Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 11–20 of 123

11

إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌۭ كَبِيرٌۭ

Except for those who are patient and do righteous deeds; those will have forgiveness and great reward.

صفحة ١٥

﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾

احْتِراسٌ بِاسْتِثْناءٍ مِنَ الإنْسانِ. والمُرادُ بِالَّذِينِ صَبَرُوا المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ لِأنَّ الصَّبْرَ مِن مُقارَناتِ الإيمانِ فَكَنَّيَ بِالَّذِينِ صَبَرُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ الإيمانَ يُرَوِّضُ صاحِبَهُ عَلى مُفارَقَةِ الهَوى ونَبْذِ مُعْتادِ الضَّلالَةِ. قالَ - تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]

ومِن مَعانِي الصَّبْرِ انْتِظارُ الفَرَجِ ولِذَلِكَ أُوثِرَ هُنا وصْفُ صَبَرُوا دُونَ (آمَنُوا) لِأنَّ المُرادَ مُقابَلَةُ حالِهِمْ بِحالِ الكُفّارِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: ٩] . ودَلَّ الِاسْتِثْناءُ عَلى أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِضِدِّ صِفاتِ المُسْتَثْنى مِنهم. وفي هَذا تَحْذِيرٌ مِنَ الوُقُوعِ فِيما يُماثِلُ صِفاتِ الكافِرِينَ عَلى اخْتِلافِ مَقادِيرٍ. وقَدْ نُسِجَتِ الآيَةُ عَلى هَذا المِنوالِ مِنَ الإجْمالِ لِتَذْهَبَ نُفُوسُ السّامِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في طُرُقِ الحَذَرِ مِن صِفَتَيِ اليَأْسِ وكُفْرانِ النِّعْمَةِ، ومِن صِفَتَيِ الفَرَحِ والفَخْرِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ.

وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ عَقِبَ وصْفِهِمْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ وبِالصَّبْرِ وعَمِلَ الصّالِحات تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الأوْصافِ كَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]

12

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌۭ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌ

Then would you possibly leave [out] some of what is revealed to you, or is your breast constrained by it because they say, "Why has there not been sent down to him a treasure or come with him an angel?" But you are only a warner. And Allah is Disposer of all things.

﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ﴾ [هود: ٧] إلى قَوْلِهِ يَسْتَهْزِئُونَ مَن ذِكْرِ تَكْذِيبِهِمْ وعِنادِهِمْ. يُشِيرُ هَذا التَّفْرِيعُ

صفحة ١٦

إلى أنَّ مَضْمُونَ الكَلامِ المُفَرَّعَ عَلَيْهِ سَبَبٌ لِتَوْجِيهِ هَذا التَّوَقُّعِ لِأنَّ مِن شَأْنِ المُفَرَّعَ عَلَيْهِ اليَأْسُ مِنِ ارْعِوائِهِمْ لِتَكَرُّرِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ يَأْسًا قَدْ يَبْعَثُ عَلى تَرْكِ دُعائِهِمْ، فَذَلِكَ كُلُّهُ أُفِيدُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ.

والتَّوَقُّعُ المُسْتَفادُ مِن لَعَلَّ مُسْتَعْمَلٌ في تَحْذِيرٍ مِن شَأْنِهِ التَّبْلِيغُ. ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ اسْتِفْهامٌ حُذِفَتْ أداتُهُ. والتَّقْدِيرُ: ألَعَلَّكَ تارِكٌ. ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في النَّفْيِ لِلتَّحْذِيرِ، وذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]

والِاسْتِفْهامُ كِنايَةٌ عَنْ بُلُوغِ الحالَةِ حَدًّا يُوجِبُ تَوَقُّعَ الأمْرِ المُسْتَفْهِمِ عَنْهُ حَتّى أنَّ المُتَكَلِّمَ يَسْتَفْهِمُ عَنْ حُصُولِهِ. وهَذا أُسْلُوبٌ يُقْصَدُ بِهِ التَّحْرِيكُ مِن هِمَّةِ المُخاطَبِ وإلْهابُ هِمَّتِهِ لِدَفْعِ الفُتُورِ عَنْهُ، فَلَيْسَ في هَذا تَجْوِيزُ تَرْكِ النَّبِيءِ ﷺ تَبْلِيغَ بَعْضِ ما يُوحى إلَيْهِ، وذَلِكَ البَعْضُ هو ما فِيهِ دَعْوَتُهم إلى الإيمانِ وإنْذارُهم بِالعَذابِ وإعْلامُهم بِالبَعْثِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - في آيَةٍ أُخْرى ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ [الأعراف: ٢٠٣] . والمَعْنى تَحْذِيرُهُ مِنَ التَّأثُّرِ بِعِنادِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ تَأْيِيسُ المُشْرِكِينَ مِن تَرْكِهِ ذِكْرِ البَعْثِ والإنْذارِ بِالعَذابِ، فالخِطابُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومُرادٌ مِنهُ مَعَ ذَلِكَ عِلْمُ السّامِعِينَ بِمَضْمُونِهِ.

