Muslim99Muslim99
← Tafsir library

11. Hud

Hud · Meccan · 123 ayahs

سُورَةُ هُودٍ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 101–110 of 123

101

وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍۢ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍۢ

And We did not wrong them, but they wronged themselves. And they were not availed at all by their gods which they invoked other than Allah when there came the command of your Lord. And they did not increase them in other than ruin.

صفحة ١٥٨

﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جا أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾

اسْتِئْنافٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الأنْباءِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها.

واسْمُ الإشارَةِ إلى المَذْكُورِ كُلِّهِ مِنَ القَصَصِ مِن قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما بَعْدَها.

والأنْباءُ: جَمْعُ نَبَأٍ، وهو الخَبَرُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] . وجُمْلَةُ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ مَعَ أنَّ القَصَصَ مَضى لِاسْتِحْضارِ حالَةِ هَذا القَصَصِ البَلِيغِ.

وجُمْلَةُ ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، حالٌ مِنَ القُرى.

و(قائِمٌ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ عَطْفُ (وحَصِيدٍ)، والمَعْنى: مِنها زَرْعٌ قائِمٌ وزَرْعٌ حَصِيدٌ، وهَذا تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ.

والقائِمُ: الزَّرْعُ المُسْتَقِلُّ عَلى سُوقِهِ. والحَصِيدُ: الزَّرْعُ المَحْصُودُ. فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وكِلاهُما مُشَبَّهٌ بِهِ لِلْباقِي مِنَ القُرى والعافِي. والمُرادُ بِالقائِمِ ما كانَ مِنَ القُرى الَّتِي قَصَّها اللَّهُ في القُرْآنِ قُرًى قائِمًا بَعْضُها كَآثارِ بَلَدِ فِرْعَوْنَ كالأهْرامِ وبَلْهُوبَةَ (وهو المَعْرُوفُ بِأبِي الهَوْلِ) وهَيْكَلِ الكَرْنَكِ بِمِصْرَ، ومِثْلَ آثارِ نِينَوى بَلَدِ قَوْمِ يُونُسَ. وأنْطاكِيَّةَ قَرْيَةِ المُرْسَلِينَ الثَّلاثَةِ، وصَنْعاءَ بَلَدِ قَوْمِ تُبَّعٍ، وقُرًى بائِدَةٍ مِثْلَ دِيارِ عادٍ، وقُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرْيَةِ مَدْيَنَ. ولَيْسَ المُرادُ القُرى المَذْكُورَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ خاصَّةً. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاعْتِبارُ.

صفحة ١٥٩

وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في ظَلَمْناهم عائِدٌ إلى القُرى بِاعْتِبارِ أهْلِها لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ.

وإنَّما لَمْ يَظْلِمْهُمُ اللَّهُ - تَعالى - لِأنَّ ما أصابَهم بِهِ مِنَ العَذابِ جَزاءً عَنْ سُوءِ أعْمالِهِمْ فَكانُوا هُمُ الظّالِمِينَ أنْفُسَهم إذْ جَرُّوا لِأنْفُسِهِمُ العَذابَ.

وفَرَّعَ عَلى ظُلْمِهِمْ أنْفُسِهِمِ انْتِفاءَ إغْناءِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم شَيْئًا، ووَجْهُ ذَلِكَ التَّرَتُّبُ والتَّفْرِيعُ أنَّ ظُلْمَهم أنْفُسَهم مَظْهَرُهُ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، وهم لَمّا عَبَدُوها كانُوا يَعْبُدُونَها لِلْخَلاصِ مِن طَوارِقِ الحَدَثانِ ولِتَكُونَ لَهم شُفَعاءَ عِنْدَ اللَّهِ وكانُوا في أمْنٍ مِن أنْ يَنالَهم بَأْسٌ في الدُّنْيا اعْتِمادًا عَلى دَفْعِ أصْنامِهِمْ عَنْهم فَلَمّا جاءَ أمْرُهم بِضِدِّ ذَلِكَ كانَ ذَلِكَ الضِّدُّ مُضادًّا لِتَأْمِيلِهِمْ وتَقْدِيرِهِمْ.

والغَرَضُ مِن هَذا التَّفْرِيعِ التَّعْرِيضُ بِتَحْذِيرِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى نَفْعِ الأصْنامِ، فَقَدْ أيْقَنَ المُشْرِكُونَ أنَّ أُولَئِكَ الأُمَمَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ كَيْفَ وهَؤُلاءِ اقْتَبَسُوا عِبادَةَ الأصْنامِ مِنَ الأُمَمِ السّابِقِينَ وأيْقَنُوا أنَّهم قَدْ حَلَّ بِهِمْ مِنَ الِاسْتِئْصالِ ما شاهَدُوا آثارَهُ، فَذَلِكَ مَوْعِظَةٌ لَهم لَوْ كانُوا مُهْتَدِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ عِلاوَةً وارْتِقاءً عَلى عَدَمِ نَفْعِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ بِأنَّهم لَمْ يَكُنْ شَأْنُهم عَدَمَ الإغْناءِ عَنْهم فَحَسْبُ ولَكِنَّهم زادَتْهم تَتْبِيبًا وخُسْرانًا، أيْ زادَتْهم أسْبابَ الخُسْرانِ.

