Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 11–20 of 109

11

۞ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

And if Allah was to hasten for the people the evil [they invoke] as He hastens for them the good, their term would have been ended for them. But We leave the ones who do not expect the meeting with Us, in their transgression, wandering blindly

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ حَيْثُ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنْفالِ:٨] . والتَّعْجِيلُ: تَقْدِيمُ الشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ. وفي المُرادِ بِالآيَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ إذا دَعَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ عِنْدَ الغَضَبِ وعَلى أهْلِيهِمْ، واسْتَعْجَلُوا بِهِ، كَما يُعَجِّلُ لَهُمُ الخَيْرَ، لَهَلَكُوا، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ العَذابَ عَلى كُفْرِهِمْ كَما عَجَّلَ لَهم خَيْرَ الدُّنْيا مِنَ المالِ والوَلَدِ، لَعَجَّلَ لَهم قَضاءَ آجالِهِمْ لِيَتَعَجَّلُوا عَذابَ الآخِرَةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. ويُقَوِّي هَذا تَمامُ الآيَةِ وسَبَبُ نُزُولِها. وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ: " لَقُضِيَ إلَيْهِمْ " بِضَمِّ القافِ " أجْلُهم " بِضَمِّ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: " لَقَضى " بِفَتْحِ القافِ " أجْلَهم " بِنَصْبِ اللّامِ. وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ (سُورَةِ البَقَرَةِ:١٥) مَعْنى الطُّغْيانِ والعَمَهِ.

12

وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًۭا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّۢ مَّسَّهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And when affliction touches man, he calls upon Us, whether lying on his side or sitting or standing; but when We remove from him his affliction, he continues [in disobedience] as if he had never called upon Us to [remove] an affliction that touched him. Thus is made pleasing to the transgressors that which they have been doing

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي حُذَيْفَةَ واسْمُهُ هاشِمُ بْنُ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ عَطاءٌ. و " الضُّرُّ ": الجَهْدُ والشِّدَّةُ. واللّامُ في قَوْلِهِ: " لِجَنْبِهِ " بِمَعْنى " عَلى " . وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إذا مَسَّهُ الضُّرُّ دَعا عَلى جَنْبِهِ، أوْ دَعا قاعِدًا، أوْ دَعا قائِمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: إذا مَسَّهُ الضُّرُّ في هَذِهِ الأحْوالِ، دَعا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أعْرَضَ عَنِ الدُّعاءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والثّانِي: مَرَّ في العافِيَةِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يُبْتَلى، ولَمْ يَتَّعِظْ بِما يَنالُهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: مَرَّ طاغِيًا عَلى تَرْكِ الشُّكْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ يَدْعُنا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " كَأنْ " هَذِهِ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، المَعْنى: كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا، قالَتِ الخَنْساءُ:

؎ كَأنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُتَّقى إذِ النّاسُ إذْ ذاكَ مَن عَزَّ بَزّا

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ المَعْنى: كَما زُيِّنَ لِهَذا الكافِرِ الدُّعاءُ عِنْدَ البَلاءِ، والإعْراضُ عِنْدَ الرَّخاءِ، كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ، وهُمُ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، عَمَلُهم.

13

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ ۙ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ

And We had already destroyed generations before you when they wronged, and their messengers had come to them with clear proofs, but they were not to believe. Thus do We recompense the criminal people

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هَذا تَخْوِيفٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ. والظُّلْمُ هاهُنا بِمَعْنى الشِّرْكِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: عَلى القُرُونِ المُتَقَدِّمَةِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ألْزَمَهُمُ اللَّهُ تَرْكَ الإيمانِ لِمُعانَدَتِهِمُ الحَقَّ وإيثارِهِمُ الباطِلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ جَعَلَ جَزاءَهُمُ الطَّبْعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أعْلَمَ ما قَدْ عُلِمَ مِنهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي﴾ أيْ: نُعاقِبُ ونُهْلِكُ ﴿القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ مِن قَوْمِكَ.

14

ثُمَّ جَعَلْنَٰكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ

Then We made you successors in the land after them so that We may observe how you will do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلْناكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ خَلائِفَ، أيِ: اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ. وقالَ قَتادَةُ: ما جَعَلَنا اللَّهُ خَلائِفَ إلّا لِيَنْظُرَ إلى أعْمالِنا، فَأرُوا اللَّهَ مِن أعْمالِكم خَيْرًا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.

15

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٍۢ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who do not expect the meeting with Us say, "Bring us a Qur'an other than this or change it." Say, [O Muhammad], "It is not for me to change it on my own accord. I only follow what is revealed to me. Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآنِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي مَكَّةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والمُرادُ بِالآياتِ: القُرْآنُ. " ويَرْجُونَ " بِمَعْنى: يَخافُونَ. وفي عِلَّةِ طَلَبِهِمْ سِوى هَذا القُرْآنِ أوْ تَبْدِيلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا تَغْيِيرَ آيَةِ العَذابِ بِالرَّحْمَةِ، وآيَةِ الرَّحْمَةِ بِالعَذابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهم كَرِهُوا مِنهُ ذِكْرَ البَعْثِ والنُّشُورِ، لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، وكَرِهُوا عَيْبَ آلِهَتِهِمْ، فَطَلَبُوا ما يَخْلُو مِن ذَلِكَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والفَرْقُ بَيْنَ تَبْدِيلِهِ والإتْيانِ بِغَيْرِهِ، أنَّ تَبْدِيلَهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ، والإتْيانَ بِغَيْرِهِ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ حَرَّكَ هَذِهِ الياءَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو؛ وأسْكَنَها الباقُونَ. " مِن تِلْقاءِ نَفْسِي " حَرَّكَها نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو؛ وأسْكَنَها الباقُونَ، والمَعْنى: مِن عِنْدِ نَفْسِي، فالمَعْنى: أنَّ الَّذِي أتَيْتَ بِهِ، مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن عِنْدِي فَأُبَدِّلُهُ. ﴿إنِّي أخافُ﴾ فَتَحَ هَذِهِ الياءَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو. ﴿إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أيْ: في تَبْدِيلِهِ أوْ تَغْيِيرِهِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يَعْنِي في القِيامَةِ.

فَصْلٌ

وَقَدْ تَكَلَّمَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما بَيَّنّا في نَظِيرَتِها في (الأنْعامِ:١٥) . ومَقْصُودُ الآيَتَيْنِ تَهْدِيدُ المُخالِفِينَ؛ وأُضِيفَ ذَلِكَ إلى الرَّسُولِ لِيَصْعُبَ الأمْرُ فِيهِ.

16

قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًۭا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

Say, "If Allah had willed, I would not have recited it to you, nor would He have made it known to you, for I had remained among you a lifetime before it. Then will you not reason?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ كانَ لا يُنْزِلُهُ عَلَيَّ، فَيَأْمُرُنِي بِتِلاوَتِهِ عَلَيْكم. ﴿وَلا أدْراكم بِهِ﴾ أيْ: ولا أعْلَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " ولَأدْراكم " بِلامِ التَّوْكِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَها، يَجْعَلُها لامًا دَخَلَتْ عَلى " أدْراكم " . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " أُدْرِيكم " بِالإمالَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وشَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ: " ولا أدْرَأْتُكم " بِتاءٍ بَيْنَ الألِفِ والكافِ. ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: " عُمْرًا " بِسُكُونِ المِيمِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وفي العُمْرِ ثَلاثُ لُغاتٍ: عُمْرُ، وعُمُرُ، وعَمْرُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أقَمْتُ فِيكم أرْبَعِينَ سَنَةً لا أُحَدِّثُكم بِشَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّهُ لَيْسَ مِن قِبَلِي. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يُرِيدُ: إنِّي لَمْ أفْتَرِ عَلى اللَّهِ ولَمْ أكْذِبْ عَلَيْهِ، وأنْتُمْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَيْثُ زَعَمْتُمْ أنَّ مَعَهُ شَرِيكًا. والمُجْرِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ.

