Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas

Ayahs 21–30 of 123

21

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

Those are the ones who will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

استئناف ، واسم الإشارة هنا تأكيد ثان لاسم الإشارة في قوله : { أولئك يعرضون على ربهم } [ هود : 18 ].والموصول في { الذين خسروا أنفسهم } مراد به الجنس المعروف بهذه الصلة ، أي إن بلغكم أنّ قوماً خسروا أنفسهم فهم المفترون على الله كذباً ، وخسارة أنفسهم عدم الانتفاع بها في الاهتداء ، فلما ضلوا فقد خسروها .وتقدم الكلام على { خسروا أنفسهم } عند قوله تعالى : { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } في سورة [ الأنعام : 12 ].والضلال : خطأ الطريق المقصود .و { ما كانوا يفترون } ما كانوا يزعمونه من أن الأصنام تشفع لهم وتدفع عنهم الضر عند الشدائد ، قال تعالى : { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون } [ الأحقاف : 28 ].وفي إسناد الضلال إلى الأصنام تهكم على أصحابها . شبهت أصنامهم بمن سلك طريقاً ليلحق بمن استنجد به فضَلّ في طريقه .

22

لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ

Assuredly, it is they in the Hereafter who will be the greatest losers.

وجملة { لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون } مستأنفة فذلكة ونتيجة للجمل المتقدمة من قوله : { أولئك يعرضون على ربهم } [ هود : 18 ] لأنّ ما جمع لهم من الزج للعقوبة ومن افتضاح أمرهم ومن إعراضهم عن استماع النذر وعن النظر في دلائل الوحدانية يوجب اليقين بأنهم الأخسرون في الآخرة .و ( لا جرم ) كلمة جزْم ويقين جرت مجرى المثل ، وأحسب أن ( جرم ) مشتقّ مما تنوسي ، وقد اختلف أيمّة العربية في تركيبها ، وأظهر أقوالهم أن تكون ( لا ) من أول الجملة و ( جرم ) اسم بمعنى محالة أي لا محالة أو بمعنى بدّ أي لا بدّ . ثم يجيء بعدها أنّ واسمها وخبرها فتكون ( أنّ ) معمولة لحرف جرّ محذوف . والتقدير : لا جرم من أن الأمر كذا . ولما فيها من معنى التحقيق والتوثيق وتعامل معاملة القسم فيجيء بعدها في ما يصلح لجواب قسم نحو : لا جرم لأفعلن . قاله عمرو بن معد يكرب لأبي بكر .وعبر عمّا لحقهم من الضر بالخسارة استعارة لأنه ضر أصابهم من حيث كانوا يرجون المنفعة فهم مثل التجار الذين أصابتهم الخسارة من حيث أرادوا الربح .وإنما كانوا أخسرين ، أي شديدي الخسارة لأنهم قد اجتمع لهم من أسباب الشقاء والعذاب ما افترق بين الأمم الضالة . ولأنهم شقُوا من حيث كانوا يحسبونه سعادة قال تعالى : { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً } [ الكهف : 103 ، 104 ] فكانوا أخسرين لأنهم اجتمعت لهم خسارة الدنيا والآخرة .وضمير { هم الأخسرون } ضمير فصل يفيد القصر ، وهو قصر ادّعائي ، لأنهم بلغوا الحد الأقصى في الخسارة ، فكأنّهم انفردوا بالأخسرية .

23

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Indeed, they who have believed and done righteous deeds and humbled themselves to their Lord - those are the companions of Paradise; they will abide eternally therein.