والتَّتْبِيبُ: مَصْدَرُ تَبَبَهُ إذا أوْقَعَهُ في التِّبابِ وهو الخَسارَةُ. وظاهِرُ هَذا أنَّ أصْنامَهم …

102

وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌۭ شَدِيدٌ

And thus is the seizure of your Lord when He seizes the cities while they are committing wrong. Indeed, His seizure is painful and severe.

﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهْيَ ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾

الإشارَةُ إلى المَذْكُورِ مِنِ اسْتِئْصالِ تِلْكَ القُرى، وهو ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾) . والتَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ الأخْذُ الَّذِي أخَذْنا بِهِ تِلْكَ القُرى أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى. والتَّشْبِيهُ في الكَيْفِيَّةِ والعاقِبَةِ.

والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّذْيِيلِ تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ مُشْرِكِي العَرَبِ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِها.

والظُّلْمُ: الشِّرْكُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ في مَوْضِعِ البَيانِ لِمَضْمُونِ ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ﴾ . وفِيهِ إشارَةٌ إلى وجْهِ الشَّبَهِ.

103

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْءَاخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّجْمُوعٌۭ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌۭ مَّشْهُودٌۭ

Indeed in that is a sign for those who fear the punishment of the Hereafter. That is a Day for which the people will be collected, and that is a Day [which will be] witnessed.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾

بَيانٌ لِلتَّعْرِيضِ وتَصْرِيحٌ بَعْدَ تَلْوِيحٍ. والمَعْنى: وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ فاحْذَرُوهُ واحْذَرُوا ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو عَذابُ الآخِرَةِ. والإشارَةُ إلى الأخْذِ المُتَقَدِّمِ. وفي هَذا تَخْلُصٌ إلى مَوْعِظَةِ المُسْلِمِينَ والتَّعْرِيضِ بِمَدْحِهِمْ بِأنَّ مِثْلَهم مَن يَنْتَفِعُ بِالآياتِ ويَعْتَبِرُ بِالعِبْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] .

صفحة ١٦١

وجَعَلَ عَذابَ الدُّنْيا آيَةً دالَّةً عَلى عَذابِ الآخِرَةِ لِأنَّ القُرى الظّالِمَةَ تَوَعَّدَها اللَّهُ بِعَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] فَلَمّا عايَنُوا عَذابَ الدُّنْيا كانَ تَحَقُّقُهُ أمارَةً عَلى تَحَقُّقِ العَذابِ الآخَرِ.

وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ هَذا اليَوْمِ حَتّى أنَّ المُتَكَلِّمَ يَبْتَدِئُ كَلامًا لِأجْلِ وصْفِهِ.

والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الآخِرَةِ لِأنَّ ماصَدَقُها يَوْمُ القِيامَةِ، فَتَذْكِيرُ اسْمِ الإشارَةِ مُراعاةٌ لِمَعْنى الآخِرَةِ.

واللّامُ في (مَجْمُوعٍ لَهُ) لامُ العِلَّةِ، أيْ مَجْمُوعٌ النّاسُ لِأجْلِهِ.

ومَجِيءُ الخَبَرِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً في الإخْبارِ عَنِ اليَوْمِ يَدُلُّ عَلى مَعْنى الثَّباتِ، أيْ ثابِتٌ جَمْعُ اللَّهِ النّاسَ لِأجْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَيَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ تَعَلُّقِ الجَمْعِ بِالنّاسِ وتَمَكُّنِ كَوْنِ ذَلِكَ الجَمْعِ لِأجْلِ اليَوْمِ حَتّى لُقِّبَ ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩]

وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ لِلْيَوْمِ بِأنَّهُ يُشْهَدُ. وطُوِيَ ذِكْرُ الفاعِلِ إذِ المُرادُ يَشْهَدُهُ الشّاهِدُونَ، إذْ لَيْسَ القَصْدُ إلى شاهِدِينَ مُعَيَّنِينَ. والإخْبارُ عَنْهُ بِهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّهم يَشْهَدُونَهُ شُهُودًا خاصًّا وهو شُهُودُ الشَّيْءِ المَهُولِ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنْ لا يَقْصِدَ الإخْبارَ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَرْئِيًّا لَكِنَّ المُرادَ كَوْنُهُ مَرْئِيًّا رُؤْيَةً خاصَّةً.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ بِمَعْنى المُحَقَّقِ أيْ مَشْهُودٌ بِوُقُوعِهِ، كَما يُقالُ: حَقٌّ مَشْهُودٌ، أيْ عَلَيْهِ شُهُودٌ لا يُسْتَطاعُ إنْكارُهُ، واضِحٌ لِلْعَيانِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ بِمَعْنى كَثِيرِ الشّاهِدِينَ إيّاهُ لِشُهْرَتِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لِفُلانٍ مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ، كَقَوْلِ أُمِّ قَيْسٍ الضَّبِيَّةِ:

صفحة ١٦٢

ومَشْهَدٌ قَدْ كَفَيْتُ النَّـاطِـقِـينَ بِـهِ في مَحْفَلٍ مِن نَواصِي الخَيْلِ مَشْهُودِ

فَيَكُونُ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٤٢] الآيَةَ.