وضائِقٌ: اسْمُ فاعِلٍ مَن ضاقَ. وإنَّما عُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ (ضَيِّقٌ) هُنا إلى ضائِقٍ لِمُراعاةِ النَّظِيرِ مَعَ قَوْلِهِ: تارِكٌ لِأنَّ ذَلِكَ أحْسَنُ فَصاحَةً. ولِأنَّ ضائِقٌ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَمَكُّنِ وصْفِ الضِّيقِ مِن صَدْرِهِ بِخِلافِ ضَيِّقٍ، إذْ هو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وهي دالَّةٌ عَلى تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِنَ المَوْصُوفِ، وإيماءً إلى أنَّ أقْصى ما يُتَوَهَّمُ تَوَقُّعُهُ في جانِبِهِ ﷺ هو ضِيقٌ قَلِيلٌ يَعْرِضُ لَهُ.

والضِّيقُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الغَمِّ والأسَفِ، كَما اسْتُعْمِلَ ضِدُّهُ وهو الِانْشِراحُ في الفَرَحِ والمَسَرَّةِ.

صفحة ١٧

وضائِقٌ عَطْفٌ عَلى ”تارِكٌ“ فَهو وفاعِلُهُ جُمْلَةُ خَبَرٍ عَنْ لَعَلَّكَ فَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ.

والباءُ في بِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدٌ عَلى ما بَعْدَهُ وهو أنْ يَقُولُوا. وأنْ يَقُولُوا بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ. ومِثْلُ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]، فَيَكُونُ تَحْذِيرًا مِن أنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ لِاقْتِراحِهِمُ الآياتِ بِأنْ يَقُولُوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾، ويَحْصُلُ مَعَ ذَلِكَ التَّحْذِيرُ مِن أنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧]، ومِن قَوْلِهِمْ: ما يَحْبِسُ العَذابَ عَنّا، بِواسِطَةِ كَوْنِ ”ضائِقٌ“ داخِلًا في تَفْرِيعِ التَّحْذِيرِ عَلى …

13

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍۢ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَٰتٍۢ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Or do they say, "He invented it"? Say, "Then bring ten surahs like it that have been invented and call upon [for assistance] whomever you can besides Allah, if you should be truthful."

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

أمْ هَذِهِ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلِ الَّتِي لِلْإضْرابِ لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضٍ إلى آخَرَ، إلّا أنَّ أمْ مُخْتَصَّةٌ بِالِاسْتِفْهامِ فَتُقَدَّرُ بَعْدَها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. والتَّقْدِيرُ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ. والإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ في قُوَّةِ الِاسْتِئْنافِ الِابْتِدائِيِّ، فَلِلْجُمْلَةِ حُكْمُ الِاسْتِئْنافِ. والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ في إبْطالِ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّهم قالُوا: هَذا كَلامٌ مُفْتَرًى، وقَرَّعَهم بِالحُجَّةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ.

والِافْتِراءُ: الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ لِصاحِبِهِ، فَهو الكَذِبُ عَنْ عَمْدٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ.

وجُمْلَةُ قُلْ فَأْتُوا جَوابٌ لِكَلامِهِمْ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَلى ما هو مُسْتَعْمَلٌ في المُحاوَرَةِ سَواءٌ كانَتْ حِكايَةُ المُحاوِرَةِ بِصِيغَةِ حِكايَةِ القَوْلِ أوْ كانَتْ أمْرًا بِالقَوْلِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في افْتَراهُ عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ. وضَمِيرُ الغائِبِ البارِزِ المَنصُوبِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]

والإتْيانُ بِالشَّيْءِ: جَلْبُهُ، سَواءٌ كانَ بِالِاسْتِرْفادِ مِنَ الغَيْرِ أمْ بِالِاخْتِراعِ مِنَ الجالِبِ وهَذا تَوْسِعَةٌ عَلَيْهِمْ في التَّحَدِّي.

صفحة ٢٠

وتَحَدّاهم هُنا بِأنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ خِلافَ ما تَحَدّاهم في غَيْرِ هَذا المَكانِ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ يُونُسَ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: كانَ التَّحَدِّي أوَّلَ الأمْرِ بِأنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِ القُرْآنِ. وهو ما وقَعَ في سُورَةِ هُودٍ، ثُمَّ نُسِخَ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ واحِدَةٍ كَما وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ يُونُسَ. فَتَخَطّى أصْحابُ هَذا القَوْلِ إلى أنْ قالُوا: إنَّ سُورَةَ هُودٍ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ يُونُسَ، وهو الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ.

