Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 111–120 of 123

111

وَإِنَّ كُلًّۭا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَٰلَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

And indeed, each [of the believers and disbelievers] - your Lord will fully compensate them for their deeds. Indeed, He is Acquainted with what they do.

صفحة ١٧٣

﴿وإنْ كُلًّا لَما لِيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

تَذْيِيلٌ لِلْأخْبارِ السّابِقَةِ. والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن إنَّ الثَّقِيلَةِ في قِراءَةِ نافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأُعْمِلَتْ في اسْمِها فانْتَصَبَ بَعْدَها. و(إنْ) المُخَفَّفَةُ إذا وقَعَتْ بَعْدَها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ يَكْثُرُ إعْمالُها ويَكْثُرُ إهْمالُها قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ونُحاةُ البَصْرَةِ وهو الحَقُّ. وقَرَأ الباقُونَ (إنَّ) مُشَدَّدَةً عَلى الأصْلِ.

وبِتَنْوِينِ (كُلًّا) عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: وإنَّ كُلَّهم، أيْ كُلَّ المَذْكُورِينَ آنِفًا مِن أهْلِ القُرى، ومِنَ المُشْرِكِينَ المُعَرَّضِ بِهِمْ، ومِنَ المُخْتَلِفِينَ في الكِتابِ مِن أتْباعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ.

و(لَما) مُخَفَّفَةٌ في قِراءَةِ نافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، فاللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى (ما) لامُ الِابْتِداءِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى خَبَرِ (إنَّ) . واللّامُ الثّانِيَةُ الدّاخِلَةُ عَلى (لَيُوَفِّيَنَّهم) لامُ جَوابِ القَسَمِ. و(ما) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. والفَصْلُ بَيْنَ اللّامَيْنِ دَفْعًا لِكَراهَةِ تَوالِي مِثْلَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ - بِتَشْدِيدِ المِيمِ - مِن (لَمّا) . فَعِنْدَ مَن قَرَأ (إنْ) مُخَفَّفَةً وشَدَّدَ المِيمَ وهو أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ تَكُونُ (إنْ) مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأمّا مَن شَدَّدَ النُّونَ مِن (إنَّ) وشَدَّدَ المِيمَ مِن (لَمّا) وهُمُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ فَتَوْجِيهُ قِراءَتِهِمْ وقِراءَةُ أبِي بَكْرٍ ما قالَهُ الفَرّاءُ: إنَّها بِمَعْنى (لِمَن ما) فَحُذِفَتْ إحْدى المِيماتِ الثَّلاثِ، يُرِيدُ أنَّ (لَمّا) لَيْسَتْ كَلِمَةً واحِدَةً وإنْ كانَتْ في صُورَتِها كَصُورَةِ حَرْفِ (لَمّا) في رَسْمِ المُصْحَفِ (لِأنَّهُ اتَّبَعَ فِيهِ صُورَةَ النُّطْقِ بِها) وإنَّما هي مُرَكَّبَةٌ مِن لامِ الِابْتِداءِ و(مِنَ) الجارَّةِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى كَثْرَةِ تَكَرُّرِ الفِعْلِ كالَّتِي في قَوْلِ أبِي حَيَّةَ النَّمِرِيِّ:

صفحة ١٧٤

وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسانَ مِنَ الفَمِ

أيْ: نُكْثِرُ ضَرْبَ الكَبْشِ، أيْ أمِيرِ جَيْشِ العَدُوِّ عَلى رَأْسِهِ. وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلاقِي مِنَ الوَحْيِ شِدَّةً، وكانَ مِمّا يُحَرِّكُ لِسانَهُ حِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، فَقالَ اللَّهُ - تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةَ» . فَأصْلُ هَذِهِ الكَلِماتِ في الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ: وإنَّ كُلًّا لَمِن ما لَيُوَفِّيَنَّهم، فَلَمّا قُلِبَتْ نُونُ مِن مِيمًا لِإدْغامِها في مِيمِ (ما) اجْتَمَعَ ثَلاثُ مِيماتٍ فَحُذِفَتِ المِيمُ الأُولى تَخْفِيفًا وهي مِيمُ (مِن) لِوُجُودِ دَلِيلٍ عَلَيْها وهو المِيمُ الثّانِيَةُ لِأنَّ أصْلَ المِيمِ الثّانِيَةِ نُونُ (مِن) فَصارَ (لَمّا) .

ولامُ لَيُوَفِّيَنَّهم لامُ قَسَمٍ.

ومَعْنى الكَثْرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ الكِنايَةُ عَنْ عَدَمِ إفْلاتِ فَرِيقٍ مِنَ المُخْتَلِفِينَ في الكِتابِ مِن إلْحاقِ الجَزاءِ عَنْ عَمَلِهِ بِهِ.

والمَعْنى: وإنَّ جَمِيعَهم لَلاقُونَ جَزاءَ أعْمالِهِمْ لا يُفْلِتُ مِنهم أحَدٌ، وإنَّ تَوْفِيَةَ اللَّهِ إيّاهم أعْمالَهم حَقَّقَهُ اللَّهُ ولَمْ يُسامِحْ فِيهِ. فَهَذا التَّخْرِيجُ هو أوْلى الوُجُوهِ الَّتِي خَرَجَتْ عَلَيْها هَذِهِ القِراءَةُ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الفَرّاءِ وتَبِعَهُ …

112

فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

So remain on a right course as you have been commanded, [you] and those who have turned back with you [to Allah], and do not transgress. Indeed, He is Seeing of what you do.

﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ﴾

تَرَتَّبَ عَنِ التَّسْلِيَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ [هود: ١١٠] وعَنِ التَّثْبِيتِ المُفادِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] الحَضُّ عَلى الدَّوامِ عَلى التَّمَسُّكِ بِالإسْلامِ عَلى وجْهٍ قَوِيمٍ. وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاسْتِقامَةِ لِإفادَةِ الدَّوامِ عَلى العَمَلِ بِتَعالِيمِ الإسْلامِ، دَوامًا جِماعُهُ الِاسْتِقامَةُ عَلَيْهِ والحَذَرُ مِن تَغْيِيرِهِ.

ولَمّا كانَ الِاخْتِلافُ في كِتابِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما جاءَ مِن أهْلِ الكِتابِ عَطَفَ عَلى أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالِاسْتِقامَةِ عَلى كِتابِهِ أمْرَ المُؤْمِنِينَ بِتِلْكَ الِاسْتِقامَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ الِاعْوِجاجَ مِن دَواعِي الِاخْتِلافِ في الكِتابِ بِنُهُوضِ فِرَقٍ مِنَ الأُمَّةِ إلى تَبْدِيلِهِ لِمُجاراةِ أهْوائِهِمْ، ولِأنَّ مُخالَفَةَ الأُمَّةِ عَمْدًا إلى أحْكامِ كِتابِها إنْ هو إلّا ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الِاخْتِلافِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ اخْتِلافُها عَلى أحْكامِهِ. وفي الحَدِيثِ: «فَإنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كَثْرَةُ مَسائِلِهِمْ واخْتِلافُهم عَلى أنْبِيائِهِمْ»، فَلا جَرَمَ أنْ كانَتِ الِاسْتِقامَةُ حائِلًا دُونَ ذَلِكَ، إذِ الِاسْتِقامَةُ هي العَمَلُ بِكَمالِ الشَّرِيعَةِ بِحَيْثُ لا يَنْحَرِفُ عَنْها قِيدَ شِبْرٍ. ومُتَعَلِّقُها العَمَلُ بِالشَّرِيعَةِ

صفحة ١٧٦

بَعْدَ الإيمانِ لِأنَّ الإيمانَ أصْلٌ فَلا تَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِقامَةُ. وقَدْ أشارَ إلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِأبِي عَمْرَةَ الثَّقَفِيِّ لَمّا قالَ لَهُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ. قالَ: قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» فَجَعَلَ الِاسْتِقامَةَ شَيْئًا بَعْدَ الإيمانِ.

ووُجِّهَ الأمْرُ إلى النَّبِيِّ ﷺ تَنْوِيهًا لِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ: كَما أُمِرْتَ فَيُشِيرُ إلى أنَّهُ المُتَلَقِّي لِلْأوامِرِ الشَّرْعِيَّةِ ابْتِداءً. وهَذا تَنْوِيهٌ لَهُ بِمَقامِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ أعْلَمَ بِخِطابِ أُمَّتِهِ بِذَلِكَ بِقَوْلُهُ: ﴿ومَن تابَ مَعَكَ﴾ . وكافُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: كَما أُمِرْتَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الِاسْتِقامَةِ المَأْخُوذَةِ مِنِ اسْتَقِمْ. ومَعْنى تَشْبِيهُ الِاسْتِقامَةِ المَأْمُورِ بِها بِما أُمِرَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ لِكَوْنِ الِاسْتِقامَةِ مِمْثالَةً لِسائِرِ ما أُمِرَ بِهِ، وهو تَشْبِيهُ المُجْمَلِ بِالمُفَصَّلِ في تَفْصِيلِهِ بِأنْ يَكُونَ طِبْقَهُ. ويُئَوَّلُ هَذا المَعْنى إلى أنْ تَكُونَ الكافُ في مَعْنى (عَلى) كَما يُقالُ: كُنْ كَما أنْتَ. أيْ لا تَتَغَيَّرْ ولْتُشْبِهْ أحْوالُكَ المُسْتَقْبَلَةُ حالَتَكَ هَذِهِ.

(ومَن تابَ) عُطِفَ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في (أُمِرْتَ) . ومُصَحِّحُ العَطْفِ مَوْجُودٌ وهو الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ.

و(مَن تابَ) هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّ الإيمانَ تَوْبَةٌ مِنَ الشِّرْكِ. و(مَعَكَ) حالٌ مِن (تابَ) ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِتابَ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكِينَ.

وقَدْ جَمَعَ قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ أُصُولَ الصَّلاحِ الدِّينِيِّ وفُرُوعِهِ لِقَوْلِهِ: كَما أُمِرْتَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آيَةٌ هي أشَدُّ ولا أشَقُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ. ولِذَلِكَ قالَ لِأصْحابِهِ حِينَ قالُوا لَهُ: لَقَدْ أسْرَعَ إلَيْكَ الشَّيْبُ «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها» . وسُئِلَ عَمّا في هُودٍ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ .

* * *

صفحة ١٧٧

﴿ولا تَطْغَوْا …

113

وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ

And do not incline toward those who do wrong, lest you be touched by the Fire, and you would not have other than Allah any protectors; then you would not be helped.

﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وما لَكَمَ مَن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾

الرُّكُونُ: المَيْلُ والمُوافَقَةُ، وفِعْلُهُ كَعَلِمَ. ولَعَلَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّكْنِ - بِضَمٍّ فَسُكُونٍ - وهو الجَنْبُ؛ لِأنَّ الماثِلَ يُدْنِي جَنْبَهُ إلى الشَّيْءِ المُمالِ إلَيْهِ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ

صفحة ١٧٨

لِلْمُوافِقِ، فَبَعْدَ أنْ نَهاهم عَنِ الطُّغْيانِ نَهاهم عَنِ التَّقارُبِ مِنَ المُشْرِكِينَ لِئَلّا يُضِلُّوهم ويُزِلُّوهم عَنِ الإسْلامِ.

و(الَّذِينَ ظَلَمُوا) هُمُ المُشْرِكُونَ. وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في سَدِّ ذَرائِعِ الفَسادِ المُحَقَّقَةِ أوِ المَظْنُونَةِ.والمَسُّ: مُسْتَعْمَلٌ في الإصابَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] في آخِرِ الأعْرافِ، والمُرادُ: نارُ العَذابِ في جَهَنَّمَ.

وجُمْلَةُ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ حالٌ، أيْ لا تَجِدُونَ مَن يَسْعى لِما يَنْفَعُكم.

و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، أيْ ولا تَجِدُونَ مَن يَنْصُرُكم، أيْ مِن يُخَفِّفُ عَنْكم مَسَّ عَذابِ النّارِ أوْ يُخْرِجُكم مِنها.

و(مِن دُونِ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِأوْلِياءَ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الحُماةِ والحائِلِينَ.

وقَدْ جَمَعَ قَوْلُهُ: (ولا تَطْغَوْا) وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أصْلَيِ الدِّينِ، وهُما: الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وتَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُ الحَسَنِ: جَعَلَ اللَّهُ الدِّينَ بَيْنَ لاءَيْنِ: ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ [هود: ١١٢]، ﴿ولا تَرْكَنُوا﴾ .

114

وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ

And establish prayer at the two ends of the day and at the approach of the night. Indeed, good deeds do away with misdeeds. That is a reminder for those who remember.

﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾

انْتَقَلَ مِن خِطابِ المُؤْمِنِينَ إلى خِطابِ النَّبِيِّ ﷺ وهَذا الخِطابُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأُمَّةِ بِقَرِينَةِ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ الواجِباتِ عَلى جَمِيعِ

صفحة ١٧٩

المُسْلِمِينَ، لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَ مَعَهُ ما يُناسِبُ الأوْقاتَ المُعَيَّنَةَ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ، وذَلِكَ ما اقْتَضاهُ حَدِيثُ أبِي اليُسْرِ الآتِي.

وطَرَفُ الشَّيْءِ: مُنْتَهاهُ مِن أوَّلِهِ أوْ مِن آخِرِهِ، فالتَّثْنِيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ المُرادَ أوَّلُ النَّهارِ وآخِرُهُ.

والنَّهارُ: ما بَيْنَ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ نَهارًا لِأنَّ الضِّياءَ يَنْهَرُ فِيهِ، أيْ يَبْرُزُ كَما يَبْرُزُ النَّهْرُ.

والأمْرُ بِالإقامَةِ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ عَمَلٌ واجِبٌ لِأنَّ الإقامَةَ إيقاعُ العَمَلِ عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ، فَتَقْتَضِي أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ هُنا الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ، فالطَّرَفانِ ظَرْفانِ لِإقامَةِ الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ، فَعُلِمَ أنَّ المَأْمُورَ إيقاعُ صَلاةٍ في أوَّلِ النَّهارِ وهي الصُّبْحُ وصَلاةٍ في آخِرِهِ وهي العَصْرُ وقِيلَ المَغْرِبُ.

والزُّلَفُ: جَمْعُ زُلْفَةٍ مِثْلَ غُرْفَةٍ وغُرَفٍ، وهي السّاعَةُ القَرِيبَةُ مِن أُخْتِها، فَعُلِمَ أنَّ المَأْمُورَ إيقاعُ الصَّلاةِ في زُلَفٍ مِنَ اللَّيْلِ، ولَمّا لَمْ تُعَيَّنِ الصَّلَواتُ المَأْمُورُ بِإقامَتِها في هَذِهِ المُدَّةِ مِنَ الزَّمانِ كانَ ذَلِكَ مُجْمَلًا فَبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ والعَمَلُ المُتَواتِرُ بِخَمْسِ صَلَواتٍ هي الصُّبْحُ والظُّهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ والعِشاءُ، وكانَ ذَلِكَ بَيانًا لِآياتٍ كَثِيرَةٍ في القُرْآنِ كانَتْ مُجْمَلَةً في تَعْيِينِ أوْقاتِ الصَّلَواتِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] .