وجُمْلَةُ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ [هود: ١٠٥] إلَخْ. والمَقْصُودُ الرَّدُّ عَلى المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ مُسْتَدِلِّينَ بِتَأْخِيرِ وُقُوعِهِ في حِينِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ يَحْسَبُونَ أنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ يَغِيظُ اللَّهَ - تعالى - فَيُعَجِّلُهُ لَهم جَهْلًا مِنهم بِمَقامِ …

104

وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍۢ مَّعْدُودٍۢ

And We do not delay it except for a limited term.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾

بَيانٌ لِلتَّعْرِيضِ وتَصْرِيحٌ بَعْدَ تَلْوِيحٍ. والمَعْنى: وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ فاحْذَرُوهُ واحْذَرُوا ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو عَذابُ الآخِرَةِ. والإشارَةُ إلى الأخْذِ المُتَقَدِّمِ. وفي هَذا تَخْلُصٌ إلى مَوْعِظَةِ المُسْلِمِينَ والتَّعْرِيضِ بِمَدْحِهِمْ بِأنَّ مِثْلَهم مَن يَنْتَفِعُ بِالآياتِ ويَعْتَبِرُ بِالعِبْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] .

صفحة ١٦١

وجَعَلَ عَذابَ الدُّنْيا آيَةً دالَّةً عَلى عَذابِ الآخِرَةِ لِأنَّ القُرى الظّالِمَةَ تَوَعَّدَها اللَّهُ بِعَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] فَلَمّا عايَنُوا عَذابَ الدُّنْيا كانَ تَحَقُّقُهُ أمارَةً عَلى تَحَقُّقِ العَذابِ الآخَرِ.

وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ هَذا اليَوْمِ حَتّى أنَّ المُتَكَلِّمَ يَبْتَدِئُ كَلامًا لِأجْلِ وصْفِهِ.

والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الآخِرَةِ لِأنَّ ماصَدَقُها يَوْمُ القِيامَةِ، فَتَذْكِيرُ اسْمِ الإشارَةِ مُراعاةٌ لِمَعْنى الآخِرَةِ.

واللّامُ في (مَجْمُوعٍ لَهُ) لامُ العِلَّةِ، أيْ مَجْمُوعٌ النّاسُ لِأجْلِهِ.

ومَجِيءُ الخَبَرِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً في الإخْبارِ عَنِ اليَوْمِ يَدُلُّ عَلى مَعْنى الثَّباتِ، أيْ ثابِتٌ جَمْعُ اللَّهِ النّاسَ لِأجْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَيَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ تَعَلُّقِ الجَمْعِ بِالنّاسِ وتَمَكُّنِ كَوْنِ ذَلِكَ الجَمْعِ لِأجْلِ اليَوْمِ حَتّى لُقِّبَ ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩]

وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ لِلْيَوْمِ بِأنَّهُ يُشْهَدُ. وطُوِيَ ذِكْرُ الفاعِلِ إذِ المُرادُ يَشْهَدُهُ الشّاهِدُونَ، إذْ لَيْسَ القَصْدُ إلى شاهِدِينَ مُعَيَّنِينَ. والإخْبارُ عَنْهُ بِهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّهم يَشْهَدُونَهُ شُهُودًا خاصًّا وهو شُهُودُ الشَّيْءِ المَهُولِ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنْ لا يَقْصِدَ الإخْبارَ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَرْئِيًّا لَكِنَّ المُرادَ كَوْنُهُ مَرْئِيًّا رُؤْيَةً خاصَّةً.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ بِمَعْنى المُحَقَّقِ أيْ مَشْهُودٌ بِوُقُوعِهِ، كَما يُقالُ: حَقٌّ مَشْهُودٌ، أيْ عَلَيْهِ شُهُودٌ لا يُسْتَطاعُ إنْكارُهُ، واضِحٌ لِلْعَيانِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ بِمَعْنى كَثِيرِ الشّاهِدِينَ إيّاهُ لِشُهْرَتِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لِفُلانٍ مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ، كَقَوْلِ أُمِّ قَيْسٍ الضَّبِيَّةِ:

صفحة ١٦٢

ومَشْهَدٌ قَدْ كَفَيْتُ النَّـاطِـقِـينَ بِـهِ في مَحْفَلٍ مِن نَواصِي الخَيْلِ مَشْهُودِ

فَيَكُونُ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٤٢] الآيَةَ.

وجُمْلَةُ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ [هود: ١٠٥] إلَخْ. والمَقْصُودُ الرَّدُّ عَلى المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ مُسْتَدِلِّينَ بِتَأْخِيرِ وُقُوعِهِ في حِينِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ يَحْسَبُونَ أنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ يَغِيظُ اللَّهَ - تعالى - فَيُعَجِّلُهُ لَهم جَهْلًا مِنهم بِمَقامِ …

105

يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّۭ وَسَعِيدٌۭ

The Day it comes no soul will speak except by His permission. And among them will be the wretched and the prosperous.

صفحة ١٦٣

﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سَعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾

جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ تَفْصِيلٌ لِمَدْلُولِ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣] الآيَةَ، وبَيَّنَتْ عَظَمَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ في الشَّرِّ والخَيْرِ تَبَعًا لِذَلِكَ التَّفْصِيلِ. فالمَقْصِدُ الأوَّلُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ وما بَعْدَهُ، وأمّا ما قَبْلَهُ فَتَمْهِيدٌ لَهُ أفْصَحَ عَنْ عَظَمَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وقَدْ جاءَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ اقْتَضاهُ وضْعُ الِاسْتِطْرادِ بِتَعْظِيمِ هَوْلِ اليَوْمِ في مَوْضِعِ الكَلامِ المُتَّصِلِ لِأنَّهُ أسْعَدُ بِتَناسُبِ أغْراضِ الكَلامِ، والظُّرُوفُ صالِحَةٌ لِاتِّصالِ الكَلامِ كَصَلاحِيَّةِ الحُرُوفِ العاطِفَةِ وأدَواتِ الشَّرْطِ.