لما ذكر أحوال البالغين أقصى غايات الخسارة ذكر مقابلهم الذين بلغوا أعلى درجات السعادة . فالجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن النفوس تشرئب عند سماع حكم الشيء إلى معرفة حكم ضده .والإخبات : الخضوع والتواضع ، أي أطاعوا ربهم أحسن طاعة .وموقع { أولئك } هنا مثل موقعه في الآية قبلها .وجملة { هم فيها خالدون } في موقع البيان لجملة { أصحاب الجنة } لأن الخلود في المكان هو أحق الأحوال بإطلاق وصف الصاحب على الحالّ بذلك المكان إذ الأمكنة لا تقصد إلاّ لأجل الحلول فيها فتكون الجملة مستأنفة لبيان ما قبلها فمنزلتها منزلة عطف البيان ، ولا تعرب في موضع خبر ثان عن اسم الإشارة . وقد تقدم نظيرها في سورة [ البقرة : 82 ] في قوله : { والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدُون } فعُد إليه وزد إليه ما هنا .

24

۞ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

The example of the two parties is like the blind and deaf, and the seeing and hearing. Are they equal in comparison? Then, will you not remember?

بعد أن تبين الاختلاف بين حال المشركين المفترين على الله كذباً وبين حال الذين آمنوا وعملوا الصالحات في منازل الآخرة أعقب ببيان التنظير بين حالي الفريقين المشركين والمؤمنين بطريقة تمثيل ما تستحقه من ذم ومدح .فالجملة فذلكة للكلام وتحصيل له وللتحذير من مواقعة سببه .والمَثل ، بالتحريك : الحالة والصفة كما في قوله تعالى : { مثَل الجنة التي وعد المتقون } الآية من سورة [ الرعد : 35 ] ، أي حالة الفريقين المشركين والمؤمنين تشبه حال الأعمى الأصم من جهة وحال البصير السميع من الجهة الأخرى ، فالكلام تشبيه وليس استعارة لوجود كاف التشبيه وهو أيضاً تشبيه مفرد لا مركب .والفريقان هما المعهودان في الذكر في هذا الكلام ، وهما فريق المشركين وفريق المؤمنين ، إذ قد سبَق ما يؤذن بهذين الفريقين من قوله : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً } [ هود : 18 ]. ثم قوله : { إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم } [ هود : 23 ] الآية .والفريق : الجماعة التي تفارق ، أي يخالف حالها حال جماعة أخرى في عمل أو نحلة . وتقدم عند قوله تعالى : { فأيّ الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون } في سورة [ الأنعام : 81 ].شبه حال فريق الكفار في عدم الانتفاع بالنظر في دلائل وحدانية الله الواضحة من مخلوقاته بحال الأعمى ، وشبهوا في عدم الانتفاع بأدلة القرآن بحال من هو أصم .وشبه حال فريق المؤمنين في ضد ذلك بحال من كان سليم البصر ، سليم السمع فهو في هدى ويقين من مدركاته .وترتيب الحالين المشبه بهما في الذكر على ترتيب ذكر الفريقين فيما تقدم ينبىء بالمراد من كل فريق على طريقة النشر المرتب . والترتيب في اللف والنشر هو الأصل والغالب .وقد علم أن المشبهين بالأعمى والأصم هم الفريق المقول فيهم { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } [ هود : 20 ].والواو في قوله : { والأصَم } للعطف على { الأعمى } عطف أحد المشبهين على الآخر . وكذلك الواو في قوله : { والسميع } للعطف على { البصير }.وأما الواو في قوله : { والبصير } فهي لعطف التشبيه الثاني على الأول ، وهو النشر بعد اللف . فهي لعطف أحد الفريقين على الآخر ، والعطف بها للتقسيم والقرينة واضحة .وقد يظن الناظر أن المناسب ترك عطف صفة { الأصم } على صفة { الأعمى } كما لم يعطف نظيراهما في قوله تعالى : { صُمٌ بُكْمٌ عُمْيٌ } في سورة [ البقرة : 18 ] ظناً بأن مورد الآيتين سواء في أن المراد تشبيه من جمعوا بين الصفتين . وذلك أحد وجهين ذكرهما صاحب الكشاف . وقد أجاب أصحاب حواشي الكشاف بأن العطف مبني على تنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الذوات . ولم يذكروا لهذا التنزيل نكتة ولعلهم أرادوا أنه مجرد استمال في الكلام كقول ابن زيابةيا لهف زيابة للحارب ال ... صابح فالغانم فالآيبوالوجه عندي في الداعي إلى عطف صفة الأصم } على صفة { الأعمى } أنه ملحوظ فيه أن لفريق الكفار حالين كل حال منهما جدير بتشبيهه بصفة من تينك الصفتين على حدة ، فهم يُشبهون الأعمى في عدم الاهتداء إلى الدلائل التي طريق إدراكها البصر ، ويُشْبهون الأصم في عدم فهم المواعظ النافعة التي طريق فهمها السمع ، فهم في حالتيْن كلُّ حال منهما مشبّه به ، ففي قوله تعالى : { كالأعمى والأصم } تشبيهان مُفرقان كقول امرىء القيس: ... كأنّ قلوب الطير رطباً ويابساًلدى وكرها العُنّاب والحشف البالي ... والذي في الآية تشبيه معقولين بمحسوسين ، واعتبار كل حال من حالي فريق الكفار لا محيد عنه لأن حصول أحد الحالين كاف في جر الضلال إليهم بله اجتماعِهما ، إذ المشبّه بهما أمر عدمي فهو في قوة المنفي .وأما الدّاعي إلى العطف في صفتي { البصير والسّميع } بالنسبة لحال فريق المؤمنين فبخلاف ما قررنا في حال فريق الكافرين لأن حال المؤمنين تشبه حالة مجموع صفتي { البصير السميع } ، إذ الإهتداء يحصل بمجموع الصفتين فلو ثبتت إحدى الصفتين وانتفت الأخرى لم يحصل …

