إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌۭ
Except for those who are patient and do righteous deeds; those will have forgiveness and great reward.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
.
قَوْلُهُ: الر إنْ كانَ مَسْرُودًا عَلى سَبِيلِ التَّعْدِيدِ كَما في سائِرِ فَواتِحِ السُّوَرِ فَلا مَحَلَّ لَهُ، وإنْ كانَ اسْمًا لِلسُّورَةِ فَهو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وكِتابٌ يَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هَذا كِتابٌ وكَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّ الر لا مَحَلَّ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الر في مَحَلِّ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ يُناسِبُ المَقامَ نَحْوَ: اذْكُرْ، أوِ اقْرَأْ، فَيَكُونَ " كِتابٌ " عَلى هَذا الوَجْهِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والإشارَةُ في المُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ إمّا إلى بَعْضِ القُرْآنِ أوْ إلى مَجْمُوعِ القُرْآنِ، ومَعْنى ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ صارَتْ مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً لا نَقْصَ فِيها ولا نَقْضَ لَها كالبِناءِ المُحْكَمِ، وقِيلَ مَعْناهُ: إنَّها لَمْ تُنْسَخْ بِخِلافِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ هَذا الوَصْفُ لِلْكِتابِ بِاعْتِبارِ الغالِبِ، وهو المُحْكَمُ الَّذِي لَمْ يُنْسَخْ، وقِيلَ مَعْناهُ: أُحْكِمَتْ آياتُهُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ثُمَّ فُصِّلَتْ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ والثَّوابِ والعِقابِ، وقِيلَ: أحْكَمَها اللَّهُ مِنَ الباطِلِ ثُمَّ فَصَّلَها بِالحَلالِ والحَرامِ، وقِيلَ: أُحْكِمَتْ جُمْلَتُهُ، ثُمَّ فَصِّلَتْ آياتُهُ، وقِيلَ: جُمِعَتْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ثُمَّ فُصِّلَتْ بِالوَحْيِ، وقِيلَ: أُيِّدَتْ بِالحُجَجِ القاطِعَةِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: مَعْنى إحْكامِها أنْ لا فَسادَ فِيها، أخْذًا مِن قَوْلِهِمْ أحْكَمْتُ الدّابَّةَ: إذا وضَعْتَ عَلَيْها الحَكَمَةَ لِتَمْنَعَها مِنَ الجِماحِ، و﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أُحْكِمَتْ، ومَعْناهُ ما تَقَدَّمَ، والتَّراخِي المُسْتَفادُ مِن ثُمَّ إمّا زَمانِيٌّ إنْ فُسِّرَ التَّفْصِيلُ بِالتَّنْجِيمِ عَلى حَسَبِ المَصالِحِ، وإمّا رُتْبِيٌّ إنْ فُسِّرَ بِغَيْرِهِ مِمّا تَقَدَّمَ، والجُمَلُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِكِتابٍ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ لَفٌّ ونَشْرٌ، لِأنَّ المَعْنى: أحْكَمَها حَكِيمٌ وفَصَّلَها خَبِيرٌ عالِمٌ بِمَواقِعِ الأُمُورِ.
قَوْلُهُ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ حُذِفَ مِنهُ اللّامُ: كَذا في الكَشّافِ، وفِيهِ أنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ لِفاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ، وقِيلَ: أنْ هي المُفَسِّرَةُ لِما في التَّفْصِيلِ مِن مَعْنى القَوْلِ، وقِيلَ: هو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ مَحْكِيًّا عَلى لِسانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: التَّقْدِيرُ أُحْكِمَتْ بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: أُحْكِمَتْ ثُمَّ فُصِّلَتْ لِئَلّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، ثُمَّ أخْبَرَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِأنَّهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ فَقالَ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ أيْ يُنْذِرُهم ويُخَوِّفُهم مِن عَذابِهِ لِمَن عَصاهُ ويُبَشِّرُهم بِالجَنَّةِ والرِّضْوانِ لِمَن أطاعَهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ راجِعٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ إنَّنِي لَكم نَذِيرٌ وبَشِيرٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أنْ لا تَعْبُدُوا، والكَلامُ في أنْ هَذِهِ كالكَلامِ في الَّتِي قَبْلَها.
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ مَعْطُوفٌ …