و(يَوْمٌ) مِن قَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى (حِينَ) أوْ (ساعَةَ)، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ في الكَلامِ العَرَبِيِّ في لَفْظِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ تَوَسُّعًا بِإطْلاقِهِما عَلى جُزْءٍ مِن زَمانِهِما إذْ لا يَخْلُو الزَّمانُ مِن أنْ يَقَعَ في نَهارٍ أوْ في لَيْلٍ فَذَلِكَ يَوْمٌ أوْ لَيْلَةٌ فَإذا أُطْلِقا هَذا الإطْلاقَ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنهُما إلّا مَعْنى حِينَ دُونَ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ ولا بِنَهارٍ ولا لَيْلٍ، ألا تَرى قَوْلَ النّابِغَةَ:

تَخَيَّرْنَ مِن أنْهارِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ

فَأضافَ (أنْهارَ) جَمْعَ نَهارٍ إلى اليَوْمِ. ورُوِيَ: مِن أزْمانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ.

وقَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيْرِ:

كَأنَّ القَلْبَ لَيْلَةَ قِيلَ: يُغْدى ∗∗∗ بِلَيْلى الأخْيَلِـيَّةِ أوْ يُراحُ

صفحة ١٦٤

أرادَ ساعَةَ قِيلَ: يُغْدى بِلَيْلى، ولِذَلِكَ قالَ: يُغْدى أوْ يُراحُ، فَلَمْ يُراقِبْ ما يُناسِبُ لَفْظَ لَيْلَةَ مِنَ الرَّواحِ.

فَقَوْلُهُ - تَعالى: يَوْمَ يَأْتِي مَعْناهُ حِينَ يَأْتِي. وضَمِيرُ يَأْتِي عائِدٌ إلى يَوْمٍ مَشْهُودٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. والمُرادُ بِإتْيانِهِ وُقُوعُهُ وحُلُولُهُ كَقَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ.

فَقَوْلُهُ: يَوْمَ يَأْتِي ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾

وجُمْلَةُ ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى فِعْلِها لِلْغَرَضِ المُتَقَدِّمِ. والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ حِينِ يَحُلُّ اليَوْمُ المَشْهُودُ. والضَّمِيرُ في (بِإذْنِهِ) عائِدٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - المَفْهُومُ مِنَ المَقامِ ومِن ضَمِيرِ نُؤَخِّرُهُ. والمَعْنى أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ أحَدٌ إلّا بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨] . والمَقْصُودُ مِن هَذا إبْطالُ اعْتِقادِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ أنَّ الأصْنامَ لَها حَقُّ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ.

و(نَفْسٌ) يَعُمُّ جَمِيعَ النُّفُوسِ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَشَمَلَ النُّفُوسَ البَرَّةَ والفاجِرَةَ، وشَمَلَ كَلامَ الشّافِعِ وكَلامَ المُجادِلِ عَنْ نَفْسِهِ. وفُصِّلَ عُمُومُ النُّفُوسِ بِاخْتِلافِ أحْوالِها. وهَذا التَّفْصِيلُ مُفِيدٌ تَفْصِيلَ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣]، ولَكِنَّهُ جاءَ …

106

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌۭ وَشَهِيقٌ

As for those who were [destined to be] wretched, they will be in the Fire. For them therein is [violent] exhaling and inhaling.

صفحة ١٦٣

﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سَعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾

جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ تَفْصِيلٌ لِمَدْلُولِ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣] الآيَةَ، وبَيَّنَتْ عَظَمَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ في الشَّرِّ والخَيْرِ تَبَعًا لِذَلِكَ التَّفْصِيلِ. فالمَقْصِدُ الأوَّلُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ وما بَعْدَهُ، وأمّا ما قَبْلَهُ فَتَمْهِيدٌ لَهُ أفْصَحَ عَنْ عَظَمَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وقَدْ جاءَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ اقْتَضاهُ وضْعُ الِاسْتِطْرادِ بِتَعْظِيمِ هَوْلِ اليَوْمِ في مَوْضِعِ الكَلامِ المُتَّصِلِ لِأنَّهُ أسْعَدُ بِتَناسُبِ أغْراضِ الكَلامِ، والظُّرُوفُ صالِحَةٌ لِاتِّصالِ الكَلامِ كَصَلاحِيَّةِ الحُرُوفِ العاطِفَةِ وأدَواتِ الشَّرْطِ.

و(يَوْمٌ) مِن قَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى (حِينَ) أوْ (ساعَةَ)، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ في الكَلامِ العَرَبِيِّ في لَفْظِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ تَوَسُّعًا بِإطْلاقِهِما عَلى جُزْءٍ مِن زَمانِهِما إذْ لا يَخْلُو الزَّمانُ مِن أنْ يَقَعَ في نَهارٍ أوْ في لَيْلٍ فَذَلِكَ يَوْمٌ أوْ لَيْلَةٌ فَإذا أُطْلِقا هَذا الإطْلاقَ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنهُما إلّا مَعْنى حِينَ دُونَ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ ولا بِنَهارٍ ولا لَيْلٍ، ألا تَرى قَوْلَ النّابِغَةَ:

تَخَيَّرْنَ مِن أنْهارِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ

فَأضافَ (أنْهارَ) جَمْعَ نَهارٍ إلى اليَوْمِ. ورُوِيَ: مِن أزْمانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ.

وقَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيْرِ:

كَأنَّ القَلْبَ لَيْلَةَ قِيلَ: يُغْدى ∗∗∗ بِلَيْلى الأخْيَلِـيَّةِ أوْ يُراحُ

صفحة ١٦٤

أرادَ ساعَةَ قِيلَ: يُغْدى بِلَيْلى، ولِذَلِكَ قالَ: يُغْدى أوْ يُراحُ، فَلَمْ يُراقِبْ ما يُناسِبُ لَفْظَ لَيْلَةَ مِنَ الرَّواحِ.

فَقَوْلُهُ - تَعالى: يَوْمَ يَأْتِي مَعْناهُ حِينَ يَأْتِي. وضَمِيرُ يَأْتِي عائِدٌ إلى يَوْمٍ مَشْهُودٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. والمُرادُ بِإتْيانِهِ وُقُوعُهُ وحُلُولُهُ كَقَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ.

فَقَوْلُهُ: يَوْمَ يَأْتِي ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾

وجُمْلَةُ ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى فِعْلِها لِلْغَرَضِ المُتَقَدِّمِ. والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ حِينِ يَحُلُّ اليَوْمُ المَشْهُودُ. والضَّمِيرُ في (بِإذْنِهِ) عائِدٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - المَفْهُومُ مِنَ المَقامِ ومِن ضَمِيرِ نُؤَخِّرُهُ. والمَعْنى أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ أحَدٌ إلّا بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨] . والمَقْصُودُ مِن هَذا إبْطالُ اعْتِقادِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ أنَّ الأصْنامَ لَها حَقُّ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ.

و(نَفْسٌ) يَعُمُّ جَمِيعَ النُّفُوسِ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَشَمَلَ النُّفُوسَ البَرَّةَ والفاجِرَةَ، وشَمَلَ كَلامَ الشّافِعِ وكَلامَ المُجادِلِ عَنْ نَفْسِهِ. وفُصِّلَ عُمُومُ النُّفُوسِ بِاخْتِلافِ أحْوالِها. وهَذا التَّفْصِيلُ مُفِيدٌ تَفْصِيلَ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣]، ولَكِنَّهُ جاءَ …

107

خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ

[They will be] abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will. Indeed, your Lord is an effecter of what He intends.

صفحة ١٦٣

﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سَعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾

جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ تَفْصِيلٌ لِمَدْلُولِ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣] الآيَةَ، وبَيَّنَتْ عَظَمَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ في الشَّرِّ والخَيْرِ تَبَعًا لِذَلِكَ التَّفْصِيلِ. فالمَقْصِدُ الأوَّلُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ وما بَعْدَهُ، وأمّا ما قَبْلَهُ فَتَمْهِيدٌ لَهُ أفْصَحَ عَنْ عَظَمَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وقَدْ جاءَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ اقْتَضاهُ وضْعُ الِاسْتِطْرادِ بِتَعْظِيمِ هَوْلِ اليَوْمِ في مَوْضِعِ الكَلامِ المُتَّصِلِ لِأنَّهُ أسْعَدُ بِتَناسُبِ أغْراضِ الكَلامِ، والظُّرُوفُ صالِحَةٌ لِاتِّصالِ الكَلامِ كَصَلاحِيَّةِ الحُرُوفِ العاطِفَةِ وأدَواتِ الشَّرْطِ.

و(يَوْمٌ) مِن قَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى (حِينَ) أوْ (ساعَةَ)، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ في الكَلامِ العَرَبِيِّ في لَفْظِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ تَوَسُّعًا بِإطْلاقِهِما عَلى جُزْءٍ مِن زَمانِهِما إذْ لا يَخْلُو الزَّمانُ مِن أنْ يَقَعَ في نَهارٍ أوْ في لَيْلٍ فَذَلِكَ يَوْمٌ أوْ لَيْلَةٌ فَإذا أُطْلِقا هَذا الإطْلاقَ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنهُما إلّا مَعْنى حِينَ دُونَ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ ولا بِنَهارٍ ولا لَيْلٍ، ألا تَرى قَوْلَ النّابِغَةَ:

تَخَيَّرْنَ مِن أنْهارِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ

فَأضافَ (أنْهارَ) جَمْعَ نَهارٍ إلى اليَوْمِ. ورُوِيَ: مِن أزْمانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ.

وقَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيْرِ:

كَأنَّ القَلْبَ لَيْلَةَ قِيلَ: يُغْدى ∗∗∗ بِلَيْلى الأخْيَلِـيَّةِ أوْ يُراحُ

صفحة ١٦٤

أرادَ ساعَةَ قِيلَ: يُغْدى بِلَيْلى، ولِذَلِكَ قالَ: يُغْدى أوْ يُراحُ، فَلَمْ يُراقِبْ ما يُناسِبُ لَفْظَ لَيْلَةَ مِنَ الرَّواحِ.

فَقَوْلُهُ - تَعالى: يَوْمَ يَأْتِي مَعْناهُ حِينَ يَأْتِي. وضَمِيرُ يَأْتِي عائِدٌ إلى يَوْمٍ مَشْهُودٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. والمُرادُ بِإتْيانِهِ وُقُوعُهُ وحُلُولُهُ كَقَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ.

