Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 71–80 of 109

71

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةًۭ ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ

And recite to them the news of Noah, when he said to his people, "O my people, if my residence and my reminding of the signs of Allah has become burdensome upon you - then I have relied upon Allah. So resolve upon your plan and [call upon] your associates. Then let not your plan be obscure to you. Then carry it out upon me and do not give me respite.

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونَ﴾

انْتِقالٌ مِن مُقارَعَةِ المُشْرِكِينَ بِالحُجَجِ السّاطِعَةِ عَلى بُطْلانِ دِينِهِمْ، وبِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ عَلى تَفْنِيدِ أكاذِيبِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ المَوْعِظَةِ والوَعِيدِ بِالعَذابِ العاجِلِ والآجِلِ والإرْهابِ، إلى التَّعْرِيضِ لَهم بِذِكْرِ ما حَلَّ بِالأُمَمِ المُماثِلَةِ أحْوالُها لِأحْوالِهِمْ، اسْتِقْصاءً لِطَرائِقِ الحِجاجِ عَلى أصْحابِ اللَّجاجِ؛ فَإنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ مَثَلٌ لِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ - مَعَ المُشْرِكِينَ مِن قَوْمِهِ في ابْتِداءِ الأمْرِ وتَطَوُّرِهِ، فَفي ذِكْرِ عاقِبَةِ قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ عاقِبَتَهم كَعاقِبَةِ أُولَئِكَ أوْ أنَّهم إنَّما يُمَتَّعُونَ قَلِيلًا ثُمَّ يُؤْخَذُونَ أخْذَةً رابِيَةً،

صفحة ٢٣٥

كَما مُتِّعَ قَوْمُ نُوحٍ زَمَنًا طَوِيلًا ثُمَّ لَمْ يُفْلِتُوا مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا، فَذِكْرُ قِصَّةِ نُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ عِظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ ومُلْقِيًا بِالوَجَلِ والذُّعْرِ في قُلُوبِهِمْ، وفي ذَلِكَ تَأْنِيسٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّهم أُسْوَةٌ بِالأنْبِياءِ، والصّالِحِينَ مِن أقْوامِهِمْ، وكَذَلِكَ قِصَّةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَقِبَها كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ في نِهايَةِ هَذِهِ القِصَصِ ”﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]“ الآياتِ. وقَوْلُهُ: ”﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]“ الآياتِ.

وبِهَذا يَظْهَرُ حُسْنُ مَوْقِعِ ”إذْ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ تَقْيِيدَ النَّبَأِ بِزَمَنِ قَوْلِهِ: لِقَوْمِهِ إيماءٌ إلى أنَّ مُحاوَرَتَهُ قَوْمَهُ وإصْرارَهم عَلى الإعْراضِ هو مَحَلُّ العِبْرَةِ؛ لِأنَّهُ وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في صَمِّ آذانِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ رَسُولِهِمْ، وقَوْلُهُ ذَلِكَ لَهم إنَّما كانَ بَعْدَ أنْ كَرَّرَ دُعاءَهم زَمَنًا طَوِيلًا فَكانَ ذَلِكَ آخِرَ جَدَلٍ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، والنَّبِيءُ ﷺ قَدْ دَعا أهْلَ مَكَّةَ سِنِينَ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ حاوَرَهم وجادَلَهم ولِأنَّ ذَلِكَ الزَّمَنَ هو أعْظَمُ مَوْقِفٍ وقَفَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ، وكانَ هو المَوْقِفُ الفاصِلُ الَّذِي أعْقَبَهُ العَذابُ بِالغَرَقِ.

و”إذْ“ اسْمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي، وهو هُنا بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ”نَبَأ“ أوْ مِن نُوحٍ. وفي ذِكْرِ قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما بَعْدَها تَفْصِيلٌ لِما تَقَدَّمَ إجْمالُهُ مِن قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ [يونس: ١٣]

وضَمِيرُ ”عَلَيْهِمْ“ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [يونس: ٦٠]

والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وتَقَدَّمَتْ في سُورَةِ الأنْفالِ.

والنَّبَأُ: الخَبَرُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ”﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]“ في سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ٢٣٦

والتَّعْرِيفُ بِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتارِيخِهِ مَضى في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ.

وتَعْرِيفُ قَوْمِ نُوحٍ بِطَرِيقِ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ نُوحٍ في قَوْلِهِ: ”﴿إذْ قالَ …

72

فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ

And if you turn away [from my advice] then no payment have I asked of you. My reward is only from Allah, and I have been commanded to be of the Muslims."

﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾

الفاءُ لِتَفْرِيعِ الكَلامِ عَلى الكَلامِ فَجُمْلَةُ الشَّرْطِ وجَوابُهُ مُفَرَّعَتانِ عَلى الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، ولَمّا كانَ تَوَلِّيهِمْ عَنْ دَعْوَتِهِ قَدْ وقَعَ واسْتَمَرَّ تَعَيَّنَ أنَّ جَعْلَ التَّوَلِّي في جُمْلَةِ الشَّرْطِ مُرادٌ بِهِ ما كانَ حَصَلَ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ جَوابَ الشَّرْطِ الَّذِي هو شَيْءٌ قَدْ وقَعَ أيْضًا. وإنَّما قُصِدَ إقْرارُهم بِهِ قَطْعًا لِتَعَلُّلاتِهِمْ واسْتِقْصاءً لِقَطْعِ مَعاذِيرِهِمْ. والمَعْنى:

