Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 111–120 of 123

111

وَإِنَّ كُلًّۭا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَٰلَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ

And indeed, each [of the believers and disbelievers] - your Lord will fully compensate them for their deeds. Indeed, He is Acquainted with what they do.

﴿وَإنَّ كُلا﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: وإنْ كُلُّ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ المُؤْمِنِينَ مِنهم والكافِرِينَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ بِالتَّخْفِيفِ مَعَ الإعْمالِ اعْتِبارًا لِلْأصْلِ ﴿لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أجْزِيَةَ أعْمالِهِمْ، واللّامُ الأُولى مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ، والثّانِيَةُ جَوابٌ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ، ولَمّا مُرَكَّبَةٌ مِنَ الجارَّةِ وما المَوْصُولَةِ أوِ المَوْصُوفَةِ، وأصْلُها لَمِن فَقُلِبَتِ النُّونُ مِيمًا لِلْإدْغامِ فاجْتَمَعَ ثَلاثُ مِيماتٍ، فَحُذِفَتْ أُولاهُنَّ، والمَعْنى لَمِنَ الَّذِي، أوْ لَمِن خَلْقٍ، أوْ لَمِن فَرِيقٍ واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ، وقُرِئَ (لَما) بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ ما مَزِيدَةٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ اللّامَيْنِ، والمَعْنى: وإنَّ جَمِيعَهم واللَّهِ (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) الآيَةَ، وقُرِئَ (لَمًّا) بِالتَّنْوِينِ، أيْ: جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أكْلا لَمًّا﴾ وقَرَأ أُبَيٌّ: (وَإنْ كُلٌّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) عَلى أنَّ "إنْ" نافِيَةٌ و"لَمّا" بِمَعْنى: إلّا، وقَدْ قُرِئَ بِهِ.

﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِما يَعْمَلُهُ كُلُّ فَرْدٍ مِنَ المُخْتَلِفِينَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِحَيْثُ لا يَخْفي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن جَلائِلِهِ ودَقائِقِهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِن تَوْفِيَةِ أجْزِيَةِ أعْمالِهِمْ، فَإنَّ الإحاطَةَ بِتَفاصِيلِ أعْمالِ الفَرِيقَيْنِ وما يَسْتَوْجِبُهُ كُلُّ عَمَلٍ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ مِنَ الجَزاءِ المَخْصُوصِ تُوجِبُ تَوْفِيَةَ كُلِّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

112

فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ

So remain on a right course as you have been commanded, [you] and those who have turned back with you [to Allah], and do not transgress. Indeed, He is Seeing of what you do.

﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ لَمّا بُيِّنَ في تَضاعِيفِ القَصَصِ المَحْكِيَّةِ عَنِ الأُمَمِ الماضِيَةِ سُوءُ عاقِبَةِ الكُفْرِ وعِصْيانِ الرُّسُلِ، وأُشِيرَ إلى أنَّ حالَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في الكُفْرِ والضَّلالِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ مِثْلُ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ، وأنَّ نَصِيبَهم مِنَ العَذابِ واصِلٌ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِ نَقْصٍ، وأنَّ تَكْذِيبَهم لِلْقُرْآنِ مِثْلُ تَكْذِيبِ قَوْمِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلتَّوْراةِ، وأنَّهُ لَوْ لَمْ تَسْبِقْ كَلِمَةُ القَضاءِ بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمُ العامَّةِ، ومُؤاخَذَتِهِمُ التّامَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَفُعِلَ بِهِمْ ما فُعِلَ بِآبائِهِمْ مِن قَبْلُ، وأنَّهم يُوَفَّوْنَ نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ يُوَفي جَزاءَ عَمَلِهِ - أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالِاسْتِقامَةِ، كَما أُمِرَ بِهِ في العَقائِدِ والأعْمالِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ المُؤْمِنِينَ، ولا سِيَّما الأعْمالُ الخاصَّةُ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَبْلِيغِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، والقِيامِ بِوَظائِفِ النُّبُوَّةِ، وتَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ، بِحَيْثُ يَدْخُلُ تَحْتَهُ ما أُمِرَ بِهِ فِيما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ" ... الآيَةَ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذا الأمْرُ مُنْتَظِمٌ لِجَمِيعِ مَحاسِنِ الأحْكامِ الأصْلِيَّةِ والفَرْعِيَّةِ والكِمالاتِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، والخُرُوجُ مِن عُهْدَتِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الصُّعُوبَةِ، ولِذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودَ».»