25

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ

And We had certainly sent Noah to his people, [saying], "Indeed, I am to you a clear warner

انتقال من إنذار المشركين ووصف أحوالهم وما ناسب ذلك إلى موعظتهم بما أصاب المكذبين قبلهم من المصائب ، وفي ذلك تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم بما لاقاه الرّسل عليهم السّلام قبله من أقوامهم .فالعطف من عطف القصة على القصة وهي التي تسمى الواو الابتدائية .وأكدت الجملة بلام القسم و { قد } لأن المخاطبين لما غفلوا عن الحذر مما بقوم نوح مع مماثلة حالهم نزلوا منزلة المنكر لوقوع رسالته .وقرأ نافع ، وعاصم ، وابن عامر ، وحمزة { إني } بكسر الهمزة على أنه محكي بفعل قول محذوف في محل حال ، أي قائلاً .وقرأه ابن كثير ، وأبو عَمرو ، والكسائي ، وأبو جعفر ، ويعقوب ، وخلف بفتح الهمزة على تقدير حرف جرّ وهو الباء للملابسة ، أي أرسلناه متلبساً بذلك ، أي بمعنى المصدر المنسبك من ( أني نذير ) ، أي متلبساً بالنذارة البيّنة .وتقدم الكلام على نوح عليه السلام وقومه عند قوله تعالى : { إن الله اصطفى آدم ونوحاً } في آل عمران ( 33 ). وعند قوله : { لقد أرْسلْنا نُوحاً إلى قوْمه } في سورة الأعراف ( 59 .(

26

أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍۢ

That you not worship except Allah. Indeed, I fear for you the punishment of a painful day."

