قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ .
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ”ذَلِكَ“ فَقِيلَ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾، وَلِلرَّحْمَةِ ”خَلَقَهم“، والتَّحْقِيقُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو اخْتِلافُهم إلى شَقِيٌّ وسَعِيدٍ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ولِذَلِكَ الِاخْتِلافِ خَلَقَهم فَخَلَقَ فَرِيقًا لِلْجَنَّةِ وفَرِيقًا لِلسَّعِيرِ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٧٩]، وأخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحِيهِما مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهِ المَلَكَ فَيُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ: فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وأجَلَهُ وعَمَلَهُ وشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ»، ورَوى مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «يا عائِشَةُ ! إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الجَنَّةَ وخَلَقَ لَها أهْلًا، وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ، وخَلَقَ النّارَ وخَلَقَ لَها أهْلًا وهم في أصْلابِ آبائِهِمْ» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقادِيرَ الخَلْقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» .
وَإذا تَقَرَّرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ خَلَقَهم لِسَعادَةِ بَعْضٍ وشَقاوَةِ بَعْضٍ، كَما قالَ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] فَلا يَخْفى ظُهُورُ التَّعارُضِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
والجَوابُ عَنْ هَذا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: ونَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وسُفْيانَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أيْ يَعْبُدُنِي السُّعَداءُ مِنهم ويَعْصِينِي الأشْقِياءُ، فالحِكْمَةُ المَقْصُودَةُ مِن إيجادِ الخَلْقِ الَّتِي هي عِبادَةُ اللَّهِ حاصِلَةٌ بِفِعْلِ السُّعَداءِ مِنهم، كَما أشارَ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] .
وَغايَةُ ما يَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّهُ أطْلَقَ المَجْمُوعَ وأرادَ بَعْضَهم، وقَدْ بَيَّنّا أمْثالَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي أُطْلِقَ فِيها المَجْمُوعُ مُرادًا بَعْضُهُ في سُورَةِ ”الأنْفالِ“ .
الوَجْهُ الثّانِي: هو ما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أيْ إلّا لِيُقِرُّوا إلَيَّ بِالعُبُودِيَّةِ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، لِأنَّ المُؤْمِنَ يُطِيعُ بِاخْتِيارِهِ، والكافِرَ مُذْعِنٌ مُنْقادٌ لِقَضاءِ رَبِّهِ جَبْرًا عَلَيْهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: ويَظْهَرُ لِي أنَّهُ هو الحَقُّ، لِدَلالَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، أنَّ الإرادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ إرادَةٌ كَوْنِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ، والإرادَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إرادَةٌ شَرْعِيَّةٌ دِينِيَّةٌ، فَبَيَّنَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ …