Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 51–60 of 109

51

أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓ ۚ ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ

Then is it that when it has [actually] occurred you will believe in it? Now? And you were [once] for it impatient

Explained together with ayah 43

52

ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ

Then it will be said to those who had wronged, "Taste the punishment of eternity; are you being recompensed except for what you used to earn?"

Explained together with ayah 43

53

۞ وَيَسْتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

And they ask information of you, [O Muhammad], "Is it true?" Say, "Yes, by my Lord. Indeed, it is truth; and you will not cause failure [to Allah]."

[فصل: في حَلِف المفتى عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ]

يَجُوزُ لِلْمُفْتِي والمُناظِرِ أنْ يَحْلِفَ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ عِنْدَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ حَلِفُهُ مُوجِبًا لِثُبُوتِهِ عِنْدَ السّائِلِ والمُنازِعِ؛ لِيَشْعُرَ السّائِلُ والمُنازِعُ لَهُ أنَّهُ عَلى ثِقَةٍ ويَقِينٍ مِمّا قالَ لَهُ، وأنَّهُ غَيْرُ شاكٍّ فِيهِ، فَقَدْ تَناظَرَ رَجُلانِ في مَسْألَةٍ؛ فَحَلَفَ أحَدُهُما عَلى ما يَعْتَقِدُهُ، فَقالَ لَهُ مُنازِعُهُ: لا يَثْبُتُ الحُكْمُ بِحَلِفِك، فَقالَ: إنِّي لَمْ أحْلِفْ لِيَثْبُتَ الحُكْمُ عِنْدَك، ولَكِنْ؛ لِأُعْلِمَك أنِّي عَلى يَقِينٍ وبَصِيرَةٍ مِن قَوْلِي، وأنَّ شُبْهَتَك لا تُغَيِّرُ عِنْدِي في وجْهِ يَقِينِي ما أنا جازِمٌ بِهِ.

وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَحْلِفَ عَلى ثُبُوتِ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، أحَدُها: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]

والثّانِي: قَوْله تَعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمِ الغَيْبِ﴾ [سبأ: ٣]

والثّالِثُ: قَوْله تَعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧].

وَقَدْ أقْسَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن الحَقِّ في أكْثَرَ مِن ثَمانِينَ مَوْضِعًا، وهي مَوْجُودَةٌ في الصِّحاحِ والمَسانِيدِ، وقَدْ كانَ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يَحْلِفُونَ عَلى الفَتاوى والرِّوايَةِ، «فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ لِابْنِ عَبّاسٍ في مُتْعَةِ النِّساءِ: إنّك امْرُؤٌ تائِهٌ، فانْظُرْ ما تُفْتِي بِهِ في مُتْعَةِ النِّساءِ، فَواللَّهِ وأشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ نَهى عَنْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».

وَلَمّا وُلِّيَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: يا أيُّها النّاسُ إنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أحَلَّ المُتْعَةَ ثَلاثًا، ثُمَّ حَرَّمَها ثَلاثًا، فَأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَمًا لا أجِدُ أحَدًا مِن المُسْلِمِينَ مُتَمَتِّعًا إلّا رَجَمْتُهُ، إلّا أنْ يَأْتِيَ بِأرْبَعَةٍ مِن المُسْلِمِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أحَلَّها بَعْدَ أنْ حَرَّمَها.

وَقَدْ حَلَفَ الشّافِعِيُّ في بَعْضِ أجْوِبَتِهِ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَكَمِ: سَألْت الشّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ المُتْعَةِ كانَ يَكُونُ فِيها طَلاقٌ أوْ مِيراثٌ أوْ نَفَقَةٌ أوْ شَهادَةٌ؟ فَقالَ: لا واللَّهِ ما أدْرِي.

وَقالَ يَزِيدُ بْنُ هارُونَ: مَن قالَ القُرْآنُ مَخْلُوقٌ أوْ شَيْءٌ مِنهُ مَخْلُوقٌ فَهو واللَّهِ عِنْدِي زِنْدِيقٌ.

وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ في الرُّؤْيَةِ، فَقالَ: واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو مَن كَذَّبَ بِهِ ما هم إلّا زَنادِقَةً، وأمّا الإمامُ أحْمَدُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ورِضْوانُهُ فَإنَّهُ حَلَفَ عَلى عِدَّةِ مَسائِلَ مِن فَتاوِيهِ.

قِيلَ: أيَزِيدُ الرَّجُلُ في الوُضُوءِ عَلى ثَلاثِ مَرّاتٍ؟ فَقالَ: لا واللَّهِ، إلّا رَجُلٌ مُبْتَلًى، يَعْنِي بِالوَسْواسِ.

وَسُئِلَ عَنْ تَخَلُّلِ الرَّجُلِ لِحْيَتَهُ إذا تَوَضَّأ، فَقالَ: إي واللَّهِ.

وَسُئِلَ يَكُونُ الرَّجُلُ في الجِهادِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يُبارِزُ عِلْجًا بِغَيْرِ إذْنِ الإمامِ، فَقالَ: لا واللَّهِ.

وَقِيلَ لَهُ: أتَكْرَهُ الصَّلاةَ في المَقْصُورَةِ؟ فَقالَ: إي واللَّهِ، قُلْت: وهَذا لَمّا كانَتْ المَقْصُورَةُ تُحْمى لِلْأُمَراءِ وأتْباعِهِمْ.

وَسُئِلَ: أيُؤْجَرُ الرَّجُلُ عَلى بُغْضِ مَن خالَفَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَ: إي واللَّهِ.

وَسُئِلَ: مَن قالَ القُرْآنُ مَخْلُوقٌ كافِرٌ؟ …

54

وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍۢ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

And if each soul that wronged had everything on earth, it would offer it in ransom. And they will confide regret when they see the punishment; and they will be judged in justice, and they will not be wronged

Explained together with ayah 53

55

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

Unquestionably, to Allah belongs whatever is in the heavens and the earth. Unquestionably, the promise of Allah is truth, but most of them do not know

Explained together with ayah 53

56

هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

He gives life and causes death, and to Him you will be returned

Explained together with ayah 53

57

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌۭ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ

O mankind, there has to come to you instruction from your Lord and healing for what is in the breasts and guidance and mercy for the believers.

فهو شفاء لما في الصدور من مرض الجهل والغي، فإن الجهل مرض شفاؤه العلم والهدى. والغي مرض شفاؤه الرشد، وقد نزه الله سبحانه نبيه عن هذين الداءين. فقال:

﴿والنَّجْمِ إذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى (٢)﴾.

ووصف رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم خلفاءه بضدهما فقال: " عَلَيْكم بِسُنّتِي وسُنَّةِ اَلْخْلَفاءِ الرّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ مِن بَعْدِي".

وجعل كلامه سبحانه موعظة للناس عامة، وهدى ورحمة لمن آمن به خاصة، وشفاء تاما لما في الصدور، فمن استشفى به صح وبرئ من مرضه ومن لم يستشف به فهو كما قيل:

؎إذا بَلَّ مِن داءٍ بِهِ ظَنَّ أنّهُ ∗∗∗ نَجا وبِهِ الدّاءُ الّذِي هو قاتِلُهْ

وقال تعالى ﴿وَنُنَزلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالمِينَ إلا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]

والأظهر أن "من" هاهنا لبيان الجنس، فالقرآن جميعه شفاء ورحمة للمؤمنين.

(فائدة)

قوله تعالى: ﴿يا أيها النّاس قد جاءتكم موعظة من ربكُم وشفاء لما في الصُّدُور وهدى ورَحْمَة للْمُؤْمِنين﴾

فَعم بِالمَوْعِظَةِ والشفاء وخص بِالهدى والمعرفة فَهو نَفسه شِفاء استشفى بِهِ أوْ لم يسْتَشف بِهِ ولم يصف الله في كِتابه بالشفاء إلّا القُرْآن والعَسَل فهما الشفاآن هَذا شِفاء القُلُوب من أمراض غيها وضلالها وأدواء شبهاتها وشهواتها، وهَذا شِفاء للأبدان من كثير من أسقامها وأخلاطها وآفاتها ولَقَد أصابني أيام مقامي بِمَكَّة أسقام مُخْتَلفَة ولا طَبِيب هُناكَ ولا أدوية كَما في غَيرها من المدن فَكنت استشفي بالعسل وماء زَمْزَم ورأيت فيهما من الشِّفاء أمرا عجيبا، وتَأمل إخباره سُبْحانَهُ وتَعالى عَن القُرْآن بِأنَّهُ نَفسه شِفاء وقالَ عَن السعل ﴿فِيهِ شِفاء للنّاس﴾ وما كانَ نَفسه شِفاء أبلغ مِمّا جعل فِيهِ شِفاء ولَيْسَ هَذا مَوضِع استقصاء فوائد العسل ومنافعه.