صفحة ٢٤١

فَإنْ كُنْتُمْ قَدْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي ما سَألْتُكم أجْرًا فَتَتَّهِمُونِي بِرَغْبَةٍ في نَفْعٍ يَنْجَرُّ لِي مِن دَعْوَتِكم حَتّى تُعْرِضُوا عَنْها شُحًّا بِأمْوالِكم أوِ اتِّهامًا بِتَكْذِيبِي، وهَذا إلْزامٌ لَهم بِأنَّ تَوَلِّيَهم لَمْ يَكُنْ فِيهِ احْتِمالُ تُهْمَتِهِمْ إيّاهُ بِتَطَلُّبِ نَفْعٍ لِنَفْسِهِ. وبِذَلِكَ بَرَّأ نَفْسَهُ مِن أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِتَوَلِّيهِمْ، وبِهَذا تَعَيَّنَ أنَّ المُعَلَّقَ بِهَذا الشَّرْطِ هو التَّحَقُّقُ بَيْنَ مَضْمُونِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجُمْلَةِ الجَزاءِ لا وُقُوعُ جُمْلَةِ الجَزاءِ عِنْدَ وُقُوعِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ. وذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] في آخِرِ سُورَةِ العُقُودِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ [الأعراف: ٨٧] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ تَعْمِيمٌ لِنَفْيِ تَطَلُّبِهِ أجْرًا عَلى دَعْوَتِهِمْ سَواءٌ مِنهم أمْ مِن غَيْرِهِمْ، فالقَصْرُ حَقِيقِيٌّ وبِهِ يَحْصُلُ تَأْكِيدُ جُمْلَةِ ﴿فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ مَعَ زِيادَةِ التَّعْمِيمِ. وطَرِيقُ جَزْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ يُؤْجِرُهُ عَلى ذَلِكَ هو وعْدُ اللَّهِ إيّاهُ بِهِ بِما أوْحى إلَيْهِ.

وأتى بِحَرْفِ ”عَلى“ المُفِيدِ لِكَوْنِهِ حَقًّا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ بِناءً عَلى وعْدِ اللَّهِ إيّاهُ وأعْلَمَهُ بِأنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، فَصارَ بِالوَعْدِ حَقًّا عَلى اللَّهِ التَزَمَ اللَّهُ بِهِ.

والأجْرُ: العِوَضُ الَّذِي يُعْطى لِأجْلِ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ آخِذُ العِوَضِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، أيْ أمَرَنِي اللَّهُ أنْ أتَّبِعَ الدِّينَ الحَقَّ ولَوْ كُنْتُ وحْدِي. وهَذا تَأْيِيسٌ لَهم بِأنَّ إجْماعَهم عَلى التَّوَلِّي عَنْهُ لا يَفُلُّ حَدَّهُ ولا يَصُدُّهُ عَنْ مُخالَفَةِ دِينِهِمُ الضَّلّالِ.

وبُنِيَ فِعْلُ ”أُمِرْتُ“ لِلْمَجْهُولِ في اللَّفْظِ لِلْعِلْمِ بِهِ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ مِن سِياقِ الكَلامِ أنَّ الَّذِي أمَرَهُ هو اللَّهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ مِنَ الفِئَةِ الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْها هَذا الوَصْفُ وهو الإسْلامُ، أيْ تَوْحِيدُ اللَّهِ دُونَ عِبادَةِ شَرِيكٍ؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن إسْلامِ العِبادَةِ

صفحة ٢٤٢

وتَخْلِيصِها لِلَّهِ - تَعالى - دُونَ غَيْرِهِ. كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠]

وقَدْ سُمِّيَ التَّوْحِيدُ ودِينُ الحَقِّ الخالِصُ إسْلامًا في مُخْتَلِفِ العُصُورِ وسَمّى اللَّهُ بِهِ سُنَنَ الرُّسُلِ فَحَكاهُ عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هُنا وعَنْ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِ - …

73

فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَٰهُمْ خَلَٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ

And they denied him, so We saved him and those with him in the ship and made them successors, and We drowned those who denied Our signs. Then see how was the end of those who were warned.

﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾

الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ الذِّكْرِيِّ، أيْ تَفْرِيعِ ذِكْرِ هَذِهِ الجُمَلِ السّابِقَةِ لِأنَّ الشَّأْنَ أنْ تَكُونَ لِما بَعْدَ الفاءِ مُناسَبَةٌ لِما قَبْلَها تَقْتَضِي أنْ يُذْكَرَ بَعْدَها فَيُؤْتى بِالفاءِ لِلْإشارَةِ إلى تِلْكَ المُناسَبَةِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢]، وإلّا فَإنَّ تَكْذِيبَ قَوْمِ نُوحٍ حَصَلَ قَبْلَ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ [يونس: ٧١] إلَخْ؛ لِأنَّهُ ما قالَ لَهم ذَلِكَ إلّا وقَدْ رَأى مِنهم تَجَهُّمَ دَعْوتِهِ.

صفحة ٢٤٣

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَعْنى فِعْلِ كَذَّبُوهُ الِاسْتِمْرارَ عَلى تَكْذِيبِهِ مِثْلَ فِعْلِ آمَنُوا في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، فَتَكُونُ الفاءُ لِتَفْرِيعِ حُصُولِ ما بَعْدَها عَلى حُصُولِ ما قَبْلَها.

وأمّا الفاءُ الَّتِي في جُمْلَةِ فَنَجَّيْناهُ فَهي لِلتَّرْتِيبِ والتَّعْقِيبِ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَ قَوْمِهِ قَدِ اسْتَمَرَّ إلى وقْتِ إغْراقِهِمْ وإنْجاءِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَنِ اتَّبَعَهُ. وهَذا نَظْمٌ بَدِيعٌ وإيجازٌ مُعْجِزٌ إذْ رَجَعَ الكَلامُ إلى التَّصْرِيحِ بِتَكْذِيبِ قَوْمِهِ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ قَبْلُ بَلْ أُشِيرَ لَهُ ضِمْنًا بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ [يونس: ٧١] الآيَةَ، فَكانَ كَرَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. ثُمَّ أُشِيرَ إلى اسْتِمْرارِهِ في الأزْمِنَةِ كُلِّها حَتى انْتَهى بِإغْراقِهِمْ، فَذَكَرَ إنْجاءَ نُوحٍ وإغْراقَ المُكَذِّبِينَ لَهُ، وبِذَلِكَ عادَ الكَلامُ إلى ما عَقِبَ مُجادَلَةِ نُوحٍ الأخِيرَةِ قَوْمَهُ المُنْتَهِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] فَكانَ تَفَنُّنًا بَدِيعًا في النَّظْمِ مَعَ إيجازٍ بَهِيجٍ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ إنْجائِهِ قَبْلَ ذِكْرِ الإغْراقِ الَّذِي وقَعَ الإنْجاءُ مِنهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إنْجاءَهُ أهَمُّ عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - مِن إغْراقِ مُكَذِّبِيهِ، ولِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ السّامِعِينَ لِهَذِهِ القِصَّةِ.