والمَقْصُودُ أنْ تَكُونَ الصَّلاةُ أوَّلَ أعْمالِ المُسْلِمِ إذا أصْبَحَ وهي صَلاةُ الصُّبْحِ وآخِرَ أعْمالِهِ إذا أمْسى وهي صَلاةُ العِشاءِ لِتَكُونَ السَّيِّئاتُ الحاصِلَةُ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ مَمْحُوَّةً بِالحَسَناتِ الحافَّةِ بِها. وهَذا مُشِيرٌ إلى حِكْمَةِ كَراهَةِ الحَدِيثِ بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ لِلْحَثِّ عَلى الصَّلاةِ وخاصَّةً ما كانَ مِنها في أوْقاتِ تَعَرُّضِ الغَفْلَةِ عَنْها. وقَدْ ثَبَتَ وُجُوبُهُما بِأدِلَّةٍ أُخَرَ ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَقْتَضِي حَصْرَ الوُجُوبِ في المَذْكُورِ فِيها.

صفحة ١٨٠

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ مَسُوقَةٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلَواتِ، وتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ إنَّ لِلِاهْتِمامِ وتَحْقِيقِ الخَبَرِ. و(إنَّ) فِيهِ مُفِيدَةٌ مَعْنى التَّعْلِيلِ والتَّفْرِيعِ، وهَذا التَّعْلِيلُ مُؤْذِنٌ بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، والتَّعْلِيلُ مُشْعِرٌ بِعُمُومِ أصْحابِ الحَسَناتِ لِأنَّ الشَّأْنَ أنْ تَكُونَ العِلَّةُ أعَمَّ مِنَ المَعْلُولِ مَعَ ما يَقْتَضِيهِ تَعْرِيفُ الجَمْعِ بِاللّامِ مِنَ العُمُومِ.

وإذْهابُ السَّيِّئاتِ يَشْمَلُ إذْهابَ وُقُوعِها بِأنْ يَصِيرَ انْسِياقُ النَّفْسِ إلى تَرْكِ السَّيِّئاتِ سَهْلًا وهَيِّنًا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ويَكُونُ هَذا مِن خَصائِصِ الحَسَناتِ كُلِّها. ويَشْمَلُ أيْضًا مَحْوَ إثْمِها إذا وقَعَتْ، ويَكُونُ هَذا مِن خَصائِصِ الحَسَناتِ كُلِّها فَضْلًا مِنَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ الصّالِحِينَ. …

115

وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And be patient, for indeed, Allah does not allow to be lost the reward of those who do good.

صفحة ١٨٢

﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] الآياتِ؛ لِأنَّها سِيقَتْ مَساقَ التَّثْبِيتِ مِن جَرّاءِ تَأْخِيرِ عِقابِ الَّذِينَ كَذَّبُوا.

ومُناسَبَةُ وُقُوعِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ عَقِبَ الأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ والنَّهْيِ عَنِ الرُّكُونِ إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا، أنَّ المَأْمُوراتِ لا تَخْلُو عَنْ مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ ومُخالِفَةٍ لِهَوى كَثِيرٍ مِنَ النُّفُوسِ، فَناسَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالصَّبْرِ بَعْدَ ذَلِكَ لِيَكُونَ الصَّبْرُ عَلى الجَمِيعِ كُلٌّ بِما يُناسِبُهُ.

وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى النَّبِيِّ ﷺ تَنْوِيهٌ بِهِ. والمَقْصُودُ هو وأُمَّتُهُ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ والتَّفْرِيعِ المُقْتَضِي جَمْعَهُما أنَّ الصَّبْرَ مِن حَسَناتِ المُحْسِنِينَ وإلّا لَمّا كانَ لِلتَّفْرِيعِ مَوْقِعٌ. وحَرْفُ التَّأْكِيدِ مَجْلُوبٌ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.

وسُمِّيَ الثَّوابُ أجْرًا لِوُقُوعِهِ جَزاءً عَلى الأعْمالِ ومَوْعُودًا بِهِ فَأشْبَهَ الأجْرَ.

116

فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُو۟لُوا۟ بَقِيَّةٍۢ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَآ أُتْرِفُوا۟ فِيهِ وَكَانُوا۟ مُجْرِمِينَ

So why were there not among the generations before you those of enduring discrimination forbidding corruption on earth - except a few of those We saved from among them? But those who wronged pursued what luxury they were given therein, and they were criminals.

﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾

هَذا قَوِيُّ الِاتِّصالِ بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠٢] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلَيْهِ ويَكُونُ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا دَعا إلَيْهِ الِانْتِقالُ الِاسْتِطْرادِيُّ في مَعانٍ مُتَماسِكَةٍ. والمَعْنى فَهَلّا كانَ في تِلْكَ الأُمَمِ أصْحابُ بَقِيَّةٍ مِن خَيْرٍ فَنَهَوْا قَوْمَهم عَنِ الفَسادِ لَمّا حَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ. وذَلِكَ إرْشادٌ إلى وُجُوبِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. ويَجُوزُ أنْ