فَقَوْلُهُ: يَوْمَ يَأْتِي ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾

وجُمْلَةُ ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى فِعْلِها لِلْغَرَضِ المُتَقَدِّمِ. والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ حِينِ يَحُلُّ اليَوْمُ المَشْهُودُ. والضَّمِيرُ في (بِإذْنِهِ) عائِدٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - المَفْهُومُ مِنَ المَقامِ ومِن ضَمِيرِ نُؤَخِّرُهُ. والمَعْنى أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ أحَدٌ إلّا بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨] . والمَقْصُودُ مِن هَذا إبْطالُ اعْتِقادِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ أنَّ الأصْنامَ لَها حَقُّ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ.

و(نَفْسٌ) يَعُمُّ جَمِيعَ النُّفُوسِ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَشَمَلَ النُّفُوسَ البَرَّةَ والفاجِرَةَ، وشَمَلَ كَلامَ الشّافِعِ وكَلامَ المُجادِلِ عَنْ نَفْسِهِ. وفُصِّلَ عُمُومُ النُّفُوسِ بِاخْتِلافِ أحْوالِها. وهَذا التَّفْصِيلُ مُفِيدٌ تَفْصِيلَ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣]، ولَكِنَّهُ جاءَ …

108

۞ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُوا۟ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۖ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍۢ

And as for those who were [destined to be] prosperous, they will be in Paradise, abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will - a bestowal uninterrupted.

صفحة ١٦٣

﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سَعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾

جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ تَفْصِيلٌ لِمَدْلُولِ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣] الآيَةَ، وبَيَّنَتْ عَظَمَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ في الشَّرِّ والخَيْرِ تَبَعًا لِذَلِكَ التَّفْصِيلِ. فالمَقْصِدُ الأوَّلُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ وما بَعْدَهُ، وأمّا ما قَبْلَهُ فَتَمْهِيدٌ لَهُ أفْصَحَ عَنْ عَظَمَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وقَدْ جاءَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ اقْتَضاهُ وضْعُ الِاسْتِطْرادِ بِتَعْظِيمِ هَوْلِ اليَوْمِ في مَوْضِعِ الكَلامِ المُتَّصِلِ لِأنَّهُ أسْعَدُ بِتَناسُبِ أغْراضِ الكَلامِ، والظُّرُوفُ صالِحَةٌ لِاتِّصالِ الكَلامِ كَصَلاحِيَّةِ الحُرُوفِ العاطِفَةِ وأدَواتِ الشَّرْطِ.

و(يَوْمٌ) مِن قَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى (حِينَ) أوْ (ساعَةَ)، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ في الكَلامِ العَرَبِيِّ في لَفْظِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ تَوَسُّعًا بِإطْلاقِهِما عَلى جُزْءٍ مِن زَمانِهِما إذْ لا يَخْلُو الزَّمانُ مِن أنْ يَقَعَ في نَهارٍ أوْ في لَيْلٍ فَذَلِكَ يَوْمٌ أوْ لَيْلَةٌ فَإذا أُطْلِقا هَذا الإطْلاقَ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنهُما إلّا مَعْنى حِينَ دُونَ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ ولا بِنَهارٍ ولا لَيْلٍ، ألا تَرى قَوْلَ النّابِغَةَ:

تَخَيَّرْنَ مِن أنْهارِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ

فَأضافَ (أنْهارَ) جَمْعَ نَهارٍ إلى اليَوْمِ. ورُوِيَ: مِن أزْمانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ.

وقَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيْرِ:

كَأنَّ القَلْبَ لَيْلَةَ قِيلَ: يُغْدى ∗∗∗ بِلَيْلى الأخْيَلِـيَّةِ أوْ يُراحُ

صفحة ١٦٤

أرادَ ساعَةَ قِيلَ: يُغْدى بِلَيْلى، ولِذَلِكَ قالَ: يُغْدى أوْ يُراحُ، فَلَمْ يُراقِبْ ما يُناسِبُ لَفْظَ لَيْلَةَ مِنَ الرَّواحِ.

فَقَوْلُهُ - تَعالى: يَوْمَ يَأْتِي مَعْناهُ حِينَ يَأْتِي. وضَمِيرُ يَأْتِي عائِدٌ إلى يَوْمٍ مَشْهُودٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. والمُرادُ بِإتْيانِهِ وُقُوعُهُ وحُلُولُهُ كَقَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ.

فَقَوْلُهُ: يَوْمَ يَأْتِي ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾

وجُمْلَةُ ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى فِعْلِها لِلْغَرَضِ المُتَقَدِّمِ. والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ حِينِ يَحُلُّ اليَوْمُ المَشْهُودُ. والضَّمِيرُ في (بِإذْنِهِ) عائِدٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - المَفْهُومُ مِنَ المَقامِ ومِن ضَمِيرِ نُؤَخِّرُهُ. والمَعْنى أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ أحَدٌ إلّا بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨] . والمَقْصُودُ مِن هَذا إبْطالُ اعْتِقادِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ أنَّ الأصْنامَ لَها حَقُّ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ.