[فصل: في أن القرآن متضمن لأدوية القلب، وعلاجه من جميع أمراضه]

قال الله عز وجل: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظةٌ مِن ربكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧]

وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢].

وقد تقدم أن جماع أمراض القلب هي أمراض الشبهات والشهوات.

والقرآن شفاء للنوعين. ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل، فتزول أمراض الشبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك، بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه، وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات على المطالب العالية: من التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد والنبوات، ورد النحل الباطلة والآراء الفاسدة، مثل القرآن. فإنه كفيل بذلك كله، متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول وأفصحها بيانا. فهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك، ولكن ذلك موقوف على فهمه ومعرفة المراد منه. فمن رزقه الله تعالى ذلك أبصر الحق والباطل عيانا بقلبه، كما يرى الليل والنهار، وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقولاتهم بين علوم لا ثقة بها، وإنما هي آراء وتقليد. وبين ظنون كاذبة لا تغنى من الحق شيئا. وبين أمور صحيحة لا منفعة للقلب فيها. وبين علوم صحيحة قد وعروا الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها، مع قلة نفعها. فهي:

"لَحْمُ جَمَلٍ غَثّ عَلى رَأْسِ جَبَلٍ وعْرٍ، لا سَهْلٌ فَيُرْتَقى، ولا سَمِينٌ فَينتفلُ".

وأحسن ما عند المتكلمين وغيرهم فهو في القرآن أصح تقريرا وأحسن تفسيرا، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد، كما قيل:

؎لوْلا التَّنافُسُ في الدُّنْيا لَما وُضِعَتْ ∗∗∗ كُتْبُ التَّناظُرِ لا المُغْنى ولا العُمَدُ

؎يُحَلِّلُونَ بِزَعْمٍ مِنهُمُ عُقَدًا ∗∗∗ وبِالذِي وضَعُوهُ زادَتِ العُقَدُ

فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشبه والشكوك، والفاضل الذكي يعلم أن الشبه والشكوك …

58

قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

Say, "In the bounty of Allah and in His mercy - in that let them rejoice; it is better than what they accumulate."

وَقَدْ دارَتْ أقْوالُ السَّلَفِ عَلى أنَّ فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ هي الإسْلامُ والسُّنَّةُ وعَلى حَسَبِ حَياةِ القَلْبِ يَكُونُ فَرَحُهُ بِهِما، وكُلَّما كانَ أرْسَخَ فِيهِما كانَ قَلْبُهُ أشَدَّ فَرَحًا حَتّى إنَّ القَلْبَ لَيَرْقُصُ فَرَحا إذا باشَرَ رُوحَ السُّنَّةِ أحْزَنَ ما يَكُونُ النّاسُ، وهو مُمْتَلِئٌ أمْنًا أخْوَفَ ما يَكُونُ النّاسُ.

فَإنَّ السُّنَّةَ حِصْنُ اللَّهِ الحَصِينُ الَّذِي مَن دَخَلَهُ كانَ مِنَ الآمِنِينَ. وبابُهُ الأعْظَمُ الَّذِي مَن دَخَلَهُ كانَ إلَيْهِ مِنَ الواصِلِينَ تَقُومُ بِأهْلِها وإنْ قَعَدَتْ بِهِمْ أعْمالُهم ويَسْعى نُورُها بَيْنَ أيْدِيهِمْ إذا طُفِئَتْ لِأهْلِ " البِدَعِ والنِّفاقِ أنْوارُهم "، وأهْلُ السُّنَّةِ: هُمُ المُبْيَضَّةُ وُجُوهُهم إذا اسْوَدَّتْ وُجُوهُ أهْلِ البِدْعَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] الآيَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أهْلِ السُّنَّةِ والِائْتِلافِ وتَسْوَدُّ وُجُوهُ أهْلِ البِدْعَةِ والتَّفَرُّقِ.

