Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 111–120 of 123

111

وَإِنَّ كُلًّۭا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَٰلَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

And indeed, each [of the believers and disbelievers] - your Lord will fully compensate them for their deeds. Indeed, He is Acquainted with what they do.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ وكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ كَما اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في القُرْآنِ. ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ يَعْنِي كَلِمَةَ الإنْظارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِإنْزالِ ما يَسْتَحِقُّهُ المُبْطِلُ لِيَتَمَيَّزَ بِهِ عَنِ المُحِقِّ. ﴿وَإنَّهُمْ﴾ وإنَّ كُفّارَ قَوْمِكَ. ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ مِنَ القُرْآنِ. ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٌ في الرِّيبَةِ.

﴿وَإنَّ كُلا﴾ وإنَّ كُلَّ المُخْتَلِفِينَ المُؤْمِنِينَ مِنهم والكافِرِينَ، والتَّنْوِينُ بَدَلٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ بِالتَّخْفِيفِ مَعَ الإعْمالِ اعْتِبارًا لِلْأصْلِ. ﴿لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ اللّامُ الأُولى مُوَطِّئَةٌ لِقَسَمٍ والثّانِيَةُ لِلتَّأْكِيدِ أوْ بِالعَكْسِ وما مَزِيدَةٌ بَيْنَهُما لِلْفَصْلِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ لَمّا بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّ أصْلَهُ لَمَن ما فَقُلِبَتِ النُّونُ مِيمًا لِلْإدْغامِ، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ مِيماتٍ فَحُذِفَتْ أُولاهُنَّ، والمَعْنى لَمَنِ الَّذِينَ يُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ جَزاءَ أعْمالِهِمْ. وقُرِئَ لَمًّا بِالتَّنْوِينِ أيْ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ: ﴿أكْلا لَمًّا﴾ ﴿وَإنْ كُلٌّ لَمّا﴾ عَلى أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ و ﴿لَمّا﴾ بِمَعْنى إلّا وقَدْ قُرِئَ بِهِ. ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فَلا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنهُ وإنْ خَفِيَ.

112

فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

So remain on a right course as you have been commanded, [you] and those who have turned back with you [to Allah], and do not transgress. Indeed, He is Seeing of what you do.

﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ لَمّا بَيَّنَ أمْرَ المُخْتَلِفِينَ في التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وأطْنَبَ في شَرْحِ الوَعْدِ والوَعِيدِ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِالِاسْتِقامَةِ مِثْلَ ما أُمِرَ بِها وهي شامِلَةٌ لِلِاسْتِقامَةِ في العَقائِدِ كالتَّوَسُّطِ بَيْنَ التَّشْبِيهِ والتَّعْطِيلِ بِحَيْثُ يَبْقى العَقْلُ مَصُونًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ، والأعْمالِ مِن تَبْلِيغِ الوَحْيِ وبَيانِ الشَّرائِعِ كَما أُنْزِلَ، والقِيامِ بِوَظائِفِ العِباداتِ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ وإفْراطٍ مُفَوِّتٍ لِلْحُقُوقِ ونَحْوِها وهي في غايَةِ العُسْرِ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «شَيَّبَتْنِي هُودٌ» .

﴿وَمَن تابَ مَعَكَ﴾ أيْ تابَ مِنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ وآمَنَ مَعَكَ، وهو عَطْفٌ عَلى المُسْتَكِنِّ في اسْتَقِمْ وإنْ لَمْ يُؤَكَّدْ بِمُنْفَصِلٍ لِقِيامِ الفاصِلِ مَقامَهُ. ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ ولا تَخْرُجُوا عَمّا حُدَّ لَكم. ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَهو مُجازِيكم عَلَيْهِ، وهو في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِ النُّصُوصِ مِن غَيْرِ تَصَرُّفٍ وانْحِرافٍ بِنَحْوِ قِياسٍ واسْتِحْسانٍ.

113

وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ

And do not incline toward those who do wrong, lest you be touched by the Fire, and you would not have other than Allah any protectors; then you would not be helped.