والفُلْكُ: السَّفِينَةُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والخَلائِفُ: جَمْعُ خَلِيفَةٍ وهو اسْمٌ لِلَّذِي يَخْلُفُ غَيْرَهُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وصِيغَةُ الجَمْعِ هُنا بِاعْتِبارِ الَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ تَفَرَّعَ عَلى كُلِّ زَوْجَيْنِ مِنهم أمَةٌ.

وتَعْرِيفُ قَوْمِ نُوحٍ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ لِلْإيماءِ إلى سَبَبِ تَعْذِيبِهِمْ بِالغَرَقِ، وأنَّهُ التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ إنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾، أيِ المُنْذَرِينَ بِالعَذابِ المُكَذِّبِينَ بِالإنْذارِ.

صفحة ٢٤٤

والنَّظَرُ: هُنا نَظَرُ عَيْنٍ، نُزِّلَ خَبَرُهم لِوُضُوحِهِ واليَقِينِ بِهِ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ.

والخِطابُ بِـ انْظُرْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ فَلا يُرادُ بِهِ مُخاطَبٌ مُعَيَّنٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَخُصَّ بِالخِطابِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ بِأنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ يُوشِكُ أنْ يُصِيبَهم …

74

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ

Then We sent after him messengers to their peoples, and they came to them with clear proofs. But they were not to believe in that which they had denied before. Thus We seal over the hearts of the transgressors

﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾

ثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ؛ لِأنَّ بَعْثَةَ رُسُلٍ كَثِيرِينَ إلى أُمَمٍ تَلَقَّوْهم بِمِثْلِ ما تَلَقّى بِهِ نُوحًا قَوْمُهُ أعْجَبُ مِن شَأْنِ قَوْمِ نُوحٍ حَيْثُ تَمالَأتْ تِلْكَ الأُمَمُ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الكُفْرِ. ولَيْسَتْ ثُمَّ لِإفادَةِ التَّراخِي في الزَّمَنِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مِن بَعْدِهِمْ

وقَدْ أبْهَمَ الرُّسُلَ في هَذِهِ الآيَةِ. ووَقَعَ في آياتٍ أُخْرى التَّصْرِيحُ بِأنَّهم: هُودٌ وصالِحٌ، وإبْراهِيمُ، ولُوطٌ، وشُعَيْبٌ. وقَدْ يَكُونُ هُنالِكَ رُسُلٌ آخَرُونَ كَما قالَ - تَعالى: ﴿ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ هُنا مَن كانُوا قَبْلَ مُوسى لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ [يونس: ٧٥]

وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ نُوحًا أوَّلُ الرُّسُلِ.والبَيِّناتُ: هي الحُجَجُ الواضِحَةُ الدَّلالَةِ عَلى الصِّدْقِ. والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، أيْ أظْهَرُوا لَهُمُ المُعْجِزاتِ بِإثْرِ إرْسالِهِمْ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ جاءُوا قَوْمَهم مُبَلِّغِينَ الرِّسالَةَ مُلابِسِينَ البَيِّناتِ.

صفحة ٢٤٥

وقَدْ قُوبِلَ جَمْعُ الرُّسُلِ بِجَمْعِ البَيِّناتِ فَكانَ صادِقًا بِبَيِّناتٍ كَثِيرَةٍ مُوَزَّعَةٍ عَلى رُسُلٍ كَثِيرِينَ، فَقَدْ يَكُونُ لِكُلِّ نَبِيءٍ مِنَ الأنْبِياءِ آياتٌ كَثِيرَةٌ، وقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ الأنْبِياءِ آيَةٌ واحِدَةٌ مِثْلَ آيَةِ صالِحٍ وهي النّاقَةُ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِلتَّفْرِيعِ، أيْ فَتَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا.

وصِيَغَ النَّفْيُ بِصِيغَةِ لامِ الجُحُودِ مُبالِغَةً في انْتِفاءِ الإيمانِ عَنْهم بِأقْصى أحْوالِ الِانْتِفاءِ. حَتّى كَأنَّهم لَمْ يُوجَدُوا لِأنْ يُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ، أيْ لَمْ يَتَزَحْزَحُوا عَنْهُ. ودَلَّتْ صِيغَةُ الجُحُودِ عَلى أنَّ الرُّسُلَ حاوَلُوا إيمانَهم مُحاوَلَةً مُتَكَرِّرَةً.

ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ أنَّ هُنالِكَ تَكْذِيبًا بادَرُوا بِهِ لِرُسُلِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُقْلِعُوا عَنْ تَكْذِيبِهِمُ الَّذِي قابَلُوا بِهِ الرُّسُلَ؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ إنَّما يَكُونُ لِخَبَرِ مُخْبَرٍ فَقَوْلُهُ: ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ مُؤْذِنٌ بِحُصُولِ التَّكْذِيبِ فَلَمّا كَذَّبُوهم جاءُوهم بِالبَيِّناتِ عَلى صِدْقِهِمْ فاسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ. وهَذا مِن إيجازِ الحَذْفِ لِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ. وهَذا يَقْتَضِي تَكَرُّرَ الدَّعْوَةِ وتَكَرُّرَ البَيِّناتِ وإلّا لَما كانَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ وقْعٌ لِأنَّ التَّكْذِيبَ الَّذِي حَصَلَ أوَّلَ مَرَّةٍ إذا لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُقْلِعَهُ كانَ تَكْذِيبًا واحِدًا مَنسِيًّا.

وهَذا مِن بَلاغَةِ مَعانِي القُرْآنِ.

وبِذَلِكَ يَظْهَرُ وقْعُ قَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ فَإنَّ الطَّبْعَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ قُلُوبَهم قَدْ ورَدَ عَلَيْها ما لَوْ خَلَتْ عِنْدَ وُرُودِهِ عَنِ الطَّبْعِ عَلَيْها لَكانَ شَأْنُهُ أنْ يَصِلَ بِهِمْ إلى الإيمانِ، ولَكِنَّ الطَّبْعَ عَلى قُلُوبِهِمْ حالَ دُونَ تَأْثِيرِ البَيِّناتِ في قُلُوبِهِمْ.

وقَدْ جُعِلَ الطَّبْعُ الَّذِي وقَعَ عَلى قُلُوبِ هَؤُلاءِ مَثَلًا لِكَيْفِيّاتِ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ فَقَوْلُهُ: …

75

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ

Then We sent after them Moses and Aaron to Pharaoh and his establishment with Our signs, but they behaved arrogantly and were a criminal people

﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾

ثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ بَعْثَةَ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - كانَتْ أعْظَمَ مِن بِعْثَةِ مَن سَبَقَهُما مِنَ الرُّسُلِ، وخُصَّتْ بِعْثَةُ مُوسى وهارُونَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها كانَتِ انْقِلابًا عَظِيمًا وتَطَوُّرًا جَدِيدًا في تارِيخِ الشَّرائِعِ وفي نِظامِ الحَضارَةِ العَقْلِيَّةِ والتَّشْرِيعِيَّةِ فَإنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُوسى إنَّما بُعِثُوا في أُمَمٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وكانَتْ أدْيانُهم مُقْتَصِرَةً عَلى الدَّعْوَةِ إلى إصْلاحِ العَقِيدَةِ، وتَهْذِيبِ النُّفُوسِ، وإبْطالِ ما عَظُمَ مِن مَفاسِدَ في المُعامَلاتِ، ولَمْ تَكُنْ شَرائِعَ شامِلَةً لِجَمِيعِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن نَظْمِ الأُمَّةِ وتَقْرِيرِ حاضِرِها ومُسْتَقْبَلِها.

فَأمّا بِعْثَةُ مُوسى فَقَدْ أتَتْ بِتَكْوِينِ أُمَّةٍ، وتَحْرِيرِها مِنِ اسْتِعْبادِ أُمَّةٍ أُخْرى إيّاها، وتَكْوِينِ وطَنٍ مُسْتَقِلٍّ لَها، وتَأْسِيسِ قَواعِدِ اسْتِقْلالِها، وتَأْسِيسِ جامِعَةٍ كامِلَةٍ لَها، ووَضْعِ نِظامِ سِياسَةِ الأُمَّةِ، ووَضْعِ سِياسَةٍ يُدَبِّرُونَ شُئُونَها، ونِظامِ دِفاعٍ يَدْفَعُ المُعْتَدِينَ عَلَيْها مِنَ الأُمَمِ، ويُمَكِّنُها مِنِ اقْتِحامِ أوْطانِ أُمَمٍ أُخْرى، وإعْطاءِ كِتابٍ يَشْتَمِلُ عَلى قَوانِينِ حَياتِها الِاجْتِماعِيَّةِ مِن كَثِيرِ نَواحِيها، فَبَعْثَةُ مُوسى كانَتْ أوَّلَ مَظْهَرٍ عامٍّ مِن مَظاهِرِ الشَّرائِعِ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ نَظِيرٌ في تارِيخِ الشَّرائِعِ ولا في تارِيخِ نِظامِ الأُمَمِ،

صفحة ٢٤٧

وهُوَ مَعَ تَفَوُّقِهِ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الشَّرائِعِ قَدِ امْتازَ بِكَوْنِهِ تَلْقِينًا مِنَ اللَّهِ المُطَّلِعِ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ، المُرِيدِ إقْرارَ الصّالِحِ وإزالَةَ الفاسِدِ.

وجَعَلَ مُوسى وهارُونَ مَبْعُوثَيْنِ كِلَيْهِما مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ اسْتَجابَ طَلَبَ مُوسى أنْ يَجْعَلَ مَعَهُ أخاهُ هارُونَ مُؤَيِّدًا ومُعْرِبًا عَنْ مَقاصِدَ مُوسى فَكانَ بِذَلِكَ مَأْمُورًا مِنَ اللَّهِ بِالمُشارَكَةِ في أعْمالِ الرِّسالَةِ، وقَدْ بَيَّنَتْهُ سُورَةُ القَصَصِ، فالمَبْعُوثُ أصالَةً هو مُوسى وأمّا هارُونُ فَبُعِثَ مُعِينًا لَهُ وناصِرًا؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِّسالَةَ كانَتْ أوَّلُ رِسالَةٍ يَصْحَبُها تَكْوِينُ أُمَّةٍ.

وفِرْعَوْنُ مَلِكُ مِصْرَ، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ في سُورَةِ الأعْرافِ، وعَلى صِفَةِ إرْسالِ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، وفِرْعَوْنُ هَذا هو مِنِفْطاحُ الثّانِي أحَدُ فَراعِنَةِ العائِلَةِ التّاسِعَةَ عَشَرَةَ مِنَ الأُسَرِ الَّتِي مَلَكَتْ بِلادَ القِبْطِ.

والمُرادُ بِالمَلَأِ خاصَةُ النّاسِ وسادَتُهم وذَلِكَ أنَّ مُوسى بُعِثَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وبُعِثَ إلى فِرْعَوْنَ وأهْلِ دَوْلتِهِ لِيُطْلِقُوا بَنِي إسْرائِيلَ.

والسَّينُ والتّاءُ في اسْتَكْبَرُوا لِلْمُبالَغَةِ في التَّكَبُّرِ، والمُرادُ أنَّهم تَكَبَّرُوا عَنْ تَلَقِّي الدَّعْوَةِ مِن مُوسى؛ لِأنَّهم احْتَقَرُوهُ وأحالُوا أنْ يَكُونَ رَسُولًا مِن اللهِ وهو مِن قَوْمٍ مُسْتَعْبَدِينَ اسْتَعْبَدَهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، وهَذا وجْهُ اخْتِيارِ التَّعْبِيرِ عَنْ إعْراَضِهِمْ عَنْ دَعْوَتِهِ بِالِاسْتِكْبارِ كَما حَكى اللهُ عَنْهم فَقالُوا ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]

وتَفْرِيعُ اسْتَكْبَرُوا عَلى جُمْلَةِ بَعَثْنا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ إعْراضٍ مِنهم وإنْكارٍ في …

76

فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

So when there came to them the truth from Us, they said, "Indeed, this is obvious magic."

﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾

أيْ لَمّا رَأوْا المُعْجِزاتِ الَّتِي هي حَقٌ ثابِتٌ ولَيْسَتْ بِتَخَيُّلاتٍ وتَمْوِيهاتٍ، وعَلِمُوا أنَّ مُوسى صادِقٌ فِيما ادَّعاهُ، تَدَرَّجُوا مِن مُجَرَّدِ الإباءِ المُنْبَعِثِ عَنِ الِاسْتِكْبارِ إلى البُهْتانِ المُنْبَعِثِ عَنِ الشُّعُورِ بِالمَغْلُوبِيَّةِ.

والحَقُّ: يُطْلَقُ اسْمًا عَلى ما قابَلَ الباطِلَ وهو العَدْلُ الصالِحُ، ويُطْلَقُ وصْفًا عَلى الثّابِتِ الَّذِي لا رِيبَةَ فِيهِ، كَما يُقالُ: أنْتَ الصَّدِيقُ الحَقُّ. ويُلازِمُ الإفِرْادَ لِأنَّهُ

صفحة ٢٤٩

مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. والَّذِي أثْبَتَ لَهُ المَجِيءَ هُنا هو الآياتُ الَّتِي أظْهَرَها مُوسى إعْجازًا لَهم لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ١٠٣] فَكانَ جَعْلُ الحَقِّ جائِيًا بِتِلْكَ الآياتِ صالِحًا لِمَعْنَيَيِ الحَقِّ؛ لِأنَّ تِلْكَ الآياتِ لَمّا كانَتْ ثابِتَةً لا رِيبَةَ فِيها كانَتْ في ذاتِها حَقًّا فَمَجِيئُها حُصُولُها وظُهُورُها المَقْصُودُ مِنهُ إثْباتُ صِدْقِ مُوسى في رِسالَتِهِ فَكانَ الحَقُّ جائِيًا مَعَها، فَمَجِيئُهُ ثُبُوتُهُ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ لِكَلِمَةِ الحَقِّ هُنا مِنَ الوَقْعِ في الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ المَعْنى المُرادِ، ولِكَلِمَةِ مِن عِنْدِنا ما لَيْسَ لِغَيْرِها في الإيجازِ، وهَذا مِن حَدِّ الإعْجازِ.

وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ آياتِ الصِّدْقِ ظَهَرَتْ وأنَّ المَحْجُوجِينَ أيْقَنُوا بِصِدْقِ مُوسى وأنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ.

واعْتِذارُهم عَنْ ظُهُورِ الآياتِ بِأنَّها سِحْرٌ هو اعْتِذارُ المَغْلُوبِ العَدِيمِ الحُجَّةِ الَّذِي قَهَرَتْهُ الحُجَّةُ وبَهَرَهُ سُلْطانُ الحَقِّ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مُنْتَشَبٌ مِنَ المُعارَضَةِ المَقْبُولَةِ فَهو يُهْرَعُ إلى انْتِحالِ مُعارَضاتٍ بِمَعاذِيرَ لا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّمْحِيصِ ولا تَثْبُتُ في مَحَكِّ النَّقْدِ.

ولا بُدَّ لِلْمَغْلُوبِ مِن بارِدِ العُذْرِ

وإذْ قَدِ اشْتُهِرَ بَيْنَ الدَّهْماءِ مِن ذَوِي الأوْهامِ أنَّ السِّحْرَ يُظْهِرُ الشَّيْءَ في صُورَةِ ضِدِّهِ، ادَّعى هَؤُلاءِ أنَّ ما ظَهَرَ مِن دَلائِلِ صِدْقِ مُوسى هو سِحْرٌ ظَهَرَ بِهِ الباطِلُ في صُورَةِ الحَقِّ بِتَخْيِيلِ السِّحْرِ.

ومَعْنى ادِّعاءِ الحَقِّ سِحْرًا أنَّ دَلائِلَهُ مِن قَبِيلِ التَّخَيُّلاتِ والتَّمْوِيهاتِ، فَكَذَلِكَ مَدْلُولُهُ هو مَدْلُولُ السِّحْرِ وهو إنْشاءُ تَخَيُّلٍ باطِلٍ في نُفُوسِ المَسْحُورِينَ، وقَدْ حَمَلَهُمُ اسْتِشْعارُهم وهَنَ مَعْذِرَتِهِمْ عَلى أنْ أبْرَزُوا دَعْواهم في صُورَةِ الكَلامِ المُتَثَبِّتِ صاحِبُهُ فَأكَّدُوا الكَلامَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّوْكِيدِ ولامُ الِابْتِداءِ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، وزادُوا ذَلِكَ تَرْوِيجًا بِأنْ وصَفُوا السِّحْرَ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، أيْ شَدِيدَ الوُضُوحِ. والمُبِينُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ القاصِرِ، مُرادِفُ بانَ: ظَهَرَ.

صفحة ٢٥٠

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (إنَّ هَذا) إلى ما هو مُشاهَدٌ بَيْنَهم حِينَ إظْهارِ المُعْجِزَةِ مِثْلُ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً، وخُرُوجِ اليَدِ بَيْضاءَ، أيْ أنَّ هَذا العَمَلَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ سِحْرٌ مُبِينٌ.

وجُمْلَةُ قالَ مُوسى مُجاوِبَةٌ مِنهُ عَنْ كَلامِهِمْ فَفُصِلَتْ مِنَ العَطْفِ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي اسْتَخْرَجْناها في حِكايَةِ الأقْوالِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ …

77

قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ

Moses said, "Do you say [thus] about the truth when it has come to you? Is this magic? But magicians will not succeed."

﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾

أيْ لَمّا رَأوْا المُعْجِزاتِ الَّتِي هي حَقٌ ثابِتٌ ولَيْسَتْ بِتَخَيُّلاتٍ وتَمْوِيهاتٍ، وعَلِمُوا أنَّ مُوسى صادِقٌ فِيما ادَّعاهُ، تَدَرَّجُوا مِن مُجَرَّدِ الإباءِ المُنْبَعِثِ عَنِ الِاسْتِكْبارِ إلى البُهْتانِ المُنْبَعِثِ عَنِ الشُّعُورِ بِالمَغْلُوبِيَّةِ.