وقالَ المُبَرِّدُ: تَحَدّاهم أوَّلًا بِسُورَةٍ ثُمَّ تَحَدّاهم هُنا بِعَشْرِ سُوَرٍ لِأنَّهم قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ هُنا بِالِاكْتِفاءِ بِسُوَرٍ مُفْتَرَياتٍ فَلَمّا وسَّعَ عَلَيْهِمْ في صِفَتِها أكْثَرَ عَلَيْهِمْ عَدَدَها. وما وقَعَ مِنَ التَّحَدِّي بِسُورَةٍ اعْتُبِرَ فِيهِ مُماثَلَتُها لِسُوَرِ القُرْآنِ في كَمالِ المَعانِي، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ.

ومَعْنى مُفْتَرَياتٍ أنَّها مُفْتَرَياتُ المَعانِي كَما تَزْعُمُونَ عَلى القُرْآنِ أيْ بِمِثْلِ قَصَصِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ وتَكاذِيبِهِمْ. وهَذا مِن إرْخاءِ العِنانِ والتَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ، فالمُماثَلَةُ في قَوْلِهِ: (مِثْلِهِ) هي المُماثَلَةُ في بَلاغَةِ الكَلامِ وفَصاحَتِهِ لا في سَدادِ مَعانِيهِ. قالَ عُلَماؤُنا: وفي هَذا دَلِيلُ عَلى أنَّ إعْجازَهُ وفَصاحَتَهُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عُلُوِّ مَعانِيهِ وتَصْدِيقِ بَعْضِهِ بَعْضًا. وهو كَذَلِكَ.

والدُّعاءُ: النِّداءُ لِعَمَلٍ. وهو مُسْتَعْمَلٌ في الطَّلَبِ مَجازًا ولَوْ بِدُونِ نِداءٍ.

وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ لِدَلالَةِ المَقامِ، أيْ وادْعُوا لِذَلِكَ. والأمْرُ فِيهِ لِلْإباحَةِ، أيْ إنْ شِئْتُمْ حِينَ تَكُونُونَ قَدْ عَجَزْتُمْ عَنِ …

14

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ

And if they do not respond to you - then know that the Qur'an was revealed with the knowledge of Allah and that there is no deity except Him. Then, would you [not] be Muslims?

﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وأنْ لا إلَهَ إلّا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى (﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [هود: ١٣]) أيْ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكم مَن تَدْعُونَ لَهم فَأنْتُمْ أعْجَزُ مِنهم لِأنَّكم ما تَدْعُونَهم إلّا حِينَ تَشْعُرُونَ بِعَجْزِكم دُونَ مُعاوِنٍ فَلا جَرَمَ يَكُونُ عَجْزُ هَؤُلاءِ مُوقِعًا في يَأْسِ الدّاعِينَ مِنَ الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ.

والِاسْتِجابَةُ: الإجابَةُ، والسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ. وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المُعاوَنَةِ والمُظاهَرَةِ عَلى الأمْرِ المُسْتَعانِ فِيهِ، وهي مَجازٌ مُرْسَلٌ لِأنَّ المُعاوَنَةَ تَنْشَأُ عَنِ النِّداءِ إلى الإعانَةِ غالِبًا فَإذا انْتُدِبَ المُسْتَعانُ بِهِ إلى الإعانَةِ أجابَ النِّداءَ بِحُضُورِهِ فَسُمِّيَتِ اسْتِجابَةً.

والعِلْمُ: الِاعْتِقادُ اليَقِينُ، أيْ فَأيْقِنُوا أنَّ القُرْآنَ ما أُنْزِلَ إلّا بِعِلْمِ اللَّهِ، أيْ مُلابِسًا لِعِلْمِ اللَّهِ. أيْ لِأثَرِ العِلْمِ، وهو جَعْلُهُ بِهَذا النَّظْمِ لِلْبَشَرِ لِأنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ أثَرٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ الجارِيَةِ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ. وقَدْ أفادَتْ أنَّما الحَصْرَ، أيْ حَصْرَ أحْوالِ القُرْآنِ في حالَةِ إنْزالِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. (﴿وأنْ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾) عَطْفٌ عَلى أنَّما أُنْزِلَ لِأنَّهم إذا عَجَزُوا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ مَنِ اسْتَنْصَرُوهم لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم. ومِن جُمْلَةِ مَن يَسْتَنْصِرُونَهم بِطَلَبِ الإعانَةِ عَلى المُعارَضَةِ بَيْنَ الأصْنامِ عَنْ إعانَةِ أتْباعِهِمْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى انْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَنْهم.

صفحة ٢٢

والفاءُ في (﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾) لِلتَّفْرِيعِ عَلى (فاعْلَمُوا) . والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الحَثِّ عَلى الفِعْلِ وعَدَمِ تَأْخِيرِهِ كَقَوْلِهِ: (﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]) أيْ: عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ وفِعْلِ المَيْسِرِ. والمَعْنى: فَهَلْ تُسلِمُونَ بَعْدَ تَحَقُّقِكم أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى دَوامِ الفِعْلِ وثَباتِهِ. ولَمْ يَقُلْ فَهَلْ تُسْلِمُونَ لِأنَّ حالَةَ عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ تُكْسِبُ اليَقِينَ بِصِحَّةِ الإسْلامِ فَتَقْتَضِي تَمَكُّنَهُ مِنَ النُّفُوسِ، وذَلِكَ التَّمَكُّنُ تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ.