17

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ

So who is more unjust than he who invents a lie about Allah or denies His signs? Indeed, the criminals will not succeed

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ كانَ لا يُنْزِلُهُ عَلَيَّ، فَيَأْمُرُنِي بِتِلاوَتِهِ عَلَيْكم. ﴿وَلا أدْراكم بِهِ﴾ أيْ: ولا أعْلَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " ولَأدْراكم " بِلامِ التَّوْكِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَها، يَجْعَلُها لامًا دَخَلَتْ عَلى " أدْراكم " . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " أُدْرِيكم " بِالإمالَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وشَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ: " ولا أدْرَأْتُكم " بِتاءٍ بَيْنَ الألِفِ والكافِ. ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ: " عُمْرًا " بِسُكُونِ المِيمِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وفي العُمْرِ ثَلاثُ لُغاتٍ: عُمْرُ، وعُمُرُ، وعَمْرُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أقَمْتُ فِيكم أرْبَعِينَ سَنَةً لا أُحَدِّثُكم بِشَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّهُ لَيْسَ مِن قِبَلِي. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يُرِيدُ: إنِّي لَمْ أفْتَرِ عَلى اللَّهِ ولَمْ أكْذِبْ عَلَيْهِ، وأنْتُمْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَيْثُ زَعَمْتُمْ أنَّ مَعَهُ شَرِيكًا. والمُجْرِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ.

18

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

And they worship other than Allah that which neither harms them nor benefits them, and they say, "These are our intercessors with Allah " Say, "Do you inform Allah of something He does not know in the heavens or on the earth?" Exalted is He and high above what they associate with Him

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ. ﴿هَؤُلاءِ﴾ يَعْنُونَ الأصْنامَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خَرَجَتْ كِنايَتُها عَلى لَفْظِ كِنايَةِ الآدَمِيِّينَ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذا المَعْنى في (الأعْرافِ:١٩١) عِنْدَ قَوْلِهِ: " وهم يُخْلَقُونَ " وفي قَوْلِهِ: ﴿شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: شُفَعاؤُنا في الآخِرَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: شُفَعاؤُنا في إصْلاحِ مَعايِشِنا في الدُّنْيا، لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: أتُخَبِّرُونَ اللَّهَ أنَّ لَهُ شَرِيكًا، ولا يَعْلَمُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا في السَّمَواتِ ولا في الأرْضِ.

19

وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَٱخْتَلَفُوا۟ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

And mankind was not but one community [united in religion], but [then] they differed. And if not for a word that preceded from your Lord, it would have been judged between them [immediately] concerning that over which they differ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ قَدْ شَرَحْنا هَذا في سُورَةِ (البَقَرَةِ:٢١٣) وأحْسَنُ الأقْوالِ أنَّهم كانُوا عَلى دِينٍ واحِدٍ مُوَحِّدِينَ، فاخْتَلَفُوا وعَبَدُوا الأصْنامَ، فَكانَ أوَّلَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ بِتَأْخِيرِ هَذِهِ الأُمَّةِ أنَّهُ لا يُهْلِكُهم بِالعَذابِ كَما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، لَقُضِيَ بَيْنَهم بِنُزُولِ العَذابِ، فَكانَ ذَلِكَ فَصْلًا بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ مِنَ الدِّينِ.

والثّانِي: أنَّ الكَلِمَةَ: أنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلًا، ولِلدُّنْيا مُدَّةٌ لا يَتَقَدَّمُ ذَلِكَ عَلى وقْتِهِ. والثّالِثُ: أنَّ الكَلِمَةَ: أنَّهُ لا يَأْخُذُ أحَدًا إلّا بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما لَقُضِيَ بَيْنَهم بِإقامَةِ السّاعَةِ. والثّانِي: بِنُزُولِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ.

20

وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ

And they say, "Why is a sign not sent down to him from his Lord?" So say, "The unseen is only for Allah [to administer], so wait; indeed, I am with you among those who wait."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ مِثْلَ العَصا واليَدِ وآياتِ الأنْبِياءِ. ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ سُؤالَكم: لِمَ لَمْ تَنْزِلِ الآيَةُ ؟ غَيْبٌ، ولا يَعْلَمُ عِلَّةَ امْتِناعِها إلّا اللَّهُ.

والثّانِي: أنَّ نُزُولَ الآيَةِ مَتى يَكُونُ ؟ غَيْبٌ، ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْتَظِرُوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: انْتَظِرُوا نُزُولَ الآيَةِ. والثّانِي: قَضاءَ اللَّهِ بَيْنَنا بِإظْهارِ المُحِقِّ عَلى المُبْطِلِ.

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.