Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji

Ayahs 101–110 of 123

101

وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍۢ

And We did not wrong them, but they wronged themselves. And they were not availed at all by their gods which they invoked other than Allah when there came the command of your Lord. And they did not increase them in other than ruin.

(وما ظلمناهم) بما فعلنا بهم من العذاب والإهلاك (ولكن ظلموا أنفسهم) بأن جعلوها عرضة للهلاك باقتراف ما يوجبه من الكفر والمعاصي.

(فما أغنت عنهم آلهتهم) أي فما دفعت عنهم أصنامهم أو ما نفعت، قاله أبو عاصم (التي يدعون) يعبدونها (من دون الله) أي غيره (من شيء) أي شيئاً من العذاب، وبأس الله، ومن زائدة (لما جاء) أي حين جاء (أمر ربك) أي عذابه (وما زادوهم غير تتبيب) أي هلاك وخسران. قال ابن عمر: أي هلكة وقال ابن زيد: أي تخسير، وقيل تدمير، والتتبيب اسم من تببه بالتشديد، وتبت يده تتب بالكسر خسرت كناية عن الهلاك وتباً له أي هلاكاً واستتب الأمر تهيأ ويستعمل لازماً ومتعدياً، يقال تببه غيره وتب هو بنفسه، والمعنى ما زادتهم أصنامهم التي يعبدونها إلا هلاكاً وخسراناً، وقد كانوا يعتقدون أنها تعينهم على تحصيل المنافع ودفع المضار.

وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103)

102

وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌۭ شَدِيدٌ

And thus is the seizure of your Lord when He seizes the cities while they are committing wrong. Indeed, His seizure is painful and severe.

(وكذلك) أي مثل ذلك الأخذ (أخذ ربك) قرئ على أنه فعل وعلى أنه مصدر (إذا أخذ القرى وهي ظالمة) أي أهلها وهم ظالمون بالذنوب فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إن أخذه) عقوبته للكافرين (أليم شديد) أي موجع غليظ على المأخوذ وهو مبالغة في التهديد والتحذير.

أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله سبحانه وتعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته "، ثم قرأ (وكذلك أخذ ربك) الآية مسلم 2583 - البخاري 2013. ولا تظنن أن الآية حكمها مختص بظالمي الأمم الماضية بل هو عام في كل ظالم ويعضده الحديث.

103

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّجْمُوعٌۭ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّشْهُودٌۭ

Indeed in that is a sign for those who fear the punishment of the Hereafter. That is a Day for which the people will be collected, and that is a Day [which will be] witnessed.

(إن في ذلك) أي أخذ الله سبحانه لأهل القرى أو في القصص السبعة التي قصها الله على رسوله (لآية) لعبرة وموعظة لأن القصص المذكورة فيها عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وقد حصل الأول فيعلم العاقل أن القادر على إنزال الأول قادر على إنزال الثاني (لمن خاف عذاب الآخرة) لأنهم الذين يعتبرون بالعبر ويتعظون بالمواعظ. قال ابن زيد: يقول إنا سوف نفي لهم بما وعدناهم في الآخرة كما وفينا للأنبياء إنا لننصرهم.

(ذلك) أي يوم القيامة المدلول عليه بذكر الآخرة (يوم مجموع له) صفة ليوم جرت على غير من هي له فلذلك رفعت الظاهر وهو (الناس) من الأولين والآخرين للمحاسبة والمجازاة (وذلك) أي يوم القيامة (يوم مشهود) يشهده أهل المحشر، أو مشهود فيها الخلائق، أو يشهده أهل السماء والأرض فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول.

وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106)

104

وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍۢ مَّعْدُودٍۢ

And We do not delay it except for a limited term.

(وما نؤخره) أي ذلك اليوم (إلا لأجل) اللام للتعليل أي لانتهاء أجل أي وقت (معدود) معلوم بالعدد لا يعلمه إلا الله وهو مدة الدنيا وقد عين سبحانه وقوع الجزاء بعده، وعبارة أبي السعود: إلا لانقضاء مدة قليلة مضروبة حسبما تقتضيه الحكمة.