﴿وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولا تَمِيلُوا إلَيْهِمْ أدْنى مَيْلٍ فَإنَّ الرُّكُونَ هو المَيْلُ اليَسِيرُ كالتَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ وتَعْظِيمِ ذِكْرِهِمْ واسْتَدامَتِهِ. ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بِرُكُونِكم إلَيْهِمْ وإذا كانَ الرُّكُونُ إلى مَن وُجِدَ مِنهُ ما يُسَمّى ظُلْمًا كَذَلِكَ فَما ظَنُّكَ بِالرُّكُونِ إلى الظّالِمِينَ أيِ المَوْسُومِينَ بِالظُّلْمِ، ثُمَّ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ كُلَّ المَيْلِ، ثُمَّ بِالظُّلْمِ نَفْسِهِ والِانْهِماكِ فِيهِ، ولَعَلَّ الآيَةَ أبْلَغُ ما يُتَصَوَّرُ في النَّهْيِ عَنِ الظُّلْمِ والتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ، وخِطابُ الرَّسُولِ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِها لِلتَّثْبِيتِ عَلى الِاسْتِقامَةِ الَّتِي هي العَدْلُ، فَإنَّ الزَّوالَ عَنْها بِالمَيْلِ إلى أحَدِ طَرَفَيْ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ فَإنَّهُ ظُلْمٌ عَلى نَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ بَلْ ظُلْمٌ في نَفْسِهِ. وقُرِئَ « تِرْكَنُوا» « فَتِمَسَّكُمُ» بِكَسْرِ التّاءِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ و « تُرْكَنُوا» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أرْكَنُهُ. ﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ مِن أنْصارٍ يَمْنَعُونَ العَذابَ عَنْكم والواوُ لِلْحالِ. ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أيْ ثُمَّ لا يَنْصُرُكُمُ اللَّهُ إذْ سَبَقَ في حُكْمِهِ أنْ يُعَذِّبَكم ولا يُبْقِيَ عَلَيْكم، وثُمَّ لِاسْتِبْعادِ نَصْرِهِ إيّاهم وقَدْ أوْعَدَهم بِالعَذابِ عَلَيْهِ وأوْجَبَهُ لَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ الفاءِ لِمَعْنى الِاسْتِبْعادِ، فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهم وأنَّ غَيْرَهُ لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِهِمْ أنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهم لا يُنْصَرُونَ أصْلًا.

114

وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ

And establish prayer at the two ends of the day and at the approach of the night. Indeed, good deeds do away with misdeeds. That is a reminder for those who remember.

﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ غُدْوَةً وعَشِيَّةً وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ. ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وساعاتٍ مِنهُ قَرِيبَةً مِنَ النَّهارِ، فَإنَّهُ مِن أزْلَفَهُ إذا قَرَّبَهُ وهو جَمْعُ زُلْفَةٍ، وصَلاةُ الغَداةِ صَلاةُ الصُّبْحِ لِأنَّها أقْرَبُ الصَّلاةِ مِن أوَّلِ النَّهارِ، وصَلاةُ العَشِيَّةِ صَلاةُ العَصْرِ، وقِيلَ الظُّهْرُ والعَصْرُ لِأنَّ ما بَعْدَ الزَّوالِ عَشِيٌّ وصَلاةُ الزُّلَفِ المَغْرِبُ والعِشاءُ. وقُرِئَ « زُلُفًا» بِضَمَّتَيْنِ وضَمَّةٍ وسُكُونٍ كَبُسُرٍ وبُسْرٍ في بُسْرَةٍ و « زُلْفى» بِمَعْنى زِلْفَةٍ كَقُرْبِي وقِرْبَةٍ. ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ يُكَفِّرْنَها.

(وَفِي الحَدِيثِ «إنَّ الصَّلاةَ إلى الصَّلاةِ كَفّارَةُ ما بَيْنَهُما ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» وفي سَبَبِ النُّزُولِ «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ إنِّي قَدْ أصَبْتُ مِنَ امْرَأةٍ غَيْرَ أنِّي لَمْ آتِها فَنَزَلَتْ» .

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿فاسْتَقِمْ﴾ وما بَعْدَهُ وقِيلَ إلى القُرْآنِ. ﴿ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ عِظَةٌ لِلْمُتَّعِظِينَ.