15

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ

Whoever desires the life of this world and its adornments - We fully repay them for their deeds therein, and they therein will not be deprived.

﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ اعْتِراضِيٌّ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ”﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤]“ لِأنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ تَفَرَّعَتْ عَلى نُهُوضِ الحُجَّةِ فَإنْ كانُوا طالِبِينَ الحَقَّ والفَوْزَ فَقَدِ اسْتَتَبَّ لَهم ما يَقْتَضِي تَمَكُّنَ الإسْلامِ مِن نُفُوسِهِمْ، وإنْ كانُوا إنَّما يَطْلُبُونَ الكِبْرِياءَ والسِّيادَةَ في الدُّنْيا ويَأْنَفُونَ مِن أنْ يَكُونُوا تَبَعًا لِغَيْرِهِمْ فَهم مُرِيدُونَ الدُّنْيا؛ فَلِذَلِكَ حُذِّرُوا مِن أنْ يَغْتَرُّوا بِالمَتاعِ العاجِلِ، وأُعْلِمُوا بِأنَّ وراءَ ذَلِكَ العَذابَ الدّائِمَ، وأنَّهم عَلى الباطِلِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ هو الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ، أعْنِي جُمْلَةَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ إلَخْ. . . وما قَبْلَ ذَلِكَ تَمْهِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَلى بِوارِقِ الغُرُورِ ومَزالِقِ الذُّهُولِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ هو حالَهم كانَ في هَذا الِاعْتِراضِ زِيادَةُ بَيانٍ لِأسْبابِ مُكابَرَتِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ تَنْبِيهُ المُسْلِمِينَ بِأنْ لا يَغْتَرُّوا بِظاهِرِ حُسْنِ

صفحة ٢٣

حالِ الكافِرِينَ في الدُّنْيا، وأنْ لا يَحْسَبُوا أيْضًا أنَّ الكُفْرَ يُوجِبُ تَعْجِيلَ العَذابِ فَأُوقِظُوا مِن هَذا التَّوَهُّمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦]

وفِعْلُ الشَّرْطِ في المَقامِ الخِطابِيِّ يُفِيدُ اقْتِصارَ الفاعِلِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، فالمَعْنى مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا فَقَطْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ إذْ حُصِرَ أمْرُهم في اسْتِحْقاقِ النّارِ وهو مَعْنى الخُلُودِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] . فالمَعْنى مَن كانَ لا يَطْلُبُ إلّا مَنافِعَ الحَياةِ وزِينَتَها. وهَذا لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ الكافِرِينَ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَخْلُو مِن إرادَةِ خَيْرِ الآخِرَةِ وما آمَنَ إلّا لِذَلِكَ، فَمَوْرِدُ هَذِهِ الآياتِ ونَظائِرِها في حالِ الكافِرِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] فَذَلِكَ في مَعْنًى آخَرَ مِن مَعانِي الحَياةِ وزِينَتِها وهو تَرَفُ العَيْشِ وزِينَةُ اللِّباسِ، خِلافًا لِما يَقْتَضِيه إعْراضُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذَلِكَ التَّرَفِ وتِلْكَ الزِّينَةِ.

وضَمِيرُ إلَيْهِمْ عائِدٌ إلى مَنِ المَوْصُولَةِ لِأنَّ المُرادَ بِها الأقْوامُ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ.

والتَّوْفِيَةُ: إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِيًا، أيْ كامِلًا غَيْرَ مَنقُوصٍ، أيْ نَجْعَلُ أعْمالَهم في الدُّنْيا وافِيَةً ومَعْنى وفائِها أنَّها غَيْرُ مَشُوبَةٍ بِطَلَبِ تَكالِيفِ الإيمانِ والجِهادِ والقِيامِ بِالحَقِّ، فَإنَّ كُلَّ …

16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Those are the ones for whom there is not in the Hereafter but the Fire. And lost is what they did therein, and worthless is what they used to do.

﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ اعْتِراضِيٌّ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ”﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤]“ لِأنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ تَفَرَّعَتْ عَلى نُهُوضِ الحُجَّةِ فَإنْ كانُوا طالِبِينَ الحَقَّ والفَوْزَ فَقَدِ اسْتَتَبَّ لَهم ما يَقْتَضِي تَمَكُّنَ الإسْلامِ مِن نُفُوسِهِمْ، وإنْ كانُوا إنَّما يَطْلُبُونَ الكِبْرِياءَ والسِّيادَةَ في الدُّنْيا ويَأْنَفُونَ مِن أنْ يَكُونُوا تَبَعًا لِغَيْرِهِمْ فَهم مُرِيدُونَ الدُّنْيا؛ فَلِذَلِكَ حُذِّرُوا مِن أنْ يَغْتَرُّوا بِالمَتاعِ العاجِلِ، وأُعْلِمُوا بِأنَّ وراءَ ذَلِكَ العَذابَ الدّائِمَ، وأنَّهم عَلى الباطِلِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ هو الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ، أعْنِي جُمْلَةَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ إلَخْ. . . وما قَبْلَ ذَلِكَ تَمْهِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَلى بِوارِقِ الغُرُورِ ومَزالِقِ الذُّهُولِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ هو حالَهم كانَ في هَذا الِاعْتِراضِ زِيادَةُ بَيانٍ لِأسْبابِ مُكابَرَتِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ تَنْبِيهُ المُسْلِمِينَ بِأنْ لا يَغْتَرُّوا بِظاهِرِ حُسْنِ

صفحة ٢٣

حالِ الكافِرِينَ في الدُّنْيا، وأنْ لا يَحْسَبُوا أيْضًا أنَّ الكُفْرَ يُوجِبُ تَعْجِيلَ العَذابِ فَأُوقِظُوا مِن هَذا التَّوَهُّمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦]

وفِعْلُ الشَّرْطِ في المَقامِ الخِطابِيِّ يُفِيدُ اقْتِصارَ الفاعِلِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، فالمَعْنى مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا فَقَطْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ إذْ حُصِرَ أمْرُهم في اسْتِحْقاقِ النّارِ وهو مَعْنى الخُلُودِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] . فالمَعْنى مَن كانَ لا يَطْلُبُ إلّا مَنافِعَ الحَياةِ وزِينَتَها. وهَذا لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ الكافِرِينَ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَخْلُو مِن إرادَةِ خَيْرِ الآخِرَةِ وما آمَنَ إلّا لِذَلِكَ، فَمَوْرِدُ هَذِهِ الآياتِ ونَظائِرِها في حالِ الكافِرِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] فَذَلِكَ في مَعْنًى آخَرَ مِن مَعانِي الحَياةِ وزِينَتِها وهو تَرَفُ العَيْشِ وزِينَةُ اللِّباسِ، خِلافًا لِما يَقْتَضِيه إعْراضُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذَلِكَ التَّرَفِ وتِلْكَ الزِّينَةِ.

وضَمِيرُ إلَيْهِمْ عائِدٌ إلى مَنِ المَوْصُولَةِ لِأنَّ المُرادَ بِها الأقْوامُ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ.

والتَّوْفِيَةُ: إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِيًا، أيْ كامِلًا غَيْرَ مَنقُوصٍ، أيْ نَجْعَلُ أعْمالَهم في الدُّنْيا وافِيَةً ومَعْنى وفائِها أنَّها غَيْرُ مَشُوبَةٍ بِطَلَبِ تَكالِيفِ الإيمانِ والجِهادِ والقِيامِ بِالحَقِّ، فَإنَّ كُلَّ …

17

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌۭ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

So is one who [stands] upon a clear evidence from his Lord [like the aforementioned]? And a witness from Him follows it, and before it was the Scripture of Moses to lead and as mercy. Those [believers in the former revelations] believe in the Qur'an. But whoever disbelieves in it from the [various] factions - the Fire is his promised destination. So be not in doubt about it. Indeed, it is the truth from your Lord, but most of the people do not believe.

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾

أُغْلِقَتْ مَعانِي هَذِهِ الآيَةِ لِكَثْرَةِ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي تَعْتَوِرُها مِن جِهَةِ مَعادِ الضَّمائِرِ واسْمِ الإشارَةِ، ومِن جِهَةِ إجْمالِ المُرادِ مِنَ المَوْصُولِ، ومَوْقِعِ الِاسْتِفْهامِ،

صفحة ٢٦

ومَوْقِعِ فاءِ التَّفْرِيعِ. وقَدْ حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ وُجُوهًا كَثِيرَةً في تَفْسِيرِهِ بِما لَمْ يُلَخِّصْهُ أحَدٌ مِثْلُهُ وتَبِعَهُ القُرْطُبِيُّ في حِكايَةِ بَعْضِها. والِاخْتِلافُ في ماصَدَقَ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ. وفي المُرادِ مِن (﴿بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾)، وفي المَعْنِيِّ بِـ يَتْلُوهُ. وفي المُرادِ مِن (شاهِدٌ) . وفي مَعادِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في قَوْلِهِ: يَتْلُوهُ. وفي مَعْنى مِن مِن قَوْلِهِ: مِنهُ، وفي مَعادِ الضَّمِير المَجْرُورِ بِـ مِن. وفي مَوْقِعِ قَوْلِهِ: مِن قَبْلِهِ مِن قَوْلِهِ: كِتابُ مُوسى. وفي مَرْجِعِ اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ . وفي مَعادِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِالباءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ﴾ إلَخْ فَهَذِهِ مَفاتِيحُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.