105

يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّۭ وَسَعِيدٌۭ

The Day it comes no soul will speak except by His permission. And among them will be the wretched and the prosperous.

(يوم) حين (يأت) يوم القيامة وقيل الضمير لله تعالى كقوله إلا أن يأتيهم الله أو يأتي ربك (لا تكلم) أي لا تتكلم فيه (نفس) بما ينفع وينجى من جواب (إلا بإذنه) أي بما أذن لها من الكلام، وقيل لا تكلم بحجة ولا شفاعة إلا بإذنه سبحانه لها في التكلم بذلك كقوله لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن، وقوله تعالى (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه).

وقد جمع بين هذا وبين قوله (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) وقوله إخباراً عن محاجة الكفار (ربنا ما كنا مشركين) وقوله (هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون) باختلاف أحوالهم باختلاف مواقف القيامة وقد تكرر مثل هذا الجمع في مواضع.

وقد اشتملت هذه الآية على ثلاثة أنواع من البديع. الجمع في قوله لا تكلم نفس والتفريق في قوله فمنهم شقي وسعيد والتقسيم في قوله فأما الذين شقوا.

(فمنهم) أي من الأنفس أو من أهل الموقف وإن لم يذكروا قال الزمخشري: لأن ذلك معلوم ولأن قوله لا تكلم نفس يدل عليه وكذا قال ابن عطية (شقي) هو من كتبت عليه الشقاوة (وسعيد) أي من كتبت له السعادة وتقديم الشقي على السعيد لأن المقام مقام تحذير.

أخرج الترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: لما نزلت فمنهم شقي وسعيد قلت يا رسول الله فعلام نعمل على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه قال: بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له الترمذي كتاب القدر الباب الثالث.

وقد استدل بهذه الآية على أن أهل الموقف قسمان لا ثالث لهما وظاهر الآية والحديث يدل على ذلك لكن بقي قسم آخر مسكوت عنه وهو من استوت حسناته وسيآته أو لا حسنات لهم ولا سيآت كالمجانين والأطفال فهم تحت مشيئته يحكم فيهم بما شاء وتخصيص القسمين لا ينفي القسم الثالث.

106

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌۭ وَشَهِيقٌ

As for those who were [destined to be] wretched, they will be in the Fire. For them therein is [violent] exhaling and inhaling.

(فأما الذين شقوا) أي الذين سبقت لهم الشقاوة في علمه تعالى وهم الذين يموتون على الكفر وأن تقدم منهم إيمان (ففي النار) أي فمستقرون فيها (لهم فيها زفير وشهيق) قال الزجاج: الزفير من شدة الأنين وهو المرتفع جداً.

قال: وزعم أهل اللغة من البصريين والكوفيين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمير والشهيق بمنزلة آخره، وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل، وقيل الزفير الصوت الشديد والشهيق الصوت الضعيف، وقيل الزفير إخراج النفس والشهيق ردها، وقيل الزفير من الصدر والشهيق من الحلق.

وقيل الزفير ترديد النفس في الصدر من شدة الخوف حتى تنتفخ منه الأضلاع والشهيق النفس الطويل الممتد أو رد النفس إلى الصدر والمراد بهما الدلالة على شدة كربهم وغمهم وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه وانحصر فيه روحه

وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس ويخرجه والشهيق أن يخرج ذلك النفس وهو قريب من قولهم تنفس الصعداء، والجملة إما مستأنفة أو حالية.

107

خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ

[They will be] abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will. Indeed, your Lord is an effecter of what He intends.

خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107)

(خالدين) لابثين (فيها) أي في النار (ما دامت السماوات والأرض) ما مصدرية أي مدة دوامهما في الدنيا وهذه المدة غير ما يزيده الله مما لا نهاية له ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت.

