Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 1–10 of 109

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْحَكِيمِ

Alif, Lam, Ra. These are the verses of the wise Book

﴿الر﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ الواقِعَةِ في فَواتِحِ بَعْضِ السُّورِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَهي بِمَنزِلَةِ الأعْدادِ المَسْرُودَةِ، لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، ولا يُنْطَقُ بِها إلّا عَلى حالِ السَّكْتِ، وحالُ السَّكْتِ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الوَقْفِ، فَلِذَلِكَ لا يُمَدُّ اسْمُ (را) في الآيَةِ، وإنْ كانَ هو في اللُّغَةِ بِهَمْزَةٍ في آخِرِهِ لِأنَّهُ بِالسَّكْتِ تُحْذَفُ الهَمْزَةُ كَما تُحْذَفُ في الوَقْفِ لِثِقَلِ السُّكُوتِ عَلى الهَمْزَةِ في الوَقْفِ والسَّكْتِ، فَبِذَلِكَ تَصِيرُ الكَلِمَةُ عَلى حَرْفَيْنِ فَلا تُمَدُّ. ولِذَلِكَ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى عَدَمِ مَدِّ الحُرُوفِ: را. ها. يا. طا. حا. الَّتِي في أوائِلِ السُّوَرِ وإنْ كانَتْ تِلْكَ الأسْماءُ مَمْدُودَةً في اسْتِعْمالِ اللُّغَةِ.

* * *

﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ اسْمُ الإشارَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ جَمِيعُ آيِ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ بِاعْتِبارِ حُضُورِ تِلْكَ الآياتِ في أذْهانِ النّاسِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمْ، فَكَأنَّها مَنظُورَةٌ مُشاهِدَةٌ، فَصَحَّتِ الإشارَةُ إلَيْها إذْ هي مَتْلُوَّةٌ مَحْفُوظَةٌ فَمَن شاءَ أنْ يَسْمَعَها ويَتَدَبَّرَها أمْكَنَهُ

صفحة ٨١

ذَلِكَ، ولِأنَّ الخَوْضَ في شَأْنِها هو حَدِيثُ النّاسِ في نَوادِيهِمْ وأسْمارِهِمْ وشُغْلِهِمْ وجِدالِهِمْ، فَكانَتْ بِحَيْثُ تَتَبادَرُ إلى الأذْهانِ عِنْدَ وُرُودِ الإشارَةِ إلَيْها.

واسْمُ الإشارَةِ يُفَسِّرُ المَقْصُودَ مِنهُ خَبَرُهُ وهو ﴿آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ كَما فَسَّرَهُ في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] . قالَ في الكَشّافِ: تَصَوَّرَ فِراقًا بَيْنَهُما سَيَقَعُ قَرِيبًا فَأشارَ إلَيْهِ بِهَذا.

وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ٨٨] في سُورَةِ الأنْعامِ. فالمَقْصُودُ مِنَ الإشارَةِ إمّا الحَثُّ عَلى النَّظَرِ في آياتِ القُرْآنِ لِيَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَعْلَمُوا صِدْقَ مَن جاءَهم بِهِ. وإمّا إقْناعُهم مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ النَّبِيءِ ﷺ بِآياتِ الكِتابِ الحَكِيمِ فَإنَّهم يَسْألُونَ النَّبِيءَ آيَةً عَلى صِدْقِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] فَقِيلَ لَهم ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾، أيْ ما هو آيَةٌ واحِدَةٌ بَلْ آياتٌ كَثِيرَةٌ، فَإنَّ الإعْجازَ حاصِلٌ بِكُلِّ سُورَةٍ مِنهُ.

ولِأنَّهُ اشْتَمَلَ عَلى الحَقائِقِ السّامِيَةِ والهُدى إلى الحَقِّ والحِكْمَةِ؛ فَرَجُلٌ أُمِّيٌّ يَنْشَأُ في أُمَّةٍ جاهِلَةٍ يَجِيءُ بِمِثْلِ هَذا الهُدى والحِكْمَةِ لا يَكُونُ إلّا مُوحًى إلَيْهِ بِوَحْيٍ إلَهِيٍّ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] .

وعَلَيْهِ فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و(آياتُ) خَبَرُهُ. وإضافَةُ آياتٍ إلى الكِتابِ إضافَةٌ شَبِيهَةٌ بِالبَيانِيَّةِ وإنْ كانَ الكِتابُ بِمَنزِلَةِ الظَّرْفِ لِلْآياتِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، وهو مَعْنى الإضافَةِ البَيانِيَّةِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ.

ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ الإشارَةَ بِـ (تِلْكَ) إلى حُرُوفِ (﴿الر﴾) لِأنَّ المُخْتارَ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في فَواتِحِ السُّوَرِ أنَّ المَقْصُودَ مِن …

2

أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌۭ مُّبِينٌ

Have the people been amazed that We revealed [revelation] to a man from among them, [saying], "Warn mankind and give good tidings to those who believe that they will have a [firm] precedence of honor with their Lord"? [But] the disbelievers say, "Indeed, this is an obvious magician."

﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾

الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] بِما فِيها مِن إبْهامِ الدّاعِي إلى التَّوَقُّفِ عَلى آياتِ الكِتابِ الحَكِيمِ تُثِيرُ سُؤالًا عَنْ ذَلِكَ الدّاعِي فَجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ تُبَيِّنُ أنَّ وجْهَ ذَلِكَ هو اسْتِبْعادُ النّاسِ الوَحْيَ إلى رَجُلٍ مِنَ النّاسِ اسْتِبْعادَ إحالَةٍ. وجاءَتْ عَلى هَذا النَّظْمِ الجامِعِ بَيْنَ بَيانِ الدّاعِي وبَيْنَ إنْكارِ السَّبَبِ الَّذِي دَعا إلَيْهِ وتَجْهِيلِ المُتَسَبِّبِينَ فِيهِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا؛ لِأنَّهُ مَبْدَأُ الغَرَضِ الَّذِي جاءَتْ لَهُ السُّورَةُ، وهو الِاسْتِدْلالُ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وإثْباتِ البَعْثِ.

فالهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في الإنْكارِ، أيْ كَيْفَ يَتَعَجَّبُونَ مِن ذَلِكَ تَعَجُّبَ إحالَةٍ.

وفائِدَةُ إدْخالِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى (كانَ) دُونَ أنْ يُقالَ: (أعَجِبَ النّاسُ)، هي الدَّلالَةُ عَلى التَّعْجِيبِ مِن تَعَجُّبِهِمُ المُرادِ بِهِ إحالَةُ الوَحْيِ إلى بَشَرٍ.

والمَعْنى: أُحْدِثَ وتَقَرَّرَ فِيهِمُ التَّعَجُّبُ مِن وحْيِنا؛ لِأنَّ فِعْلَ الكَوْنِ يُشْعِرُ بِالِاسْتِقْرارِ والتَّمَكُّنِ فَإذا عُبِّرَ بِهِ أشْعَرَ بِأنَّ هَذا غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ حُصُولُهُ.

و(لِلنّاسِ) مُتَعَلِّقٌ بِكانَ لِزِيادَةِ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِ هَذا التَّعَجُّبِ فِيهِمْ؛ لِأنَّ أصْلَ اللّامِ أنْ تُفِيدَ المِلْكِ، ويُسْتَعارُ ذَلِكَ لِلتَّمَكُّنِ، أيْ لِتَمَكُّنِ الكَوْنِ عَجَبًا مِن نُفُوسِهِمْ.

و(عَجَبًا) خَبَرُ كانَ مُقَدَّمٌ عَلى اسْمِها لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ مَحَلُّ الإنْكارِ.

و(أنْ أوْحَيْنا) اسْمُ كانَ، وجِيءَ فِيهِ بِـ (أنْ) و(الفِعْلِ) دُونَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ وهو وحْيُنًا لِيُتَوَسَّلَ إلى ما يُفِيدُهُ الفِعْلُ مِنَ التَّجَدُّدِ وصِيغَةِ المُضِيِّ مِنَ الِاسْتِقْرارِ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِ الوَحْيِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ وتَجَدُّدِهِ وذَلِكَ ما يَزِيدُهم كَمَدًا.

صفحة ٨٤

والعَجَبُ: مَصْدَرُ (عَجِبَ)، إذا عَدَّ الشَّيْءَ خارِجًا عَنِ المَأْلُوفِ نادِرَ الحُصُولِ. ولَمّا كانَ التَّعَجُّبُ مَبْدَءًا لِلتَّكْذِيبِ وهم قَدْ كَذَّبُوا بِالوَحْيِ إلَيْهِ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى كَوْنِهِ عَجِيبًا جاءَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ بِإنْكارِ تَعَجُّبِهِمْ مِنَ الإيحاءِ إلى رَجُلٍ مِنَ البَشَرِ لِأنَّ إنْكارَ التَّعَجُّبِ مِن ذَلِكَ يَئُولُ إلى إنْكارِ التَّكْذِيبِ بِالأوْلى ويَقْلَعُ التَّكْذِيبَ مِن عُرُوقِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَجَبُ كِنايَةً عَنْ إحالَةِ الوُقُوعِ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٢] في سُورَةِ هُودٍ وقَوْلِهِ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. وكانَتْ حِكايَةُ تَعَجُّبِهِمْ بِإدْماجِ ما يُفِيدُ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الوَحْيَ كانَ إلى رَجُلٍ مِنَ النّاسِ وذَلِكَ شَأْنُ الرِّسالاتِ كُلِّها كَما قالَ - تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] وقالَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وقالَ ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] …

3

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

Indeed, your Lord is Allah, who created the heavens and the earth in six days and then established Himself above the Throne, arranging the matter [of His creation]. There is no intercessor except after His permission. That is Allah, your Lord, so worship Him. Then will you not remember?

صفحة ٨٧

﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ - تَعالى - بِالإلَهِيَّةِ. وإنَّما أُوقِعَ هُنا لِأنَّ أقْوى شَيْءٍ بَعَثَ المُشْرِكِينَ عَلى ادِّعاءِ أنَّ ما جاءَ بِهِ النَّبِيءُ سِحْرٌ هو أنَّهُ أبْطَلَ الشُّرَكاءَ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ ونَفاها عَنْ آلِهَتِهِمُ الَّتِي أشْرَكُوا بِها فَقالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] فَلا جَرَمَ أنْ أُعْقِبَ إنْكارُ إحالَتِهِمْ ذَلِكَ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ثُبُوتِهِ.

والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ أُكِّدَ الخَبَرُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، وأُوقِعَ عَقِبَهُ (أفَلا تَذَّكَّرُونَ)، فَهو التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ [يونس: ٢] وقَوْلِهِ: قالَ الكافِرُونَ. وقَدْ مَضى القَوْلُ في نَظِيرِ صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾

وقَوْلُهُ: (اللَّهُ) خَبَرُ (إنَّ)، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾

وجُمْلَةُ يُدَبِّرُ الأمْرَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ (رَبِّكم)

والتَّدْبِيرُ: النَّظَرُ في عَواقِبِ المُقَدَّراتِ وعَوائِقِها لِقَصْدِ إيقاعِها تامَّةً فِيما تُقْصَدُ لَهُ مَحْمُودَةَ العاقِبَةِ.

والغايَةُ مِنَ التَّدْبِيرِ الإيجادُ والعَمَلُ عَلى وفْقِ ما دُبِّرَ. وتَدْبِيرُ اللَّهِ الأُمُورَ عِبارَةٌ عَنْ تَمامِ العِلْمِ بِما يَخْلُقُها عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لَفْظَ التَّدْبِيرِ هو أوْفى الألْفاظِ اللُّغَوِيَّةِ بِتَقْرِيبِ إتْقانِ الخَلْقِ.

والأمْرُ: جِنْسٌ يَعُمُّ جَمِيعَ الشُّئُونِ والأحْوالِ في العالَمِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ [التوبة: ٤٨] في سُورَةِ (بَراءَةٌ) .

وفِي إجْراءِ هَذِهِ الصِّفاتِ عَلى اللَّهِ - تَعالى - تَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ جَعَلُوا لِأنْفُسِهِمْ آلِهَةً لا تَخْلُقُ ولا تَعْلَمُ؛ كَما قالَ - تَعالى: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]

صفحة ٨٨

ولِذَلِكَ حَسُنَ وقْعُ جُمْلَةِ ﴿ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ عَقِبَ جُمْلَةِ (الَّذِي خَلَقَ) بِتَمامِها؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ جَعَلُوا آلِهَتَهم شُفَعاءَ فَإذا أُنْذِرُوا بِغَضَبِ اللَّهِ يَقُولُونَ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، أيْ حُماتُنا مِن غَضَبِهِ. فَبَعْدَ أنْ وُصِفَ الإلَهُ الحَقُّ بِما هو مُنْتَفٍ عَنْ آلِهَتِهِمْ نُفِيَ عَنْ آلِهَتِهِمْ وصْفُ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ وحِمايَةِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ مِنهُ.

وأُكِّدَ النَّفْيُ بِـ (مِنَ) الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وانْتِفاءِ الوَصْفِ عَنْ جَمِيعِ أفْرادِ الجِنْسِ الَّذِي دَخَلَتْ مِن عَلى اسْمِهِ بِحَيْثُ لَمْ تَبْقَ لِآلِهَتِهِمْ خُصُوصِيَّةٌ.

وزِيادَةُ ﴿إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ احْتِراسٌ لِإثْباتِ شَفاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِإذْنِ اللَّهِ، قالَ - تَعالى -: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] . والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ الشَّفاعَةِ لِآلِهَتِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ، فَشَفاعَتُهم عِنْدَهُ نافِذَةٌ كَشَفاعَةِ النِّدِّ عِنْدَ نِدِّهِ. والشَّفاعَةُ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكَذَلِكَ الشَّفِيعُ …

4

إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ

To Him is your return all together. [It is] the promise of Allah [which is] truth. Indeed, He begins the [process of] creation and then repeats it that He may reward those who have believed and done righteous deeds, in justice. But those who disbelieved will have a drink of scalding water and a painful punishment for what they used to deny.

صفحة ٩٠

﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾

وقَعَ أمْرُهم بِعِبادَتِهِ عَقِبَ ذِكْرِ الجَزاءِ إنْذارًا وتَبْشِيرًا، فالجُمْلَةُ كالدَّلِيلِ عَلى وُجُوبِ عِبادَتِهِ، وهي بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ النّاشِئَةِ عَنْ إثْباتِ خَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ لِأنَّ الَّذِي خَلَقَ مِثْلَ تِلْكَ العَوالِمِ مِن غَيْرِ سابِقِ وُجُودٍ لا يُعْجِزُهُ أنْ يُعِيدَ بَعْضَ المَوْجُوداتِ الكائِنَةِ في تِلْكَ العَوالِمِ خَلْقًا ثانِيًا. ومِمّا يُشِيرُ إلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، فَبَدْءُ الخَلْقِ هو ما سَبَقَ ذِكْرُهُ، وإعادَتُهُ هي ما أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِما بَيْنَهُما مِن شِبْهِ كَمالِ الِاتِّصالِ، عَلى أنَّها يَجُوزُ كَوْنُها خَبَرًا آخَرَ عَنْ قَوْلِهِ: ”إنَّ رَبَّكم“، أوْ عَنْ قَوْلِهِ: ”ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم“

وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ إثْباتَ الحَشْرِ الَّذِي أنْكَرُوهُ وكَذَّبُوا النَّبِيءَ ﷺ لِأجْلِهِ.

وفِي تَقْدِيمِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: إلَيْهِ مَرْجِعُكم إفادَةُ القَصْرِ، أيْ لا إلى غَيْرِهِ، قَطْعًا لِمَطامِعِ بَعْضِهِمُ القائِلِينَ في آلِهَتِهِمْ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] يُرِيدُونَ أنَّهم شُفَعاءُ عَلى تَسْلِيمِ وُقُوعِ البَعْثِ لِلْجَزاءِ، فَإذا كانَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ كانَ حَقِيقًا بِالعِبادَةِ وكانَتْ عِبادَةُ غَيْرِهِ باطِلًا.

والمَرْجِعُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الرُّجُوعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٥] في سُورَةِ العُقُودِ.

و(جَمِيعًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ المُضافِ إلَيْهِ المَصْدَرُ العامِلُ فِيهِ.

وانْتَصَبَ (وعْدَ اللَّهِ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُساوِيَةِ لَهُ، ويُسَمّى مُؤَكِّدًا لِنَفْسِهِ في اصْطِلاحِ النُّحاةِ؛ لِأنَّ مَضْمُونَ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمُ الوَعْدُ بِإرْجاعِهِمْ

صفحة ٩١

إلَيْهِ وهو مُفادُ وعْدِ اللَّهِ، ويُقَدَّرُ لَهُ عامِلٌ مَحْذُوفٌ لِأنَّ الجُمْلَةَ المُؤَكِّدَةَ لا تَصْلُحُ لِلْعَمَلِ فِيهِ. والتَّقْدِيرُ: وعَدَكُمُ اللَّهُ وعْدًا حَقًّا.

وانْتُصِبَ (حَقًّا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ المُؤَكِّدَةِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (وعْدَ اللَّهِ) بِاعْتِبارِ الفِعْلِ المَحْذُوفِ. ويُسَمّى في اصْطِلاحِ النُّحاةِ مُؤَكِّدًا لِغَيْرِهِ، أيْ مُؤَكِّدًا لِأحَدِ مَعْنَيَيْنِ تَحْتَمِلُهُما الجُمْلَةُ المُؤَكَّدَةُ.

وجُمْلَةُ (إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ) واقِعَةٌ مَوْقِعَ الدَّلِيلِ عَلى وُقُوعِ البَعْثِ وإمْكانِهِ بِأنَّهُ قَدِ ابْتَدَأ خَلْقَ النّاسِ، وابْتِداءُ خَلْقِهِمْ يَدُلُّ عَلى إمْكانِ إعادَةِ خَلْقِهِمْ بَعْدَ العَدَمِ، وثُبُوتُ إمْكانِهِ يَدْفَعُ تَكْذِيبَ المُشْرِكِينَ بِهِ، فَكانَ إمْكانُهُ دَلِيلًا لِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾، وكانَ الِاسْتِدْلالُ عَلى إمْكانِهِ حاصِلًا مِن تَقْدِيمِ التَّذْكِيرِ بِبَدْءِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]

ومَوْقِعُ (إنَّ) تَأْكِيدُ الخَبَرِ نَظَرًا لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ، فَحَصَلَ التَّأْكِيدُ مِن قَوْلِهِ: (ثُمَّ يُعِيدُهُ) أمّا كَوْنُهُ بَدَأ الخَلْقَ فَلا …

5

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءًۭ وَٱلْقَمَرَ نُورًۭا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

It is He who made the sun a shining light and the moon a derived light and determined for it phases - that you may know the number of years and account [of time]. Allah has not created this except in truth. He details the signs for a people who know

﴿هو الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابِ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

هَذا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ أيْضًا، فَضَمِيرُ (هو) عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ. وهَذا اسْتِدْلالٌ آخَرُ عَلى انْفِرادِهِ - تَعالى - بِالتَّصَرُّفِ في المَخْلُوقاتِ، وهَذا لَوْنٌ آخَرُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الإلَهِيَّةِ مَمْزُوجٌ بِالِامْتِنانِ عَلى المَحْجُوجِينَ بِهِ لِأنَّ الدَّلِيلَ السّابِقَ كانَ مُتَضَمِّنًا لِعَظِيمِ أمْرِ الخَلْقِ وسِعَةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ بِذِكْرِ أشْياءَ لَيْسَ لِلْمُخاطَبِينَ حَظٌّ في التَّمَتُّعِ بِها. وهَذا الدَّلِيلُ قَدْ تَضَمَّنَ أشْياءَ يَأْخُذُ المُخاطَبُونَ بِحَظٍّ عَظِيمٍ مِنَ التَّمَتُّعِ بِها وهو خَلْقُ الشَّمْسِ

صفحة ٩٤

والقَمَرِ عَلى صُورَتِهِما وتَقْدِيرُ تَنَقُّلاتِهِما تَقْدِيرًا مَضْبُوطًا ألْهَمَهُ اللَّهُ البَشَرَ لِلِانْتِفاعِ بِهِ في شُؤُونٍ كَثِيرَةٍ مِن شُؤُونِ حَياتِهِمْ.

فَجَعْلُ الشَّمْسِ ضِياءً لِانْتِفاعِ النّاسِ بِضِيائِها في مُشاهَدَةِ ما تُهِمُّهم مُشاهَدَتُهُ بِما بِهِ قِوامُ أعْمالِ حَياتِهِمْ في أوْقاتِ أشْغالِهِمْ. وجَعْلُ القَمَرِ نُورًا لِلِانْتِفاعِ بِنُورِهِ انْتِفاعًا مُناسِبًا لِلْحاجَةِ الَّتِي قَدْ تُعَرِّضُ إلى طَلَبِ رُؤْيَةِ الأشْياءِ في وقْتِ الظُّلْمَةِ وهو اللَّيْلُ. ولِذَلِكَ جُعِلَ نُورُهُ أضْعَفَ لِيُنْفَعَ بِهِ بِقَدْرِ ضَرُورَةِ المُنْتَفِعِ، فَمَن لَمْ يُضْطَرَّ إلى الِانْتِفاعِ بِهِ لا يَشْعُرُ بِنُورِهِ ولا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ سُكُونِهِ الَّذِي جُعِلَ ظَلامُ اللَّيْلِ لِحُصُولِهِ، ولَوْ جُعِلَتِ الشَّمْسُ دائِمَةَ الظُّهُورِ لِلنّاسِ لاسْتَوَوْا في اسْتِدامَةِ الِانْتِفاعِ بِضِيائِها فَيَشْغَلُهم ذَلِكَ عَنِ السُّكُونِ الَّذِي يَسْتَجْدُونَ بِهِ ما فَتَرَ مِن قُواهُمُ العَصَبِيَّةِ الَّتِي بِها نَشاطُهم وكَمالُ حَياتِهِمْ.

والضِّياءُ: النُّورُ السّاطِعُ القَوِيُّ؛ لِأنَّهُ يُضِيءُ لِلرّائِي. وهو اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الضَّوْءِ، وهو النُّورُ الَّذِي يُوَضِّحُ الأشْياءَ، فالضِّياءُ أقْوى مِنَ الضَّوْءِ.

وياءُ (ضِياءٍ) مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ لِوُقُوعِ الواوِ إثْرَ كَسْرَةِ الضّادِ فَقُلِبَتْ ياءً لِلتَّخْفِيفِ.

والنُّورُ: الشُّعاعُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ النّارِ، وهو أعَمُّ مِنَ الضِّياءِ، يَصْدُقُ عَلى الشُّعاعِ الضَّعِيفِ والشُّعاعِ القَوِيِّ، فَضِياءُ الشَّمْسِ نُورٌ ونُورُ القَمَرِ لَيْسَ بِضِياءٍ. هَذا هو الأصْلُ في إطْلاقِ هَذِهِ الأسْماءِ، ولَكِنْ يَكْثُرُ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ بَعْضِ هَذِهِ الكَلِماتِ في مَوْضِعِ بَعْضٍ آخَرَ بِحَيْثُ يَعْسُرُ انْضِباطُهُ.