و(نَفْسٌ) يَعُمُّ جَمِيعَ النُّفُوسِ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَشَمَلَ النُّفُوسَ البَرَّةَ والفاجِرَةَ، وشَمَلَ كَلامَ الشّافِعِ وكَلامَ المُجادِلِ عَنْ نَفْسِهِ. وفُصِّلَ عُمُومُ النُّفُوسِ بِاخْتِلافِ أحْوالِها. وهَذا التَّفْصِيلُ مُفِيدٌ تَفْصِيلَ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣]، ولَكِنَّهُ جاءَ …

109

فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّمَّا يَعْبُدُ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ ۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍۢ

So do not be in doubt, [O Muhammad], as to what these [polytheists] are worshipping. They worship not except as their fathers worshipped before. And indeed, We will give them their share undiminished.

صفحة ١٦٧

﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى القَصَصِ الماضِيَةِ فَإنَّها تُكْسِبُ سامِعَها يَقِينًا بِباطِلِ ما عَلَيْهِ عَبْدَةُ الأصْنامِ وبِخَيْبَةِ ما أمَّلُوهُ فِيهِمْ مِنَ الشَّفاعَةِ في الدُّنْيا وإنَّ سابِقَ شَقائِهِمْ في الدُّنْيا بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ يُؤْذِنُ بِسُوءِ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، فَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ نَهْيَ السّامِعِ أنْ يَشُكَّ في سُوءِ الشِّرْكِ وفَسادِهِ.

والخِطابُ في نَحْوِ ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ يَقْصِدُ بِهِ أيَّ سامِعٍ لا سامِعًا مُعَيَّنًا سَواءٌ كانَ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ أنْ يَشُكَّ في ذَلِكَ أمْ لا؛ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مُعَيَّنًا.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَكُونُ لا تَكُ مَقْصُودًا بِهِ مُجَرَّدُ تَحْقِيقِ الخَبَرِ فَإنَّهُ جَرى مَجْرى المَثَلِ في ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ مِثْلَ كَلِمَةِ: لا شَكَّ، ولا مَحالَةَ، ولا أعْرِفَنَّكَ، ونَحْوَها.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَثْبِيتًا لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى ما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ مِنَ التَّصَلُّبِ في الشِّرْكِ، أيْ لا تَكُنْ شاكًّا في أنَّكَ لَقِيتَ مِن قَوْمِكَ مِنَ التَّكْذِيبِ مِثْلَ ما لَقِيَهُ الرُّسُلُ مِن أُمَمِهِمْ فَإنَّ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلّا عِبادَةَ كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ مُتَوارِثِينَها عَنْ أسْلافِهِمْ مِنَ الأُمَمِ البائِدَةِ.

و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ.

والمِرْيَةُ - بِكَسْرِ المِيمِ -: الشَّكُّ. وقَدْ جاءَ فِعْلُها عَلى وزْنِ فاعَلَ أوْ تَفاعَلَ وافْتَعَلَ. ولَمْ يَجِئْ عَلى وزْنٍ مُجَرَّدٍ لِأنَّ أصْلَ المِراءِ المُجادَلَةُ والمُدافَعَةُ مُسْتَعارًا مِن مَرَيْتُ الشّاةَ إذا اسْتَخْرَجْتُ لَبَنَها. ومِنهُ قَوْلُهم: لا يُجارى ولا يُمارى. وفي القُرْآنِ ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢] . وقَدْ تَقَدَّمَ الِامْتِراءُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢] في أوَّلِ الأنْعامِ.

صفحة ١٦٨

و(ما) في قَوْلِهِ: (ما يَعْبُدُ) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ لا تَكُ في شَكٍّ مِن عِبادَةِ هَؤُلاءِ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ.

وقَدْ تَتَبَّعْتُ اصْطِلاحَ القُرْآنِ فَوَجَدْتُهُ عَناهم بِاسْمِ الإشارَةِ هَذا في نَحْوِ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا وهو مِمّا أُلْهِمْتُ إلَيْهِ ونَبَّهْتُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] في سُورَةِ النِّساءِ.

ومَعْنى الشَّكِّ في عِبادَتِهِمْ لَيْسَ إلّا الشَّكُّ في شَأْنِها؛ لِأنَّ عِبادَتَهم مَعْلُومَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلا وجْهَ لِنَفْيِ مِرْيَتِهِ فِيها، وإنَّما المُرادُ نَفْيُ الشَّكِّ فِيما قَدْ يَعْتَرِيهِ مِنَ الشَّكِّ مِن أنَّهم هَلْ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا أوْ يَتْرُكُهم إلى عِقابِ الآخِرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، تَعْلِيلًا لِانْتِفاءِ الشَّكِّ في عاقِبَةِ أمْرِهِمْ في الدُّنْيا.

ووَجْهُ كَوْنِهِ عِلَّةً أنَّهُ لَمّا كانَ دِينُهم عَيْنَ دِينِ مَن كانَ قَبْلَهم مِن آبائِهِمْ وقَدْ بَلَغَكم ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ عِقابًا عَلى دِينِهِمْ فَأنْتُمْ تُوقِنُونَ بِأنَّ جَزاءَهم سَيَكُونُ مُماثِلًا لِجَزاءِ أسْلافِهِمْ؛ لِأنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَقْتَضِي المُساواةَ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ المُتَماثِلَةِ.

والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ المَصادِرِ. وكافُ التَّشْبِيهِ نائِبَةٌ عَنْ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. التَّقْدِيرُ: إلّا عِبادَةَ كَما يَعْبُدُ آباؤُهم.