﴿وَمَن تابَ مَعَكَ﴾ أيْ: تابَ مِنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ وشارَكَكَ في الإيمانِ، وهو المَعْنِيُّ بِالمَعِيَّةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى المُسْتَكِنِّ في قَوْلِهِ ﴿فاسْتَقِمْ﴾ وحَسُنَ مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ لِمَكانِ الفاصِلِ القائِمِ مَقامَهُ، وفي الحَقِيقَةِ هو مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، إذِ المَعْنى: ولْيَسْتَقِمْ مَن تابَ مَعَكَ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ، والمَعْنى: اسْتَقِمْ مُصاحِبًا لِمَن تابَ مَعَكَ.

﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ ولا تَنْحَرِفُوا عَمّا حُدَّ لَكم بِإفْراطٍ أوْ تَفْرِيطٍ، فَإنَّ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمٌ، وإنَّما سُمِّي ذَلِكَ طُغْيانًا - وهو تَجاوُزُ الحَدِّ - تَغْلِيظًا، أوْ تَغْلِيبًا لِحالِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ عَلى حالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ، وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ، وفي الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ انْحِرافٍ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ، فَإنَّهُ طُغْيانٌ وضَلالٌ، وأمّا العَمَلُ بِمُقْتَضى الِاجْتِهادِ التّابِعِ لِعِلَلِ النُّصُوصِ فَذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِقامَةِ،كَما أُمِرَ عَلى مُوجِبِ النُّصُوصِ الآمِرَةِ بِالِاجْتِهادِ.

113

وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ

And do not incline toward those who do wrong, lest you be touched by the Fire, and you would not have other than Allah any protectors; then you would not be helped.

﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾ أيْ: لا تَمِيلُوا أدْنى مَيْلٍ ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: إلى الَّذِينَ وُجِدَ مِنهُمُ الظُّلْمُ في الجُمْلَةِ، ومَدارُ النَّهْيِ هو الظُّلْمُ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ جَمْعِيَّةِ المُخاطَبِينَ، وما قِيلَ مِن أنْ ذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ مِن حَيْثُ إنَّ كَوْنَهم جَماعَةً مَظِنَّةُ الرُّخْصَةِ في مُداهَنَتِهِمْ - إنَّما يَتِمُّ أنْ لَوْ كانَ المُرادُ النَّهْيَ عَنِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ أنَّهم جَماعَةٌ ولَيْسَ كَذَلِكَ.

﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿النّارُ﴾ وإذا كانَ حالُ المَيْلِ في الجُمْلَةِ إلى مَن وُجِدَ مِنهُ ظُلْمٌ ما في الإفْضاءِ إلى مِساسِ النّارِ هَكَذا، فَما ظَنَّكُ بِمَن يَمِيلُ إلى الرّاسِخِينَ في الظُّلْمِ والعُدْوانِ مَيْلًا عَظِيمًا، ويَتَهالَكُ عَلى مُصاحَبَتِهِمْ ومُنادَمَتِهِمْ، ويُلْقِي شَراشِرَهُ عَلى مُؤانَسَتِهِمْ ومُعاشَرَتِهِمْ، ويَبْتَهِجُ بِالتَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ، ويَمُدُّ عَيْنَيْهِ إلى زَهْرَتِهِمُ الفانِيَةِ، ويَغْبِطُهم بِما أُوتُوا مِنَ القُطُوفِ الدّانِيَةِ؟! وهو في الحَقِيقَةِ مِنَ الحَبَّةِ طَفِيفٌ، ومِن جَناحِ البَعُوضِ خَفِيفٌ، بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ تَمِيلَ إلَيْهِ القُلُوبُ، ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ.