ولَمّا جُعِلَ النُّورُ في مُقابَلَةِ الضِّياءِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِهِ نُورٌ ما.

وقَوْلُهُ: (ضِياءً) و(نُورًا) حالانِ مُشِيرانِ إلى الحِكْمَةِ والنِّعْمَةِ في خَلْقِهِما. والتَّقْدِيرُ: جَعَلَ الأشْياءَ عَلى مِقْدارٍ عِنْدَ صُنْعِها.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (قَدَّرَهُ): إمّا عائِدٌ إلى النُّورِ فَتَكُونُ المَنازِلُ بِمَعْنى المَراتِبِ وهي مَراتِبُ نُورِ القَمَرِ في القُوَّةِ والضَّعْفِ التّابِعَةُ لِما يَظْهَرُ لِلنّاسِ نَيِّرًا مِن كُرَةِ القَمَرِ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] . أيْ حَتّى نَقُصَ نُورُهُ

صفحة ٩٥

لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ فَعادَ كالعُرْجُونِ البالِي. ويَكُونُ ”مُنازِلَ“ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (قَدَّرَهُ) فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، …

6

إِنَّ فِى ٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَّقُونَ

Indeed, in the alternation of the night and the day and [in] what Allah has created in the heavens and the earth are signs for a people who fear Allah

﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾

اسْتِدْلالٌ آخَرُ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ - تَعالى - بِالخَلْقِ والتَّقْدِيرِ. وهو اسْتِدْلالٌ بِأحْوالِ الضَّوْءِ والظُّلْمَةِ وتَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وفي ذَلِكَ عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ. وهو بِما فِيهِ مِن عَطْفِ قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أعَمُّ مِنَ الدَّلِيلِ الأوَّلِ لِشُمُولِهِ ما هو أكْثَرُ مِن خَلْقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ ومِن خَلْقِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ومِن كُلِّ ما في الأرْضِ والسَّماءِ مِمّا تَبْلُغُ إلَيْهِ مَعْرِفَةُ النّاسِ في مُخْتَلَفِ العُصُورِ وعَلى تَفاوُتِ مَقادِيرِ الِاسْتِدْلالِ مِن عُقُولِهِمْ.

وتَأْكِيدُ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِحَرْفِ (إنَّ) لِأجْلِ تَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ بِهِ الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِتِلْكَ الدَّلائِلِ إلى التَّوْحِيدِ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّ في ذَلِكَ آياتٍ عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجَبِ العِلْمِ.

صفحة ٩٨

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في شَبِيهَةِ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي خَواتِمِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وشَمِلَ قَوْلُهُ: وما خَلَقَ اللَّهُ الأجْسامَ والأحْوالَ كُلَّها.

وجُعِلَتِ الآياتُ هُنا لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ وفي آيَةِ البَقَرَةِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وفي آيَةِ آلِ عِمْرانَ لِأُولِي الألْبابِ لِأنَّ السِّياقَ هُنا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِالآياتِ لِيَعْلَمُوا أنَّ بُعْدَهم عَنِ التَّقْوى هو سَبَبُ حِرْمانِهِمْ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالآياتِ، وأنَّ نَفْعَها حاصِلٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، أيْ يَحْذَرُونَ الضَّلالَ. فالمُتَّقُونَ هُمُ المُتَّصِفُونَ بِاتِّقاءِ ما يُوقِعُ في الخُسْرانِ فَيَبْعَثُهم عَلى تَطَلُّبِ أسْبابِ النَّجاحِ فَيَتَوَجَّهُ الفِكْرُ إلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ. وقَدْ مَرَّ تَعْلِيلُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] في أوَّلِ البَقَرَةِ عَلى أنَّهُ قَدْ سَبَقَ قَوْلُهُ في الآيَةِ قَبْلَها ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وأمّا آيَةُ البَقَرَةِ وآيَةُ آلِ عِمْرانَ فَهُما وارِدَتانِ في سِياقٍ شامِلٍ لِلنّاسِ عَلى السَّواءِ. وذِكْرُ لَفْظِ قَوْمٍ تَقَدَّمَ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ.

7

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ

Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾

هَذا اسْتِئْنافُ وعِيدٍ لِلَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالبَعْثِ ولا فَكَّرُوا في الحَياةِ الآخِرَةِ ولَمْ يَنْظُرُوا في الآياتِ نَشَأ عَنِ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما كَفَرُوا بِهِ مِن ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الِاسْتِدْلالِ المُناسِبِ لِأهْلِ العُقُولِ وبَيْنَ الوَعِيدِ المُناسِبِ لِلْمُعْرِضِينَ عَنِ الحَقِّ إشارَةً إلى أنَّ هَؤُلاءِ لا تَنْفَعُهُمُ الأدِلَّةُ وإنَّما يَنْتَفِعُ بِها الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ويَتَّقُونَ وأمّا هَؤُلاءِ فَهم سادِرُونَ في غُلْوائِهِمْ حَتّى يُلاقُوا العَذابَ. وإذْ قَدْ تَقَرَّرَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ لِلْجَزاءِ تَأتّى الوَعِيدُ لِمُنْكِرِي البَعْثِ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَ رَبِّهِمْ والمَصِيرَ إلَيْهِ.

صفحة ٩٩

ولِوُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعَ الوَعِيدِ الصّالِحِ لِأنْ يَعْلَمَهُ النّاسُ كُلُّهم مُؤْمِنُهم وكافِرُهم عُدِلَ فِيها عَنْ طَرِيقَةِ الخِطابِ بِالضَّمِيرِ إلى طَرِيقَةِ الإظْهارِ، وجِيءَ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الصِّلَةَ عِلَّةٌ في حُصُولِ الخَبَرِ.

وقَدْ جُعِلَ عُنْوانُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا عَلامَةً عَلَيْهِمْ فَقَدْ تَكَرَّرَ وُقُوعُهُ في القُرْآنِ. ومِنَ المَواقِعِ ما لا يَسْتَقِيمُ فِيهِ اعْتِبارُ المَوْصُولِيَّةِ إلّا لِلِاشْتِهارِ بِالصِّلَةِ كَما سَنَذْكُرُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ [يونس: ١٥] في هَذِهِ السُّورَةِ.