صفحة ١٨٣

يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] والآيَةُ تَفْرِيعٌ عَلى الأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ والنَّهْيِ عَنِ الطُّغْيانِ وعَنِ الرُّكُونِ إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا، إذِ المَعْنى: ولا تَكُونُوا كالأُمَمِ مِن قَبِلِكم إذْ عَدِمُوا مَن يَنْهاهم عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ ويَنْهاهم عَنْ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ فَأسْرَفُوا في غَلْوائِهِمْ حَتّى حَلَّ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ إلّا قَلِيلًا مِنهم، فَإنْ تَرَكْتُمْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ كانَ حالُكم كَحالِهِمْ، ولِأجْلِ هَذا المَعْنى أُتِيَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ لِأنَّهُ في مَوْقِعِ التَّفْصِيلِ والتَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] وما عُطِفَ عَلَيْها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّينَهم رَبُّكَ أعْمالَهم فَلَوْلا كانَ مِنهم بَقِيَّةٌ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلى آخِرِهِ، أيْ فاحْذَرُوا أنْ تَكُونُوا كَما كانُوا فَيُصِيبُكم ما أصابَهم، وكُونُوا مُسْتَقِيمِينَ ولا تَطْغَوْا ولا تَرْكَنُوا إلى الظّالِمِينَ وأقِيمُوا الصَّلاةَ، فَغَيَّرَ نَظْمَ الكَلامِ إلى هَذا الأُسْلُوبِ الَّذِي في الآيَةِ لِتَفَنُّنِ فَوائِدِهِ ودَقائِقِهِ واسْتِقْلالِ أغْراضِهِ مَعَ كَوْنِها آيِلَةً إلى غَرَضٍ يُعَمِّمُها. وهَذا مِن أبْدَعِ أسالِيبِ الإعْجازِ الَّذِي هو كَرَدِّ العَجْزِ عَلى الصَّدْرِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ ولا ظُهُورِ قَصْدٍ.

ويَقْرُبُ مِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «ما نَهَيْتُكم عَنْهُ فاجْتَنِبُوهُ وما أمَرْتُكم بِهِ فَأتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ فَإنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كَثْرَةُ مَسائِلِهِمْ واخْتِلافُهم عَلى أنْبِيائِهِمْ» .

ولَوْلا حَرْفُ تَحْضِيضٍ بِمَعْنى هَلّا. وتَحْضِيضُ الفائِتِ لا يُقْصَدُ مِنهُ إلّا تَحْذِيرُ غَيْرِهِ مِن أنْ يَقَعَ فِيما وقَعُوا فِيهِ والعِبْرَةُ بِما أصابَهم.

والقُرُونُ: الأُمَمُ. وتَقَدَّمَ في أوَّلِ الأنْعامِ.

والبَقِيَّةُ: الفَضْلُ والخَيْرُ. وأُطْلِقَ عَلى الفَضْلِ البَقِيَّةُ كِنايَةً غَلَبَتْ فَسارَتْ مَسْرى الأمْثالِ لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ أنَّ صاحِبَهُ لا يُفَرِّطُ فِيهِ.

وبَقِيَّةُ النّاسِ: سادَتُهم وأهْلُ الفَضْلِ مِنهم، قالَ رُوَيْشِدُ بْنُ كَثِيرٍ الطّائِيُّ:

إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأْتِينِي بَقِيَّتُكُـمْ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ مِنكم فَوْتُ

صفحة ١٨٤

ومِن أمْثالِهِمْ ”في الزَّوايا خَبايا وفي الرِّجالِ بَقايا“ . فَمِن هُنالِكَ أُطْلِقَتْ عَلى الفَضْلِ والخَيْرِ في صِفاتِ النّاسِ فَيُقالُ: في فُلانٍ بَقِيَّةٌ، والمَعْنى هُنا: أُولُو فَضْلٍ ودِينٍ وعِلْمٍ بِالشَّرِيعَةِ، فَلَيْسَ المُرادُ الرُّسُلَ ولَكِنْ أُرِيدَ أتْباعُ الرُّسُلِ وحَمَلَةُ الشَّرائِعِ يَنْهَوْنَ قَوْمَهم عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ.

والفَسادُ: المَعاصِي واخْتِلالُ الأحْوالِ، فَنَهْيُهم يَرْدَعُهم عَنِ الِاسْتِهْتارِ في المَعاصِي فَتَصْلُحُ أحْوالُهم فَلا يَحِقُّ …

117

وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ

And your Lord would not have destroyed the cities unjustly while their people were reformers.

﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ [هود: ١١٦] لِما يُؤْذِنُ بِهِ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها مِن تَعَرُّضِ المُجْرِمِينَ لِحُلُولِ العِقابِ بِهِمْ بِناءً عَلى وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ والإجْرامِ، فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّ نُزُولَ العَذابِ مِمَّنْ نَزَلَ بِهِ مِنهم لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ - تَعالى - ولَكِنَّهم جَرُّوا لِأنْفُسِهِمُ الهَلاكَ بِما أفْسَدُوا في الأرْضِ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ.

وصِيغَةُ ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ﴾ تَدُلُّ عَلى قُوَّةِ انْتِفاءِ الفِعْلِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] الآيَةَ في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ: ﴿قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] في آخِرِ العُقُودِ فارْجِعْ إلى ذَيْنِكَ المَوْضِعَيْنِ.

والمُرادُ بِـ (القُرى) أهْلُها، عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] .

والباءُ في بِظُلْمٍ لِلْمُلابَسَةِ، وهي في مَحَلِّ الحالِ مِن رَبُّكَ أيْ لَمّا يُهْلِكِ النّاسَ إهْلاكًا مُتَلَبِّسًا بِظُلْمٍ.