والَّذِي تَخَلَّصَ لِي مِن ذَلِكَ ومِمّا فَتَحَ اللَّهُ بِهِ مِمّا هو أوْضَحُ وجْهًا وأقْرَبُ بِالمَعْنى المَقْصُودِ شَبَهًا: أنَّ الفاءَ لِلتَّفْرِيعِ عَلى جُمْلَةِ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ٣٥] إلى قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤] وأنَّ ما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِتَقْرِيرِ تَوَغُّلِهِمْ في المُكابَرَةِ وابْتِعادِهِمْ عَنِ الإيمانِ، وهَذا التَّفْرِيعُ تَفْرِيعُ الضِّدِ عَلى ضِدِّهِ في إثْباتِ ضِدِّ حُكْمِهِ لَهُ، أيْ إنْ كانَ حالُ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ كَما وُصِفَ فَثَمَّ قَوْمٌ هم بِعَكْسِ حالِهِمْ قَدْ نَفَعَتْهُمُ البَيِّناتُ والشَّواهِدُ، فَهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ وهُمُ المُسْلِمُونَ وذَلِكَ مُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤]، أيْ كَما أسْلَمَ مَن كانُوا عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ مِنكم ومِن أهْلِ الكِتابِ.

والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، أيْ إنْ كَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ أفَيُؤْمِنُ بِهِ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وهَذا عَلى نَحْوِ نَظْمِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] أيْ أنْتَ تُنْقِذُ مِنَ النّارِ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ.

ومَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ لا يُرادُ بِها شَخْصٌ مُعَيَّنٌ. فَكَلِمَةُ (مَن) هُنا تَكُونُ كالمُعَرَّفِ بِلامِ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ صادِقَةً عَلى مَن تَحَقَّقَتْ لَهُ الصِّلَةُ، أعْنِي أنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ. وبِدُونِ ذَلِكَ لا تَسْتَقِيمُ الإشارَةُ. وإفْرادُ ضَمائِرِ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ مُراعاةً لِلَّفْظِ مَنِ المَوْصُولَةِ وذَلِكَ أحَدُ اسْتِعْمالَيْنِ. والجَمْعُ في قَوْلِهِ: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ مُراعاةً لِمَعْنى مَنِ المَوْصُولَةِ وذَلِكَ اسْتِعْمالٌ آخَرُ. والتَّقْدِيرُ:

صفحة ٢٧

أفَمَن كانُوا عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤] في سُورَةِ القِتالِ.

والَّذِينَ هم عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا النَّصارى فَقَطْ فَإنَّهم كانُوا مُنْتَشِرِينَ في العَرَبِ ويَعْرِفُ أهْلُ مَكَّةَ كَثِيرًا …

18

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ

And who is more unjust than he who invents a lie about Allah? Those will be presented before their Lord, and the witnesses will say, "These are the ones who lied against their Lord." Unquestionably, the curse of Allah is upon the wrongdoers.

صفحة ٣٢

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾

لَمّا انْقَضى الكَلامُ مِن إبْطالِ زَعْمِهِمْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ افْتَرى القُرْآنَ، ونَسَبَهُ إلى اللَّهِ. وتَعْجِيزُهم عَنْ بُرْهانٍ لِما زَعَمُوهُ، كَرَّ عَلَيْهِمْ أنْ قَدْ وضَّحَ أنَّهُمُ المُفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ عِدَّةَ أكاذِيبَ، مِنها نَفْيُهم أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِهِ.

فَعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] لِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِمْ النّارَ عَلى كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ لِأنَّهم كَفَرُوا بِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ إذْ نَسَبُوا القُرْآنَ إلى غَيْرِ مَن أنْزَلَهُ، وزَعَمُوا أنَّ الرَّسُولَ ﷺ افْتَراهُ، فَكانُوا بالِغِينَ غايَةَ الظُّلْمِ حَتّى لَقَدْ يُسْألُ عَنْ وُجُودِ فَرِيقٍ أظْلَمَ مِنهم سُؤالَ إنْكارٍ يَئُولُ إلى مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لا أحَدٌ أظْلَمُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ - تَعالى:﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفي سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ [الأعراف: ٣٧]

وافْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ هو ما وضَعُوهُ مِن دِينِ الشِّرْكِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّ الأصْنامَ شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وقَوْلُهم في كَثِيرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ ﴿واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] . وقالَ - تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] أيْ إذْ يَقُولُونَ: أمَرَنا اللَّهُ بِذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ. وتَصْدِيرُها بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ بِسَبَبِ ما قَبْلَ اسْمِ

صفحة ٣٣

الإشارَةِ مِنَ الوَصْفِ، وهَذا أشَدُّ الظُّلْمِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ولِما يُؤْذِنُ بِهِ اسْمُ الإشارَةِ مِن مَعْنى تَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ فِيما بَعْدَهُ. عُلِمَ أنَّ عَرْضَهم عَلى رَبِّهِمْ عَرْضُ زَجْرٍ وانْتِقامٍ.