﴿واصْبِرْ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي. ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عُدُولٌ عَنِ الضَّمِيرِ لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ ودَلِيلًا عَلى أنَّ الصَّلاةَ والصَّبْرَ إحْسانٌ وإيماءٌ بِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِما دُونَ الإخْلاصِ.

115

وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And be patient, for indeed, Allah does not allow to be lost the reward of those who do good.

﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ غُدْوَةً وعَشِيَّةً وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ. ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وساعاتٍ مِنهُ قَرِيبَةً مِنَ النَّهارِ، فَإنَّهُ مِن أزْلَفَهُ إذا قَرَّبَهُ وهو جَمْعُ زُلْفَةٍ، وصَلاةُ الغَداةِ صَلاةُ الصُّبْحِ لِأنَّها أقْرَبُ الصَّلاةِ مِن أوَّلِ النَّهارِ، وصَلاةُ العَشِيَّةِ صَلاةُ العَصْرِ، وقِيلَ الظُّهْرُ والعَصْرُ لِأنَّ ما بَعْدَ الزَّوالِ عَشِيٌّ وصَلاةُ الزُّلَفِ المَغْرِبُ والعِشاءُ. وقُرِئَ « زُلُفًا» بِضَمَّتَيْنِ وضَمَّةٍ وسُكُونٍ كَبُسُرٍ وبُسْرٍ في بُسْرَةٍ و « زُلْفى» بِمَعْنى زِلْفَةٍ كَقُرْبِي وقِرْبَةٍ. ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ يُكَفِّرْنَها.

(وَفِي الحَدِيثِ «إنَّ الصَّلاةَ إلى الصَّلاةِ كَفّارَةُ ما بَيْنَهُما ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» وفي سَبَبِ النُّزُولِ «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ إنِّي قَدْ أصَبْتُ مِنَ امْرَأةٍ غَيْرَ أنِّي لَمْ آتِها فَنَزَلَتْ» .

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿فاسْتَقِمْ﴾ وما بَعْدَهُ وقِيلَ إلى القُرْآنِ. ﴿ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ عِظَةٌ لِلْمُتَّعِظِينَ.

﴿واصْبِرْ﴾ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي. ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عُدُولٌ عَنِ الضَّمِيرِ لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ ودَلِيلًا عَلى أنَّ الصَّلاةَ والصَّبْرَ إحْسانٌ وإيماءٌ بِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِما دُونَ الإخْلاصِ.

116

فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُو۟لُوا۟ بَقِيَّةٍۢ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَآ أُتْرِفُوا۟ فِيهِ وَكَانُوا۟ مُجْرِمِينَ

So why were there not among the generations before you those of enduring discrimination forbidding corruption on earth - except a few of those We saved from among them? But those who wronged pursued what luxury they were given therein, and they were criminals.

﴿فَلَوْلا كانَ﴾ فَهَلّا كانَ. ﴿مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والعَقْلِ، أوْ أُولُو فَضْلٍ وإنَّما سُمِّيَ ﴿بَقِيَّةٍ﴾ لِأنَّ الرَّجُلَ يَسْتَبْقِي أفْضَلَ ما يُخْرِجُهُ، ومِنهُ يُقالُ فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ القَوْمِ أيْ مِن خِيارِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالتَّقِيَّةِ أيْ ذَوُو إبْقاءٍ عَلى أنْفُسِهِمْ وصِيانَةٍ لَها مِنَ العَذابِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ « بَقْيَةٍ» وهي المَرَّةُ مِن مَصْدَرِ بَقاهُ يُبْقِيهِ إذا راقَبَهُ. ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ لَكِنَّ قَلِيلًا مِنهم أنْجَيْناهم لِأنَّهم كانُوا كَذَلِكَ، ولا يَصِحُّ اتِّصالُهُ إلّا إذا جُعِلَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّفْيِ اللّازِمِ لِلتَّحْضِيضِ. ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ ما أُنْعِمُوا فِيهِ مِنَ الشَّهَواتِ واهْتَمُّوا بِتَحْصِيلِ أسْبابِها وأعْرَضُوا عَمّا وراءَ ذَلِكَ. ﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ كافِرِينَ كَأنَّهُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ ما كانَ السَّبَبُ لِاسْتِئْصالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وهو فُشُوُّ الظُّلْمِ فِيهِمْ واتِّباعُهم لِلْهَوى وتَرْكُ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ مَعَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ ﴿واتَّبَعَ﴾ عَلى مَعْطُوفٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ إذا المَعْنى: فَلَمْ يَنْهَوْا عَنِ الفَسادِ واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وكانُوا مُجْرِمِينَ عُطِفَ عَلى (اتَّبَعَ) أوِ اعْتَرَضَ. وقُرِئَ « وأتْبَعَ» أيْ وأتْبَعُوا جَزاءَ ما أُتْرِفُوا فَتَكُونُ الواوُ لِلْحالِ، ويَجُوزُ أنْ تُفَسَّرَ بِهِ المَشْهُورَةُ ويُعَضِّدَهُ تَقَدُّمُ الإنْجاءِ.

﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ بِشِرْكٍ. ﴿وَأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ فِيما بَيْنَهم لا يَضُمُّونَ إلى شِرْكِهِمْ فَسادًا وتَباغِيًا، وذَلِكَ لِفَرْطِ رَحْمَتِهِ ومُسامَحَتِهِ في حُقُوقِهِ ومِن ذَلِكَ قَدَّمَ الفُقَهاءُ عِنْدَ تَزاحُمِ الحُقُوقِ حُقُوقَ العِبادِ. وقِيلَ المُلْكُ يَبْقى مَعَ الشِّرْكِ ولا يَبْقى مَعَ الظُّلْمِ.

117

وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ

And your Lord would not have destroyed the cities unjustly while their people were reformers.

﴿فَلَوْلا كانَ﴾ فَهَلّا كانَ. ﴿مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والعَقْلِ، أوْ أُولُو فَضْلٍ وإنَّما سُمِّيَ ﴿بَقِيَّةٍ﴾ لِأنَّ الرَّجُلَ يَسْتَبْقِي أفْضَلَ ما يُخْرِجُهُ، ومِنهُ يُقالُ فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ القَوْمِ أيْ مِن خِيارِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالتَّقِيَّةِ أيْ ذَوُو إبْقاءٍ عَلى أنْفُسِهِمْ وصِيانَةٍ لَها مِنَ العَذابِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ « بَقْيَةٍ» وهي المَرَّةُ مِن مَصْدَرِ بَقاهُ يُبْقِيهِ إذا راقَبَهُ. ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلا قَلِيلا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ لَكِنَّ قَلِيلًا مِنهم أنْجَيْناهم لِأنَّهم كانُوا كَذَلِكَ، ولا يَصِحُّ اتِّصالُهُ إلّا إذا جُعِلَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّفْيِ اللّازِمِ لِلتَّحْضِيضِ. ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ ما أُنْعِمُوا فِيهِ مِنَ الشَّهَواتِ واهْتَمُّوا بِتَحْصِيلِ أسْبابِها وأعْرَضُوا عَمّا وراءَ ذَلِكَ. ﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ كافِرِينَ كَأنَّهُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ ما كانَ السَّبَبُ لِاسْتِئْصالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وهو فُشُوُّ الظُّلْمِ فِيهِمْ واتِّباعُهم لِلْهَوى وتَرْكُ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ مَعَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ ﴿واتَّبَعَ﴾ عَلى مَعْطُوفٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ إذا المَعْنى: فَلَمْ يَنْهَوْا عَنِ الفَسادِ واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وكانُوا مُجْرِمِينَ عُطِفَ عَلى (اتَّبَعَ) أوِ اعْتَرَضَ. وقُرِئَ « وأتْبَعَ» أيْ وأتْبَعُوا جَزاءَ ما أُتْرِفُوا فَتَكُونُ الواوُ لِلْحالِ، ويَجُوزُ أنْ تُفَسَّرَ بِهِ المَشْهُورَةُ ويُعَضِّدَهُ تَقَدُّمُ الإنْجاءِ.

﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ بِشِرْكٍ. ﴿وَأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ فِيما بَيْنَهم لا يَضُمُّونَ إلى شِرْكِهِمْ فَسادًا وتَباغِيًا، وذَلِكَ لِفَرْطِ رَحْمَتِهِ ومُسامَحَتِهِ في حُقُوقِهِ ومِن ذَلِكَ قَدَّمَ الفُقَهاءُ عِنْدَ تَزاحُمِ الحُقُوقِ حُقُوقَ العِبادِ. وقِيلَ المُلْكُ يَبْقى مَعَ الشِّرْكِ ولا يَبْقى مَعَ الظُّلْمِ.

118

وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ

And if your Lord had willed, He could have made mankind one community; but they will not cease to differ.

﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُسْلِمِينَ كُلَّهم، وهو دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ الإرادَةِ وأنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدِ الإيمانَ مِن كُلِّ أحَدٍ وأنَّ ما أرادَهُ يَجِبُ وُقُوعُهُ. ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ بَعْضُهم عَلى الحَقِّ وبَعْضُهم عَلى الباطِلِ لا تَكادُ تَجِدُ اثْنَيْنِ يَتَّفِقانِ مُطْلَقًا.

﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ إلّا ناسًا هَداهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فاتَّفِقُوا عَلى ما هو أُصُولُ دِينِ الحَقِّ والعُمْدَةُ فِيهِ.

﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِـ ﴿النّاسُ﴾ فالإشارَةُ إلى الِاخْتِلافِ، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ أوْ إلَيْهِ وإلى الرَّحْمَةِ، وإنْ كانَ لِمَن فَإلى الرَّحْمَةِ. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وعِيدٌ أوْ قَوْلُهُ لِلْمَلائِكَةِ. ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ أيْ مِن عُصاتِهِما ﴿أجْمَعِينَ﴾ أوْ مِنهُما أجْمَعِينَ لا مِن أحَدِهِما.

119

إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ

Except whom your Lord has given mercy, and for that He created them. But the word of your Lord is to be fulfilled that, "I will surely fill Hell with jinn and men all together."

﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُسْلِمِينَ كُلَّهم، وهو دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ الإرادَةِ وأنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدِ الإيمانَ مِن كُلِّ أحَدٍ وأنَّ ما أرادَهُ يَجِبُ وُقُوعُهُ. ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ بَعْضُهم عَلى الحَقِّ وبَعْضُهم عَلى الباطِلِ لا تَكادُ تَجِدُ اثْنَيْنِ يَتَّفِقانِ مُطْلَقًا.

﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ إلّا ناسًا هَداهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فاتَّفِقُوا عَلى ما هو أُصُولُ دِينِ الحَقِّ والعُمْدَةُ فِيهِ.

﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِـ ﴿النّاسُ﴾ فالإشارَةُ إلى الِاخْتِلافِ، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ أوْ إلَيْهِ وإلى الرَّحْمَةِ، وإنْ كانَ لِمَن فَإلى الرَّحْمَةِ. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وعِيدٌ أوْ قَوْلُهُ لِلْمَلائِكَةِ. ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ أيْ مِن عُصاتِهِما ﴿أجْمَعِينَ﴾ أوْ مِنهُما أجْمَعِينَ لا مِن أحَدِهِما.

120

وَكُلًّۭا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌۭ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ

And each [story] We relate to you from the news of the messengers is that by which We make firm your heart. And there has come to you, in this, the truth and an instruction and a reminder for the believers.

﴿وَكُلا﴾ وكُلَّ نَبَأٍ. ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ نُخْبِرُكَ بِهِ. ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بَيانٌ لِكُلًّا أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى المَقْصُودِ مِنَ الِاقْتِصاصِ وهو زِيادَةُ يَقِينِهِ وطُمَأْنِينَةُ قَلْبِهِ وثَباتُ نَفْسِهِ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ واحْتِمالِ أذى الكُفّارِ، أوْ مَفْعُولٌ ﴿وَكُلا﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ بِمَعْنى كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الِاقْتِصاصِ نَقُصُّ عَلَيْكَ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ. ﴿وَجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السُّورَةِ أوِ الأنْباءِ المُقْتَصَّةِ عَلَيْكَ. ﴿الحَقُّ﴾ ما هو حَقٌّ. ﴿وَمَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى سائِرِ فَوائِدِهِ العامَّةِ.

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.