وجملة { ألا تعبدوا إلاّ الله } مفسرة لجملة { أرسلنا } لأن الإرسال فيه معنى القول دون حروفه ، ويجوز كونها تفسيراً ل { نذير } لما في { نذير } من معنى القول ، كقوله في سورة نوح ( 2 ، 3 ) { قال يا قوم إني لَكمْ نَذير مبين أن اعبدوا الله واتّقوه } وهذا الوجه متعين على قراءة فتح همزة ( أني ) إذا اعتبرت ( أنّ ) تفسيرية . ويجوز جعل ( أنْ ) مخففة من الثقيلة فيكون بدلاً من { أني لكم نذير مبين } على قراءة فتح الهمزة واسمها ضمير شأن محذوفاً ، أي أنّه لا تعبدوا إلاّ الله .وجملة { إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم } تعليل ل { نذير } لأن شأن النذارة أن تثقل على النفوس وتخَزُهم فكانت جديرة بالتعليل لدفع حرج ما يلاقونه .ووصف اليوم بالأليم مجاز عقلي ، وهو أبلغ من أن يوصف العذاب بالأليم ، لأن شدة العذاب لما بلغت الغاية جعل زمانه أليماً ، أي مؤلماً .وجملة { أخاف عليكم } ونحوها مثل أخشى عليك ، تستعمل للتوقّع في الأمر المظنون أو المقطوع به باعتبار إمكان الانفلات من المقطوع به ، كقول لبيد: ... أخشى على أربَد الحتوف ولاأخشَى عليه الرياح والمَطرا ... فيتعدّى الفعل بنفسه إلى الخوف منه ويتعدى إلى المخوف عليه بحرف ( على ) كما في الآية وبيت لبيد .و ( العذاب ) هنا نكرة في المعنى ، لأنه أضيف إلى نكرة فكان محتملاً لعذاب الدنيا وعذاب الآخرة . فأما عذاب الدنيا فليس مقطوعاً بنزوله بهم ولكنه مظنون من نوح عليه السلام بناء على ما علمه من عناية الله بإيمان قومه وما أوحي إليه من الحرص في التبليغ ، فعلم أن شأن ذلك أن لا يترك مَن عَصَوْه دون عقوبة . ولذلك قال في كلامه الآتي { إنما يأتيكم به الله إن شاء } [ هود : 33 ] على ما يأتي هنالك . وكان العذاب شاملاً لعذاب الآخرة أيضاً إن بقوا على الكفر ، وهو مقطوع به لأنّ الله يقرن الوعيد بالدعوة ، فلذلك قال نوح عليه السلام في كلامه الآتي { وما أنتم بمعجزين } [ هود : 33 ] ، وقد تبادر إلى أذهان قومه عذاب الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالبعث فلذلك قالوا في كلامهم الآتي { فأتنا بما تعدنا إن كنتم من الصادقين } [ هود : 32 ]. ولعلّ في كلام نوح عليه السّلام ما تفيدهم أنه توعدهم بعذاب في الدنيا وهو الطوفان .

27

فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًۭا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَٰذِبِينَ

So the eminent among those who disbelieved from his people said, "We do not see you but as a man like ourselves, and we do not see you followed except by those who are the lowest of us [and] at first suggestion. And we do not see in you over us any merit; rather, we think you are liars."