والعَرْضُ إذا عُدِّيَ بِحَرْفِ عَلى أفادَ مَعْنى الإحْضارِ بِإرادَةٍ.

واخْتِيارُ وصْفِ السَّبَبِ لِلْإيماءِ إلى القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.

وعَطْفُ فِعْلِ يَقُولُ عَلى فِعْلِ يُعْرَضُونَ الَّذِي هو خَبَرٌ، فَهو عَطْفٌ عَلى جُزْءِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وهو هُنا ابْتِداءُ عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ فَكِلا الفِعْلَيْنِ مَقْصُودٌ بِالإخْبارِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.

والمَعْنى أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ لِلْعِقابِ ويُعْلَنُ الأشْهادُ بِأنَّهم كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ فَضْحًا لَهم.

والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ بِمَعْنى حاضِرٍ، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى المُخْبِرِ بِما عَلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ. وهَؤُلاءِ الأشْهادُ مِنَ المَلائِكَةِ.

واسْتِحْضارُهم بِطَرِيقِ اسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ حَتّى يَشْتَهِرَ ما سَيُخْبِرُ بِهِ عَنْ حالِهِمْ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ شُهْرَتُهم بِالسُّوءِ وافْتِضاحُهم.

والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ في الخَبَرِ عَنْهم إيماءً إلى سَبَبِيَّةِ ذَلِكَ الوَصْفِ الَّذِي في الصِّلَةِ فِيما يَرِدُ عَلَيْهِمْ …

19

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ

Who averted [people] from the way of Allah and sought to make it [seem] deviant while they, concerning the Hereafter, were disbelievers.

صفحة ٣٢

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾

لَمّا انْقَضى الكَلامُ مِن إبْطالِ زَعْمِهِمْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ افْتَرى القُرْآنَ، ونَسَبَهُ إلى اللَّهِ. وتَعْجِيزُهم عَنْ بُرْهانٍ لِما زَعَمُوهُ، كَرَّ عَلَيْهِمْ أنْ قَدْ وضَّحَ أنَّهُمُ المُفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ عِدَّةَ أكاذِيبَ، مِنها نَفْيُهم أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِهِ.

فَعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] لِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِمْ النّارَ عَلى كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ لِأنَّهم كَفَرُوا بِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ إذْ نَسَبُوا القُرْآنَ إلى غَيْرِ مَن أنْزَلَهُ، وزَعَمُوا أنَّ الرَّسُولَ ﷺ افْتَراهُ، فَكانُوا بالِغِينَ غايَةَ الظُّلْمِ حَتّى لَقَدْ يُسْألُ عَنْ وُجُودِ فَرِيقٍ أظْلَمَ مِنهم سُؤالَ إنْكارٍ يَئُولُ إلى مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لا أحَدٌ أظْلَمُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ - تَعالى:﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفي سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ [الأعراف: ٣٧]

وافْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ هو ما وضَعُوهُ مِن دِينِ الشِّرْكِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّ الأصْنامَ شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وقَوْلُهم في كَثِيرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ ﴿واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] . وقالَ - تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] أيْ إذْ يَقُولُونَ: أمَرَنا اللَّهُ بِذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ. وتَصْدِيرُها بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ بِسَبَبِ ما قَبْلَ اسْمِ

صفحة ٣٣

الإشارَةِ مِنَ الوَصْفِ، وهَذا أشَدُّ الظُّلْمِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ولِما يُؤْذِنُ بِهِ اسْمُ الإشارَةِ مِن مَعْنى تَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ فِيما بَعْدَهُ. عُلِمَ أنَّ عَرْضَهم عَلى رَبِّهِمْ عَرْضُ زَجْرٍ وانْتِقامٍ.

والعَرْضُ إذا عُدِّيَ بِحَرْفِ عَلى أفادَ مَعْنى الإحْضارِ بِإرادَةٍ.

واخْتِيارُ وصْفِ السَّبَبِ لِلْإيماءِ إلى القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.

وعَطْفُ فِعْلِ يَقُولُ عَلى فِعْلِ يُعْرَضُونَ الَّذِي هو خَبَرٌ، فَهو عَطْفٌ عَلى جُزْءِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وهو هُنا ابْتِداءُ عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ فَكِلا الفِعْلَيْنِ مَقْصُودٌ بِالإخْبارِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.

والمَعْنى أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ لِلْعِقابِ ويُعْلَنُ الأشْهادُ بِأنَّهم كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ فَضْحًا لَهم.

والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ بِمَعْنى حاضِرٍ، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى المُخْبِرِ بِما عَلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ. وهَؤُلاءِ الأشْهادُ مِنَ المَلائِكَةِ.