والرَّجاءُ: ظَنُّ وُقُوعِ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدِ كَوْنِ المَظْنُونِ مَحْبُوبًا وإنْ كانَ ذَلِكَ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ. فَمَعْنى ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لا يَظُنُّونَهُ ولا يَتَوَقَّعُونَهُ.

ومَعْنى ﴿رَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أنَّهم لَمْ يُعْمِلُوا النَّظَرَ في حَياةٍ أُخْرى أرْقى وأبْقى لِأنَّ الرِّضا بِالحَياةِ الدُّنْيا والِاقْتِناعَ بِأنَّها كافِيَةٌ يَصْرِفُ النَّظَرَ عَنْ أدِلَّةِ الحَياةِ الآخِرَةِ، وأهْلُ الهُدى يَرَوْنَ الحَياةَ الدُّنْيا حَياةً ناقِصَةً فَيَشْعُرُونَ بِتَطَلُّبِ حَياةٍ تَكُونُ أصْفى مِن أكْدارِها فَلا يَلْبَثُونَ أنْ تَطْلُعَ لَهم أدِلَّةُ وُجُودِها، وناهِيكَ بِإخْبارِ الصّادِقِ بِها ونَصْبِ الأدِلَّةِ عَلى تَعَيُّنِ حُصُولِها، فَلِهَذا جُعِلَ الرِّضى بِالحَياةِ الدُّنْيا مَذَمَّةً ومُلْقِيًا في مَهْواةِ الخُسْرانِ.

وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ البَهْجَةَ بِالحَياةِ الدُّنْيا والرِّضى بِها يَكُونُ مِقْدارُ التَّوَغُّلِ فِيهِما بِمِقْدارِ ما يَصْرِفُ عَنِ الِاسْتِعْدادِ إلى الحَياةِ الآخِرَةِ. ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضٍ الإعْراضَ عَنِ الحَياةِ الدُّنْيا فَإنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلى عِبادِهِ بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ فِيها وجَبَ الِاعْتِرافُ بِفَضْلِهِ بِها وشُكْرِهِ عَلَيْها والتَّعَرُّفِ بِها إلى مَراتِبَ أعْلى هي مَراتِبُ حَياةٍ أُخْرى والتَّزَوُّدِ لَها. وفي ذَلِكَ مَقاماتٌ ودَرَجاتٌ بِمِقْدارِ ما تَهَيَّأتْ لَهُ النُّفُوسُ العالِيَةُ مِن لَذّاتِ الكَمالاتِ الرُّوحِيَّةِ، وأعْلاها مَقامُ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «فَقُلْتُ ما لِي ولِلدُّنْيا» .

والِاطْمِئْنانُ: السُّكُونُ يَكُونُ في الجَسَدِ وفي النَّفْسِ وهو الأكْثَرُ، قالَ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَصْرِيفُ هَذا الفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. …

8

أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

For those their refuge will be the Fire because of what they used to earn.

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾

هَذا اسْتِئْنافُ وعِيدٍ لِلَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالبَعْثِ ولا فَكَّرُوا في الحَياةِ الآخِرَةِ ولَمْ يَنْظُرُوا في الآياتِ نَشَأ عَنِ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما كَفَرُوا بِهِ مِن ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الِاسْتِدْلالِ المُناسِبِ لِأهْلِ العُقُولِ وبَيْنَ الوَعِيدِ المُناسِبِ لِلْمُعْرِضِينَ عَنِ الحَقِّ إشارَةً إلى أنَّ هَؤُلاءِ لا تَنْفَعُهُمُ الأدِلَّةُ وإنَّما يَنْتَفِعُ بِها الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ويَتَّقُونَ وأمّا هَؤُلاءِ فَهم سادِرُونَ في غُلْوائِهِمْ حَتّى يُلاقُوا العَذابَ. وإذْ قَدْ تَقَرَّرَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ لِلْجَزاءِ تَأتّى الوَعِيدُ لِمُنْكِرِي البَعْثِ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَ رَبِّهِمْ والمَصِيرَ إلَيْهِ.

صفحة ٩٩

ولِوُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعَ الوَعِيدِ الصّالِحِ لِأنْ يَعْلَمَهُ النّاسُ كُلُّهم مُؤْمِنُهم وكافِرُهم عُدِلَ فِيها عَنْ طَرِيقَةِ الخِطابِ بِالضَّمِيرِ إلى طَرِيقَةِ الإظْهارِ، وجِيءَ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الصِّلَةَ عِلَّةٌ في حُصُولِ الخَبَرِ.

وقَدْ جُعِلَ عُنْوانُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا عَلامَةً عَلَيْهِمْ فَقَدْ تَكَرَّرَ وُقُوعُهُ في القُرْآنِ. ومِنَ المَواقِعِ ما لا يَسْتَقِيمُ فِيهِ اعْتِبارُ المَوْصُولِيَّةِ إلّا لِلِاشْتِهارِ بِالصِّلَةِ كَما سَنَذْكُرُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ [يونس: ١٥] في هَذِهِ السُّورَةِ.

والرَّجاءُ: ظَنُّ وُقُوعِ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدِ كَوْنِ المَظْنُونِ مَحْبُوبًا وإنْ كانَ ذَلِكَ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ. فَمَعْنى ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لا يَظُنُّونَهُ ولا يَتَوَقَّعُونَهُ.