والحَقُّ: يُطْلَقُ اسْمًا عَلى ما قابَلَ الباطِلَ وهو العَدْلُ الصالِحُ، ويُطْلَقُ وصْفًا عَلى الثّابِتِ الَّذِي لا رِيبَةَ فِيهِ، كَما يُقالُ: أنْتَ الصَّدِيقُ الحَقُّ. ويُلازِمُ الإفِرْادَ لِأنَّهُ

صفحة ٢٤٩

مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. والَّذِي أثْبَتَ لَهُ المَجِيءَ هُنا هو الآياتُ الَّتِي أظْهَرَها مُوسى إعْجازًا لَهم لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ١٠٣] فَكانَ جَعْلُ الحَقِّ جائِيًا بِتِلْكَ الآياتِ صالِحًا لِمَعْنَيَيِ الحَقِّ؛ لِأنَّ تِلْكَ الآياتِ لَمّا كانَتْ ثابِتَةً لا رِيبَةَ فِيها كانَتْ في ذاتِها حَقًّا فَمَجِيئُها حُصُولُها وظُهُورُها المَقْصُودُ مِنهُ إثْباتُ صِدْقِ مُوسى في رِسالَتِهِ فَكانَ الحَقُّ جائِيًا مَعَها، فَمَجِيئُهُ ثُبُوتُهُ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ لِكَلِمَةِ الحَقِّ هُنا مِنَ الوَقْعِ في الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ المَعْنى المُرادِ، ولِكَلِمَةِ مِن عِنْدِنا ما لَيْسَ لِغَيْرِها في الإيجازِ، وهَذا مِن حَدِّ الإعْجازِ.

وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ آياتِ الصِّدْقِ ظَهَرَتْ وأنَّ المَحْجُوجِينَ أيْقَنُوا بِصِدْقِ مُوسى وأنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ.

واعْتِذارُهم عَنْ ظُهُورِ الآياتِ بِأنَّها سِحْرٌ هو اعْتِذارُ المَغْلُوبِ العَدِيمِ الحُجَّةِ الَّذِي قَهَرَتْهُ الحُجَّةُ وبَهَرَهُ سُلْطانُ الحَقِّ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مُنْتَشَبٌ مِنَ المُعارَضَةِ المَقْبُولَةِ فَهو يُهْرَعُ إلى انْتِحالِ مُعارَضاتٍ بِمَعاذِيرَ لا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّمْحِيصِ ولا تَثْبُتُ في مَحَكِّ النَّقْدِ.

ولا بُدَّ لِلْمَغْلُوبِ مِن بارِدِ العُذْرِ

وإذْ قَدِ اشْتُهِرَ بَيْنَ الدَّهْماءِ مِن ذَوِي الأوْهامِ أنَّ السِّحْرَ يُظْهِرُ الشَّيْءَ في صُورَةِ ضِدِّهِ، ادَّعى هَؤُلاءِ أنَّ ما ظَهَرَ مِن دَلائِلِ صِدْقِ مُوسى هو سِحْرٌ ظَهَرَ بِهِ الباطِلُ في صُورَةِ الحَقِّ بِتَخْيِيلِ السِّحْرِ.

ومَعْنى ادِّعاءِ الحَقِّ سِحْرًا أنَّ دَلائِلَهُ مِن قَبِيلِ التَّخَيُّلاتِ والتَّمْوِيهاتِ، فَكَذَلِكَ مَدْلُولُهُ هو مَدْلُولُ السِّحْرِ وهو إنْشاءُ تَخَيُّلٍ باطِلٍ في نُفُوسِ المَسْحُورِينَ، وقَدْ حَمَلَهُمُ اسْتِشْعارُهم وهَنَ مَعْذِرَتِهِمْ عَلى أنْ أبْرَزُوا دَعْواهم في صُورَةِ الكَلامِ المُتَثَبِّتِ صاحِبُهُ فَأكَّدُوا الكَلامَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّوْكِيدِ ولامُ الِابْتِداءِ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، وزادُوا ذَلِكَ تَرْوِيجًا بِأنْ وصَفُوا السِّحْرَ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، أيْ شَدِيدَ الوُضُوحِ. والمُبِينُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ القاصِرِ، مُرادِفُ بانَ: ظَهَرَ.

صفحة ٢٥٠

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (إنَّ هَذا) إلى ما هو مُشاهَدٌ بَيْنَهم حِينَ إظْهارِ المُعْجِزَةِ مِثْلُ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً، وخُرُوجِ اليَدِ بَيْضاءَ، أيْ أنَّ هَذا العَمَلَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ سِحْرٌ مُبِينٌ.

وجُمْلَةُ قالَ مُوسى مُجاوِبَةٌ مِنهُ عَنْ كَلامِهِمْ فَفُصِلَتْ مِنَ العَطْفِ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي اسْتَخْرَجْناها في حِكايَةِ الأقْوالِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ …

78

قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ

They said, "Have you come to us to turn us away from that upon which we found our fathers and so that you two may have grandeur in the land? And we are not believers in you."

صفحة ٢٥١

﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾

الكَلامُ عَلى جُمْلَةِ قالُوا أجِئْتَنا مِثْلُ الكَلامِ عَلى جُمْلَةِ قالَ مُوسى أتَقُولُونَ والِاسْتِفْهامُ في أجِئْتَنا بَنَوْا إنْكارَهم عَلى تَخْطِئَةِ مُوسى فِيما جاءَ بِهِ، وعَلى سُوءِ ظَنِّهِمْ بِهِ وبِهارُونَ في الغايَةِ الَّتِي يَتَطَلَّبانِها مِمّا جاءَ بِهِ مُوسى. وإنَّما واجَهُوا مُوسى بِالخِطابِ لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ الَّذِي باشَرَ الدَّعْوَةَ وأظْهَرَ المُعْجِزَةَ، ثُمَّ أشْرَكاهُ مَعَ أخِيهِ هارُونَ في سُوءِ ظَنِّهِمْ بِهِما في الغايَةِ مِن عَمَلِهِما.

وتَلْفِتَنا مُضارِعُ لَفَتَ مِن بابِ ضَرَبَ مُتَعَدِّيًا: إذا صَرَفَ وجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إلى شَيْءٍ مُقابِلٍ لِوَجْهِهِ. والفِعْلُ القاصِرُ مِنهُ لَيْسَ إلّا لِلْمُطاوَعَةِ. يُقالُ: التَفَتَ. وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في التَّحْوِيلِ عَنِ العَمَلِ أوِ الِاعْتِقادِ إلى غَيْرِهِ تَحْوِيلًا لا يَبْقى بَعْدَهُ نَظَرٌ إلى ما كانَ يَنْظُرُهُ، فَأصْلُهُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ ثُمَّ غَلَبَتْ حَتّى صارَتْ مُساوِيَةَ الحَقِيقَةِ.