وقد اختلف العلماء في بيان معنى هذا التوقيت لأنه قد علم بالأدلة القطعية تأبيد عذاب الكفار في النار وعدم انقطاعه عنهم.

وثبت أيضاً إن السماوات والأرض تذهب عند انقضاء أيام الدنيا فقالت طائفة: أن هذا الإخبار جار على ما كانت العرب تعتاده إذا أرادوا المبالغة في دوام الشيء قالوا هو دائم ما دامت السماوات الأرض ومنه قولهم لا آتيك ما جن الليل وما اختلف الليل والنهار وما ناح الحمام ونحو ذلك فيكون المعنى أنهم خالدون فيها أبداً لا انقطاع لذلك ولا انتهاء له.

وقيل أن المراد سماوات الآخرة وأرضها فقد ورد ما يدل على أن للآخرة سماوات وأرضاً غير هذه الموجودة في الدنيا وهي دائمة بدوام دار الآخرة، وأيضاً لا بد لهم من موضع يقلهم وآخر يظلهم وهما أرض وسماء؛ قال ابن عباس: لكل جنة أرض وسماء؛ وروى نحوه عن السدي والحسن

(إلا ما شاء ربك) قد اختلف أهل العلم في معنى هذا الاستثناء على أقوال.

الأول: أنه من قوله ففي النار كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك روى هذا عن أبي سعيد الخدري.

الثاني: أن الاستثناء إنما هو للعصاة من الموحدين وأنهم يخرجون بعد مدة من النار وعلى هذا يكون قوله سبحانه (فأما الذين شقوا) عاماً في الكفرة والعصاة ويكون الاستثناء من خالدين ويكون ما بمعنى من، وبهذا قال قتادة والضحاك وأبو سنان وغيرهم.

قال البيضاوي: هو استثناء من الخلود في النار لأن بعضهم وهم فساق الموحدين يخرجون منها وذلك كاف في صحة الاستثناء، لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض؛ وهم المرادون بالاستثناء الثاني فإنهم مفارقون عن الجنة أيام عذابهم، فإن التأبيد من مبدأ معين ينتقص باعتبار الابتداء كما ينتقص باعتبار الانتهاء، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم اهـ.

وقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواتراً يفيد العلم الضروري بأنه يخرج من النار أهل التوحيد فكان ذلك مخصصاً لكل عموم.

الثالث: أن الاستثناء من الزفير والشهيق أي لهم فيها ذلك إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب غير الزفير والشهيق، قاله ابن الأنباري.

الرابع: أن معنى الاستثناء أنهم خالدون فيها ما دامت السماوات والأرض لا يموتون فيها إلا ما شاء ربك، فإنه يأمر النار فتأكلهم حتى يفنوا ثم يجدد الله خلقهم، روي ذلك عن ابن مسعود.

الخامس: أن إلا بمعنى سوى ولكن والاستثناء منقطع والمعنى ما دامت السماوات والأرض سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود كأنه ذكر في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له حكاه الزجاج.

السادس: ما روي عن الفراء وابن الأنباري وابن قتيبة من أن هذا لا ينافي عدم المشيئة كقولك والله لأضربنه إلا أن أرى غير ذلك، ونوقش هذا بأن معنى الآية الحكم بخلودهم إلا المدة التي شاء الله فالمشيئة قد حصلت جزماً، وقد حكى هذا القول الزجاج أيضاً.

السابع: أن المعنى خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك من مقدار موقفهم في قبورهم وللحساب حكاه الزجاج أيضاً.

الثامن: أن المعنى خالدين فيها إلا ما شاء ربك من زيادة النعيم لأهل النعيم وزيادة العذاب لأهل الجحيم حكاه الزجاج أيضاً واختاره الحكيم الترمذي.

التاسع: أن إلا بمعنى الواو قاله الفراء والمعنى وما شاء ربك من الزيادة، قال مكي: وهذا القول بعيد عند البصريين أن يكون إلا بمعنى الواو.

العاشر: أن إلا بمعنى الكاف، والتقدير كما شاء ربك ومنه قوله تعالى (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) أي كما قد سلف.