عطف قول المَلأ من قومه بالفاء على فعل { أرسلنا } [ هود : 25 ] للإشارة إلى أنهم بادروه بالتكذيب والمجادلة الباطلة لمّا قال لهم : { إني لكم نذيرٌ مبينٌ } [ هود : 25 ] إلى آخره . ولم تقع حكاية ابتداء محاورتهم إياه ب ( قال ) مجرداً عن الفاء كما وقع في الأعراف لأن ابتداء محاورته إياهم هنا لم يقع بلفظ القول فلم يحك جوابهم بطريقة المحاورات بخلاف آية الأعراف .والملأ : سادة القوم . وتقدم عند قوله تعالى : { قال الملأ من قومه إنّا لنراك في ضلال مبين } في سورة [ الأعراف : 60 ].جزموا بتكذيبه فقدموا لذلك مقدمات استخلصوا منها تكذيبه ، وتلك مقدمات باطلة أقاموها على ما شاع بينهم من المغالطات الباطلة التي روجها الإلف والعادة فكانوا يعدون التفاضل بالسؤدد وهو شرف مصطلح عليه قوامه الشجاعة والكرم ، وكانوا يجعلون أسباب السؤدد أسباباً مادية جسدية ، فيسوّدون أصحاب الأجسام البَهْجة كأنهم خشب مسندة لأنهم ببساطة مداركهم العقلية يعظمون حسن الذوات ، ويسوّدون أهل الغنى لأنهم يطمعون في نوالهم ، ويسوّدون الأبطال لأنهم يُعدونهم لدفاع أعدائهم . ثم هم يعرفون أصحاب تلك الخلال إمّا بمخالطتهم وإما بمخالطة أتباعهم فإذا تسامعوا بسيّد قوم ولم يعرفوه تعرّفوا أتباعَه وأنصاره ، فإن كانوا من الأشراف والسادة علموا أنهم ما اتّبعوه إلا لما رأوا فيه من موجبات السيادة؛ وهذه أسباب ملائمة لأحوال أهل الضلالة إذ لا عناية لهم بالجانب النفساني من الهيكل الإنساني .فلما دعاهم نوح عليه السّلام دعوةً علموا منها أنّه يقودهم إلى طاعته ففكروا وقدّروا فرأوا الأسباب المألوفة بينهم للسؤدد مفقودة من نوح عليه السلام ومن الذين اتّبعوه فجزموا بأنه غير حقيق بالسيادة عليهم فجزموا بتكذيبه فيما ادّعاه من الرسالة بسيادة للأمة وقيادة لها .وهؤلاء لقصود عقولهم وضعف مداركهم لم يبلغوا إدراك أسباب الكمال الحق ، فذهبوا يتطلّبون الكمال من أعراض تعرض للناس بالصدفة من سعة مال ، أو قوة أتباع ، أو عزة قبيلة . وتلك أشياء لا يطرد أثرها في جلب النفع العام ولا إشعار لها بكمال صاحبها إذ يشاركه فيها أقل الناس عقولاً ، والحيوان الأعجم مثل البقرة بما في ضرعها من لبن ، والشاة بما على ظهرها من صوف ، بل غالب حالها أنها بضد ذلك .وربما تطلبوا الكمال في أجناس غير مألوفة كالجن ، أو زيادة خلقة لا أثر لها في عمل المتصف بها مثل جمال الصورة وكمال القامة ، وتلك وإن كانت ملازمة لموصوفاتها لكنّها لا تفيدهم أن يكونوا مصادر كمالات ، فقد يشاركهم فيها كثير من العجماوات كالظباء والمَها والطواويس ، فإن ارتقوا على ذلك تطلبوا الكمال في أسباب القوة والعزة من بسطة الجسم وإجادة الرماية والمجالدة والشجاعة على لقاء العدو . وهذه أشبه بأن تعدّ في أسباب الكمال ولكنها مكمّلات للكمال الإنساني لأنها آلات لإنقاذ المقاصد السامية عند أهل العقول الراجحة والحكمة الإلهية كالأنبياء والملوك الصالحين ، وبدون ذلك تكون آلات لإنفاذ المقاصد السيّئة مثل شجاعة أهل الحرابة وقطّاع الطريق والشّطّار ، ومثل القوة على خلع الأبواب لاقتحام منازل الآمنين .وإنما الكمال الحق هو زكاء النفس واستقامة العقل ، فهما السبب المطّرد لإيصال المنافع العامة لما في هذا العالم ، ولهما تكون القوى المنفّذة خادمة كالشجاعة للمدافعين عن الحق والملجئين للطغاة على الخنوع إلى الدّين ، على أن ذلك معرض للخطأ وغيبة الصواب فلا يكون له العصمة من ذلك إلاّ إذا كان محفوفاً بالإرشاد الإلهي المعصوم ، وهو مقام النبوءة والرسالة .فهؤلاء الكفرة من قوم نوح لمّا قَصروا عن إدراك أسباب الكمال وتطلبوا الأسباب من غير مكانها نظروا نوحاً عليه السلام وأتباعه فلم يروه من جنس غير البشر ، وتأمّلوه وأتباعه فلم يروا في أجسامهم ما يميّزهم عن الناس وربّما كان في عموم الأمة من هم أجمل وجوهاً أو أطول أجساماً .من أجل ذلك أخطأوا الاستدلال فقالوا : …

28

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَٰرِهُونَ

He said, "O my people have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord while He has given me mercy from Himself but it has been made unapparent to you, should we force it upon you while you are averse to it?