ومَعْنى ﴿رَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أنَّهم لَمْ يُعْمِلُوا النَّظَرَ في حَياةٍ أُخْرى أرْقى وأبْقى لِأنَّ الرِّضا بِالحَياةِ الدُّنْيا والِاقْتِناعَ بِأنَّها كافِيَةٌ يَصْرِفُ النَّظَرَ عَنْ أدِلَّةِ الحَياةِ الآخِرَةِ، وأهْلُ الهُدى يَرَوْنَ الحَياةَ الدُّنْيا حَياةً ناقِصَةً فَيَشْعُرُونَ بِتَطَلُّبِ حَياةٍ تَكُونُ أصْفى مِن أكْدارِها فَلا يَلْبَثُونَ أنْ تَطْلُعَ لَهم أدِلَّةُ وُجُودِها، وناهِيكَ بِإخْبارِ الصّادِقِ بِها ونَصْبِ الأدِلَّةِ عَلى تَعَيُّنِ حُصُولِها، فَلِهَذا جُعِلَ الرِّضى بِالحَياةِ الدُّنْيا مَذَمَّةً ومُلْقِيًا في مَهْواةِ الخُسْرانِ.

وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ البَهْجَةَ بِالحَياةِ الدُّنْيا والرِّضى بِها يَكُونُ مِقْدارُ التَّوَغُّلِ فِيهِما بِمِقْدارِ ما يَصْرِفُ عَنِ الِاسْتِعْدادِ إلى الحَياةِ الآخِرَةِ. ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضٍ الإعْراضَ عَنِ الحَياةِ الدُّنْيا فَإنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلى عِبادِهِ بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ فِيها وجَبَ الِاعْتِرافُ بِفَضْلِهِ بِها وشُكْرِهِ عَلَيْها والتَّعَرُّفِ بِها إلى مَراتِبَ أعْلى هي مَراتِبُ حَياةٍ أُخْرى والتَّزَوُّدِ لَها. وفي ذَلِكَ مَقاماتٌ ودَرَجاتٌ بِمِقْدارِ ما تَهَيَّأتْ لَهُ النُّفُوسُ العالِيَةُ مِن لَذّاتِ الكَمالاتِ الرُّوحِيَّةِ، وأعْلاها مَقامُ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «فَقُلْتُ ما لِي ولِلدُّنْيا» .

والِاطْمِئْنانُ: السُّكُونُ يَكُونُ في الجَسَدِ وفي النَّفْسِ وهو الأكْثَرُ، قالَ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَصْرِيفُ هَذا الفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. …

9

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمْ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - their Lord will guide them because of their faith. Beneath them rivers will flow in the Gardens of Pleasure

صفحة ١٠١

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾

جاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِتَكُونَ أحْوالُ المُؤْمِنِينَ مُسْتَقِلَّةً بِالذِّكْرِ غَيْرَ تابِعَةٍ في اللَّفْظِ لِأحْوالِ الكافِرِينَ، وهَذا مِن طُرُقِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ. ومُناسَبَةُ ذِكْرِها مُقابَلَةُ أحْوالِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِلِقاءِ اللَّهِ بِأضْدادِها تَنْوِيهًا بِأهْلِها وإغاظَةً لِلْكافِرِينَ.

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ هُنا دُونَ اللّامِ لِلْإيماءِ بِالمَوْصُولِ إلى عِلَّةِ بِناءِ الخَبَرِ وهي أنَّ إيمانَهم وعَمَلَهم هو سَبَبُ حُصُولِ مَضْمُونِ الخَبَرِ لَهم.

والهِدايَةُ: الإرْشادُ عَلى المَقْصِدِ النّافِعِ والدَّلالَةُ عَلَيْهِ. فَمَعْنى ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾ يُرْشِدُهم إلى ما فِيهِ خَيْرُهم. والمَقْصُودُ الإرْشادُ التَّكْوِينِيُّ، أيْ يَخْلُقُ في نُفُوسِهِمُ المَعْرِفَةَ بِالأعْمالِ النّافِعَةِ وتَسْهِيلَ الإكْثارِ مِنها. وأمّا الإرْشادُ الَّذِي هو الدَّلالَةُ بِالقَوْلِ والتَّعْلِيمِ فاللَّهُ يُخاطِبُ بِهِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.

والباءُ في (بِإيمانِهِمْ) لِلسَّبَبِيَّةِ، بِحَيْثُ إنَّ الإيمانَ يَكُونُ سَبَبًا في مَضْمُونِ الخَبَرِ وهو الهِدايَةُ فَتَكُونُ الباءُ لِتَأْكِيدِ السَّبَبِيَّةِ المُسْتَفادَةِ مِنَ التَّعْرِيفِ بِالمَوْصُولِيَّةِ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [يونس: ٧] إلى ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] في تَكْوِينِ هِدايَتِهِمْ إلى الخَيْراتِ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى، بِأنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْإيمانِ نُورًا يُوضَعُ في عَقْلِ المُؤْمِنِ ولِذَلِكَ النُّورِ أشِعَّةٌ نُورانِيَّةٌ تَتَّصِلُ بَيْنَ نَفْسِ المُؤْمِنِ وبَيْنَ عَوالِمِ القُدْسِ فَتَكُونُ سَبَبًا مِغْناطِيسِيًّا لِانْفِعالِ النَّفْسِ بِالتَّوَجُّهِ إلى الخَيْرِ والكَمالِ لا يَزالُ يَزْدادُ يَوْمًا فَيَوْمًا، ولِذَلِكَ يَقْتَرِبُ مِنَ الإدْراكِ الصَّحِيحِ المَحْفُوظِ مِنَ الضَّلالِ بِمِقْدارِ مَراتِبِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. وفي الحَدِيثِ: «قَدْ يَكُونُ في الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ فَإنْ يَكُ في أُمَّتِي أحَدٌ فَعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ» . قالَ ابْنُ وهْبٍ: تَفْسِيرُ (مُحَدَّثُونَ) مُلْهَمُونَ

صفحة ١٠٢

الصَّوابَ، وفي الحَدِيثِ: «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» . ولِأجْلِ هَذا النُّورِ كانَ أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ أكْمَلَ النّاسِ إيمانًا لِأنَّهم لَمّا تَلَقَّوُا الإيمانَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ كانَتْ أنْوارُهُ السّارِيَةُ في نُفُوسِهِمْ أقْوى وأوْسَعَ.