الحادي عشر: أن هذا الاستثناء إنما هو على سبيل …

108

۞ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُوا۟ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍۢ

And as for those who were [destined to be] prosperous, they will be in Paradise, abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will - a bestowal uninterrupted.

(وأما الذين سعدوا) أي في علمه تعالى وهم الذين يموتون على الإيمان وإن تقدم منهم كفر أو غيره من المعاصي قرأ الكسائي وغيره سعدوا بضم السين وقرأ الباقون بفتحها، قال سيبويه: لا يقال سعد فلان كما لا يقال شقي فلان لكونه مما لا يتعدى، قال النحاس: ورأيت علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي بضم السين مع علمه بالعربية وهذا لحن لا يجوز.

قال السمين: قرأ الأخوان وحفص بضم السين والباقون بفتحها فالأولى من قولهم سعده الله أي أسعده حكى الفراء عن هذيل أنها تقول كذلك، قال الأزهري: سعد فهو سعيد كسلم فهو سليم وسعد فهو مسعود، وقال أبو عمرو بن العلاء: يقال سعد الرجل كما يقال حسن، وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين، وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعداً وبالمصدر سمى ومنه سعد بن عبادة والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود، وقرئ في السبعة بهذه اللغة في هذه الآية بالبناء للمفعول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي.

(ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) معنى الآية كما مر في قوله، وأما الذين شقوا (إلا ما شاء ربك) من الزيادة التي لا منتهى لها فالمعنى خالدين فيها أبداً وقد عرف من الأقوال المتقدمة ما يصلح لحمل هذا الاستثناء عليه ولا يستقيم إلا على التأويل المذكور في الوجه الخامس والسابع وما بعده (عطاء) اسم مصدر والمصدر في الحقيقة الإعطاء أو يكون مصدراً على حذف الزوائد كقوله أنبتكم من الأرض نباتاً أو منصوب بمقدر يقال عطوت بمعنى ناولت (غير مجذوذ) من جذه يجذه إذا قطعه وكسره والجذاذ بكسر الجيم ما تكسر منه والضم أفصح والجذاذات القراضات، والمعنى يعطيهم الله عطاء غير مقطوع يعني أنه ممتد إلى غير نهاية.

قال القاضي: وهو تصريح بأن الثواب لا ينقطع وتنبيه على أن المراد من الاستثناء في الثواب ليس الانقطاع ولأجله فرق بين الثواب والعقاب في التأبيد انتهى، قال الخفاجي: وقع لبعضهم هنا أن النار ينقطع عذابها بخلاف نعيم أهل الجنة وأورد فيه حديثاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد تقدم، قال ابن الجوزي: أنه موضوع وأشار لنحو منه الزمخشري إلا أنه تكلم في ابن عمرو كلاماً لا ينبغي ذكره انتهى.

وقد ثبت بالنصوص القاطعة أن لا وجود لذلك فيقدر الخلود، ولا يتوهم جواز التعارض بين هذه وبين النصوص الدالة على عدم الخلود لأن المحتمل لا يعارض القطعي.

ولما فرغ الله سبحانه من أقاصيص الكفرة وبيان حال السعداء والأشقياء سلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرح أحوال الكفرة من قومه في ضمن النهي عن الامتراء فقال

109

فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّمَّا يَعْبُدُ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ ۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍۢ

So do not be in doubt, [O Muhammad], as to what these [polytheists] are worshipping. They worship not except as their fathers worshipped before. And indeed, We will give them their share undiminished.

(فلا تك) حذف النون لكثرة الاستعمال ولأن النون إذا وقعت طرف الكلام لم يبق عند التلفظ بها إلا مجرد الغنة فلا جرم أسقطوها قاله الكرخي (في مرية مما يعبد هؤلاء) أي ما يعبدونه غير نافع لهم ولا ضار ولا تأثير له في شيء والمرية الشك والإشارة بهؤلاء إلى كفار عصره صلى الله عليه وآله وسلم من قريش.