فُصلت جملة { قال يا قوم } عن التي قبلها على طريقة حكاية الأقوال في المحاورات كما قدّمناه عند قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعِلٌ في الأرض خليفةٌ } في سورة [ البقرة : 30 ] ، فهذه لما وقعت مقابلاً لكلام محكي يقال فصلت الجملة ولم تعطف بخلاف ما تقدم آنفاً في قوله : { فقال الملأ الذين كفروا من قومه } [ هود : 27 ].وافتتاح مراجعته بالنداء لطلب إقبال أذهانهم لوعي كلامه ، كما تقدم في نظيرها في سورة الأعراف ، واختيار استحضارهم بعنوان قومه لاستنزال طائر نفورهم تذكيراً لهم بأنه منهم فلا يريد لهم إلاّ خيراً .وإذ قد كان طعنهم في رسالته مدلّلاً بأنهم ما رأوا له مزية وفضلاً ، وما رأوا أتباعه إلاّ ضعفاء قومهم وإن ذلك علامة كذبه وضلال أتباعه ، سلك نوح عليه السلام في مجادلتهم مسلك إجمال لإبطال شبهتهم ثم مسلك تفصيل لِردّ أقوالهم ، فأما مسلك الإجمال فسلك فيه مسلك القلب بأنهم إن لم يروا فيه وفي أتباعه ما يحمل على التصديق برسالته ، فكذلك هو لا يستطيع أن يحملهم على رؤية المعاني الدالة على صدقه ولا يستطيع منع الذين آمنوا به من متابعته والاهتداء بالهدي الذي جاء به .فقوله : { أرأيتم إن كنتُ على بينة من ربي } إلى آخره . معناه إن كنتُ ذا برهان واضح ، ومتصفاً برحمة الله بالرسالة بالهدى فلم تظهر لكم الحجة ولا دلائل الهدى ، فهل ألزمكم أنا وأتباعي بها ، أي بالإذعان إليها والتصديق بها إن أنتم تكرهون قبولها . وهذا تعريض بأنهم لو تأملوا تأملاً بريئاً من الكراهية والعداوة لعلموا صدق دعوته .و { أرأيتم } ، استفهام عن الرؤية بمعنى الاعتقاد . وهو استفهام تقريري إذا كان فعل الرؤية غيرَ عامل في مفرد فهو تقرير على مضمون الجملة السادة مسدّ مفعولي ( رأيتُم ) ، ولذلك كان معناه آيلاً إلى معنى أخبروني ، ولكنّه لا يستعمل إلاّ في طلب مَن حاله حالُ من يجحد الخبر ، وقد تقدم معناه في قوله تعالى : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتةً أو جهرة } في سورة [ الأنعام : 47 ].وجملة { إن كنتُ على بينة من ربي إلى قوله فعَميت عليكم } معترضة بين فعل { أرأيتم } ومَا سدّ مسد مفعوليه .والاستفهام في { أنلزمكموها } إنكاري ، أي لا نكرهكم على قبولها ، فعُلق الإلزام بضمير البينة أو الرحمة . والمراد تعليقه بقبولها بدلالة القرينة .والبينة : الحجة الواضحة ، وتطلق على المعجزة ، فيجوز أن تكون معجزته الطوفان ، ويجوز أن تكون له معجزات أخرى لم تذكر ، فإن بعثة الرسل عليهم السّلام لا تخلو من معجزات .والمراد بالرحمة نعمة النبوءة والتفضيل عليهم الذي أنكروه ، مع ما صحبها من البيّنة لأنّها من تمامها ، فعطف ( الرحمة ) على ( البينة ) يقتضي المغايرة بينهما ، وهي مغايرة بالعموم والخصوص لأن الرحمة أعم من البينة إذ البينة على صدقه من جملة الرحمة به ، ولذلك لما أعيد الضمير في قوله : { فعميت } أعيد على ( الرحمة ) لأنها أعم .و { عليكم } متعلقة ب ( عميت ) وهو حرف تتعدى به الأفعال الدّالة على معنى الخفاء ، مثل : خفي عليك . ولما كان عمي في معنى خفي عُدّي ب ( على ) ، وهو للاستعلاء المجازي أي التمكن ، أي قوة ملازمة البينة والرحمة له .واختيار وصف الرب دون اسم الجلالة للدّلالة على أن إعطاءه البينة والرحمة فضل من الله أراد به إظهار رفقه وعنايته به .ومعنى { فعميت } فخفيت ، وهو استعارة ، إذ شبهت الحجة التي لم يدركها المخاطبون كالعمياء في أنها لم تصل إلى عقولهم كما أن الأعمى لا يهتدي للوصول إلى مقصده فلا يصل إليه . ولمّا ضمّن معنى : الخفاء عدي فعل ( عميت ) بحرف ( على ) تجريداً للاستعارة . وفي ضد هذه الاستعارة جاء قوله تعالى : { وآتينا ثمود الناقة مبصرةً } [ الإسراء : 59 ] ، أي آتيناهم آية واضحة لا يستطاع جحدها لأنها آية محسوسة ، ولذلك سمّي جحدهم إياها ظلماً فقال : { فظلموا بها } [ الإسراء : 59 ].ومن بديع هذه الاستعارة هنا أن فيها طباقاً …