وجُمْلَةُ ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ حالٌ مِنَ القُرى أيْ لا يَقَعُ إهْلاكُ اللَّهِ ظالِمًا لِقَوْمٍ مُصْلِحِينَ.

صفحة ١٨٧

والمُصْلِحُونَ مُقابِلُ المُفْسِدِينَ في قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ [هود: ١١٦] وقَوْلِهِ ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦]، فاللَّهُ - تَعالى - لا يُهْلِكُ قَوْمًا ظالِمًا لَهم ولَكِنْ يُهْلِكُ قَوْمًا ظالِمِينَ أنْفُسَهم. قالَ - تَعالى: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]

والمُرادُ: الإهْلاكُ العاجِلُ الحالُّ بِهِمْ في غَيْرِ وقْتِ حُلُولِ أمْثالِهِ دُونَ الإهْلاكِ المَكْتُوبِ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ وهو فَناءُ أُمَّةٍ وقِيامُ أُخْرى في مُدَدٍ مَعْلُومَةٍ حَسَبَ سُنَنٍ مَعْلُومَةٍ.

118

وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ

And if your Lord had willed, He could have made mankind one community; but they will not cease to differ.

﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهم وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لِأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾

لَمّا كانَ النَّعْيُ عَلى الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يَقَعْ فِيهِمْ مَن يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ فاتَّبَعُوا الإجْرامَ، وكانَ الإخْبارُ عَنْ إهْلاكِهِمْ بِأنَّهُ لَيْسَ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ وأنَّهم لَوْ كانُوا مُصْلِحِينَ لَما أُهْلِكُوا، لَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ قَدْ يُثِيرُ تَوَهُّمَ أنَّ تَعاصِيَ الأُمَمِ عَمّا أرادَ اللَّهُ مِنهم خُرُوجٌ عَنْ قَبْضَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِما يَرْفَعُ هَذا التَّوَهُّمَ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ أنْ يَجْعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً مُتَّفِقَةً عَلى الحَقِّ مُسْتَمِرَّةً عَلَيْهِ كَما أمَرَهم أنْ يَكُونُوا.

ولَكِنَّ الحِكْمَةَ الَّتِي أُقِيمَ عَلَيْها نِظامُ هَذا العالَمِ اقْتَضَتْ أنْ يَكُونَ نِظامُ عُقُولِ البَشَرِ قابِلًا لِلتَّطَوُّحِ بِهِمْ في مَسْلَكِ الضَّلالَةِ أوْ في مَسْلَكِ الهُدى عَلى مَبْلَغِ اسْتِقامَةِ التَّفْكِيرِ والنَّظَرِ، والسَّلامَةُ مِن حُجُبِ الضَّلالَةِ، وأنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَمّا خَلَقَ العُقُولَ صالِحَةً لِذَلِكَ جَعَلَ مِنها قَبُولَ الحَقِّ بِحَسَبِ الفِطْرَةِ الَّتِي هي سَلامَةُ العُقُولِ مِن عَوارِضِ الجَهالَةِ والضَّلالِ وهي الفِطْرَةُ الكامِلَةُ المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]

صفحة ١٨٨

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في سُورَةِ البَقَرَةِ. لَمْ يَدَّخِرْهم إرْشادًا أوْ نُصْحًا بِواسِطَةِ الرُّسُلِ ودُعاةِ الخَيْرِ ومُلَقِّنِيهِ مِن أتْباعِ الرُّسُلِ، وهم أُولُو البَقِيَّةِ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ، فَمِنَ النّاسِ مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ولَوْ شاءَ لَخَلَقَ العُقُولَ البَشَرِيَّةِ عَلى إلْهامٍ مُتَّحِدٍ لا تَعْدُوهُ كَما خَلَقَ إدْراكَ الحَيَواناتِ العُجْمِ عَلى نِظامٍ لا تَتَخَطّاهُ مِن أوَّلِ النَّشْأةِ إلى انْقِضاءِ العالَمِ، فَنَجِدُ حالَ البَعِيرِ والشّاةِ في زَمَنِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَحالِهِما في زَمانِنا هَذا، وكَذَلِكَ يَكُونُ إلى انْقِراضِ العالَمِ، فَلا شَكَّ أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ اقْتَضَتْ هَذا النِّظامَ في العَقْلِ الإنْسانِيِّ لِأنَّ ذَلِكَ أوْفى بِإقامَةِ مُرادِ اللَّهِ - تَعالى - مِن مَساعِي البَشَرِ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا الزّائِلَةِ المَخْلُوطَةِ، لِيَنْتَقِلُوا مِنها إلى عالَمِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ الخالِصَةِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَلَوْ خُلِقَ الإنْسانُ كَذَلِكَ لَما كانَ العَمَلُ الصّالِحُ مُقْتَضِيًا ثَوابَ النَّعِيمِ ولا كانَ الفَسادُ مُقْتَضِيًا عِقابَ الجَحِيمِ، فَلا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ البَشَرَ عَلى نِظامٍ مِن شَأْنِهِ طَرَيانُ الِاخْتِلافِ بَيْنَهم في الأُمُورِ، ومِنها أمْرُ الصَّلاحِ والفَسادِ في الأرْضِ وهو أهَمُّها وأعْظَمُها لِيَتَفاوَتَ النّاسُ في مَدارِجِ الِارْتِقاءِ ويَسْمُوا إلى مَراتِبِ الزُّلْفى فَتَتَمَيَّزُ أفْرادُ هَذا النَّوْعِ في كُلِّ أنْحاءِ الحَياةِ حَتّى يُعَدَّ الواحِدُ بِألْفٍ ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧] .

وهَذا وجْهُ مُناسِبَةِ عَطْفِ جُمْلَةِ ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ عَلى جُمْلَتَيْ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ .

ومَفْعُولُ فِعْلِ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ ما يُساوِي مَضْمُونَ جَوابِ الشَّرْطِ فَحُذِفَ إيجازًا. والتَّقْدِيرُ: ولَوْ شاءَ رَبُّكَ أنْ …

119

إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ

Except whom your Lord has given mercy, and for that He created them. But the word of your Lord is to be fulfilled that, "I will surely fill Hell with jinn and men all together."

﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهم وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لِأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾

لَمّا كانَ النَّعْيُ عَلى الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يَقَعْ فِيهِمْ مَن يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ فاتَّبَعُوا الإجْرامَ، وكانَ الإخْبارُ عَنْ إهْلاكِهِمْ بِأنَّهُ لَيْسَ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ وأنَّهم لَوْ كانُوا مُصْلِحِينَ لَما أُهْلِكُوا، لَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ قَدْ يُثِيرُ تَوَهُّمَ أنَّ تَعاصِيَ الأُمَمِ عَمّا أرادَ اللَّهُ مِنهم خُرُوجٌ عَنْ قَبْضَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِما يَرْفَعُ هَذا التَّوَهُّمَ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ أنْ يَجْعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً مُتَّفِقَةً عَلى الحَقِّ مُسْتَمِرَّةً عَلَيْهِ كَما أمَرَهم أنْ يَكُونُوا.

ولَكِنَّ الحِكْمَةَ الَّتِي أُقِيمَ عَلَيْها نِظامُ هَذا العالَمِ اقْتَضَتْ أنْ يَكُونَ نِظامُ عُقُولِ البَشَرِ قابِلًا لِلتَّطَوُّحِ بِهِمْ في مَسْلَكِ الضَّلالَةِ أوْ في مَسْلَكِ الهُدى عَلى مَبْلَغِ اسْتِقامَةِ التَّفْكِيرِ والنَّظَرِ، والسَّلامَةُ مِن حُجُبِ الضَّلالَةِ، وأنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَمّا خَلَقَ العُقُولَ صالِحَةً لِذَلِكَ جَعَلَ مِنها قَبُولَ الحَقِّ بِحَسَبِ الفِطْرَةِ الَّتِي هي سَلامَةُ العُقُولِ مِن عَوارِضِ الجَهالَةِ والضَّلالِ وهي الفِطْرَةُ الكامِلَةُ المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]

صفحة ١٨٨

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في سُورَةِ البَقَرَةِ. لَمْ يَدَّخِرْهم إرْشادًا أوْ نُصْحًا بِواسِطَةِ الرُّسُلِ ودُعاةِ الخَيْرِ ومُلَقِّنِيهِ مِن أتْباعِ الرُّسُلِ، وهم أُولُو البَقِيَّةِ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ، فَمِنَ النّاسِ مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ولَوْ شاءَ لَخَلَقَ العُقُولَ البَشَرِيَّةِ عَلى إلْهامٍ مُتَّحِدٍ لا تَعْدُوهُ كَما خَلَقَ إدْراكَ الحَيَواناتِ العُجْمِ عَلى نِظامٍ لا تَتَخَطّاهُ مِن أوَّلِ النَّشْأةِ إلى انْقِضاءِ العالَمِ، فَنَجِدُ حالَ البَعِيرِ والشّاةِ في زَمَنِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَحالِهِما في زَمانِنا هَذا، وكَذَلِكَ يَكُونُ إلى انْقِراضِ العالَمِ، فَلا شَكَّ أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ اقْتَضَتْ هَذا النِّظامَ في العَقْلِ الإنْسانِيِّ لِأنَّ ذَلِكَ أوْفى بِإقامَةِ مُرادِ اللَّهِ - تَعالى - مِن مَساعِي البَشَرِ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا الزّائِلَةِ المَخْلُوطَةِ، لِيَنْتَقِلُوا مِنها إلى عالَمِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ الخالِصَةِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَلَوْ خُلِقَ الإنْسانُ كَذَلِكَ لَما كانَ العَمَلُ الصّالِحُ مُقْتَضِيًا ثَوابَ النَّعِيمِ ولا كانَ الفَسادُ مُقْتَضِيًا عِقابَ الجَحِيمِ، فَلا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ البَشَرَ عَلى نِظامٍ مِن شَأْنِهِ طَرَيانُ الِاخْتِلافِ بَيْنَهم في الأُمُورِ، ومِنها أمْرُ الصَّلاحِ والفَسادِ في الأرْضِ وهو أهَمُّها وأعْظَمُها لِيَتَفاوَتَ النّاسُ في مَدارِجِ الِارْتِقاءِ ويَسْمُوا إلى مَراتِبِ الزُّلْفى فَتَتَمَيَّزُ أفْرادُ هَذا النَّوْعِ في كُلِّ أنْحاءِ الحَياةِ حَتّى يُعَدَّ الواحِدُ بِألْفٍ ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧] .

وهَذا وجْهُ مُناسِبَةِ عَطْفِ جُمْلَةِ ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ عَلى جُمْلَتَيْ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ .

ومَفْعُولُ فِعْلِ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ ما يُساوِي مَضْمُونَ جَوابِ الشَّرْطِ فَحُذِفَ إيجازًا. والتَّقْدِيرُ: ولَوْ شاءَ رَبُّكَ أنْ …

120

وَكُلًّۭا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌۭ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ

And each [story] We relate to you from the news of the messengers is that by which We make firm your heart. And there has come to you, in this, the truth and an instruction and a reminder for the believers.

﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هَذا تَذْيِيلٌ وحَوْصَلَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن أنْباءِ القُرى وأنْباءِ الرُّسُلِ.

فَجُمْلَةُ ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ إلى آخِرِها عَطْفُ الإخْبارِ عَلى الإخْبارِ والقِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الواوَ اعْتِراضِيَّةً أوِ اسْتِئْنافِيَّةً. وهَذا تَهْيِئَةٌ لِاخْتِتامِ السُّورَةِ وفَذْلَكَةٌ لِما سِيقَ فِيها مِنَ القَصَصِ والمَواعِظِ.

وانْتَصَبَ كُلًّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ نَقُصُّ. وتَقْدِيمُهُ عَلى فِعْلِهِ لِلِاهْتِمامِ ولِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ لِيَأْتِيَ بَيانُهُ بَعْدَهُ فَيَكُونُ أرْسَخَ في ذِهْنِ السّامِعِ.

وتَنْوِينُ كُلًّا تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ المُبَيَّنِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ . فالتَّقْدِيرُ: وكُلُّ نَبَأٍ عَنِ الرُّسُلِ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بَيانٌ لِلتَّنْوِينِ الَّذِي لَحِقَ كُلًّا. و﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بَدَلٌ مِن كُلًّا.

والقَصَصُ يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] في أوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ.

والتَّثْبِيتُ: حَقِيقَتُهُ التَّسْكِينُ في المَكانِ بِحَيْثُ يَنْتَفِي الِاضْطِرابُ والتَّزَلْزُلُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ:

صفحة ١٩٢

﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] في سُورَةِ الأنْفالِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلتَّقْرِيرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] .

والفُؤادُ: أُطْلِقَ عَلى الإدْراكِ كَما هو الشّائِعُ في كَلامِ العَرَبِ.

وتَثْبِيتُ فُؤادِ الرَّسُولِ ﷺ زِيادَةُ يَقِينِهِ ومَعْلُوماتِهِ بِما وعَدَهُ اللَّهُ لِأنَّ كُلَّ ما يُعادُ ذِكْرُهُ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ وأحْوالِ أُمَمِهِمْ مَعَهم يَزِيدُهُ تَذَكُّرًا وعِلْمًا بِأنَّ حالَهُ جارٍ عَلى سُنَنِ الأنْبِياءِ وازْدادَ تَذَكُّرًا بِأنَّ عاقِبَتَهُ النَّصْرُ عَلى أعْدائِهِ، وتَجَدُّدُ تَسْلِيَةٍ عَلى ما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ وذَلِكَ يَزِيدُهُ صَبْرًا. والصَّبْرُ: تَثْبِيتُ الفُؤادِ.

وأنَّ تَماثُلَ أحْوالِ الأُمَمِ تِلْقاءَ دَعْوَةِ أنْبِيائِها مَعَ اخْتِلافِ العُصُورِ يَزِيدُهُ عِلْمًا بِأنَّ مَراتِبَ العُقُولِ البَشَرِيَّةِ مُتَفاوِتَةٌ، وأنَّ قَبُولَ الهُدى هو مُنْتَهى ارْتِقاءِ العَقْلِ، فَيَعْلَمُ أنَّ الِاخْتِلافَ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ في البَشَرِ، وأنَّ المُصارَعَةَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ شَأْنٌ قَدِيمٌ، وهي مِنَ النَّوامِيسِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْها النِّظامُ البَشَرِيُّ، فَلا يُحْزِنُهُ مُخالَفَةُ قَوْمِهِ عَلَيْهِ، ويَزِيدُهُ عِلْمًا بِسُمُوِّ أتْباعِهِ الَّذِينَ قَبِلُوا هُداهُ، واعْتَصَمُوا مِن دِينِهِ بِعُراهُ، فَجاءَهُ في مِثْلِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واخْتِلافِ أهْلِ الكِتابِ فِيهِ بَيانُ الحَقِّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ فَلا يَقَعُوا فِيما وقَعَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ.

والإشارَةُ مِن قَوْلِهِ: في هَذِهِ قِيلَ إلى السُّورَةِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كانَتْ أوْفى بِأنْباءِ الرُّسُلِ مِنَ السُّوَرِ النّازِلَةِ قَبْلَها وبِهَذا يَجْرِي عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ يُونُسَ. والأظْهَرُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها وهي ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.