قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًۭا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًۭا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَٰكَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍۢ
They said, "O Shu'ayb, we do not understand much of what you say, and indeed, we consider you among us as weak. And if not for your family, we would have stoned you [to death]; and you are not to us one respected."
أيْ وأرْسَلَنا إلى مَدْيَنَ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ أخاهم في النَّسَبِ شُعَيْبًا، وسُمُّوا مَدْيَنَ بِاسْمِ أبِيهِمْ، وهو مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ، وقِيلَ بِاسْمِ مَدِينَتِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: لا يَنْصَرِفُ مَدِينُ لِأنَّهُ اسْمُ مَدِينَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الأعْرافِ بِأبْسَطِ مِمّا هُنا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ في أوَّلِ السُّورَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهم شُعَيْبٌ لَمّا أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ ؟ وقَدْ كانَ شُعَيْبُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُسَمّى خَطِيبَ الأنْبِياءِ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ لِقَوْمِهِ، أمَرَهم أوَّلًا بِعِبادَةِ الِلَّهِ سُبْحانَهُ الَّذِي هو الإلَهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ثُمَّ نَهاهم عَنْ أنْ يَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ، لِأنَّهم كانُوا مَعَ كُفْرِهِمْ أهْلَ تَطْفِيفٍ، كانُوا إذا جاءَهُمُ البائِعُ بِالطَّعامِ أخَذُوا بِكَيْلٍ زائِدٍ وكَذَلِكَ إذا وصَلَ إلَيْهِمُ المَوْزُونُ أخَذُوا بِوَزْنٍ زائِدٍ، وإذا باعُوا باعُوا بِكَيْلٍ ناقِصٍ ووَزْنٍ ناقِصٍ، وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ: أيْ لا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ لِأنِّي أراكم بِخَيْرٍ: أيْ بِثَرْوَةٍ وسِعَةٍ في الرِّزْقِ فَلا تُغَيِّرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم بِمَعْصِيَتِهِ والإضْرارِ بِعِبادِهِ، فَفي هَذِهِ النِّعْمَةِ ما يُغْنِيكم عَنْ أخْذِ أمْوالِ النّاسِ بِغَيْرِ حَقِّها، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ العِلَّةِ عِلَّةً أُخْرى، فَقالَ: ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ فَهَذِهِ العِلَّةُ فِيها الإذْكارُ لَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ كَما أنَّ العِلَّةَ الأُولى فِيها الإذْكارُ لَهم بِنَعِيمِ الدُّنْيا، ووَصَفَ اليَوْمَ بِالإحاطَةِ والمُرادُ العَذابُ، لِأنَّ العَذابَ واقِعٌ في اليَوْمِ، ومَعْنى إحاطَةِ عَذابِ اليَوْمِ بِهِمْ أنَّهُ لا يَشِذُّ مِنهم أحَدٌ عَنْهُ ولا يَجِدُونَ مِنهُ مَلْجَأً ولا مَهْرَبًا، واليَوْمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقِيلَ: هو يَوْمُ الِانْتِقامِ مِنهم في الدُّنْيا بِالصَّيْحَةِ.
ثُمَّ أكَّدَ النَّهْيَ عَنْ نَقْصِ الكَيْلِ والوَزْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ والإيفاءُ هو الإتْمامُ، والقِسْطُ العَدْلُ، وهو عَدَمُ الزِّيادَةِ والنَّقْصِ وإنْ كانَ الزِّيادَةُ عَلى الإيفاءِ فَضْلٌ وخَيْرٌ، ولَكِنَّها فَوْقَ ما يُفِيدُهُ اسْمُ العَدْلِ، والنَّهْيُ عَنِ النَّقْصِ وإنْ كانَ يَسْتَلْزِمُ الإيفاءَ فَفي تَعاضُدِ الدَّلالَتَيْنِ مُبالَغَةٌ بَلِيغَةٌ وتَأْكِيدٌ حَسَنٌ، ثُمَّ زادَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا فَقالَ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذا في الأعْرافِ، وفِيهِ النَّهْيُ عَنِ البَخْسِ عَلى العُمُومِ، والأشْياءُ أعَمُّ مِمّا يُكالُ ويُوزَنُ فَيَدْخُلُ البَخْسُ بِتَطْفِيفِ الكَيْلِ والوَزْنِ في هَذا دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقِيلَ: البَخْسُ المَكْسُ خاصَّةً، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قَدْ مَرَّ أيْضًا تَفْسِيرُهُ في البَقَرَةِ، والعُثِيُّ في الأرْضِ يَشْمَلُ كُلَّ ما يَقَعُ فِيها مِنَ الإضْرارِ بِالنّاسِ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما في السِّياقِ مِن نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ، وقَيَّدَهُ بِالحالِ وهو قَوْلُهُ: مُفْسِدِينَ لِيُخْرِجَ ما كانَ صُورَتُهُ مِنَ العُثِيِّ في الأرْضِ، والمَقْصُودُ بِهِ الإصْلاحُ كَما وقَعَ مِنَ الخَضِرِ في السَّفِينَةِ.
﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ ما يُبْقِيهِ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ إيفاءِ الحُقُوقِ بِالقِسْطِ أكْثَرُ خَيْرًا وبَرَكَةً مِمّا تُبْقُونَهُ لِأنْفُسِكم مِنَ …