وَهِيَ الحَياةُ والنُّورُ " اللَّذانِ " بِهِما سَعادَةُ العَبْدِ وهُداهُ وفَوْزُهُ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها. . .﴾ [الأنعام: ١٢٢].

فَصاحِبُ السُّنَّةِ: حَيُّ القَلْبِ، مُسْتَنِيرُ القَلْبِ، وصاحِبُ البِدْعَةِ: مَيِّتُ القَلْبِ مُظْلِمُهُ.

وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ في كِتابِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ وجَعَلَهُما صِفَةَ أهْلِ الإيمانِ وجَعَلَ ضِدَّهُما صِفَةَ مَن خَرَجَ عَنِ الإيمانِ، فَإنَّ القَلْبَ الحَيَّ المُسْتَنِيرَ هو الَّذِي عَقَلَ عَنِ اللَّهِ، وأذْعَنَ وفَهِمَ عَنْهُ، وانْقادَ لِتَوْحِيدِهِ، ومُتابَعَةِ ما بُعِثَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. " والقَلْبُ المَيِّتُ المُظْلِمُ الَّذِي لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللَّهِ ولا انْقادَ لِما بُعِثَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " ولِهَذا يَصِفُ سُبْحانَهُ هَذا الضَّرْبَ مِنَ النّاسِ بِأنَّهم أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ، وبِأنَّهم في الظُّلُماتِ لا يَخْرُجُونَ مِنها، ولِهَذا كانَتِ الظُّلْمَةُ مُسْتَوْلِيَةً عَلَيْهِمْ في جَمِيعِ جِهاتِهِمْ فَقُلُوبُهم مُظْلِمَةٌ تَرى الحَقَّ في صُورَةِ الباطِلِ، والباطِلَ في صُورَةِ الحَقِّ، وأعْمالُهم مُظْلِمَةٌ، وأقْوالُهم مُظْلِمَةٌ، وأحْوالُهم كُلُّها مُظْلِمَةٌ، وقُبُورُهم مُمْتَلِئَةٌ عَلَيْهِمْ ظُلْمَةً.

وَإذا قُسِمَتِ الأنْوارُ دُونَ الجِسْرِ لِلْعُبُورِ عَلَيْهِ بَقُوا في الظُّلُماتِ، ومُدْخَلُهم في النّارِ مُظْلِمٌ، وهَذِهِ الظُّلْمَةُ هي الَّتِي خُلِقَ فِيها الخَلْقُ أوَّلًا، فَمَن أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ السَّعادَةَ أخْرَجَهُ مِنها إلى النُّورِ، ومَن أرادَ بِهِ الشَّقاوَةَ تَرَكَهُ فِيها، كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: («إنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ ألْقى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ، فَمَن أصابَهُ مِن ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدى ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ، فَلِذَلِكَ أقُولُ جَفَّ القَلَمُ عَلى عِلْمِ اللَّهِ») "، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَهُ نُورًا في قَلْبِهِ وسَمْعِهِ وبَصَرِهِ وشَعْرِهِ وبَشَرِهِ ولَحْمِهِ وعَظْمِهِ ودَمِهِ ومِن فَوْقِهِ ومِن تَحْتِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ وخَلْفَهُ وأمامَهُ وأنْ يَجْعَلَ ذاتَهُ نُورًا، فَطَلَبَ ﷺ النُّورَ لِذاتِهِ ولِأبْعاضِهِ ولِحَواسِّهِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ ولِجِهاتِهِ السِّتِّ. …

59

قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍۢ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًۭا وَحَلَٰلًۭا قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ

Say, "Have you seen what Allah has sent down to you of provision of which you have made [some] lawful and [some] unlawful?" Say, "Has Allah permitted you [to do so], or do you invent [something] about Allah?"

Explained together with ayah 58

60

وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ

And what will be the supposition of those who invent falsehood about Allah on the Day of Resurrection? Indeed, Allah is full of bounty to the people, but most of them are not grateful."

Explained together with ayah 58

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.