والآيَةُ أبْلَغُ ما يُتَصَوَّرُ في النَّهْيِ عَنِ الظُّلْمِ والتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ، وخِطابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلتَّثْبِيتِ عَلى الِاسْتِقامَةِ الَّتِي هي العَدْلُ، فَإنَّ المَيْلَ إلى أحَدِ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ ظُلْمٌ عَلى نَفْسِهِ، أوْ عَلى غَيْرِهِ، وقُرِئَ (تَرْكُنُوا) عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ و(تُرْكَنُوا) عَلى صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أرْكَنَهُ.

﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ: مِن أنْصارٍ يُنْقِذُونَكم مِنَ النّارِ، والجُمْلَةُ نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِن قَوْلِهِ: "فَتَمَسُّكُمُ النّارُ" ونَفْيُ الأوْلِياءِ لَيْسَ بِطَرِيقِ نَفْيِ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم أوْلِياءُ حَتّى يَصْدُقَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولِيٌّ، بَلْ لِمَكانِ (لَكُمْ) بِطَرِيقِ انْقِسامِ الآحادِ عَلى الآحادِ، لَكِنْ لا عَلى مَعْنى نَفْيِ اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهم بِنَصِيرٍ، بَلْ عَلى مَعْنى نَفْيِ أنْ يَكُونَ لِواحِدٍ مِنهم نَصِيرٌ بِقَرِينَةِ المَقامِ.

﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ؛ إذْ قَدْ سَبَقَ في حُكْمِهِ أنْ يُعَذِّبَكم بِرُكُونِكم إلَيْهِمْ، ولا يُبْقِيَ عَلَيْكم و"ثُمَّ" لِتَراخِي رُتْبَةِ كَوْنِهِمْ غَيْرَ مَنصُورِينَ مِن جِهَةِ اللَّهِ بَعْدَما أوْعَدَهم بِالعَذابِ وأوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ الفاءِ، بِمَعْنى الِاسْتِبْعادِ، فَإنَّهُ لَمّا بُيِّنَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُعَذِّبُهم وأنَّ غَيْرَهُ لا يُنْقِذُهم أُنْتِجَ أنَّهم لا يُنْصَرُونَ أصْلًا.

114

وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ

And establish prayer at the two ends of the day and at the approach of the night. Indeed, good deeds do away with misdeeds. That is a reminder for those who remember.

﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ أيْ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفَيْهِ لِكَوْنِهِ مُضافًا إلى الوَقْتِ ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ أيْ: ساعاتٍ مِنهُ قَرِيبَةً مِنَ النَّهارِ، فَإنَّهُ مِن أزَلَفَهُ إذا قَرَّبَهُ، جَمْعُ زُلْفَةٍ، عَطْفٌ عَلى (طَرَفَيِ النَّهارِ) والمُرادُ بِصَلاتِهِما صَلاةُ الغَداةِ والعَصْرِ، وقِيلَ: الظُّهْرُ مَوْضِعَ العَصْرِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الزَّوالِ عَشِيٌّ، وبِصَلاةِ الزُّلَفِ المَغْرِبُ والعَشاءُ، وقُرِئَ (زُلُفًا) بِضَمَّتَيْنِ وضَمَّةٍ وسُكُونٍ كَبُسْرٍ وبُسُرٍ، وزُلْفي بِمَعْنى زُلْفَةٍ كَقُربي بِمَعْنى قُرْبَةٍ.

﴿إنَّ الحَسَناتِ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها - بَلْ عُمْدَتُها - ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الصَّلَواتِ ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ الَّتِي قَلَّما يَخْلُو مِنها البَشَرُ، أيْ: يُكَفِّرْنَها، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الصَّلاةَ إلى الصَّلاةِ كَفّارَةٌ لِما بَيْنَهُما ما اجْتُنِبَ الكَبائِرُ»، وقِيلَ: «نَزَلَتْ في أبِي اليَسَرِ الأنْصارِيِّ إذْ قَبَّلَ امْرَأةً ثُمَّ نَدِمَ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِما فَعَلَ فَقالَ ﷺ: "أنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّي" فَلَمّا صَلّى صَلاةَ العَصْرِ نَزَلَتْ، قالَ ﷺ: «نَعَمْ، اذْهَبْ فَإنَّها كَفّارَةٌ لِما عَمِلْتَ»» أوْ يَمْنَعْنَ مِنِ اقْتِرافِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ .

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "فاسْتَقِمْ" فَما بَعْدَهُ، وقِيلَ: إلى القرآن ﴿ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ أيْ: عِظَةٌ لِلْمُتَّعِظِينَ.

115

وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And be patient, for indeed, Allah does not allow to be lost the reward of those who do good.

﴿واصْبِرْ﴾ عَلى مَشاقِّ ما أُمِرْتَ بِهِ في تَضاعِيفِ الأوامِرِ السّابِقَةِ، وأمّا ما نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الطُّغْيانِ والرُّكُونِ إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَلَيْسَ في الِانْتِهاءِ عَنْهُ مَشَقَّةٌ، فَلا وجْهَ لِتَعْمِيمِ الصَّبْرِ لَهُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُرادَ بِهِ ما لا يُمْكِنُ عادَةً خُلُوُّ البَشَرِ عَنْهُ مِن أدْنى مَيْلٍ بِحُكْمِ الطَّبِيعَةِ عَنِ الِاسْتِقامَةِ المَأْمُورِ بِها، ومِن يَسِيرِ مَيْلٍ بِحُكْمِ البَشَرِيَّةِ إلى مَن وُجِدَ مِنهُ ظُلْمٌ ما، فَإنَّ في الِاحْتِرازِ عَنْ أمْثالِهِ مِنَ المَشَقَّةِ ما لا يَخْفي ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: يُوَفِّيهِمْ أُجُورَ أعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ بَخْسٍ أصْلًا، وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الإضاعَةِ - مَعَ أنَّ عَدَمَ إعْطاءِ الأجْرِ لَيْسَ بِإضاعَةٍ حَقِيقَةً، كَيْفَ لا والأعْمالُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَلْزَمَ مِن تَخَلُّفِهِ عَنْها ضَياعُها - لِبَيانِ كَمالِ نَزاهَتِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ مِنَ القَبائِحِ، وإبْرازِ الإثابَةِ في مَعْرِضِ الأُمُورِ الواجِبَةِ عَلَيْهِ، وإنَّما عُدِلَ عَنِ الضَّمِيرِ لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ مَعَ إفادَةِ فائِدَةٍ عامَّةٍ لِكُلٍّ مَن يَتَّصِفُ بِهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ الصَّبْرَ عَلى ما ذُكِرَ مِن بابِ الإحْسانِ.

116

فَلَوْلَا كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُو۟لُوا۟ بَقِيَّةٍۢ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مَآ أُتْرِفُوا۟ فِيهِ وَكَانُوا۟ مُجْرِمِينَ

So why were there not among the generations before you those of enduring discrimination forbidding corruption on earth - except a few of those We saved from among them? But those who wronged pursued what luxury they were given therein, and they were criminals.

﴿فَلَوْلا كانَ﴾ فَهَلّا كانَ ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ الكائِنَةِ ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، أوْ كائِنَةً مِن قَبْلِكم ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ مِنَ الرَّأْيِ والعَقْلِ، أوْ أُولُو فَضْلٍ وخَيْرٍ، وسُمِّيا بِها؛ لِأنَّ الرَّجُلَ إنَّما يَسْتَبْقِي مِمّا يُخْرِجُهُ عادَةً أجْوَدَهُ وأفْضَلَهُ، فَصارَ مَثَلًا في الجَوْدَةِ والفَضْلِ، ويُقالُ: فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ القَوْمِ، أيْ: مِن خِيارِهِمْ، ومِنهُ ما قِيلَ: (فِي الزَّوايا خَبايا وفي الرِّجالِ بَقايا).

وَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَقِيَّةُ بِمَعْنى البَقْوى كالتَّقِيَّةِ مِنَ التَّقْوى، أيْ: فَهَلّا كانَ مِنهم ذَوُو إبْقاءٍ عَلى أنْفُسِهِمْ وصِيانَةٍ لَها مِن سُخْطِ اللَّهِ تَعالى وعِقابِهِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: (أُولُو بِقْيَةٍ) وهي المَرَّةُ مِن مَصْدَرِ بَقّاهُ يُبَقِّيهِ إذا راقَبَهُ وانْتَظَرَهُ، أيْ: أُولُو مُراقَبَةٍ وخَشْيَةٍ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى، كَأنَّهم يَنْتَظِرُونَ نُزُولَهُ لِإشْفاقِهِمْ.

﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ الواقِعِ مِنهم حَسَبَ ما حُكِيَ عَنْهم ﴿إلا قَلِيلا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ قَلِيلًا مِنهم أنْجَيْناهم لِكَوْنِهِمْ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ عَلى أنَّ "مِن" لِلْبَيانِ لا لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ النّاجِينَ ناهُونَ ولا صِحَّةَ لِلِاتِّصالِ عَلى ظاهِرِ الكَلامِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ تَحْضِيضًا لِأُولِي البَقِيَّةِ عَلى النَّهْيِ المَذْكُورِ إلّا لِلْقَلِيلِ مِنَ النّاجِينَ مِنهُمْ، كَما إذا قُلْتَ: هَلّا قَرَأ قَوْمُكَ القرآن إلّا الصُّلَحاءَ مِنهُمْ، مُرِيدًا لِاسْتِثْناءِ الصُّلَحاءِ مِنَ المُحَضَّضِينَ عَلى القِراءَةِ، نَعَمْ، يَصِحُّ ذَلِكَ إنْ جُعِلَ اسْتِثْناءً مِنَ النَّفْيِ اللّازِمِ لِلتَّحْضِيضِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ مِنَ القُرُونِ أُولُو بَقِيَّةٍ إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ، لَكِنَّ الرَّفْعَ هو الأفْصَحُ حِينَئِذٍ عَلى البَدَلِيَّةِ.

﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بِمُباشَرَةِ الفَسادِ وتَرْكِ النَّهْيِ عَنْهُ ﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أيْ: أُنْعِمُوا مِنَ الشَّهَواتِ، واهْتَمُّوا بِتَحْصِيلِها، أمّا المُباشِرُونَ فَظاهِرٌ، وأمّا المُساهِلُونَ فَلِما لَهم في ذَلِكَ مِن نَيْلِ حُظُوظِهِمُ الفاسِدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ تارِكُو النَّهْيِ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ دُخُولِ مُباشِرِي الفَسادِ في الظُّلْمِ والإجْرامِ عِبارَةً ﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: كافِرِينَ، فَهو بَيانٌ لِسَبَبِ اسْتِئْصالِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، وهو فُشُوُّ الظُّلْمِ واتِّباعُ الهَوى فِيهِمْ، وشُيُوعُ تَرْكِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ مَعَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: "واتَّبَعَ" عَطْفٌ عَلى مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: لَمْ يَنْهَوْا واتَّبَعَ... إلَخْ، فَيَكُونُ العُدُولُ إلى المُظْهَرِ لِإدْراجِ المُباشِرِينَ مَعَهم في الحُكْمِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، ولِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ذَلِكَ لِما حاقَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، أوْ عَلى اسْتِئْنافٍ يَتَرَتَّبُ عَلى قَوْلِهِ (إلّا قَلِيلًا) أيْ: "إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم نَهَوْا عَنِ الفَسادِ واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا" مِن مُباشِرِي الفَسادِ وتارِكِي النَّهْيِ عَنْهُ، فَيَكُونُ الإظْهارُ مُقْتَضى الظّاهِرِ.

وَقَوْلُهُ: "وَكانُوا مُجْرِمِينَ" عَطْفٌ عَلى (أُتْرِفُوا) أيِ: اتَّبَعُوا الإتْرافَ، وكَوْنُهم مُجْرِمِينَ؛ لِأنَّ تابِعَ الشَّهَواتِ مَغْمُورٌ بِالآثامِ، أوْ أُرِيدَ بِالإجْرامِ إغْفالُهم لِلشُّكْرِ، أوْ عَلى (اتَّبَعَ) أيِ: اتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ، وكانُوا بِذَلِكَ الِاتِّباعِ مُجْرِمِينَ، …

117

وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ

And your Lord would not have destroyed the cities unjustly while their people were reformers.

﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى﴾ أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ، بَلِ اسْتَحالَ في الحِكْمَةِ أنْ يُهْلِكَ القُرى الَّتِي أهْلَكَها - حَسَبَ ما بَلَغَكَ أنْباؤُها - ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ حالُ باقِيها مِنَ القُرى الظّالِمَةِ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أيْ: مُلْتَبِسًا بِهِ، قِيلَ: هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أيْ: ظالِمًا لَها، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ والإيذانِ بِأنَّ إهْلاكَ المُصْلِحِينَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، والمُرادُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى، وإلّا فَلا ظُلْمَ فِيما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعِبادِهِ كائِنًا ما كانَ لِما تَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ والعامِلُ عامِلُهُ، ولَكِنْ لا بِاعْتِبارِ تَقَيُّدِهِ بِما وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ، أعْنِي (بِظُلْمٍ) لِدَلالَتِهِ عَلى تَقَيُّدِ نَفِيِ الإهْلاكِ ظُلْمًا بِحالِ كَوْنِ أهْلِها مُصْلِحِينَ، ولا رَيْبَ في فَسادِهِ، بَلْ مُطْلَقًا عَنْ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالظُّلْمِ الشِّرْكُ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: لا يُهْلِكُ القُرى بِسَبَبِ إشْراكِ أهْلِها وهم مُصْلِحُونَ يَتَعاطَوْنَ الحَقَّ فِيما بَيْنَهُمْ، ولا يَضُمُّونَ إلى شِرْكِهِمْ فَسادًا آخَرَ، وذَلِكَ لِفَرْطِ رَحْمَتِهِ ومُسامَحَتِهِ في حُقُوقِهِ تَعالى، ومِن ذَلِكَ قَدَّمَ الفُقَهاءُ عِنْدَ تَزاحُمِ الحُقُوقِ حُقُوقَ العِبادِ الفُقَراءِ عَلى حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى الغَنِيِّ الحَمِيدِ.

وَقِيلَ: المُلْكُ يَبْقى مَعَ الشِّرْكِ ولا يَبْقى مَعَ الظُّلْمِ، وأنْتَ تَدْرِي أنَّ مَقامَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ الَّتِي أقْبَحُها الإشْراكُ بِاللَّهِ لا يُلائِمُهُ، فَإنَّ الشِّرْكَ داخِلٌ في الفَسادِ في الأرْضِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ولِذَلِكَ كانَ يُنْهِي كُلٌّ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ قُصَّتْ أنْباؤُهم أُمَّتَهُ أوَّلًا عَنِ الإشْراكِ، ثُمَّ عَنْ سائِرِ المَعاصِي الَّتِي كانُوا يَتَعاطَوْنَها، فالوَجْهُ حَمْلُ الظُّلْمِ عَلى مُطْلَقِ الفَسادِ الشّامِلِ لِلشِّرْكِ وغَيْرِهِ مِن أصْنافِ المَعاصِي، وحَمْلُ الإصْلاحِ عَلى إصْلاحِهِ والإقْلاعِ عَنْهُ بِكَوْنِ بَعْضِهِمْ مُتَصَدِّينَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وبَعْضِهِمْ مُتَوَجِّهِينَ إلى الِاتِّعاظِ غَيْرَ مُصِرِّينَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الفَسادِ.

118

وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ

And if your Lord had willed, He could have made mankind one community; but they will not cease to differ.

﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُجْتَمِعَةً عَلى الحَقِّ ودِينِ الإسْلامِ، بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْتَلِفُ فِيهِ أحَدٌ، ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُونُوا مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في الحَقِّ، أيْ: مُخالِفِينَ لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ .

119

إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ

Except whom your Lord has given mercy, and for that He created them. But the word of your Lord is to be fulfilled that, "I will surely fill Hell with jinn and men all together."

﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ إلّا قَوْمًا قَدْ هَداهُمُ اللَّهُ تَعالى بِفَضْلِهِ إلى الحَقِّ فاتَّفَقُوا عَلَيْهِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، أيْ: لَمْ يُخالِفُوهُ، وحَمْلُهُ عَلى مُطْلَقِ الِاخْتِلافِ الشّامِلِ لِما يَصْدُرُ مِنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ يَأْباهُ الِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ ﴿وَلِذَلِكَ﴾ أيْ: ولِما ذُكِرَ مِنَ الِاخْتِلافِ ﴿خَلَقَهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ بَقَوْا بَعْدَ الثُّنْيا وهُمُ المُخْتَلِفُونَ، فاللّامُ لِلْعاقِبَةِ أوْ لِلتَّرَحُّمِ، فالضَّمِيرُ لِـ(مَن) واللّامُ في مَعْناها أوْ لَهُما مَعًا، فالضَّمِيرُ لِلنّاسِ كافَّةً، واللّامُ بِمَعْنًى مَجازِيٍّ عامٍّ لِكِلا المَعْنَيَيْنِ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيْ: وعِيدُهُ، أوْ قَوْلُهُ لِلْمَلائِكَةِ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ أيْ: مِن عُصاتِهِما أجْمَعِينَ، أوْ مِنهُما أجْمَعِينَ لا مِن أحَدِهِما.

120

وَكُلًّۭا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌۭ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ

And each [story] We relate to you from the news of the messengers is that by which We make firm your heart. And there has come to you, in this, the truth and an instruction and a reminder for the believers.

﴿وَكُلا﴾ أيْ: وكُلَّ نَبَأٍ، فالتَّنْوِينُ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ نُخْبِرُكَ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بَيانٌ لِـ(كُلًّا)، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ المُضافُ إلَيْهِ المَحْذُوفُ في (كُلًّا) المَفْعُولَ المُطْلَقَ لِـ(نَقُصُّ)، أيْ: كُلَّ اقْتِصاصٍ، أيْ: كُلَّ أُسْلُوبٍ مِن أسالِيبِهِ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ مَفْعُولُ (نَقُصُّ) وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالِاقْتِصاصِ زِيادَةُ يَقِينِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وطُمَأْنِينَةُ قَلْبِهِ، وثَباتُ نَفْسِهِ عَلى أداءِ الرِّسالَةِ واحْتِمالِ أذِيَّةِ الكُفّارِ بِالوُقُوفِ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ في تَمادِيهِمْ في الضَّلالِ، وما لَقِيَ الرُّسُلُ مِن جِهَتِهِمْ مِن مُكابَدَةِ المَشاقِّ.

﴿وَجاءَكَ في هَذِهِ﴾ السُّورَةِ، أوِ الأنْباءِ المَقْصُوصَةِ عَلَيْكَ ﴿الحَقُّ﴾ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿وَمَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الجامِعُ بَيْنَ كَوْنِهِ حَقًّا في نَفْسِهِ وكَوْنِهِ مَوْعِظَةً وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، ولِكَوْنِ الوَصْفِ الأوَّلِ حالًا لَهُ في نَفْسِهِ حُلِّيَ بِاللّامِ دُونَ ما هو وُصِفَ لَهُ بِالقِياسِ إلى غَيْرِهِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ أعْنِي (فِي هَذِهِ) عَلى الفاعِلِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ مَنافِعِ السُّورَةِ أوِ الأنْباءِ المَقْصُوصَةِ فِيها، واشْتِمالِها عَلى ما ذُكِرَ مِنَ المَنافِعِ المُفَصَّلَةِ لا بَيانُ كَوْنِ ذَلِكَ فِيها لا في غَيْرِها؛ ولِأنَّ عِنْدَ تَأْخِيرِ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً إلَيْهِ، فَيَتَمَكَّنُ فِيها عِنْدَ الوُرُودِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ؛ ولِأنَّ فِي المُؤَخَّرِ نَوْعَ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.