والآباءُ: أُطْلِقَ …

110

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ

And We had certainly given Moses the Scripture, but it came under disagreement. And if not for a word that preceded from your Lord, it would have been judged between them. And indeed they are, concerning the Qur'an, in disquieting doubt.

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾

اعْتِراضٌ لِتَثْبِيتِ النَّبِيِّ ﷺ وتَسْلِيَتِهِ بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ وهم أحْسَنُ حالًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ قَدْ أُوتُوا الكِتابَ فاخْتَلَفُوا فِيهِ، وهم أهْلُ مِلَّةٍ واحِدَةٍ فَلا تَأْسَ مِنِ اخْتِلافِ قَوْمِكَ عَلَيْكَ، فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ [هود: ١٠٩]

ولِأجْلِ ما فِيها مِن مَعْنى التَّثْبِيتِ فَرَّعَ عَلَيْها قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] .

وقَوْلُهُ: فاخْتُلِفَ فِيهِ أيْ في الكِتابِ، وهو التَّوْراةُ. ومَعْنى الِاخْتِلافِ فِيهِ اخْتِلافُ أهْلِ التَّوْراةِ في تَقْرِيرِ بَعْضِها وإبْطالِ بَعْضٍ، وفي إظْهارِ بَعْضِها

صفحة ١٧٠

وإخْفاءِ بَعْضٍ مِثْلَ حُكْمِ الرَّجْمِ، وفي تَأْوِيلِ البَعْضِ عَلى هَواهم، وفي إلْحاقِ أشْياءَ بِالكِتابِ عَلى أنَّها مِنهُ، كَما قالَ - تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩] . فَهَذا مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ مِن بَعْضِهِمْ لا مِن جَمِيعِهِمْ فَيَقْتَضِي الِاخْتِلافَ بَيْنَهم بَيْنَ مُثْبِتٍ ونافٍ، وهَذا الِاخْتِلافُ بِأنْواعِهِ وأحْوالِهِ يَرْجِعُ إلى الِاخْتِلافِ في شَيْءٍ مِنَ الكِتابِ. فَجُمِعَتْ هَذِهِ المَعانِي جَمْعًا بَدِيعًا في تَعْدِيَةِ الِاخْتِلافِ بِحَرْفِ (في) الدّالَّةِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ وهي كالمُلابَسَةِ، أيْ فاخْتُلِفَ اخْتِلافًا يُلابِسُهُ، أيْ يُلابِسُ الكِتابَ.

ولِأنَّ الغَرَضَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِبَيانِ المُخْتَلِفِينَ ولا بِذَمِّهِمْ لِأنَّ مِنهُمُ المَذْمُومَ وهُمُ الَّذِينَ أقْدَمُوا عَلى إدْخالِ الِاخْتِلافِ، ومِنهُمُ المَحْمُودَ وهُمُ المُنْكِرُونَ عَلى المُبَدِّلِينَ كَما قالَ - تَعالى: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] وسَيَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ [هود: ١١١]، بَلْ كانَ لِلتَّحْذِيرِ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِهِ.

بُنِيَ فِعْلُ (اخْتُلِفَ) لِلْمَجْهُولِ إذْ لا غَرَضَ إلّا في ذِكْرِ الفِعْلِ لا في فاعِلِهِ.

* * *

﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةٍ ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] ويَكُونُ الِاعْتِراضُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: (فاخْتُلِفَ فِيهِ)، وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ (بَيْنِهِمْ) عائِدٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] أيْ ولَوْلا ما سَبَقَ مِن حِكْمَةِ اللَّهِ أنْ يُؤَخِّرَ عَنْهُمُ العَذابَ لَقُضِيَ بَيْنَهم، أيْ لَقَضى اللَّهُ بَيْنَهم، فَأهْلَكَ المُشْرِكِينَ والمُخالِفِينَ ونَصَرَ المُؤْمِنِينَ.

فَيَكُونُ (بَيْنَهم) هو نائِبُ فاعِلِ (قُضِيَ) . والتَّقْدِيرُ: لَوَقَعَ العَذابُ بَيْنَهم، أيْ فِيهِمْ.

صفحة ١٧١

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (فاخْتُلِفَ فِيهِ) فَيَكُونُ ضَمِيرُ (بَيْنِهِمْ) عائِدًا إلى ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: فاخْتُلِفَ فِيهِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي جَماعَةً مُخْتَلِفِينَ في أحْكامِ الكِتابِ، ويَكُونُ (بَيْنَهم) مُتَعَلِّقًا بِـ (قُضِيَ)، أيْ لِحُكْمٍ بَيْنَهم بِإظْهارِ المُصِيبِ مِنَ المُخْطِئِ في أحْكامِ الكِتابِ فَيَكُونُ تَحْذِيرًا مِنَ الِاخْتِلافِ، أيْ أنَّهُ إنْ وقَعَ أمْهَلَ اللَّهُ المُخْتَلِفِينَ فَتَرَكَهم في شَكٍّ. ولَيْسَ مِن سُنَّةِ اللَّهِ أنْ يَقْضِيَ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ فَيُوقِفَهم عَلى تَمْيِيزِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ، أيْ فَعَلَيْكم بِالحَذَرِ مِنَ الِاخْتِلافِ في كِتابِكم فَإنَّكم إنِ اخْتَلَفْتُمْ بَقِيتُمْ في شَكٍّ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.