29

وَيَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًۭا تَجْهَلُونَ

And O my people, I ask not of you for it any wealth. My reward is not but from Allah. And I am not one to drive away those who have believed. Indeed, they will meet their Lord, but I see that you are a people behaving ignorantly.

إعادة الخطاب ب { يا قوم } تأكيد لما في الخطاب به أول مرة من المعاني الّتي ذكرناها ، وأما عطف النداء بالواو مع أن المخاطب به واحد وشأن عطف النداء أن يكون عند اختلاف المنادى ، كقول المعري: ... يا ساهر البرق أيقظن راقد السمرلعل بالجزع أعواناً على السهر ... ثم قال: ... ويا أسيرة حجليها أرى سفهاحَمْلَ الحُلي بمن أعيَا عن النظر ... فأما إذا اتّحد المنادى فالشأن عدم العطف كما في قصة إبراهيم عليه السلام في سورة [ مريم : 42 45 ] { إذ قال لأبيه يا أبت لِمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر إلى قوله وَلِيّاً } فقد تكرّر النداء أربع مرات .فتعين هنا أن يكون العطف من مقول نوح عليه السّلام لا من حكاية الله عنه . ثمّ يجوز أن يكون تنبيهاً على اتّصال النداءات بعضها ببعض ، وأن أحدها لا يغني عن الآخر ، ولا يكون ذلك من قبيل الوصل لأن النداء افتتاح كلام فجملته ابتدائية وعطفها إذا عطفت مجرد عطف لفظي . ويجوز أن يكون ذلك تفنناً عربياً في الكلام عند تكرر النداء استحساناً للمخالفة بين التأكيد والمؤكد . وسيجيء نظير هذا قريباً في قصة هود عليه السلام وقصة شعيب عليه السّلام .ومنه ما وقع في سورة [ المؤمن : 30 33 ] في قوله : { وقال الذي آمن يا قوم إني أخَافُ عَليْكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوححٍ وعادٍ وثمود والذينَ مِن بعَدهم وما الله يريد ظلماً للعباد ويا قوم إنّي أخَافُ علَيكُم يَوْم التنادِ يوم تُولّون مُدبرين ما لكم من الله من عاصمٍ } ثم قال : { وقال الذي آمن يا قوم اتبعوننِ أهدكم سبيل الرشاد ، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاعٌ وإن الآخرة هي دار القرار ، من عملَئَة فَلا يُجزى إلاّ مثلَها ومَن عمِل صالحاً من ذكر أو أنْثى وهو مؤمنٌ فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساببٍ ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النّار } [ غافر : 38 41 ]. فعطف ( ويا قوم ) تارة وترك العطف أخرى .وأما مع اختلاف الوصف المنادى به فقد جاء العطف وهو أظهر لما في اختلاف وصف المنادى من شبه التغاير كقول قيس بن عاصم ، وقيل حاتم الطائيء: ... أيا ابنةَ عبد الله وابنةَ مالكويا ابنةَ ذي البُردين والفرس الورد ... فقوله : ( ويابنة ذي البردين ) عطف نداء على نداء والمنادى بهما واحد .