وفِي العُدُولِ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ العَلَمِ إلى وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ (الَّذِينَ آمَنُوا) تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ وشَأْنِ هِدايَتِهِمْ بِأنَّها جَعْلُ مَوْلًى لِأوْلِيائِهِ فَشَأْنُها أنْ تَكُونَ عَطِيَّةً كامِلَةً مَشُوبَةً بِرَحْمَةٍ وكَرامَةٍ.

والإتْيانُ بِالمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذِهِ الهِدايَةَ لا تَزالُ مُتَكَرِّرَةً مُتَجَدِّدَةً.

وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ ذِكْرُ تَهَيُّؤِ نُفُوسِهِمْ في الدُّنْيا لِعُرُوجِ مَراتِبِ الكَمالِ.

وجُمْلَةُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِذِكْرِ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ في الآخِرَةِ بِسَبَبِ هِدايَتِهِمُ الحاصِلَةِ لَهم في الدُّنْيا. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ (تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ) …

10

دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌۭ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Their call therein will be, "Exalted are You, O Allah," and their greeting therein will be, "Peace." And the last of their call will be, "Praise to Allah, Lord of the worlds!"

صفحة ١٠١

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾

جاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِتَكُونَ أحْوالُ المُؤْمِنِينَ مُسْتَقِلَّةً بِالذِّكْرِ غَيْرَ تابِعَةٍ في اللَّفْظِ لِأحْوالِ الكافِرِينَ، وهَذا مِن طُرُقِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ. ومُناسَبَةُ ذِكْرِها مُقابَلَةُ أحْوالِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِلِقاءِ اللَّهِ بِأضْدادِها تَنْوِيهًا بِأهْلِها وإغاظَةً لِلْكافِرِينَ.

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ هُنا دُونَ اللّامِ لِلْإيماءِ بِالمَوْصُولِ إلى عِلَّةِ بِناءِ الخَبَرِ وهي أنَّ إيمانَهم وعَمَلَهم هو سَبَبُ حُصُولِ مَضْمُونِ الخَبَرِ لَهم.

والهِدايَةُ: الإرْشادُ عَلى المَقْصِدِ النّافِعِ والدَّلالَةُ عَلَيْهِ. فَمَعْنى ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾ يُرْشِدُهم إلى ما فِيهِ خَيْرُهم. والمَقْصُودُ الإرْشادُ التَّكْوِينِيُّ، أيْ يَخْلُقُ في نُفُوسِهِمُ المَعْرِفَةَ بِالأعْمالِ النّافِعَةِ وتَسْهِيلَ الإكْثارِ مِنها. وأمّا الإرْشادُ الَّذِي هو الدَّلالَةُ بِالقَوْلِ والتَّعْلِيمِ فاللَّهُ يُخاطِبُ بِهِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.

والباءُ في (بِإيمانِهِمْ) لِلسَّبَبِيَّةِ، بِحَيْثُ إنَّ الإيمانَ يَكُونُ سَبَبًا في مَضْمُونِ الخَبَرِ وهو الهِدايَةُ فَتَكُونُ الباءُ لِتَأْكِيدِ السَّبَبِيَّةِ المُسْتَفادَةِ مِنَ التَّعْرِيفِ بِالمَوْصُولِيَّةِ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [يونس: ٧] إلى ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] في تَكْوِينِ هِدايَتِهِمْ إلى الخَيْراتِ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى، بِأنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْإيمانِ نُورًا يُوضَعُ في عَقْلِ المُؤْمِنِ ولِذَلِكَ النُّورِ أشِعَّةٌ نُورانِيَّةٌ تَتَّصِلُ بَيْنَ نَفْسِ المُؤْمِنِ وبَيْنَ عَوالِمِ القُدْسِ فَتَكُونُ سَبَبًا مِغْناطِيسِيًّا لِانْفِعالِ النَّفْسِ بِالتَّوَجُّهِ إلى الخَيْرِ والكَمالِ لا يَزالُ يَزْدادُ يَوْمًا فَيَوْمًا، ولِذَلِكَ يَقْتَرِبُ مِنَ الإدْراكِ الصَّحِيحِ المَحْفُوظِ مِنَ الضَّلالِ بِمِقْدارِ مَراتِبِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. وفي الحَدِيثِ: «قَدْ يَكُونُ في الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ فَإنْ يَكُ في أُمَّتِي أحَدٌ فَعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ» . قالَ ابْنُ وهْبٍ: تَفْسِيرُ (مُحَدَّثُونَ) مُلْهَمُونَ

صفحة ١٠٢

الصَّوابَ، وفي الحَدِيثِ: «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» . ولِأجْلِ هَذا النُّورِ كانَ أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ أكْمَلَ النّاسِ إيمانًا لِأنَّهم لَمّا تَلَقَّوُا الإيمانَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ كانَتْ أنْوارُهُ السّارِيَةُ في نُفُوسِهِمْ أقْوى وأوْسَعَ.

وفِي العُدُولِ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ العَلَمِ إلى وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ (الَّذِينَ آمَنُوا) تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ وشَأْنِ هِدايَتِهِمْ بِأنَّها جَعْلُ مَوْلًى لِأوْلِيائِهِ فَشَأْنُها أنْ تَكُونَ عَطِيَّةً كامِلَةً مَشُوبَةً بِرَحْمَةٍ وكَرامَةٍ.

والإتْيانُ بِالمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذِهِ الهِدايَةَ لا تَزالُ مُتَكَرِّرَةً مُتَجَدِّدَةً.

وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ ذِكْرُ تَهَيُّؤِ نُفُوسِهِمْ في الدُّنْيا لِعُرُوجِ مَراتِبِ الكَمالِ.

وجُمْلَةُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِذِكْرِ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ في الآخِرَةِ بِسَبَبِ هِدايَتِهِمُ الحاصِلَةِ لَهم في الدُّنْيا. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ (تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ) …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.