرَدَّ لَهُ لِكَوْنِ الطَّرْدِ ظُلْمًا مُوجِبًا لِحُلُولِ السَّخَطِ قَطْعًا، وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ إشْعارًا بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، لا سِيَّما غَبَّما قُدِّمَ ما يَلُوحُ بِهِ مِن أحْوالِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَدْفَعُ عَنِّي غَضَبَ اللَّهِ تَعالى إنْ طَرَدْتُهُمْ، وهم بِتِلْكَ المَثابَةِ مِنَ الكَرامَةِ والزُّلْفى، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: أتَسْتَمِرُّونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ المَذْكُورِ، فَلا تَتَذَكَّرُونَ ما ذُكِرَ مِن حالِهِمْ حَتّى تَعْرِفُوا أنَّ ما تَأْتُونَهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الصَّوابِ، ولِكَوْنِ هَذِهِ العِلَّةِ مُسْتَقْبَلَةً بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ ظاهِرِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُوبِ الِامْتِناعِ عَنِ الطَّرْدِ أُفْرِدَتْ عَنِ التَّعْلِيلِ السّابِقِ وصُدِّرَتْ بِـ"يا قَوْمِ" .

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.