وقَدْ جَمَعَتْ صِلَةُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا كُلَّ الأحْوالِ الَّتِي كانَ آباؤُهم مُتَلَبِّسِينَ بِها.

واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِـ وجَدْنا لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّهم نَشَئُوا عَلَيْها وعَقَلُوها، وذَلِكَ مِمّا يُكْسِبُهم تَعَلُّقًا بِها، وأنَّها كانَتْ أحْوالَ آبائِهِمْ وذَلِكَ مِمّا يَزِيدُهم تَعَلُّقًا بِها تَبَعًا لِمَحَبَّةِ آبائِهِمْ لِأنَّ مَحَبَّةَ الشَّيْءِ تَقْتَضِي مَحَبَّةَ أحْوالِهِ ومُلابَساتِهِ.

وفِي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّها عِنْدَهم صَوابٌ وحَقٌّ لِأنَّهم قَدِ اقْتَدَوْا بِآبائِهِمْ كَما قالَ - تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] . وقالَ عَنْ قَوْمِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣] ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: ٥٤]، وقَدْ

صفحة ٢٥٢

جاءَهم مُوسى لِقَصْدِ لَفْتِهِمْ عَمّا وجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم فَكانَ ذَلِكَ مَحَلَّ الإنْكارِ عِنْدَهم لِأنَّ تَغْيِيرَ ذَلِكَ يَحْسَبُونَهُ إفْسادًا ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧]

والإتْيانُ بِحَرْفِ عَلى لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ آبائِهِمْ مِن تِلْكَ الأحْوالِ ومُلازَمَتِهِمْ لَها.

وعَطْفُ ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ﴾ عَلى الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ، والمَعْطُوفُ هو العِلَّةُ في المَعْنى لِأنَّهم أرادُوا أنَّهم تَفَطَّنُوا لِغَرَضِ مُوسى وهارُونَ في مَجِيئِهِما إلَيْهِمْ بِما جاءُوا بِهِ، أيْ أنَّهُما يُحاوِلانِ نَفْعًا لِأنْفُسِهِما لا صَلاحًا لِلْمَدْعُوِّينَ، وذَلِكَ النَّفْعُ هو الِاسْتِحْواذُ عَلى سِيادَةِ مِصْرَ بِالحِيلَةِ.

والكِبْرِياءُ: العَظَمَةُ وإظْهارُ التَّفَوُّقِ عَلى النّاسِ.

والأرْضُ: هي المَعْهُودَةُ بَيْنَهم، وهي أرْضُ مِصْرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١١٠] . ولَمّا كانُوا ظَنُّوا تَطَلُّبَهُما لِلسِّيادَةِ أتَوْا في خِطابِ مُوسى بِضَمِيرِ المُثَنّى المُخاطَبِ لِأنَّ هارُونَ كانَ حاضِرًا فالتَفَتُوا عَنْ خِطابِ الواحِدِ إلى خِطابِ الِاثْنَيْنِ. وإنَّما شَرَّكُوا هارُونَ في هَذا الظَّنِّ مِن حَيْثُ إنَّهُ جاءَ مَعَ مُوسى ولَمْ يُباشِرِ الدَّعْوَةَ فَظَنُّوا أنَّهُ جاءَ مَعَهُ لِيَنالَ مِن …

79

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٍۢ

And Pharaoh said, "Bring to me every learned magician."

صفحة ٢٥٣

﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾

جُمْلَةُ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦]، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ جَوابٍ ثانٍ لِحَرْفِ (لَمّا) حُكِيَ أوَّلًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ دَعْوَةَ مُوسى ومُعْجِزَتَهُ مَن مَنعِ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ تَأْيِيدًا مِن عِنْدِ اللَّهِ. ثُمَّ حُكِيَ ثانِيًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ خاصَّةً تِلْكَ الدَّعْوَةَ مِن مُحاوَلَةِ تَأْيِيدِ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] لِيُثْبِتُوا أنَّهم قادِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِها مِمّا تَحْصِيلُ أسْبابِهِ مِن خَصائِصِ فِرْعَوْنَ، لِما فِيهِ مِنَ الأمْرِ لِخاصَّةِ الأُمَّةِ بِالِاسْتِعْدادِ لِإبْطالِ ما يُخْشى مِنهُ.

والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ”ائْتُونِي“ هم مَلَأُ فِرْعَوْنَ وخاصَّتُهُ الَّذِينَ بِيَدِهِمْ تَنْفِيذُ أمْرِهِ.

وأمَرَ بِإحْضارِ جَمِيعِ السَّحَرَةِ المُتَمَكِّنِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّهم أبْصَرُ بِدَقائِقِهِ، وأقْدَرُ عَلى إظْهارِ ما يَفُوقُ خَوارِقَ مُوسى في زَعْمِهِ، فَحُضُورُهم مُغْنٍ عَنْ حُضُورِ السَّحَرَةِ الضُّعَفاءِ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّ عَمَلَهم مَظِنَّةُ أنْ لا يُوازِيَ ما أظْهَرُهُ مُوسى مِنَ المُعْجِزَةِ فَإذا أتَوْا بِما هو دُونَ مُعْجِزَةِ مُوسى كانَ ذَلِكَ مُرَوِّجًا لِدَعْوَةِ مُوسى بَيْنَ دَهْماءِ الأُمَّةِ.

والعُمُومُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ بِكُلِّ ساحِرٍ تَعْلَمُونَهُ وتَظْفَرُونَ بِهِ، أوْ أُرِيدَ بِكُلِّ مَعْنى الكَثْرَةَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾، عَطَفَ مَجِيءَ السَّحَرَةِ وقَوْلَ مُوسى لَهم عَلى جُمْلَةِ قالَ فِرْعَوْنُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى الفَوْرِ في إحْضارِهِمْ وهو تَعْقِيبٌ بِحَسْبِ المُتَعارَفِ في الإسْراعِ بِمِثْلِ الشَّيْءِ المَأْمُورِ

صفحة ٢٥٤

بِهِ، والمَعْطُوفُ في المَعْنى مَحْذُوفٌ لِأنَّ الَّذِي يَعْقُبُ قَوْلَهُ: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ هو إتْيانُهم بِهِمْ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لِقِلَّةِ جَدْواهُ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَتِ القِصَّةُ لِأجْلِهِ حُذِفَ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِما يَقْتَضِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً عَقْلِيَّةً ولَفْظِيَّةً مِن قَوْلِهِ: جاءَ السَّحَرَةُ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَأتَوْهُ بِهِمْ فَلَمّا جاءُوا قالَ لَهم مُوسى.