لما أظهر لهم نوح عليه السّلام أنه يجبرهم على إيمان يكرهونه انتقل إلى تقريبهم من النظر في نزاهة ما جاءهم به ، وأنه لا يريد نفعاً دنيوياً بأنّه لا يسألهم على ما جاء به مالاً يعطونه إياه ، فماذا يتهمونه حتّى يقطعون بكذبه .والضمير في قوله : { عليه } عائد إلى المذكور بمنزلة اسم الإشارة في قوله { ومن يفعل ذلك } فإن الضمير يعامل معاملة اسم الإشارة .وجملة { إن أجْري إلاّ على الله } احتراس لأنه لمّا نفى أن يسألهم مالاً ، والمال أجر ، نشأ توهّم أنه لا يسأل جَزاء على الدعوة فجاء بجملة { إن أجْري إلاّ على الله } احتراساً . والمخالفة بين العبارتين في قوله : { مالا } و { أجري } تفيد أنه لا يسأل من الله مالاً ولكنه يسأل ثواباً . والأجر : العوض على عمل . ويسمّى ثواب الله أجراً لأنّه جزاء على العمل الصالح .وعطف جملة { وما أنا بطارد الذين آمنوا } على جملة { لا أسألكم عليه مالاً } لأنّ مضمونها كالنتيجة لمضمون المعطوف عليها لأن نفي طمعه في المخاطبين يقتضي أنه لا يؤذي أتباعه لأجل إرضاء هؤلاء . ولذلك عبّر عن أتباعه بطريق الموصولية بقوله : { الذين آمنوا } لِما يؤذن به الموصول من تغليظ قومه في تعريضهم له بأن يُطردهم بما أنهم لا يجالسون أمثالهم إيذاناً بأن إيمانهم يوجب تفضيلهم على غيرهم الذين لم يؤمنوا به والرغبةَ فيهم فكيف يطردهم . وهذا إبطال لما اقتضاه قولهم : { وما نراك اتّبعك إلاّ الذين هم أراذلنا } [ هود : 27 ] من التعريض بأنهم لا يماثلونهم في متابعته .والطرد : الأمر بالبعد عن مكان الحضور تحقيراً أو زجراً . وتقدم عند قوله تعالى : { ولا تطرد …

30

وَيَٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

And O my people, who would protect me from Allah if I drove them away? Then will you not be reminded?

إعادة { ويا قوم } مثل إعادته في الآية قبلها .والاستفهام إنكاري . والنصر : إعانة المقاوم لضدّ أو عدوّ ، وضمن معنى الإنجاء فعدّي ب ( مِن ) أي مَن يخلصني ، أي ينجيني من الله ، أي من عقابه ، لأن طردهم إهانة تؤذيهم بلا موجب معتبر عند الله ، والله لا يحب إهانة أوليائه .وفرع على ذلك إنكاراً على قومه في إهمالهم التذكر ، أي التأمل في الدلائل ومدلولاتها ، والأسباب ومسبّباتها .وقرأ الجمهور { تذّكّرون } بتشديد الذال .وأصل { تذّكرون } ، تتذكرون فأبدلت التاء ذالاً وأدغمت في الذّال . وقرأه حفص «تذكرون» بتخفيف الذّال وبحذف إحدى التاءين . والتذكر تقدم عند قوله : { إن الذين اتّقوا إذا مسّهم طائفٌ من الشيطان تذكّروا } في آخر سورة الأعراف ( 201 ) .

Commentary: Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.