Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 121–123 of 123

121

وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَٰمِلُونَ

And say to those who do not believe, "Work according to your position; indeed, we are working.

﴿وقُلْ لِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ﴾ [هود: ١٢٠] الآيَةَ؛ لِأنَّها لَمّا اشْتَمَلَتْ عَلى أنَّ في هَذِهِ القِصَّةِ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أمَرَ بِأنْ يُخاطِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِما فِيها خِطابُ الآيِسِ مِنِ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى الَّذِي لا يَعْبَأُ بِإعْراضِهِمْ ولا يَصُدُّهُ عَنْ دَعْوَتِهِ إلى الحَقِّ تَألُّبُهم عَلى باطِلِهِمْ ومُقاوَمَتُهُمُ الحَقَّ. فَلا جَرَمَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَدِيلًا لِقَوْلِهِ: ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠] . وهَذا القَوْلُ مَأْمُورٌ أنْ يَقُولَهُ عَلى لِسانِهِ ولِسانِ المُؤْمِنِينَ.

وقَوْلُهُ: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ هو نَظِيرُ ما حُكِيَ عَنْ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذِهِ السُّورَةِ آنِفًا.

وضَمائِرُ ﴿إنّا عامِلُونَ﴾ وإنّا مُنْتَظِرُونَ لِلنَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَهُ.

صفحة ١٩٤

وفِي أمْرِ اللَّهِ رَسُولَهُ بِأنْ يَقُولَ ذَلِكَ عَلى لِسانِ المُؤْمِنِينَ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ بِصِدْقِ إيمانِهِمْ. وفِيهِ التَّفْوِيضُ إلى رَأْسِ الأُمَّةِ بِأنْ يَقْطَعَ أمْرًا عَنْ أُمَّتِهِ ثِقَةً بِأنَّهم لا يَرُدُّونَ فِعْلَهُ. كَما «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهَوازِنَ لَمّا جاءُوا تائِبِينَ وطالِبِينَ رَدَّ سَباياهم وغَنائِمِهِمُ اخْتارُوا أحَدَ الأمْرَيْنِ السَّبْيَ أوِ الأمْوالَ» . فَلَمّا اخْتارُوا السَّبْيَ رَجَعَ السَّبْيُ إلى أهْلِهِ ولَمْ يَسْتَشِرِ المُسْلِمِينَ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ لِمَن يُطَيِّبُ ذَلِكَ لِهَوازِنَ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِّهِ في أوَّلِ ما يَجِيءُ مِنَ السَّبْيِ، فَقالَ المُؤْمِنُونَ: طَيَّبْنا ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، كَما يُقالُ في الوَعِيدِ: سَوْفَ تَرى.

122

وَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ

And wait, indeed, we are waiting."

﴿وقُلْ لِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ﴾ [هود: ١٢٠] الآيَةَ؛ لِأنَّها لَمّا اشْتَمَلَتْ عَلى أنَّ في هَذِهِ القِصَّةِ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أمَرَ بِأنْ يُخاطِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِما فِيها خِطابُ الآيِسِ مِنِ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى الَّذِي لا يَعْبَأُ بِإعْراضِهِمْ ولا يَصُدُّهُ عَنْ دَعْوَتِهِ إلى الحَقِّ تَألُّبُهم عَلى باطِلِهِمْ ومُقاوَمَتُهُمُ الحَقَّ. فَلا جَرَمَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَدِيلًا لِقَوْلِهِ: ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠] . وهَذا القَوْلُ مَأْمُورٌ أنْ يَقُولَهُ عَلى لِسانِهِ ولِسانِ المُؤْمِنِينَ.

وقَوْلُهُ: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ هو نَظِيرُ ما حُكِيَ عَنْ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذِهِ السُّورَةِ آنِفًا.

وضَمائِرُ ﴿إنّا عامِلُونَ﴾ وإنّا مُنْتَظِرُونَ لِلنَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَهُ.

صفحة ١٩٤

وفِي أمْرِ اللَّهِ رَسُولَهُ بِأنْ يَقُولَ ذَلِكَ عَلى لِسانِ المُؤْمِنِينَ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ بِصِدْقِ إيمانِهِمْ. وفِيهِ التَّفْوِيضُ إلى رَأْسِ الأُمَّةِ بِأنْ يَقْطَعَ أمْرًا عَنْ أُمَّتِهِ ثِقَةً بِأنَّهم لا يَرُدُّونَ فِعْلَهُ. كَما «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهَوازِنَ لَمّا جاءُوا تائِبِينَ وطالِبِينَ رَدَّ سَباياهم وغَنائِمِهِمُ اخْتارُوا أحَدَ الأمْرَيْنِ السَّبْيَ أوِ الأمْوالَ» . فَلَمّا اخْتارُوا السَّبْيَ رَجَعَ السَّبْيُ إلى أهْلِهِ ولَمْ يَسْتَشِرِ المُسْلِمِينَ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ لِمَن يُطَيِّبُ ذَلِكَ لِهَوازِنَ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِّهِ في أوَّلِ ما يَجِيءُ مِنَ السَّبْيِ، فَقالَ المُؤْمِنُونَ: طَيَّبْنا ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، كَما يُقالُ في الوَعِيدِ: سَوْفَ تَرى.