والتَّعْرِيفُ في السَّحَرَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ.

وإنَّما أمَرَهم مُوسى بِأنْ يَبْتَدِئُوا بِإلْقاءِ سِحْرِهِمْ إظْهارًا لِقُوَّةِ حُجَّتِهِ لِأنَّ شَأْنَ المُبْتَدِئِ بِالعَمَلِ المُتَبارِي فِيهِ أنْ يَكُونَ أمْكَنَ في ذَلِكَ العَمَلِ مِن مُبارِيهِ، ولا سِيَّما الأعْمالِ الَّتِي قِوامُها التَّمْوِيهُ والتَّرْهِيبُ، والَّتِي يَتَطَلَّبُ المُسْتَنْصِرُ فِيها السَّبْقَ إلى تَأثُّرِ الحاضِرِينَ وإعْجابِهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ القُرْآنُ في آياتٍ أُخْرى أنَّ السَّحَرَةَ خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ هو بِإظْهارِ مُعْجِزَتِهِ وبَيْنَ أنْ يَبْتَدِئُوا، وأنَّ مُوسى اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُبْتَدِئِينَ.

وفَعْلُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ألْقُوا ما …

80

فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ

So when the magicians came, Moses said to them, "Throw down whatever you will throw."

صفحة ٢٥٣

﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾

جُمْلَةُ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦]، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ جَوابٍ ثانٍ لِحَرْفِ (لَمّا) حُكِيَ أوَّلًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ دَعْوَةَ مُوسى ومُعْجِزَتَهُ مَن مَنعِ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ تَأْيِيدًا مِن عِنْدِ اللَّهِ. ثُمَّ حُكِيَ ثانِيًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ خاصَّةً تِلْكَ الدَّعْوَةَ مِن مُحاوَلَةِ تَأْيِيدِ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] لِيُثْبِتُوا أنَّهم قادِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِها مِمّا تَحْصِيلُ أسْبابِهِ مِن خَصائِصِ فِرْعَوْنَ، لِما فِيهِ مِنَ الأمْرِ لِخاصَّةِ الأُمَّةِ بِالِاسْتِعْدادِ لِإبْطالِ ما يُخْشى مِنهُ.

والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ”ائْتُونِي“ هم مَلَأُ فِرْعَوْنَ وخاصَّتُهُ الَّذِينَ بِيَدِهِمْ تَنْفِيذُ أمْرِهِ.

وأمَرَ بِإحْضارِ جَمِيعِ السَّحَرَةِ المُتَمَكِّنِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّهم أبْصَرُ بِدَقائِقِهِ، وأقْدَرُ عَلى إظْهارِ ما يَفُوقُ خَوارِقَ مُوسى في زَعْمِهِ، فَحُضُورُهم مُغْنٍ عَنْ حُضُورِ السَّحَرَةِ الضُّعَفاءِ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّ عَمَلَهم مَظِنَّةُ أنْ لا يُوازِيَ ما أظْهَرُهُ مُوسى مِنَ المُعْجِزَةِ فَإذا أتَوْا بِما هو دُونَ مُعْجِزَةِ مُوسى كانَ ذَلِكَ مُرَوِّجًا لِدَعْوَةِ مُوسى بَيْنَ دَهْماءِ الأُمَّةِ.

والعُمُومُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ بِكُلِّ ساحِرٍ تَعْلَمُونَهُ وتَظْفَرُونَ بِهِ، أوْ أُرِيدَ بِكُلِّ مَعْنى الكَثْرَةَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾، عَطَفَ مَجِيءَ السَّحَرَةِ وقَوْلَ مُوسى لَهم عَلى جُمْلَةِ قالَ فِرْعَوْنُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى الفَوْرِ في إحْضارِهِمْ وهو تَعْقِيبٌ بِحَسْبِ المُتَعارَفِ في الإسْراعِ بِمِثْلِ الشَّيْءِ المَأْمُورِ

صفحة ٢٥٤

بِهِ، والمَعْطُوفُ في المَعْنى مَحْذُوفٌ لِأنَّ الَّذِي يَعْقُبُ قَوْلَهُ: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ هو إتْيانُهم بِهِمْ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لِقِلَّةِ جَدْواهُ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَتِ القِصَّةُ لِأجْلِهِ حُذِفَ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِما يَقْتَضِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً عَقْلِيَّةً ولَفْظِيَّةً مِن قَوْلِهِ: جاءَ السَّحَرَةُ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَأتَوْهُ بِهِمْ فَلَمّا جاءُوا قالَ لَهم مُوسى.

والتَّعْرِيفُ في السَّحَرَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ.

وإنَّما أمَرَهم مُوسى بِأنْ يَبْتَدِئُوا بِإلْقاءِ سِحْرِهِمْ إظْهارًا لِقُوَّةِ حُجَّتِهِ لِأنَّ شَأْنَ المُبْتَدِئِ بِالعَمَلِ المُتَبارِي فِيهِ أنْ يَكُونَ أمْكَنَ في ذَلِكَ العَمَلِ مِن مُبارِيهِ، ولا سِيَّما الأعْمالِ الَّتِي قِوامُها التَّمْوِيهُ والتَّرْهِيبُ، والَّتِي يَتَطَلَّبُ المُسْتَنْصِرُ فِيها السَّبْقَ إلى تَأثُّرِ الحاضِرِينَ وإعْجابِهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ القُرْآنُ في آياتٍ أُخْرى أنَّ السَّحَرَةَ خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ هو بِإظْهارِ مُعْجِزَتِهِ وبَيْنَ أنْ يَبْتَدِئُوا، وأنَّ مُوسى اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُبْتَدِئِينَ.

وفَعْلُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ألْقُوا ما …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.