واسْتِحْضارُهم بِطَرِيقِ اسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ حَتّى يَشْتَهِرَ ما سَيُخْبِرُ بِهِ عَنْ حالِهِمْ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ شُهْرَتُهم بِالسُّوءِ وافْتِضاحُهم.

والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ في الخَبَرِ عَنْهم إيماءً إلى سَبَبِيَّةِ ذَلِكَ الوَصْفِ الَّذِي في الصِّلَةِ فِيما يَرِدُ عَلَيْهِمْ …

20

أُو۟لَٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ

Those were not causing failure [to Allah] on earth, nor did they have besides Allah any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.

﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ الِاقْتِصارِ في تَهْدِيدِهِمْ عَلى وصْفِ بَعْضِ عِقابِهِمْ في الآخِرَةِ فَإنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: هَلْ هم سالِمُونَ مِن عَذابِ الدُّنْيا. فَأُجِيبَ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الدُّنْيا، أيْ لا يَخْرُجُونَ عَنْ مَقْدِرَةِ اللَّهِ عَلى تَعْذِيبِهِمْ في الدُّنْيا إذا اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعْجِيلَ عَذابِهِمْ.

صفحة ٣٥

وإعادَةُ الإشارَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ بَعْدَ أنْ أُشِيرَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] لِتَقْرِيرِ فائِدَةِ اسْمِ الإشارَةِ السّابِقِ. والمَعْنى: أنَّهم يَصِيرُونَ إلى حُكْمِ رَبِّهِمْ في الآخِرَةِ ولَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِيهِ أنْ يُعَذِّبَهم في الدُّنْيا مَتى شاءَ تَعْذِيبَهم ولَكِنَّهُ أرادَ إمْهالَهم.

والمُعْجِزُ هُنا الَّذِي أفْلَتَ مِمَّنْ يَرُومُ إضْرارَهُ. وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والأرْضُ: الدُّنْيا. وفائِدَةُ ذِكْرِهِ أنَّهم لا مَلْجَأ لَهم مِنَ اللَّهِ لَوْ أرادَ الِانْتِقامَ مِنهم فَلا يَجِدُونَ مَوْضِعًا مِنَ الأرْضِ يَسْتَعْصِمُونَ بِهِ. فَهَذا نَفْيٌ لِلْمَلاجِئِ والمَعاقِلِ الَّتِي يَسْتَعْصِمُ فِيها الهارِبُ. وعِنْدِي أنَّ مُقارَنَةَ ”في الأرْضِ“ بِـ مُعْجِزِينَ جَرى مَجْرى المَثَلِ في القُرْآنِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ [الأحقاف: ٣٢] ولَعَلَّهُ مِمّا جَرى كَذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُ إياسِ ابْنِ قُبَيْصَةَ الطّائِيِّ مِن شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ:

ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِن بِقاعِها

* * *

﴿وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأوَّلِ الأنْصارُ، أيْ ما لَهم ناصِرٌ يَنْصُرُهم مِن دُونِ اللَّهِ. فَجَمَعَ لَهم نَفْيَ سَبَبَيْ النَّجاةِ مِن عَذابِ القادِرِ وهُما المَكانُ الَّذِي لا يَصِلُ إلَيْهِ القادِرُ أوْ مُعارَضَةُ قادِرٍ آخَرَ إيّاهُ يَمْنَعُهُ مِن تَسْلِيطِ عِقابِهِ. ومِن دُونِ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ أوْلِياءَ لِما في الوَلِيِّ هُنا مِن مَعانِي الحائِلِ والمُباعِدِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩]

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأوْلِياءِ الأصْنامُ الَّتِي تَوَلَّوْها، أيْ أخْلَصُوا لَها المَحَبَّةَ والعِبادَةَ.

صفحة ٣٦

ومَعْنى نَفْيِ الأوْلِياءِ عَنْهم بِهَذا المَعْنى نَفْيُ أثَرِ هَذا الوَصْفِ، أيْ لَمْ تَنْفَعْهم أصْنامُهم وآلِهَتُهم.

ومِن دُونِ اللَّهِ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْنى مِن غَيْرِ اللَّهِ، فَـ دُونِ اسْمٌ غَيْرُ ظَرْفٍ، ومِنَ الجارَّةُ لِـ دُونِ زائِدَةٌ تُزادُ في الظُّرُوفِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ، ومِنَ الجارَّةُ لِـ أوْلِياءَ زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ المَنفِيِّ، أيْ ما كانَ لَهم فَرْدٌ مِن أفْرادِ جِنْسِ الأوْلِياءِ.

والعَذابُ المُضاعَفُ هو عَذابُ الآخِرَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ المُشْعِرِ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم في الدُّنْيا لا عَنْ عَجْزٍ.

* * *

﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾

خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ خَبَرًا أوَّلَ وجُمْلَةُ يُضاعَفُ خَبَرًا ثانِيًا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ حالًا وجُمْلَةُ يُضاعَفُ خَبَرًا …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.