123

وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلْأَمْرُ كُلُّهُۥ فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

And to Allah belong the unseen [aspects] of the heavens and the earth and to Him will be returned the matter, all of it, so worship Him and rely upon Him. And your Lord is not unaware of that which you do.

﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

كَلامٌ جامِعٌ وهو تَزْيِيلٌ لِلسُّورَةِ مُؤْذِنٌ بِخِتامِها، فَهو مِن بَراعَةِ المَقْطَعِ. والواوُ عاطِفَةٌ كَلامًا عَلى كَلامٍ، أوْ واوُ الِاعْتِراضِ في آخِرِ الكَلامِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.

واللّامُ في لِلَّهِ لِلْمِلْكِ وهو مِلْكُ إحاطَةِ العِلْمِ، أيْ لِلَّهِ ما غابَ عَنْ عِلْمِ النّاسِ في السَّماواتِ والأرْضِ. وهَذا كَلامٌ يَجْمَعُ بِشارَةَ المُؤْمِنِينَ بِما وُعِدُوا مِنَ النَّعِيمِ المُغَيَّبِ عَنْهم، ونِذارَةُ المُشْرِكِينَ بِما تُوُعِّدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ المُغَيَّبِ عَنْهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ في ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ﴾ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيِ اللَّهُ لا غَيْرُهُ يَمْلِكُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُشارِكُهُ فِيهِ أحَدٌ. وإلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ، وهو تَعْرِيضٌ

صفحة ١٩٥

بِفَسادِ آراءِ الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَهُ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ.

ومَعْنى إرْجاعِ الأمْرِ إلَيْهِ: أنَّ أمْرَ التَّدْبِيرِ والنَّصْرِ والخِذْلانِ وغَيْرِ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، أيْ إلى عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وإنْ حَسَبَ النّاسُ وهَيَّأُوا فَطالَما كانَتِ الأُمُورُ حاصِلَةً عَلى خِلافِ ما اسْتَعَدَّ إلَيْهِ المُسْتَعِدُّ، وكَثِيرًا ما اعْتَزَّ العَزِيزُ بِعِزَّتِهِ فَلَقِيَ الخِذْلانَ مِن حَيْثُ لا يَرْتَقِبُ، ورُبَّما كانَ المُسْتَضْعَفُونَ بِمَحَلِّ العِزَّةِ والنُّصْرَةِ عَلى أُولِي العِزَّةِ والقُوَّةِ.

والتَّعْرِيفُ في الأمْرُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَعُمُّ الأُمُورَ، وتَأْكِيدُ الأمْرِ بِـ كُلِّهِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ.

وقَرَأ مَن عَدا نافِعًا يُرْجَعُ بِبِناءِ الفِعْلِ بِصِيغَةِ النّائِبِ، أيْ يُرْجِعُ كُلُّ ذِي أمْرٍ أمْرَهُ إلى اللَّهِ. وقَرَأهُ نافِعٌ بِصِيغَةِ الفاعِلِ عَلى أنْ يَكُونَ الأمْرُ هو فاعِلُ الرُّجُوعِ، أيْ يَرْجِعُ هو إلى اللَّهِ.

وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فالرُّجُوعُ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ عَجْزِ النّاسِ عَنِ التَّصَرُّفِ في الأُمُورِ حَسَبَ رَغَباتِهِمْ بِهَيْئَةِ مُتَناوِلِ شَيْءٍ لِلتَّصَرُّفِ بِهِ ثُمَّ عَدِمَ اسْتِطاعَتَهُ التَّصَرُّفَ بِهِ فَيُرْجِعُهُ إلى الحَرِيِّ بِالتَّصَرُّفِ بِهِ، أوْ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ خُضُوعِ الأُمُورِ إلى تَصَرُّفِ اللَّهِ دُونَ تَصَرُّفِ المُحاوِلِينَ التَّصَرُّفَ فِيها بِهَيْئَةِ المُتَجَوِّلِ الباحِثِ عَنْ مَكانٍ يَسْتَقِرُّ بِهِ ثُمَّ إيوائِهِ إلى المَقَرِّ اللّائِقِ بِهِ ورُجُوعِهِ إلَيْهِ، فَهي تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ رَمَزَ إلَيْها بِفِعْلِ يُرْجَعُ وتَعْدِيَتُهُ بِـ إلَيْهِ.

وتَفْرِيعُ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِعِبادَةِ اللَّهِ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ عَلى رُجُوعِ الأمْرِ كُلِّهِ إلَيْهِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُعْبَدَ وأنْ يُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ في كُلِّ مُهِمٍّ. وهو تَعْرِيضٌ بِالتَّخْطِئَةِ لِلَّذِينِ عَبَدُوا غَيْرَهُ وتَوَكَّلُوا عَلى شَفاعَةِ الآلِهَةِ ونَفْعِها. ويَتَضَمَّنُ أمْرُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالدَّوامِ عَلى العِبادَةِ والتَّوَكُّلِ.

صفحة ١٩٦

والمُرادُ أنْ يَعْبُدَهُ دُونَ غَيْرِهِ ويَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ بِقَرِينَةِ ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾، وبِقَرِينَةِ التَّفْرِيعِ لِأنَّ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ كُلُّ أمْرٍ لا يُعْقَلُ أنْ يُصْرَفَ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.