وقيل المعنى لا تك في شك من بطلان ما يعبد هؤلاء من الأصنام، وقيل لا تك في شك من سوء عاقبتهم ولا مانع من الحمل على جميع هذه المعاني وهذا النهي له صلى الله عليه وسلم هو تعريض لغيره ممن يداخله شيء من الشك فإنه صلى الله عليه وسلم لا يشك في ذلك أبداً.

ثم بين له سبحانه بقوله (ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم) أن معبودات هؤلاء كمعبودات آبائهم وأن عبادتهم كعبادة آبائهم (من قبل) وفي هذا الاستئناف تعليل للنهي عن الشك والمعنى أنهم سواء في الشرك بالله وعبادة غيره فلا يكن في صدرك حرج مما تراه من قومك فهم كمن قبلهم من طوائف البشر وفي الخازن يعني أنه ليس لهم في عبادة هذه الأصنام مستند إلا تقليد آبائهم انتهى. وجاء بالمضارع في كما يعبد لاستحضار الصورة.

ثم بين له أنه مجازيهم بأعمالهم فقال (وإنا لموفوهم نصيبهم) من العذاب (غير منقوص) لا ينقص ذلك شيء وانتصاب غير على الحالى والتوفية لا تستلزم عدم النقص فقد يجوز أن يوفى وهو ناقص كما يجوز أن يوفى وهو كامل، قال القاضي كالزمخشري: فإنك تقول وفيته حقه وتريد به وفاء بعضه ولو مجازاً انتهى.

وأنت خبير بأنه إذا لم تكن قرينة المجاز قائمة كما في هذا المقام لا تكون الحال إلا للتأكيد لأن التوفية تقتضي الإكمال فقد استفيد معناها من عاملها وهو شأن المؤكدة وفائدته دفع توهم التجوز، قال بعضهم: وجعلها مقيدة له لدفع احتمال كونه منقوصاً في حد نفسه مبني على الذهول عن كون العامل هو التوفية تأمل قاله الكرخي، وقيل المراد نصيبهم من الرزق وقيل ما هو أعم من الخير والشر.

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)

110

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ

And We had certainly given Moses the Scripture, but it came under disagreement. And if not for a word that preceded from your Lord, it would have been judged between them. And indeed they are, concerning the Qur'an, in disquieting doubt.

(ولقد آتينا موسى الكتاب) أي التوراة (فاختلف فيه) أي في شأنه وتفاصيل أحكامه فآمن به قوم وكفر به آخرون وعمل بأحكامه قوم وترك العمل ببعضها آخرون فلا يضيق صدرك يا محمد بما وقع من هؤلاء في القرآن، وقيل في سببية أي هو سبب اختلافهم وقيل بمعنى على.

(ولولا كلمة) الإنظار إلى يوم القيامة أي الحكم الأزلي بتأخير عذابهم (سبقت من ربك) لما علم في ذلك من الصلاح (لقضي بينهم) أي بين قومك أو بين قوم موسى فيما كانوا فيه مختلفين فأثيب المحق وعذب المبطل وعذبوا في الحال وفرغ من عذابهم وإهلاكهم والكلمة هي أن رحمته سبحانه سبقت غضبه فأمهلهم ولم يعاجلهم لذلك وقيل أن الكلمة هي أنهم لا يعذبون بعذاب الاستئصال وهذا من جملة التسلية له صلى الله عليه وسلم.

ثم وصفهم بأنهم في شك من الكتاب فقال (وإنهم لفي شك منه) أي من القرآن أن حمل على قوم محمد صلى الله عليه وسلم أو من التوراة أن حمل على قوم موسى (مريب) موقع في الريبة من أراب إذا حصل الريب لغيره أو صار هو في نفسه ذا ريب ثم جمع الأولين والآخرين في حكم توفية العذاب لهم أو هو والثواب فقال:

Commentary: Fath al-Bayan fi Maqasid al-Qur'an by Siddiq Hasan Khan al-Qannauji. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.